تسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله أيها الأحبة في أكاديمية زاد، وفي مقرر أعمال القلوب. عمل اليوم الذي سنتكلم عنه إن شاء الله من أعمال القلوب هو عمل عظيم جليل جدا، يعيد الإنسان إلى الوضع الطبيعي في حياته، في تعامله مع ربه، عندما تجنح هذه النفس الأمارة بالسوء إلى التخليط أو التقصير، أو الاعتداء أحيانا، والاشتراء على بعض المحرمات.

وإنسان في يومه وليلته هو معرض لكثير من الأخطاء وكثير من الزلل، والأمور التي قد لا يرضى هو عن نفسه فيها، وذلك قد يكون في بعض أحواله أمرا طبيعيا؛ لأن الإنسان خلق ضعيفا، والشيطان متسلط عليه. والشيطان هو عدونا؛ إن الله عز وجل ذكر في كتابه الكريم أن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا، الشيطان هو عدونا فالله عز وجل أمرنا باتخاذه عدوا؛ لماذا؟ لأنه متسلط علينا الليل والنهار، ويريد أن يصرفنا عن طاعة الله، وعن عبادة الله، ويضعفنا ويتعامل معنا بهذه الخطوات التي ذكرها الله عز وجل وحذرنا منها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾؛ لأن الشيطان ينتقل بالانسان من مرحلة إلى مرحلة، إذا عجز عن شيء انتقل إلى الذي بعده؛ عجز عن الشرك انتقل إلى الكبائر، عجز عن الكبائر انتقل إلى الصغائر، عجز عنها انتقل إلى البدع والخرافات، عجز عنها انتقل إلى المباحات، ثم الانشغال بالمفضول عن الفاضل، وهكذا.

الشيطان لا يترك الإنسان، هو أقسم أمام ربنا أنه لن يتركنا: فبعزتك لأغوينهم أجمعين؛ فهو أقسم أمام الله عز وجل لا يترك أحدا من الخلق إلا من حفظه الله عز وجل وعصمه: إلا عبادك منهم المخلصين؛ فنسأل الله أن يجعلنا من المخلصين. وهو أيضا ياتينا من بين أيدينا ومن أيماننا وعن شمائلنا، ولا يريد منا أن يكون عابدين لله عز وجل في يومنا وفي ليلنا، هو متسلط علينا، ويحرص على أن يصرفنا عن طاعة الله عز في علاه.

ولهذا جاءت هذه العبادة العظيمة وهي عبادة المحاسبة، المحاسبة التي يحاسب فيها العبد نفسه؛ يحاسب فيها العبد نفسه، ينظر في أعماله، ينظر فيما قدم، ينظر فيما فعل في نهاره، في يومه، في ليله؛ ينظر ماذا فعل؟ هل كان موافقا للرحمن أو متبعا للشيطان؟ هل كان متبعا للرحمن أم متبعا في أعماله للشيطان؟ هل هو ممن أقبل على الله عز وجل في الطاعات والعبادات، أو هو ممن قصر وتسلط عليه الشيطان وأضفه حتى عن الفرائض فضلا عن النوافل؟

هنا يأتي الإنسان ويقف مع نفسه وينظر في حاله، ويعيد شريط يومه لينظر ماذا فعل؛ ما كان من طاعة فيحمد الله عز وجل ويسأل الله المزيد، وما كان من تقصير فيستغفر الله عز وجل من تقصيره، ويعزم على أن يكون في حال أفضل وأحسن، كما قال الله عز وجل عن المتقين -أسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201]، يعني في يومه، في ليله، في ساعاته مسه الطائف ووقع وأخطأ، وتخلف عن بعض العبادات أو تاخر أو قصر، إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا -يعني بعد ذلك عندما حاسب نفسه ورجع إلى نفسه تذكر- فإذا هم مبصرون؛ يعرف أنه أخطأ فيستغفر ويتوب -ومن تاب تاب الله عليه- ويعزم على عدم العودة، وينوي النية الصادقة بأن يجتهد في عبادته وفي طاعته، وأن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وأن يستعين بالله على الطاعة وعلى الععبادة، وأن يقبل على الله عز وجل بجد ونشاط.

لا شك أيها الأحبة أن المحاسبة لها شأن عظيم في حياة الإنسان، والموفق والمسدد هو الذي يتعامل مع نفسه بهذا الأمر في كل يوم وفي كل ليلة؛ يحاسب هذه النفس محاسبة الشريك لشريكه؛ محاسبة الشريك لشريكه، ينظر في تقصيره، ينظر في أعماله بينه وبين نفسه، فهي عبادة قلبية؛ عبادة قلبية يجلس فيها مع نفسه جلسة صادقة. وطبعا الإنسان إذا جلس مع نفسه لا يمكن أن يكذب هذه النفس، ولا يمكن أن يخادع هذه النفس، فهو واضح وبين في كل الأمور، عندما يستعرض شريط يومه لا يمكن أن يخدع نفسه، أو يضحك على نفسه، أو أن يخفي شيئا مما عمله، بل هو واضح.

ولهذا كانت هذه المحاسبة لها شأن عظيم في حياة المسلم، وهي ما كان يحرص عليه كثير من السلف؛ كانوا يحرصون على هذا الأمر مع أنهم من الأخيار الفضلاء المتقين المنيبين، كما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا. هنا الفاروق الشفيق بأمة محمد صلى الله عليه وسلم يامر الناس بهذا الأمر: حاسبوا أنفسكم، يعني راجعوا حساباتكم، راجعوا تعاملكم مع ربكم، راجعوا ما فعلتموه في الليل والنهار؛ فلتنظر نفس ما قدمت، ينظر هل هناك صواب فيجتهد في زيادته؟ هل هناك خطأ فيجتهد في تعديله واصلاحه؟ هذا هو التوفيق الذي يكون للعبد في هذه الدنيا، إذا تعامل مع الله عز وجل أو تعامل مع نفسه في هذه العبادة الجليلة وهي المحاسبة.

الله عز وجل ذكر في كتابه الكريم آية عظيمة أخذ منها العلماء واستنبط منها العلماء قضية المحاسبة، وجعلوها أصلا في محاسبه العبد لنفسه، وهو قول الله عز وجل في الآية العظيمة الجليلة التي يحفظونها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: 18]. هنا الله عز وجل ينادي أهل الإيمان، ودائما النداء إذا كان لاهل الإيمان فهو نداء عظيم، ويدل على أمر جليل، وفيه رفعة؛ لأنه نداء للخاصة، نداء للخاصة وهم أهل الإيمان الذين ترقوا من مرتبة الإسلام إلى مرتبة الإيمان: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله -يعني حققوا التقوى في قلوبكم بفعل الواجبات وترك المحرمات- اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد؛ ولتنظر نفس -لتحاسب نفسها، ليحاسب الإنسان نفسه، فلتنظر في أعمالها، تنظر فيما قدمت- ولتنظر نفس ما قدمت لغد، وهي من الأعمال التي يرجو النجاة بها يوم القيامة، من الأعمال الصالحة التي يرجو النجاة بها يوم القيامة: ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله. كرر الله عز وجل الأمر بتقواه بعد أن طلب من العبد أن ينظر في أعماله التي هي مما يبتغي الأجر بها عند الله عز في علاه.

توقفنا قبل الفاصل عند الآية العظيمة التي في سورة الحشر، وهي التي يقول الله عز وجل فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: 18]. هنا الله عز وجل يأمر بتقواه، ويأمر الإنسان أن ينظر في أعماله التي يريد أن يقدم فيها لنفسه يوم القيامة: ولتنظر نفس ما قدمت لغد. انظر هل هذا عمل صحيح؟ هل أنت مخلص فيه؟ هل هو موافق للسنة؟ ينظر الإنسان في أعماله هل هذا العمل يخالف ما أمر الله عز وجل به؟ هل أنا وقعت في خطأ، في زلل؟ هل ارتكبت محظورا؟ ولتنظر نفس ما قدمت لغد؛ لأن كل ما نعمله في هذه الدنيا سنراه في الغد، والغد هنا المقصود به يوم القيامة، والله عز وجل سماه ووصفه بوصف الغد. الغد غدا هو اليوم الذي يلي يومنا هذا، وسماه الله عز وجل بغد للدلالة على أنه قريب جدا؛ أن يوم القيامة هو -طبعا الغد هو المقصود به في هذه الآية يوم القيامة- فسماه الله عز وجل أو وصفه بأنه هو يوم غد؛ فكانه من قربه هو مثل اليوم الذي سياتي غدا، ليكون الإنسان على بينة أنه سيقابل الله عز وجل قريبا عندما تخرج الروح من الجسد ويدخل الإنسان في عرصات يوم القيامة، فانه سيسال عن كل أعماله، عن كل أعماله، فهو لابد أن ينظر فيها الآن، ينظر فيها الآن.

ولهذا يقول الشيخ السعدي رحمه الله في تفسيره -الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسيره العظيم الجليل تيسير الكريم الرحمن-: هذه الآية الكريمة أصل في محاسبة العبد نفسه. هذه الآية -طبعا الجزء من الآية: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: 18]- أصل في محاسبة العبد نفسه، استنبط منها أن هذا أن هذه المحاسبة لها أصل عظيم من كتاب الله عز وجل، وهو قول الله عز وجل: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحشر: 18]. كرر الله عز وجل الأمر بالتقوى: واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون.

وما أعظم تتمة الآية! والقرآن كله عظيم، لكن هذا من تدبر القرآن، يعني ارتباط الآيات ببعضها والتناسب الذي بين الآيات أيضا شيء عظيم وله دلالات عظيمة، قال الله عز وجل بعدها مباشرة: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: 19]. هنا الله عز وجل كانه ينبه أو يحذر العباد من أن ترك هذا الأمر وهو محاسبة النفس وترك التقوى، أن في ذلك نسيان للنفس، نسيان للنفس. فالله عز وجل يقول: ولا تكونوا كالذين نسوا الله -نسوا الله يعني نسوا حق الله، وتركوا أوامر الله، ولم يحاسبوا أنفسهم في تعاملهم مع الله، نسوا الله- فالنتيجة ماذا؟ والجزاء من جنس العمل، النتيجة: فانساهم أنفسهم.

كيف ينسى الإنسان نفسه؟ هل أيها الأحبة أحد منا ينسى نفسه؟ أي والله، أكثر الناس الآن إلا ما رحم ربي هو ناس لنفسه؛ هو ناس لنفسه لأنه يسعى فيما يضرها وفيما يكون وبالا عليها يوم القيامة. هذا ممي نفسه؛ الذي يقع في المعاصي والذنوب هو نسي نفسه؛ لأنه لم يسعى في نجاتها، الذي لم يبادر ويسابق وينافس ويسارع في الطاعات هو نسي نفسه؛ هو نسي نفسه ولم يقدم لنفسه، هذا هو النسيان الذي ذكره الله عز وجل في كتابه الكريم، وهذا هو البلاء العظيم الذي قد لا يشعر به كثير من الناس، يظن أنه يسعى لإصلاح نفسه ويسعى لخير نفسه، فيسعى في هذه الدنيا مع أنه يترك وينسى الأمر المهم وهو نفع هذه النفس ونجاتها يوم القيامة. هذه الدنيا زائله، كل ما نجنيه أو نحصله من متع في هذه الدنيا فهو متاع زائل؛ لا شك أن الإنسان يسعد نفسه ويسعى في خير نفسه، لكن هناك ما هو أعظم وأجل، وهو إسعادها في النعيم الباقي يوم القيامة، في النعيم الباقي هذا هو الفلاح، وهذا هو الفوز العظيم يوم القيامة: أن ينجو الإنسان بنفسه، وأن يسعى في خلاص نفسه في ذلك الموقف العظيم.

ولهذا هذه الآية العظيمة أيها الأحبة يحسن بالانسان أن يقف معها وأن يراجع نفسه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: 19]. والله عز وجل ذكر في آية أخرى قريبة من هذه الآية: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: 67] -أعوذ بالله- نسوا الله يعني نسوا حق الله، وأوامر الله، وما أمر الله عز وجل به، نسوا الله فنسيهم، بمعنى الله عز وجل تركهم؛ تركهم لأنفسهم. وإذا ترك الله عز وجل العبد لنفسه خاب وخسر؛ لماذا؟ لأن النفس أمارة بالسوء كما قال الله عز وجل: ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: 53]. فإذا تركنا الله عز وجل لأنفسنا والله تركنا للخسران والضيعة والبلاء العظيم؛ لأن هذه النفس ضعيفة، وهي نفس أمارة بالسوء، ويتسلط عليها الهوى والشبه والشهوات، كلها تتسلط عليها. لكن إذا كان الإنسان مع الله عز وجل حفظه الله عز وجل ووفقه، إذا لم ينسى حق الله عز وجل فلن ينساه الله، بل يسدده ويؤيده ويحفظه ويعينه.

فيخشى الإنسان أن يقع في هذه الآية: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ [الحشر: 19]. ووصفهم الله عز وجل بوصف عظيم شنيع في آخر الآية، قال: ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: 19]. يعني الذين وقعوا في الفسق وهو الخروج من الطاعة، والخروج من الطاعة والوقوع فيما حرم الله عز وجل. هذا بلاء ونتيجة لنسيانه لنفسه، يعني الإنسان الذي يتجرأ على معاصي الله عز وجل هو ظالم لنفسه؛ لأن هذه الجرأة ستكون وبالاً عليه يوم القيامة، في يوم عظيم جليل يقف العبد فيه بين يدي ربه ويكلمه كفاحاً ليس بينه وبين الله ترجمان.

فهذا الأمر أيها الأحبه يجب أن يعتني فيه الإنسان، أنه يراجع نفسه دائماً، يقف مع نفسه. بعض الناس الآن لا يريد أن يقف مع نفسه، يريد أن يشغل وقته، يعني إذا جلس لنفسه شعر بشيء من الضيق، هو لا يريد أن يقف مع نفسه، لا يريد أن يجلس مع نفسه، ولهذا تجد بعض الناس يريد أن يخرج، يريد أن يضيع هذا الوقت الذي قد يكون هو من أعظم أوقاته ومن أنفعها لنفسه؛ أن يقف الإنسان مع نفسه، يحاسب نفسه، يراجع أعماله، يراجع تصرفاته، يراجع أقواله. والله إن هذا من الخير العظيم للعبد.

قال هذه الكلمة: هل هذه الكلمة صحيحة؟ أرد على فلان: هل هذا الرد صحيح؟ تعاملي مع فلان: هل هو صحيح؟ تقصيري في العباة، تأخري عن الصلاة: هل هو فعل صحيح؟ فيبدا الإنسان يراجع نفسه لعل الله عز وجل أن يعينه، ولعله أيضاً أن يدخل في فضيلة عظيمة، وهي التي ذكر الله عز وجل أن تكون هذه النفس من النفوس اللوامة. وهي التي تلوم نفس الإنسان وتلوم أحواله وأعماله وأقواله، وتراجع ما يفعله، يعني دائماً تعاتب الإنسان. هذه النفس اللوامة التي ذكرها الله عز وجل في قوله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: 2]. هذه نفس أقسم بها الله عز وجل في كتابه الكريم، وهي النفس اللوامة.

والنفوس التي ذكرها الله عز وجل في القرآن، ذكر أهل التفسير أنها ثلاثة نفوس: نفس أمارة بالسوء وهي أقلها، ونفس لوامة وهي أرفع منها وأفضل، والنفس المطمئنة وهي أعلى وارفع وأجل، وهي ما سنتكلم عنه إن شاء الله بعد الفاصل.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه اجمعين، وبعد. فقد توقفنا قبل الفاصل عند ذكر النفوس الثلاثة التي استنبطها العلماء من كلام ربنا ومن آيات كتابه الكريم.

وهي النفس الأمارة بالسوء، وهذه مأخوذة من قول الله عز وجل: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: 53]. هذه النفس التي تدعو الإنسان وتدفعه إلى ما حرم الله عز وجل، وتضعفه عما ينفعه في عبادة ربه ومولاه. هذه النفس الأمارة بالسوء هي ضعيفة في جانب العبادة ومقبلة في جانب المعصية، عياذاً بالله من ذلك. نسأل الله عز وجل أن يحفظ نفوسنا من هذا الوصف، وهذا النوع الأول من أنواع النفوس وهي الأمارة بالسوء.

أعلى منها وأفضل: النفس اللوامة. والنفس اللوامة هي التي تلوم الإنسان دائماً وتعاقبه دائماً، يعني الإنسان دائماً صاحب النفس اللوامة يعاتب نفسه ويلوم نفسه على تقصيره وعلى خطئه وعلى إجرائه على ما حرم الله عز وجل وعلى تقصيره في العبادة. فهذه النفس اللوامة، يعني الإنسان في نزاع مع نفسه؛ يقبل على الطاعة ويضعف، ثم يرجع ويحاسب نفسه، فهو دائماً في صراع، هذه هي النفس اللوامة. وذكر بعض العلماء أن النفس اللوامة أرفع وأعلى وأجل من النفس المطمئنة -جعلها في المرتبة الأعلى- جعل النفس اللوامة يعني هي التي تدفع الإنسان وتلومه في تقصيره في العبادة تدفعه إلى المقدمة دائماً. وذكره الراغب الأصفهاني في كتابه المفردات في غريب القرآن، ذكر أن النفس اللوامة ذكر بعض العلماء أنها أرفع من النفس المطمئنة.

النفس الثالثة التي جاءت في كتاب ربنا وذكرها العلماء، وهي أعلى وأجل المراتب، وهي النفس المطمئنة. النفس التي رضيت عن الله ورضي الله عنها، النفس التي رضيت بالله رباً وبالاسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، النفس التي رضيت بقضاء الله وقدره، النفس التي تقبل على الطاعة وتجتنب المعصية، هذه هي النفس المطمئنة. والقلب المطمئن المنشرح لا شك أنه في أعظم وأجل المراتب، وهي التي أخذت من قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: 27-30].

فوصفها الله عز وجل بأنها مطمئنة، ثم وصف جزاءها يوم القيامة أنها تعود إلى ربها راضية مرضية، هي راضية عن الله والله عز وجل راض عنها. ثم قال الله عز وجل: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾، يعني ادخلي في عبادي الصالحين وادخلي جنتي، وهذا هو الجزاء الأعظم يوم القيامة، أن يكون صاحب هذه النفس من أهل الجنة وهي غاية منى الإنسان في هذه الدنيا.

فهذه النفوس الثلاثة: الإنسان يراجع نفسه، هل هو صاحب نفس أمارة بالسوء فيحاسب نفسه ويراجع نفسه ويعاتب نفسه؟ أو من أصحاب النفس اللوامة فيزداد من الخير ويزداد من النعيم في هذه الدنيا التي هو في طاعة الله عز وجل، وينتقل بها مع كثرة لومها وعتابها عن تقصيرها، ينتقل بها إلى الأعلى وهي النفس المطمئنة؟ فإذا كان صاحب نفس مطمئنة فهو على خير عظيم، فيحمد الله عز وجل ويشكره على هذه النعمه، أن يكون الإنسان نفسه دائماً مطمئنة بطاعة الله، منشرحة لعباده الله، مقبلة على ما يحبه الله. يشكر الإنسان ربه ويحمد الله عز وجل على هذه النعمة، ويطبق قول الله عز وجل: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]، ويكثر ولا يغتر بعبادته وبطاعته، وإنما يسأل الله عز وجل المزيد دوماً، ويسأل الثبات، يسأل الله عز وجل الثبات على دين الله، ويسأل الله دائماً أن يصلح قلبه وأن يجعل نفسه منشرحة طائعة مقبله على الله في كل أحوالها وفي كل شؤونها.

فهذه النفوس الثلاثة التي ذكرت في كتاب ربنا، يراجع الإنسان نفسه في تعامله مع الله عز وجل: هذه النفس من أي هذه النفوس الثلاثة؟ فهذا أمر عظيم أيها الأحبة، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عظيم جليل، وهو حديث شداد بن أوس رضي الله عنه وأرضاه، يقول نبينا وحبيبنا وإمامنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه في هذا الأمر في قضية المحاسبة وعتاب النفس ولومها في تقصيرها: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني».

الكيس يعني الفطن العاقل الذكي الذي يعرف ما ينفعه ويرفعه عند ربه، ويكون سبباً في نجاته. الكيس من دان نفسه، من حاسب نفسه. دان نفسه أي حاسبها، فيوم الدين يوم الحساب يوم الجزاء، فدان نفسه أي حاسبها في يومه وفي ليلته، يحاسب هذه النفس دائماً في تعامله مع ربه، في تعامله مع الناس، في عباداته الخاصة، وفي تعامله العام دائماً يحاسب نفسه. والكيس من دان نفسه أي حاسبها في الدنيا قبل الآخرة، حاسبها في الدنيا قبل الآخرة وعمل لما بعد الموت؛ لأن الإنسان يعرف أن هذه الدنيا زائلة، فالذي يحاسب نفسه ويرى تقصيره هو الذي يجتهد في الطاعة ويجتهد في العبادة.

يعني هذا اليوم الذي يمضي وما قدمت فيه لنفسي شيئاً ينفعني عند ربي، والله إن هذا اليوم خسارة ووبال على الإنسان، ولهذا يقول بعض السلف: ما ندمت على شيء ندمي على يوم غابت فيه شمسه ولم أزدد في طاعة ربي. يعني يندم على هذا اليوم الذي ذهب دون أن يفعل شيئاً ينفعه ويرفعه عند ربه. يعني هؤلاء الذين يحاسبون أنفسهم هم الذين يندمون، لكن تجد الإنسان في معاصي وفي ذنوب وينام وهو مرتاح البال، وهذه والله كارثه ومصيبة، يعني هذا من عَمى البصيرة وعدم التوفيق. وهذا والله من أشد البلاء الذي يكون في الإنسان، أن الله عز وجل يتركه وينساه ربنا عز في علاه في غيه وفي ضلاله، هذا والله من أعظم البلاء ومن أعظم الشقاء ومن أعظم العناء أن لا يشعر الإنسان بخطئه وزلله وأن يحاسب نفسه في يومه وليلته، لا شك أن هذا بلاء عظيم.

ولهذا سمى النبي صلى الله عليه وسلم صاحب المحاسبة هو الرجل الكيس العاقل الفطن الذكي الذي يعرف ما ينفعه، أما الإنسان الذي فيه الغباء وفيه الحمق وفيه عدم المعرفة وقله الفقه في الدين، فهو الذي يتجرأ على محارم الله ولا يراجع هذه النفس ويحاسبها حتى لا يقع في معاصي الله. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم وعمل لما بعد الموت، هذه الحياة زائلة، قد يموت الإنسان هذه اللحظة، قد يموت غدا بعد غد، والله لا ندري متى نموت، ولهذا يكثر الإنسان من الطاعات ليرى الإنسان ما ينفعه عند ربه.

هذه الدنيا هي حرث الآخرة، لابد أن نزداد من الحرث في هذه الدنيا لنحصد الخير العميم يوم القيامة ونكون من الفائزين، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: 185]. هذا هو الفوز العظيم، أن يزحزح الإنسان عن النار وأن يدخل الجنة هذا هو الفوز العظيم. وهذا لا يكون إلا بعمل الإنسان الذي يعمله في هذه الدنيا، وهذا العمل يحتاج إلى محاسبة دائماً، يرى هل هو على صواب، هل هو على خطى، هل هو على هدى؟ فدائماً دائماً يحاسب نفسه ليكون هذا العمل صالحاً مسدداً.

المحاسبة أيها الأحبة على نوعين: محاسبة قبل العمل، ومحاسبة بعد العمل. محاسبة قبل العمل: ينظر الإنسان هل هذا العمل أنا مخلص فيه لله عز وجل، هل هذا ينفعني، هل هذا يقربني من الله؟ محاسبة بعد العمل: ينظر الإنسان في أحواله بعد أن يفعل العمل، هل هذا العمل صحيح، هل هو موافق لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، هل هذا في الطاعات، هل هذا العمل أنا كنت مخلصاً فيه لله، هل أردت به وجه الله، هل اتبعت فيه هدي النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيبدأ الإنسان يحاسب نفسه، ويحاسب نفسه أيضاً على المعاصي والذنوب إذا قصر: لماذا فعلت هذا؟ خطأ، أستغفر الله منه وأرجع وأتوب إلى الله عز وجل وأعزم على عدم العودة إلى الذنب مرة أخرى. هذا لا ينتج إلا من المحاسبة، وما زال أيها الأحبة في المحاسبة ما يحتاج إلى تتمة نكملها إن شاء الله في الحلقة القادمة.

أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا ممن يحاسب نفسه، ومن أصحاب النفس اللوامة والنفس المطمئنة، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.