تسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أمين. أما بعد:

فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. ما زال الحديث أيها الأحبة عن هذه العبادات القلبية العظيمة، وقد تحدثنا في حلقتين سابقتين عن عبادة عظيمة جليلة تعلق القلب بالله، وتجعل هذا القلب يخضع لربه ومولاه، والمقصود بذلك عبادة التفكر. وفي هذه الحلقة سنواصل بقية الحديث الذي يتعلق بهذه العبادة، وهي عبادة التفكر، ونصل إلى ختام الحديث عن هذه العبادة.

الثمرة التي يجنيها الإنسان إذا تحققت فيه هذه العبادة، أو طبق هذه العبادة في حياته، الثمرة العظيمة؛ والإنسان دائماً يبحث عن الثمرة والنتيجة عندما يعمل، هو يريد الثمرة، كما أن الإنسان عندما يعبد الله عز وجل هو يريد أعظم ثمرة وهو الحصول على جنة الخلد. فالإنسان عندما يعبد الله عز وجل في هذه الدنيا هو يريد أن يصل إلى مرضاة الله الذي يوصل إلى جنته عز في علاه.

فالتفكر له ثمرات عظيمة في حياة الإنسان، من أعظم هذه الثمرات هي زيادة الإيمان. ولا شك أن من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص؛ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. فالإنسان إذا عمل الطاعة فان الله عز وجل يوفقه ويزيد في إيمانه، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْزَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: 17]. زادهم هدى؛ يعني الإنسان إذا اقترب من الله عز وجل وعمل بالطاعات وأقبل على الله، فإن الله يزيده من خيره ومباركته ومن فضله ومنه وعطائه.

وكذلك هذه العبادة عبادة التفكر، هي تجعل الإنسان يقبل على الله بقلبه، ويتفكر ببصيرته وعقله، ويقدم النظر في مخلوقات الله عز في علاه؛ يعرف نعم الله، يعرف فضل الله، يعرف فقره إلى الله وحاجته ومسكنته إلى الله. فهذا مما يزيد الإيمان في القلب، ويجعل الإنسان ينكسر بين يدي الله، ويبتعد عن أسوأ وأقبح صفة تكون في العبد، وهي صفة الكبر. صفة الكبر إذا عرف أنه مخلوق ضعيف محتاج إلى الله عز في علاه، فإن هذا الكبر يخرج من القلب، بل يخضع ويذل ويتواضع لله عز في علاه.

إذا عرف نعم الله وقلب النظر في مخلوقات الله وعرف أنه لا يشكل شيئاً في هذه المخلوقات العظيمة من مخلوقات الله، لا يشكل شيئاً، هو نقطة في هذا البحر العظيم من مخلوقات الله عز في علاه. فهذا أيها الأحبة؛ يعني الإنسان إذا علق قلبه بالله وبدأ يقلب النظر دائماً، التفكر في نعم الله، عندما يأكل، عندما يشرب، عندما يمشي، عندما يسمع، عندما يتكلم، يكون بين أولاده في بيته، عندما ينظر في حاله وينظر إلى حال غيره الذي هو أقل منه.

دائماً الإنسان إذا تفكر في مثل هذه الأمور، فهو يعرف نعمة الله عز وجل عليه، خصوصاً إذا نظر الإنسان في نفسه؛ والله هذه من أعظم النعم، وهي التي تحيي القلب دائماً، دائماً؛ يعني عندما يرى الإنسان الأعمى يتذكر نعمة الله عز وجل عليه بالبصر، عندما يرى الأصم والأبكم يتذكر نعمة الله عليه، عندما يرى المشلول يتذكر نعمة الله عز وجل عليه، عندما يرى المريض الذي هو على سرير المرض يتذكر نعمة الله عز وجل عليه، نعم لا تعد ولا تحصى. هذا يعني يعين الإنسان على أن يشكر الله عز وجل على هذه النعمة.

وأيضاً يعني تجعل القلب دائماً متعلقاً بالله، تجعل القلب حياً، فيه الذل والخضوع والانكسار لله عز في علاه. وهذه والله من أعظم النعم التي يرزقها الإنسان في هذه الدنيا، من أعظم النعم أنه دائماً يستشعر نعمة الله عليه في كل أحواله، وفي كل شؤونه، وفي كل أموره؛ لأننا نتقلب في نعم لا يعلمها إلا الله، إي والله نتقلب في نعم لا يعلمها إلا الله.

ولا يعرف قيمة النعمة إلا إذا فقدها، إذا فقد الإنسان نعمة من النعم عرف قيمتها، لكن مصيبة الإنسان أنه يغفل والشيطان يتسلط عليه وينسى هذه النعم، بل قد يذكره ما هو أعلى منها ليحتقر نعمة الله عليه ويزدري نعمة الله عليه؛ يقول: عندي يعني شيئاً من المال، وينظر إلى من هو أغنى منه فيزْدري نعمة الله عليه، يكون عنده شيء من الصحة فينظر إلى من هو يعني أقوى منه فيزْدري نعمة الله عليه. وهذا والله من المصائب العظيمة التي تحل بالانسان إذا تسلط الشيطان عليه في هذا الأمر.

ولهذا من التوجيه النبوي العظيم أن الإنسان في أمور الدنيا ينظر إلى ما هو أقل منه ولا ينظر إلى من هو أعلى منه؛ ينظر إلى من هو أدنى منه ولا ينظر إلى من هو أعلى منه، لماذا؟ حتى لا تزدري نعمة الله عليه، لأنه كلما نظرت في نعمة تجد من هو أعلى منك أو أقوى في كل النعم، حتى يعرف الإنسان نعمة الله عليه ينظر إلى من هو أقل منه، ينظر إلى من هو أقل منه حتى لا يَزْدري هذه النعمة.

فهذه مرتبة عظيمة جداً ينالها الإنسان في زيادة الإيمان وتعلق القلب بالله إذا عاش مع هذه العباده، عبادة التفكر، خصوصاً لو تفكر الإنسان في نفسه. والله لو قلب الإنسان نظره في هذه في هذا الجسد وما يحويه من مفاصل، من أعضاء، ما سخره الله عز وجل فيه من أمور لا يعلمها، نحن ندخل الطعام في أفواهنا ثم لا ندري ما يفعل به، الماء نشربه ثم لا ندري أين يذهب.

والإنسان لو حرم نعمة يسيرة من هذه النعم عرف قدرها، ولهذا يروى عن بعض السلف أنه كان في مجلس الخليفة، فأراد أن يعرض الخليفة بعض عمله، فكان مع الخليفة كاس ماء، فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيت لو منعت هذه الكأس ما استطاعت أن تجدها، فكم تدفع لتحصل عليها؟ ما يريد أن يشرب ماء في مكان منقطع، قال: أفع نصف ملكي لأحصل على هذا الماء.

والحاصل؛ الإنسان لو كان في مهلكة يدفع ما عنده ليحصل على شربة ماء. فقال: لو شربت هذا الماء واحتبس في داخلك يعني لم يخرج من جسدك مع البول أكرمكم الله، لو احتبس في داخلك كم تدفع بخروجه؟ قال: أدفع النصف الآخر. قال: ملكك لا يساوي شربة ماء في دخولها وخروجها هل يغني عنك شيئاً؟ فكانت والله موعظة عظيمة للتفكر في نعمة بسيطة جداً من نعم الله عز وجل على العبد في هذه الدنيا. نواصل إن شاء الله بقية هذه الثمرات بعد الفاصل.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

فنواصل الحديث أيها الأحبة عن ثمرات التفكر التي يجنيها الإنسان في هذه الدنيا، إذا قلب النظر في آيات الله وفي مخلوقات الله وفي نفسه قبل ذلك، فانه يصل إلى مراتب عظيمة من مراتب الإيمان، يلتقي بها في دنياه وفي آخرته إذا وفق الله عز وجل العبد لذلك.

ذكرنا قبل الفاصل أن من أعظم ثمرات التفكر زيادة الإيمان، أن الإنسان عندما يتفكر في هذه النعم العظيمة فإن القلب يخضع ويذل وينكسر بين يدي الله عز وجل ويكون دافعاً له إلى الطاعة والى العبادة.

أيضاً من الثمرات العظيمة التي يجنيها الإنسان من إعمال الفكر دائماً في عظمه خلق الله عز وجل، وفي أسماء الله عز وجل وصفاته، وفي عواقب ما يفعله في هذه الدنيا، أو يرى ويسمع ويقرا في عاقبة العمل الذي أمره الله عز وجل به، فإن هذا يجعل الإنسان يجتهد في الطاعة، يجتهد في العبادة، ينافس، يسارع، سابق، ينافس فيها، ويكون دائماً من المسارعين في الطاعات وفي العبادات بسبب معرفته لنتيجة هذا العمل الصالح.

إذا عرف الإنسان مثلاً في عبادة يسيرة؛ مثلاً عندما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في صوم عاشوراء الذي كان قبل أيام أنه يكفر سنة كاملة من الذنوب، هذا أمر عظيم، هذا يكون دافعاً للانسان، ويتفكر الإنسان فيما عمله في السنة الماضية، هل يستطيع أن يتفكر في ذنوبه ومعاصيه وما عمله وما فرط في أيامه ولياليه الماضية؟ عندما يستشعر هذا الأمر يعرف أن هذه نعمة ومنحة وعطية وهبة من الله عز وجل للعبد لينال الخير والبركة وتكفر عنه هذه السيئات.

وغير ذلك من التفكر في عواقب كثير من الأمور؛ يعني عندما يتفكر الإنسان في عاقبة قيام الليل، المحافظة على قيام الليل، في عاقبة المحافظة على السنن الرواتب، يبنى له الله عز وجل بيتاً في الجنة، في عاقبة المحافظة على أذكار الصباح والمساء، على عاقبة المحافظة على صلاة الضحى، قراءة القرآن بكل حرف حسنة، إلى سبعمائة ضعف. عندما يتفكر الإنسان في هذه الاجور العظيمة التي رتبها الله عز وجل على هذه الأعمال، تجعل الإنسان يقبل ويقدم ويسارع وينافس ويسابق في هذه الخيرات.

وهذا ما ذكره الله عز وجل في كتابه الكريم في قوله: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: 26]. هذا هو التنافس الحقيقي والمسارعة في أن يكون الإنسان دائماً متقدماً في هذه الأمور.

لا شك أن هذا يعني يجعل الإنسان دائماً في خير وفي نور وفي بركة في حياته، دائماً متعلقاً بالله، قريب من الله عز وجل بكثرة الطاعات وكثره العبادات التي هي توصله، هذه الإنسان إذا التزم بها واستقام عليها وأكثر منها توصله أن يكون إلى أن يكون ولياً من أولياء الله، كما قال الله عز وجل في الحديث القدسي: «وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه».

نعم عظيم يتقلب فيها الإنسان إذا أقبل على هذه الطاعات بالتفكر والتدبر فيما فيها من أجر وثواب من الله عز في علاه. ولهذا يقول وهب بن منبه رحمه الله في كلمة جميلة عليها نور النبوة يقول: ما تفكر امرئ قط إلا فهم، وما فهم امرئ قط إلا علم، وما علم امرئ قط إلا عمل.

وهذا والله كلام عليه نور النبوة وفيه هذا الترتيب العقلي المنطقي؛ ما تفكر امرئ قط إلا فهم، وما فهم امرئ قط إلا علم، وما علم امرئ قط إلا عمل. يعني النتيجة في النهاية أنه يعمل ويبادر ويسارع في الخيرات، يتفكر فيما عند الله عز وجل من الخير من البركة، ثم يفهم ويعقل هذا بقلبه وعقله، ثم بعد ذلك هذا الفهم ينتج عنه العلم الذي يستفيد به من معرفة هذه الفضائل، ثم بعد ذلك تاتي الثمره الكبيرة أنه يعمل ويطبق.

وهذا والله هو الأمر الذي يفعله الموفق في هذه الدنيا؛ الموفق في هذه الدنيا ليست القضية مجرد الإنسان يعلم، لابد أن يطبق ويعمل، هذا المطلوب من الإنسان، هذا هو المطلوب من الإنسان بعد أن يصل إلى هذا بالفكرة والفهم والعلم، ثم يأتي العمل، ثم يأتي العمل الذي يكون على بصيرة أيضاً، يكون على نور وموافقاً للشرع، بعد أن يعلم حقيقة هذا الأمر ويعلم السنة فيه، لأن العمل لا يكون مقبولاً عند الله عز وجل إلا إذا تحقق فيه شرطان؛ الشرط الأول: الإخلاص، والشرط الثاني: المتابعة.

الإخلاص لله بأن يكون هذا العمل خالصاً لله، والمتابعة أن يكون موافقاً لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا لا ينتج، لا يصل إليه الإنسان إلا بالتفكر والفهم والعلم، ثم بعد ذلك يأتي العمل، ثم بعد ذلك يأتي العمل.

يعني هذا الأمر أمر عظيم وجليل وكبير، يوصل الإنسان إلى هذه الثمرة العظيمة التي يجنيها الإنسان في هذه الدنيا من الأعمال الصالحة التي تنفعه وترفعه عند ربه وتثقل موازينه يوم القيامة، من خلال هذا التدبر وهذا التفكر في هذه الأعمال وعاقبة من يقوم بهذا العمل، ما هي العاقبة؟ وكذلك أيضاً عاقبة الذنوب والمعاصي، عاقبة الذنوب والمعاصي يعرف الإنسان أنه إذا عمل هذا العمل ما هي العاقبة؟ يتفكر.

الربا يعرف الإنسان حتى لو زاد ماله في نظره أنه زاد المال، لكن هناك تفكر الإنسان فيما يحصل له من عقوبة إلهية. أولاً: أن هذا الأمر حرب على الله ورسوله، الأمر الثاني: أنه تمحق البركة؛ بقدر ما يحصل الإنسان من أرباح بقدر ما يفتح الله عز وجل عليه من باب المصائب، قد يأتي مال كثير لكن هذا الابن يمرض، هذه السيارة تتعطل، يعني تفتح له أبواب من المصائب التي تأكل هذا المال، وهذا هو المحق الذي ذكره الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 276].

مثل ذلك في غيره من الذنوب التي قد يشتري الإنسان فيها وهو يظن في البداية أن فيها نفعاً أو أن فيها فائدة ومتعة وغير ذلك، لكن ينظر في العاقبة. فهذه الذنوب والمعاصي قد تكون أحياناً لذة ساعة ثم تبقى حسرة وندامه على الإنسان طوال عمره، يندم على فعل هذه المعاصي وهذه الذنوب بعد أن يقع فيها وأن يجترئ عليها. فالالتفات في هذا الأمر يجعل الإنسان يرتدع عن كثير من الذنوب والمعاصي التي قد تسول له الشيطان وتأمره، وهذه النفس الأمارة بالسوء في فعلها. نقف عند هذا الحد ونواصل إن شاء الله بعد الفاصل.

هل كان أجدادنا يتخيلون أن يرسلوا رسالة من المشرق إلى المغرب في لمح البصر؟ هل كان أسلافنا يتصورون أن يلتقوا بالعلماء في أقصى الأرض دون أن يرحلوا إليهم؟ إنها التقنية الحديثة. لاستخدامها في طلب العلم ميزات منها: سرعة ويسر الوصول إلى المعلومة، وضخامة المعلومات وتنوعها، والتواصل مع العلماء حيثما كانوا. ومن ميزاتها الكبيرة: تيسير طلب العلم على المعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة.

فلا غنى لطالب العلم عن الحاسوب بما عليه من مكتبات ضخمة، حيث يمكنه البحث في ألوف الكتب في ثوان معدودة، لكن عليه الحذر من التصحيف والتحريف. ولا غنى له عن استخدام الإنترنت في أبحاثه، لكن عليه أن يوثق المعلومات من المصادر المتخصصة ولا يكتفي بالمنتديات ونحوها. والتعليم عن بعد من خلال الإنترنت يسر طلب العلم للمسؤولين بالوظائف والأعمال الخاصة. والأجهزة اللوحية بتطبيقاتها وبرامجها سهلة التعلم؛ حيث إنها في كف طالب العلم حيثما حل وارتحل. وكذلك الفضائيات، لاسيما العلمية المتخصصة، سهلت طلب العلم في البيوت، فهي من أنسب الوسائل التعليمية للنساء. هل تستفيد ميزات التقنية وتحذر من شرها؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتق الشر يوقه».

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه اجمعين، أما بعد:

فنواصل ايها الاحبه الحديث عن هذه العبادة العظيمة والثمرات التي تنتج عنها، ألا وهي عبادة التفكر. ذكرنا قبل الفاصل أن من اعظم الثمرات التي يجنيها الإنسان إذا عاش مع هذه العبادة وقلب النظر في نفسه، وفي خلقه، وفي آلاء الله عز وجل ونعمه، وفي مخلوقات الله العظيمة، أن هذا ينتج عنه زيادة الإيمان. وأيضاً إذا عرف الإنسان ما عند الله عز وجل من الثواب والعقاب؛ من الثواب لأهل الطاعة ومن العقاب لأهل المعصية، فإن هذا يجعل الإنسان في حال الثواب أنه يقدم ويقبل ويسارع وينافس في الطاعة، وفي حال معرفته العقاب فانه يرتدع، يخاف من التجرؤ على محارم الله عز في علاه.

أيضاً من الثمرات العظيمة التي يجنيها الإنسان إذا قلب النظر في هذه العبادة العظيمة وعاش معها بنور البصر والبصيره، فانه يعرف نفسه، ويعرف حقيقة نفسه، ويعرف حاله، ويعرف ما هو مكانه من طاعة الله ومن عبادة الله، ويعرف هل هو قريب من الله أم بعيد عن الله عز وجل. عندما يراجع الإنسان نفسه ويتفكر في حاله وفي أعماله وفي مواقفه وفي تصرفاته، وهذا نوع من أنواع المحاسبة؛ التفكر هو نوع من أنواع المحاسبة، يحasib الإنسان نفسه، ولقد قال عمر رضي الله عنه: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا. عندما يجلس الإنسان في نهاية اليوم ويتفكر فيما عمله طوال يومه، ويتدبر في هذا الأمر أو ما عمله في الموقف الفلاني وفي المجلس الفلاني؛ عندما يتفكر الإنسان ويراجع نفسه هذا ينتج عنه ثمره عظيمة، وهي أن يصحح الإنسان الكثير من أخطائه ومن تصرفاته إذا رزقه الله عز وجل الفهم والفقه والبصيره. إذا عرف الإنسان هذه الأخطاء، وأنه زلل في هذا المكان وتجاوز في هذه الكلمه، يبدأ الإنسان يحasib نفسه ويلوم ويعاتب نفسه، وهذا إذا وصل إليه الإنسان هي درجه من درجات الإيمان؛ الله عز وجل أقسم في كتابه الكريم بالنفس اللوامة: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: 2]. هذه نفس المؤمن التي تلوم وتعوتب دائماً ليصل إلى درجات الكمال. الذي يرضى دائماً عن نفسه هذا والله في حال يرثى لها، دائماً وهو راض عن نفسه هذا والله خلل كبير، الإنسان دائماً يسعى إلى الكمال حتى ولو كان في طاعة وفي عبادة. انظر إلى حال نبينا وحبيبنا وقدوتنا وامامنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومع ذلك كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، فيقال له في ذلك فيقول عليه الصلاه والسلام: «أفلا أكون عبداً شكوراً».

فالانسان يريد أن يسعى دائماً إلى ما هو أحسن وإلى ما هو أفضل، وهذا لا يكون إلا بالنظر في حال الإنسان في تقصيره وفي الخلل الذي عنده، وهذا والله نوع من أنواع التفكر عظيم جداً؛ تذكر الإنسان في طاعته، في عبادته، في علاقته بربه، في علاقته بوالديه، في علاقته بإخوانه، في علاقته بجيرانه، دائماً الإنسان يتفكر وينظر هل هو على صواب أو على خطا، هل هو يسير في طريق صحيح أم هو جانب الصواب في أمور كثيرة. هذا التفكر له أثر عظيم جداً، ولهذا يقول بعض السلف: التفكر مرآة، التفكر مرآة تريك حسناتك وسيئاتك. أي والله، التفكر مرآة، كأنك تنظر في مرآة أمامك، التفكر مرآة تريك حسناتك وسيئاتك، لأنك عندما تتفكر أنت كأنك تستعرض شريطاً أمام عينيك ليومك كله، لليلتك، لموقفك في مجلس فلان أو في كلامك في موقف فلان، أنت كأنك تستعرض هذا الشريط أمام عينيك، فكأنه مرآة ترى فيها حسناتك وسيئاتك.

وما أعجب وما أعظم وما أجمل هذا الكلام الذي قال به الفضيل بن عياض رحمه الله، وهؤلاء العلماء نور الله بصائرهم، حتى الكلام الذي يخرج من أفواههم عليه نور النبوة، ولا شك أن هذا ناتج -والعلم عند الله عز وجل- من شدة تعلقهم بالله وحياتهم مع القرآن ومع السنة وفي العبادات الجليلة العظيمة، هذا ينتج عنه نور الحكمة التي تخرج من هذه الأفواه الطاهرة.

أيضاً مما يحصله الإنسان من ثمرات عظيمة في عشيه مع هذه العبادة، عبادة التفكر، أن الإنسان يسعى إلى ما ينفع؛ ليس فقط ما ينفع نفسه، وإنما ما ينفع أمته أيضاً، ينفع أمته، يريد الإنسان أن يبذل وأن يقدم شيئاً يبقى له بعد موته، ويسعى في هذا الأمر ويتفكر فيما في الأعمال التي تناسبه وتوافق إمكاناته وقدراته، ويسعى ليضع له بصمة في هذه الدنيا يخدم الدين من خلال عمل صالح يعمله ويقدمه، ويتفكر وينظر في قدراته وفي إمكاناته وما يستطيع أن يقدمه لهذا الدين. لا شك أن الإنسان إذا أشغل عقله بأن لابد أن أقدم شيئاً -يعني لا أكون كما يقولون الآن صفراً على الشمال- لابد أن أقدم شيئاً لديني، أقدم شيئاً لنفسي قبل ذلك، يبقى لي بعد موتي، فهذا والله من أعظم الفكر الذي يكون في عقل الإنسان، والذي يدفع الإنسان إلى عمل صالح ينفعه ويرفعه عند ربه.

وهذا الإنجاز الذي قد يحصل للإنسان وهذا العمل الصالح لا يكون إلا بإعمال الفكر، ولهذا يقول الشافعي رحمه الله: استعينوا على الكلام بالصمت، استعينوا على الكلام باخراجه حسناً بجودته بصلاحه السعيد عليه بالصمت، يعني تفكر قبل أن تتكلم، واستعينوا على الاستنباط بالفكرة، على الاستنباط يعني أن تبحث عن شيء ينفعك، ينفع دينك وأمتك، تستنبط هذا الأمر بالفكرة الرائقة التي يجلس الإنسان مع نفسه أو مع إخوانه ويتفكر فيها ليصل إلى هذا، ليصل إلى هذا الأمر. ولهذا يقول سفيان بن عيينة أو يقول أحد الشعراء وكان هذا البيت يتمثل به سفيان بن عيينة رحمه الله كثيراً يقول: إذا المرء كانت له فكرة ففي كل شيء له عبرة. يعني إذا كان الإنسان قرب الله ممكن شيء بسيط جداً يتفكر فيه يكون له عبرة وعظة؛ حتى الأمور اليسيرة كما ذكرنا قبل الفاصل في قصة الملك أو الخليفة الذي في كاس ماء هذا العالم الموفق يعني أعطاه موعظة بليغة جداً بكأس ماء، يدفع نصف ملكه بشربه، ويدفع النصف الآخر بإخراجه من جسده. وهذا يعني الإنسان قد يتفكر بأمور بسيطة جداً بسيطة جداً يتفكر فيها ليوفق ويسعد في هذه الدنيا.

وما أجمل قول الشاعر يقول: الشمس والقمر من آيات قدرته والبر والبحر فيض من عطاياه الطير سبحه والوحش مجده والموج كبره والحوت ناجاه والنمل تحت الصخور الصم قدسه والحوت يهتف حمداً في خلاياه والناس يعصونه جهرا فيسترهم والعبد ينسى وربي ليس ينساه

أي والله العبد ينسى وربي ليس ينساه. فالإنسان إذا تفكر في هذه المخلوقات وصل إلى هذه المرتبة والدرجة العالية العظيمة. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا ممن يتفكر في آلاء الله وفي مخلوقات الله لنصل إلى حب الله ونصل إلى تعلقنا بالله ونصل إلى الإخبات والذل والانكسار بين يدي الله عز وجل بهذه العبادة العظيمة. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم لي ولكم التوفيق والسداد، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.