بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
وما زال الحديث أيها الأحبة عن عبادة عظيمة من العبادات القلبية، ألا وهي الخوف من الله عز وجل في علاه. تكلمنا في الحلقة السابقة عن أهمية هذه العبادة، ومفهوم هذه العبادة، ومعنى هذه العبادة. ونواصل إن شاء الله في هذه الحلقة الحديث أيضاً عما يتعلق بهذه العبادة، وما يجب على المؤمن في تعامله مع الله عز وجل حيال هذه العبادة القلبية العظيمة.
الخوف أيها الأحبة له أنواع؛ الإنسان قد يخاف من الله عز وجل، يخاف من الله يعني يستشعر عظمة الله، يستشعر جلال الله عز وجل، فيدخل الخوف في قلبه من الله، وهذه مرتبة عالية وعظيمة أن يستشعر الانسان دائماً عظمة الله، عظمة من يتعامل معه، عظمة من يعبد. فهذا ولا شك أن هذه منزلة عالية وعظيمة وجليلة، أن يستشعر الإنسان عندما يقرأ في صفات الله، في عظمة الله، في جلال الله عز في علاه، فإن هذا الأمر يجعل في قلبه من الخوف والتعظيم والاجلال والخشية ما يكون سبباً في نجاة في الدنيا وفي الآخرة.
أيضاً هناك أيها الأحبة من يخاف من العذاب، من يخاف من عذاب الله عز وجل؛ عندما يتذكر القبر وأهواله، وعندما يتذكر يوم القيامة وأحواله، وعندما يتذكر النار، وعندما يتذكر ما جزاء الكافرين وجزاء المذنبين عند ربنا عز في علاه، ويعلم أنه سيقف بين يدي الله عز وجل عن هذه الذنوب والمعاصي التي عملها في الدنيا، ويعلم علم اليقين أن الله عز وجل لا يخفى عليه خافية، وأن ما يفعله في هذه الدنيا سيراه عياناً يوم القيامة وسيققال له: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 14].
فالإنسان عندما يقدم على المعصية ويعلم أن هذه المعصية ستكون في ميزان سيئاته يوم القيامة، فانه بهذا الخوف وبهذا الوجل وبهذه المراقبة فإنه بإذن الله يكون معظماً لله وخائفاً من الله عز في علاه. ولهذا كان بعض الصحابة يقول عن حال الصحابة: إنهم كانوا يرون الذنوب أو يرون هذا الأمر كجبل فوق رؤوسهم يخشون من سقوطه عليهم، أما بقية الناس ممن ضعف الخوف من الله عز وجل في قلوبهم فمثل الذبابة التي وقعت على أنفه فقال بها هكذا. يعني ليس عنده مراقبة لله عز وجل، ليس عنده معرفة حقيقية بالله أن هذا الذنب سيعاقبه الله عز وجل عليه، قد يعاقبه في الدنيا وقد يؤجل العقوبة في الآخرة. فهنا مثل هذا قد يجرؤ على الذنوب وعلى المعاصي.
هناك خوف عظيم جداً، وهو خوف أهل الإيمان، أهل التقوى الذين يعملون الأعمال الصالحة ويتقربون إلى الله عز وجل بأنواع الطاعات والعبادات، ثم يخاف ألا يقبل ذلك منه. ليس الخوف القنوط من رحمة الله عز وجل واليأس من فضل الله وكرمه وجوده، ولكن لا يدري، قد يكون هذا الأمر لم تتحقق فيه الإاخلاص لله عز وجل كاملاً، لم يبتغ به وجه الله عز وجل كاملاً، فهو يخشى، ولو علم علم اليقين أن الله عز وجل تقبل منه هذا الأمر فهو على خير عظيم وما خاف.
ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27]. فهم يعملون الأعمال ويبادرون ويسارعون وفي نفس الوقت لا يأمن، لا يأمن من مكر الله ولا يضمن أن هذا العمل قبل، لكن هو يسعى ويجتهد ويأخذ بالأسباب ويبذل وينافس ويسابق ويسارع، ويبقى في قلبه شيء من الخوف أن هذا العمل قبل أم لم يقبل؟ فهذا دافع ووقود للزيادة من الأعمال الصالحة، فهو لا يدري ما هو العمل الذي يكون سبب نجاته يوم القيامة، فهو يضرب في أبواب الخير كلها ولا يدري أي العمل الذي يقبل عند الله.
وهؤلاء هم الذين وصفهم الله عز وجل بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: 60]. يعني ما يؤتون الأعمال الصالحة ويبذلونها ويسابقون فيها وينافسون ويسارعون من أعمال الطاعات والخير ما يرجون من الله عز وجل ثوابه، فهم يبذلون في أبواب الخير كلها، ولكن يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة خائفة أنهم إلى ربهم راجعون.
أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون، فهو مسارع منافس مسابق، لكن القلب خائف، القلب فيه من الوجل من الله عز وجل، والخوف من الله عز وجل أنه لا يدري هذا العمل يقبل ولا ما يقبل؟ فهو يسارع ويسابق ويبذل في أبواب الخير.
ولهذا لما سمعت عائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها وعن أبيها لما سمعت هذه الآية قالت: يا رسول الله، أهم الذين يزنون ويسرقون ويشربون الخمر؟ يعني هل الذين يؤتون ما آتوا هم أصحاب الفواحش أصحاب المنكرات يأتون ما آتوا ويفعلون هذه الأفعال وقلوبهم خائفة؟ فقال: «لا يا ابنة الصديق، هذا أمر آخر، هذا باب آخر». فصحح النبي صلى الله عليه وسلم هذا المفهموم لعائشة رضي الله عنها وأرضاها، قال: «لا يا ابنة الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويتصدقون ويحجون ويصلون»، هؤلاء هم الذين يفعلون هذا الشيء أو يكون في قلوبهم هذا الأمر، أنه يفعل العبادة من صلاة من صوم من صدقة من حج وهو يخاف ويكون في قلبه من الخشية أن هذا العمل لا يقبل، في قلبه الخوف، ولهذا هو يكثر من الطاعات، يكثر من الخيرات.
ولهذا قال الله عز وجل بعد: أولئك أصحاب هذا الفعل الذي يفعل هذه العبادة وفي قلبه الخوف من الله لا يدري تقبل أم لم تقبل؟ أولئك يسارعون في الخيرات. فهذا الخوف وهذا الوجل من الله عز وجل وهذه الخشية هي وقود ودافع للاستزادة من الطاعة، للاستزادة من العبادات، لأنه لا يدري ما هو العمل الذي قبل عند الله، لا يدري ما هو العمل الذي ينجيه عند الله، ما يدري ما هو العمل الذي يرفعه وينفعه عند ربه؟ فهو يسارع؛ أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون.
فهو يسارع ويبادر ويعمل ويجتهد وفي قلبه أيضاً الخوف من الله عز وجل أنه لا يقبل، ولهذا يكثر الإنسان بعد فعل الطاعة من دعاء الله عز وجل أن يرزقه القبول ويدعو الله عز وجل أن يتقبل منه هذا العمل. نحن حتى في اعظم العبادات وفي أجلها، الصلاة، عندما ننتهي من الصلاة أول ما يبدأ الذكر يقوله الإنسان بعد السلام والاستغفار؛ أن يستغفر الله عز وجل ثلاثاً، لأنه لا يدري مقدار تقصيره في هذه الصلاة ولا يدري أتقبل أم لم تقبل؟ أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا القبول والخشية. ونواصل إن شاء الله بعد الفاصل.
من اعظم الأخطار التي تهدد المجتمع وتجعل بناءه هشاً ضعيفاً؛ جهل المرأة بما تحتاج إليه من أمور دينها ودنياها وشؤون حياتها، فهي الساعد الآخر لبناء المجتمع. فالمرأة الجاهلة لا يمكنها القيام بتربية صحيحة أو إعانة لأبنائها على التعلم والرقي، بل ربما أنشأتهم على أفكار خاطئة أو معتقدات فاسدة؛ فبالجهل تتبرج المرأة فتفتن نفسها وغيرها، وبالجهل تضيع المرأة حق زوجها وتنفره من البيت فيتفرق شمل الأسرة، وبالجهل وقعت كثير من النساء في الخرافات والسحر والشعوذة. فالواجب على المرأة أن تحرص على طلب العلم، وألا يمنعها الحياء من ذلك، فإنه لا حياء في طلب العلم، كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد، ما زال الحديث أيها الأحبة في هذه العبادة الجليلة العظيمة، وهي الخوف من الله عز في علاه.
الخوف أيها الأحبة عبادة كما ذكرنا سابقاً مقصودة لذاتها، مقصودة لذاتها لأن فيها ثمرة عظيمة للعبد في دنياه وفي أخراه، ثمرات يجنيها الإنسان إذا تحقق هذا الخوف في قلبه؛ إذا تحقق هذا الخوف في قلبه فهي نعمة عظيمة، نعمة جليلة، نعمة كبيرة. فالله عز وجل ما أمرنا بها إلا لكونها فيها الخير والفلاح والفوز لنا في الدنيا وفي الآخرة، والله عز وجل لا يأمر إلا بخير.
عندما قال الله عز وجل: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي﴾ [آل عمران: 175]، فالله عز وجل أمرنا بالخوف منه، لماذا؟ لأن في هذا الخير لنا، لأن في هذا مكانتنا، لأن في هذا الفوز لنا في الدنيا وفي الآخرة. لماذا؟ لأن هذا الخوف ينتج عنه ثمرات عظيمة جداً، ينتج عن هذا الخوف ثمرات عظيمة؛ يعني الخوف ليس هو المقصود أن الإنسان ينقطع أو يضعف أو يقنط من رحمة الله أو ييأس من فضل الله، أبداً، هو هذا الخوف عمل قلبي ليكون له هذه الثمرة الجليلة العظيمة الكبيرة في حياة المسلم.
من أعظم الثمرات التي يجنيها الخائف من الله، الذي يخشى الله، الذي يخاف الله، الذي يوجل من الله عز وجل، من أعظم الثمرات التي يجنيها أنه يكون على علم وبصيرة بدينه، بعلاقته بربه، أن يكون على علم وبصيرة في عبادته لربه عز في علاه. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: 9]. لماذا؟ يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه؛ هو يسجد طوال الليل ويقوم ويقنت لله عز وجل ويفعل هذه الطاعات وهذه العبادات، ما الذي دفعه إلى هذا؟ هذا الذي دفعه هو الحذر من اليوم الآخر، الحذر من أهوال يوم القيامة. ولهذا قال الله عز وجل: يحذر الآخرة، هذا هو الخوف، الحذر هو من معاني الخوف، يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، أيضاً يطلب الفضل من الله ويرجو ما عند الله من الخيرات ومن البركات، يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه.
لكن انظر عبد الله، ماذا قال الله عز وجل مباشرة بعد هذا الأمر؟ قال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 9]. لماذا ربط الله عز وجل هذه المقارنة بين الذي يعلم والذي لا يعلم مع هذه العبادة وهذا الحذر وهذا الخوف؟ لماذا؟ لأن هذا نتيجة؛ نتيجة أن الإنسان يكون على علم وبصيرة بربه وبدينه وبما يعمله في دنياه، يكون على بصيرة وعلى علم، ولهذا الله عز وجل قال: لا يستويان؛ ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]. لا يستويان، الذي يخاف الله ويعظم الله ويخشى الله، هذا الذي رزقه الله عز وجل العلم والبصيرة والفهم بدين الله، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، يعلم ما ينفعه مما يضره، هذا يعني هذه نعمة كبيرة.
ولهذا قال الله عز وجل في آخر هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 9]، أصحاب العقول، أصحاب الفهوم النيرة البصيرة، هو الذي يعرف ما ينفعه مما يضره. فالذي يجترئ على ما حرم الله هو ظالم لنفسه، هو جاهل، هو جاهل بربه، جاهل بالعقاب الذي عند الله عز وجل، جاهل بما سيراه يوم القيامة عندما يققال له: اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً، هو جاهل بهذه الأمور وظالم لنفسه، ولهذا ليس هو من أصحاب العقل من أصحاب الفهم، لم يصل إلى هذه المرتبة.
ولهذا يقع الإنسان عندما يقع في الذنوب والمعاصي هو ظالم لنفسه؛ وفي المقابل الذي رزقه الله عز وجل العلم والعقل والفهم والادراك ومعرفة ما ينفعه مما يضره، هو الذي أيضاً ليس فقط يحتجب عن معاصي الله عز وجل، بل يسابق وينافس ويسارع في الخيرات، لأن عنده من العلم والبصيرة ما يدله على هذا الأمر. فهذه مرتبة عالية أيها الأحبة، عندما يصل الإنسان إليها، فإنه فعلاً يعبد الله على بصيرة.
ولهذا قال الله عز وجل: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]. لا يستويان والله، لا يستويان أبداً؛ فصاحب العلم، صاحب البصيرة، صاحب الفقه، صاحب العقل النير فإنه يسارع ويبادر ويحذر الله عز وجل ويخاف من عقابه ويعظم الله في قلبه، ليصل إلى مبتغاه، وأعظم مطلب في هذه الدنيا إلى جنة عرضها السماوات والأرض.
أيضاً من ثمرات الخوف أن الإنسان يبادر في الخيرات، يبادر في الطاعات، يبادر في الأعمال الصالحة ويسارع فيها وينافس ويسابق بعد أن يحذر مما حرم الله عز وجل، فهو أيضاً مقبل على الله، مقبل على الله عز وجل في كل أبواب الخير، يسارع وينافس فيها. ولهذا الله عز وجل ذكر عن أصحاب التقوى واصحاب الإيمان الخالص، قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: 57-60]. وهذه ذكرناها قبل قليل هذه الآية؛ الله عز وجل ذكر أن الذين هم من خشية ربهم مشفقون، تحققت الخشية في قلبه، ماذا قال الله عز وجل في آخر هذه الآيات؟ قال: ﴿أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: 61]. يسارعون في الخيرات، في أبواب الطاعات، في الإكثار من النوافل ومن ذكر الله وفي كل عمل يقربه من الله عز وجل. ما الذي دفعه إلى هذا؟ هو خشية ربه، هو الخوف من الله عز في علاه.
أيضاً من الثمرات العظيمة التي يجنيها الإنسان في هذه الدنيا وفي الآخرة إذا خاف الله عز وجل وخشي الله عز وجل وراقب الله عز وجل أنه يأمن يوم القيامة، وهذا والله من أعظم الثمرات.
طالب من أعظم المطالب، وكلنا نقرأ في كتاب الله عز وجل أهوال يوم القيامة وعظائم يوم القيامة. والله عز وجل سمى يوم القيامة أسماء عظيمة في كتابه تخويفاً لنا؛ القارعة، والغاشية، والصاخة، والطامة، كلها هذه تخويفاً للعباد. فالإنسان الذي يخاف الله عز وجل ويخشى الله، ويتحقق هذا الخوف في قلبه في الدنيا، فإن هذا يكون سبباً لأمنه يوم القيامة.
ولهذا يقول ربنا عز في علاه في الحديث القدسي: «وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين وأمنين». يقسم الله عز وجل بعزته وجلاله وعظمته أنه لا يجمع على عبده خوفين ولا أمنين، فإذا يقول الله عز وجل: إذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة، وإذا أمنني في الدنيا خوفته يوم القيامة. فبقدر ما يكون في قلب العبد من خوف لله عز وجل في هذه الدنيا بقدر ما يحصل الأمن يوم القيامة، وبقدر ما يكون الأمن من مكر الله وعدم الخوف من الله عز وجل في قلب العبد في هذه الدنيا، فهل هذا يكون سبباً في خوفه يوم القيامة؟ لماذا؟ لأنه يقدم على الله عز وجل بذنوب وبمعاصي وبأخطاء وبتقصير وبمنكرات وفواحش، لأنه أمن من مكر الله، أمن من عقاب الله عز وجل.
لكن الذي تحقق في قلبه الخوف من الله عز وجل فإنه يبتعد عن هذا، فهو يسعد يوم القيامة بكتابه، وعندما يأخذه بيمينه ويكون من الفرحين ويقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: 19-20]. فهذا الذي نجاه يوم القيامة هو خوفه من الله عز وجل، وبعده عن الفواحش والمنكرات وعما يغضب الله عز وجل، فخاف الله عز وجل في الدنيا فأمن يوم القيامة.
وهذه مرتبة عالية أيها الأحبة، يسعى الانسان ويحرص على أن يصل إليها؛ أن يكون هذا الخوف في قلبه من الله دائماً ليحصل له الأمن يوم القيامة. ومن منا لا يريد أن يكون في ذلك الموقف العظيم الكبير الجليل يوم القيامة أن يكون آمناً من عذاب الله عز في علاه؟ نواصل إن شاء الله حديثاً عن هذه العبادة العظيمة بعد الفاصل.
ربما تحب أحد الأبناء أو البنات أكثر من إخوتهما إما لبره أو أدبه أو غير ذلك، ولكن هل يجوز أن تفضل من تحب في العطية وتخصه بالهدايا دون الآخرين؟ لنستمع إلى هذه القصة التي جرت لصحابي جليل النعمان بن بشير. يقول رضي الله عنه: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله فوهبها لي، فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي صلى الله عليه وسلم. فأخذ بيدي وأنا غلام، فأتى بي النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: يا بشير، ألك ولد سوى هذا؟ قال: نعم. فقال: أكلهم وهبت لهم مثل هذا؟ قال: لا. قال: فلا تشهدني إذاً، فإني لا أشهَدُ على جور.
ففي هذا الحديث تحذير من تفضيل أحد الأبناء على إخوته وأنه من الجور والظلم، ولم يفرق بين الذكر الأنثى، وذلك لما يؤدي إليه من الكراهية والنفور بينهم. ولا حرج في الميل القلبي لأحد الأولاد دون غيره؛ لأن ذلك أمر ليس في مقدور العبد، وإنما الذي يحرم أن يفضل المحبوب على غيره بالعطايا دون سبب شرعي. فإن حصل مثل هذا التفضيل، وجب رد العطية أو إعطاء الآخرين مثل أخيهم.
ويجوز التفضيل بين الأولاد إذا كانت هناك أسباب وجيهة تدعو إلى ذلك؛ كأن يخص أحد أولاده لمرض أصابه أو فقر وحاجة ألمت به، أو لاشتغاله بطلب العلم ونحوه من الفضائل. وللوالد أن يمنع العطية عمن يستعين بها على معصية الله تعالى ويعطيها لمن يستحقها. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2].
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد، فما زال الحديث أيها الأحبة عن ثمرات الخوف من الله عز في علاه، ثمرات الخوف من الله عندما يتحقق هذا الأمر في قلب العبد؛ أنه يخاف الله ويخشى الله ويراقب الله عز وجل. هذه الثمرات العظيمة التي يجنيها الإنسان في الدنيا وفي الآخرة، يجنيها في الدنيا بركة وسعة في الرزق ورضا وطمأنينة وسعادة وأنساً بالله عز وجل. وأيضاً يجنيها يوم القيامة أنه يأمن من عذاب الله عز وجل ويكون في ذلك اليوم من الآمنين.
من أعظم الثمرات التي يجنيها العبد إذا تحقق الخوف من الله عز وجل في قلبه أنه يكون ذلك سبباً في نجاته من النار، والنار أيها الأحبة هي أعظم عذاب يوم القيامة، يعني هي منتهى العذاب يوم القيامة أن يدخل الله عز وجل العبد العاصي المذنب أن يدخله في نار جهنم، ونار جهنم دركات نعوذ بالله، كما أن الجنة درجات النار أيضاً دركات ومنازل. فنسأل الله عز وجل أن ينجينا من عذاب النار.
هذه الثمرة العظيمة أن الإنسان يكون ناجياً بإذن الله وبفضل الله وبكرم الله عز وجل إذا تحقق هذا الأمر في قلبه الخوف من الله؛ فإنه يكون سبباً في نجاته من عذاب النار. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جليل عظيم: «لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع».
هنا النبي صلى الله عليه وسلم يخبر وهو الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه أن الإنسان إذا عظم الله وخاف الله عز وجل وراقب الله عز وجل ثم نتج عن هذا الخوف وهذه الخشية البكاء من خشية الله، فهذا دلالة على أن هذه الجوارح استجابت للقلب الذي هو ملك الجوارح، استجابت وهذا دلالة على أن الإنسان استشعر هذا بقلبه وبجوارحه فبكت هذه العين من خشية الله.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يلج النار» هذا الرجل الذي بكى من خشية الله من خوف الله من تعظيم الله، «لا يلج النار حتى يعود اللبن في الضرع». وهذا مثال ودلالة، يعني مثال يدل على البعد والاستحالة، كما قال الله عز وجل عن الكفار يوم القيامة إنهم لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، وهذا مثال للبعد والاستحالة وعدم التحقق نهائياً، لا يمكن للجمل أن يلج في ثقب الإبرة، وكذلك اللبن لا يمكن أن يعود إلى الضرع. فهذا دلالة على عظم هذا الأمر وجلالته وتحققه في هذا الامر، وعدم تحققه في الكفار النار.
فهنا النبي صلى الله عليه وسلم يبين هذا الأمر. ولا شك أيها الأحبة أن البكاء من خشية الله دليل على أن القلب بدأ يعظم الله عز وجل أو دخل في قلبه عظمة الله عز وجل والخوف من الله وتحقق هذا الأمر في قلبه، ودل هذا على بكاء العين. ومن أجمل واعظم ما يكون ذلك إذا كان الإنسان خالياً لوحده لا يكون أمام الناس، هنا يتحقق الإخلاص وأيضاً تتحقق فيه منزلة عالية وعظيمة أخرى ويجمع بين خيرين وبين نورين وبين بركتين وفضيلتين؛ أنه يكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. ذكر النبي صلى الله عليه وسلم منهم من هؤلاء السبعة: «ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه».
لماذا؟ لان هذا البكاء إذا كان أمام الناس قد يدخله شيء من الرياء، شيء من حب الثناء والمدح من الناس، شيء من التصنع، أما إذا كان الإنسان لوحده وكان خالياً بربه عز وجل فهذا لا يمكن للانسان أن يدخل لقلب هذا العبد، فبإذن الله أنه يتمحض الإخلاص فيه ويظهر فعلاً الصدق فيه والخوف من الله في هذا الأمر، فهنا تتحقق هذه الفضيلة الكبيرة التي حصلت في قلب هذا العبد.
وأيضاً أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «عينان لا تمسهما النار» وذكر منها: «عين بكت من خشية الله». ولهذا يحرص الإنسان أيها الأحبة على أن يستدر هذا الدمع إذا كان خالياً لوحده، ويبتعد عن البكاء أمام الناس قدر الإمكان؛ لأن هذا مدخل عظيم من مداخل الشيطان، مدخل عظيم من مداخل الشيطان أن الإنسان يثنى عليه ببكائه وخشوعه، وقد يدخل الشيطان من هذا الباب ويعظم هذا الأمر في قلب العبد فيصرفه عن طاعة الله عز في علاه ويذهب الإخلاص من قلبه.
ولهذا يحرص الإنسان أشد الحرص على أن يكون هذا البكاء لوحده خالياً، هنا فعلاً يتحقق الإخلاص، يتحقق الصدق، يتحقق الخوف من الله في قلب العبد والوجل منه وتحصل هذه الفضائل العظيمة التي قد لا يجنيها من يبكي أمام الناس. لكن لا شك أن هذا لا يعني أن كل من بكى أمام الناس ليس مخلصاً، قد يكون الإنسان ممن رزقه الله عز وجل رقة القلب ودمعة العين فلا يملك نفسه، لكن الذي يحرص عليه الإنسان أن يكون هذا البكاء خالياً ليحصل ويجمع هذه الفضائل العظيمة أن يكون خالصاً لله عز في علاه، وأن أيضاً يحصل أن يكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وأيضاً أن يحرم الله عز وجل هذه العين على النار، وإذا حرم العين على النار فهذا من دلالة الجزء على الكل، فإن الجسد كله لن يدخل النار إذا حرمت هذه العين على النار.
هذه منزلة ومرتبة عالية أيها الأحبة يحصل الإنسان عليها إذا كان الخوف عظيماً في قلبه، نتج عن هذا الخوف البكاء من خشية الله. هذا دلالة على تمكن الخوف من قلبه وعلى إجلال الله عز وجل والعظمة التي حصلت في قلبه من إجلال الله وخشيته وتعظيمه، لا شك أن هذا أمر عظيم ويكون بسببه الإنسان ناجياً من عذاب ربه ومن عذاب النار يوم القيامة.
أيضاً من الفضائل العظيمة التي يحصلها الإنسان أن يرضى الله عز وجل عنه. الله عز وجل يقول في آخر سورة البينة عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: 7-8]. ذلك لمن خشي ربه، ذلك يعود على الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه. ذلك لمن خشي ربه؛ لمن تحققت الخشية في قلبه والخوف في قلبه فإن الله عز وجل يرضى عنه، وهو قد رضي عن الله عز وجل عندما تحقق الخوف من الله في قلبه، ونتج عن هذا رضا الله عنه، وهو أعظم وأجل أن يرضى الله عنك. أليس الشأن أن نرضى عن الله عز وجل؟ لكن الشأن فعلاً أن يرضى الله عنا، أن يرضى الله عنا وهذا يتحقق. قال الله عز وجل: ﴿ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾.
أيضاً الخوف من الله إذا عظم في قلب العبد فإنه يدخل زيادة في صنف ثان من الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. ذكرنا الذي ذكر الله عز وجل خالياً ففاضت عيناه، قد يكون هذا من خشية الله ومن خوف الله، وقد يكون حبابً وشوقاً إلى الله، لكن الذي يدخل يقيناً بهذا الأمر هو ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من هؤلاء السبعة قال: «ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله».
هنا الذي عظم الله وخاف الله وراقب الله عز وجل عندما عرضت له هذه الفتنة والوقوع في الفحشاء والمنكر وفي هذه الكبيرة العظيمة وهي الزنا، ماذا قال؟ قال: «إني أخاف الله». فابتعد عن هذا الأمر فكانت النتيجة أنه دخل في زمرة السبعة الذين يظلهم الله في ظله.
كذلك من تحقق هذا الأمر في قلبه فإنه بإذن الله يحصل الأجر العظيم، والخوف من الله في قلبه الذي ينتج عنه الأمن من مكر الله والأمن يوم القيامة. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا هذا الأمر وأن يعظم خشيته في قلوبنا، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل. والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
د. عبد العزيز بن محمد الجهني