تسجيل الدخول

يا راغباً في كل علم نافع متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريده سهلاً نوالاً ميسراً يأتيك ميسوراً بأي مكان. زاد أكاديمية ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن، ومكارم الأخلاق ندرسها معاً أدب وتربية على الإحسان. بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

نستأنف إن شاء الله في هذه الحلقة الحديث عن تلك العبادة القلبية العظيمة التي بدأنا في الحديث عنها في حلقتين ماضيتين. ونواصل إن شاء الله الحديث في هذه الحلقة عن هذه العبادة العظيمة الجليلة الكبيرة التي هي من أجل وأعظم العبادات، الخوف من الله عز وجل. ذكرنا في لقائين ماضيين معاني هذا الأمر وكيف يتحقق في قلب الإنسان، أو ذكرنا ثمرات هذا الخوف وهذه المكانة والمنزلة العظيمة في ديننا التي ترتبط بهذه العبادة الجليلة الكبيرة.

كيف يتحقق أيها الأحبه؟ كيف يتحقق الخوف في قلب العبد؟ ما منا أحد إلا وهو يتمنى أن يكون خوف الله عز وجل في قلبه عظيماً، ما منا أحد إلا وهو يرجو أن يكون من أهل الخشية، من أهل الخوف، من أهل المراقبة. ما من مسلم عاقل إلا وهو يريد هذا الأمر، لكن القضية ليست بالتمني، ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، لابد من عمل، لابد من بذل، لابد من جهد يبذله الإنسان ليحصل هذا الفضل وهذه المنزلة وهذه المرتبة العالية التي هي من رتب الدين العظمى.

الخوف من الله عز وجل ليس بالأمر الهين؛ إذا استحضار الإنسان الخوف من الله بلغ مرتبة عالية في الدين لم يصلها إلا الأنبياء والتقياء والأولياء. إذاً كلما زاد الخوف في قلب الإنسان بلغ وصل وترقى في هذه المراتب العالية، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا عليه الصلاة والسلام أنه أخشى الناس لله واتقاه له. أخشى الناس لله لأنه أعلم الناس بالله، أعلم الناس بالله هو نبينا صلى الله عليه وسلم، فهو يعرف ربه حق المعرفة ويقدره حق القدر.

فإذا ترقى الإنسان في هذا الأمر وأخذ بالأسباب التي توصله إلى هذه المنزلة والمرتبه الرفيعة، وكل شيء أيها الأحبه، ما من أمر إلا ويحتاج إلى بذل وجهد وتعب وعناء حتى يصل الإنسان إلى منازل عالية، يعني ليس بالأمر الهين والسماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، لابد أن يبذل الإنسان. والله عز وجل جعل في هذا الكون، جعل فيه أسباباً يأخذ بها الإنسان، سواء في أموره الدنيا الدينية أو الدنيوية، في كل الأمور جعل الله عز وجل هناك أسباباً يبذلها الإنسان ليعلم الله عز وجل الصادق من الكاذب. فالله عز وجل جعل هذه الأسباب لناخذ بها، فمن وفق وسدد وكتب الله له الخير اجتهد في هذه الأسباب التي توصله إلى هذه المنزلة العالية.

من أعظم الأسباب الجالبة لخوف الله عز وجل، وأن يكون دائماً في القلب، وأن يستحضر الإنسان هذا الأمر في باطنه وفي جوارحه، تذكر عظمة الله. أي والله، تذكر عظمة الله. إذا كان الإنسان إذا نظر في الكون هذا، إذا نظر في مخلوقات الله الجليلة العظيمة، البحار والأنهار السماوات، إذا تفكر في عظمة هذا الكون، فكيف بخالق هذه العظمة؟! بخالق هذا الكون العظيم؟! لو تفكر الإنسان في بعض المخلوقات التي جاء الخبر الصحيح عن نبينا صلى الله عليه وسلم في وصفها كوصف جبريل عليه السلام الذي له ست مئة جناح، الجناح الواحد يسد الأفق، فكيف بعظمة الخالق عز في علاه الذي خلق جبريل وخلق الخلق أجمعين؟!

فكلما تفكر الإنسان وتدبر ونظر في عظمة الله عز وجل لا شك أنه يصل إلى منزلة عالية ورفيعة، وما يضعف هذا الأمر في قلب الإنسان إلا عدم معرفة بربه، ولهذا كان أعظم العلم هو العلم بالله. أعظم العلم هو العلم بالله؛ العلم بأسمائه وصفاته، العلم بألوهيته وربوبيته، العلم بأسمائه وصفاته هذا هو أعظم العلم، وهو الذي ذكر العلماء أنه الفقه الأكبر. ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، ليس المقصود الفقه الذي هو المعرفة بامور العبادات فقط من عبادات أو معاملات، وإنما الفقه الأكبر الذي ذكره العلماء هو العلم بالله.

وهذا الذي هو فعلاً إذا تحقق عند الإنسان هو ممن أراد الله به خيراً أن يعرف الله، وأن يقدر الله عز وجل حق قدره. ولهذا قال الله عز وجل ينعي على العباد، يقول: وما قدروا الله حق قدره. أي والله، لو علم العباد قدر الله عز وجل وعرفوا عظمته والله ما تجرأ أحد على معصيته، لكن الشيطان يتسلط علينا ويضعف هذه المراقبة وهذا الخوف من الله عز وجل في قلوبنا ويدخلنا في باب الغفله والنسيان حتى نقع في معاصي الله عز في علاه.

ولهذا قال الله عز وجل ليبين شيئا من هذه العظمة، والله عز وجل بيده ملكوت السماوات والأرض، لكن الله عز وجل قال في هذه الآية: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُه يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: 67]. يتخيل الإنسان، يتخيل هذه العظمة، هذه الجلالة، هذه المكانة العالية الرفيعة لربنا ومولانا عز في علاه، أن الأرض والسماوات السبع في قبضته يوم القيامة! يعني يتيه العقل في التفكر في عظمة الله وفي جلال الله عز وجل إذا نظر في هذه الجزئيه فقط، فكيف بغير ذلك من مخلوقات الله العظيمة التي لا نعلمها ولا نعرفها؟! فالله عز وجل عظيم جليل.

ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقدر الله حق قدره وهو أعلم خلق الله بالله -أعلم خلق الله بالله هو نبينا صلوات ربي وسلامه عليه- لما قرأ هذه الآية وهو على المنبر، قال الله عز وجل يتحدث عن ربه عز وجل يقول يمجد الرب نفسه، يمجد الرب نفسه: أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الملك، أنا العزيز، أنا الكريم. فالله عز وجل يمجد نفسه ويعظم نفسه، ولله الأسماء الحسنى عز في علاه. فربنا عز وجل يمجد نفسه ويعظم نفسه في هذه الآية، ويجب علينا أن نستشعر هذه العظمة وهذا الجلال في أسماء الله وصفاته. ولهذا لما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية وذكر هذا الأمر في تعظيم الله لنفسه كان يهز المنبر، يهز منبره الشريف صلوات ربي وسلامه عليه حتى خشي الصحابه أن يخر به المنبر من شدة هزه ووصفه واستشعاره لهذه العظمة عندما يتحدث عن ربه ومولاه وهو أعلم الناس بالله عز في علاه.

أيضاً مما يستجلب هذه العظمة وياتي بها إلى هذا القلب المسكين الذي هو فقير إلى الله عز وجل، مما يستجلب ذلك الخوف من الوقوف بين يدي الله. يعني في الأمر الأول أن يستشعر الإنسان عظمة الله، عظمة الله وجلال الله عز وجل وعظم شانه، والامر الثاني أن يستشعر الإنسان وقوفه بين يدي الله. أن يستشعر وقوفه بين يدي الله وهو واقع لا محاله، والذي يشك في ذلك هو كافر خرج من دين الله. ما من احد إلا وهو يعلم أنه سيقف بين يدي الله عز في علاه، ونتحدث عن هذه المرتبة بعد الفاصل إن شاء الله.

جهل وظلم، فرقة وقطيعة، شرك وضلال، هكذا كان الحال في الجاهلية، حتى أذن الله بإشراق فجر جديد ونور يمحو به تلك الظلمات. محمد رسول الله، وصفه ربه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. فجمع له من خصال الكمال ومحاسن الصفات ما لم ينله أحد من البشر. فقد ثبت أنه كان أوفر الناس عقلا، أجوده نفساً، أرحب صدراً، أشدهم حياءً، كان أشجع الناس وأزهدهم في الدنيا وأكثرهم تواضعاً، يعين أهله، ويخيط ثوبه، ويخدم نفسه، يزور المسلمين وغير المسلمين، ويعود مرضاهم، ويدعوهم إلى الخير. كان صادق اللهجه، راسخ المبدأ، أعدل الناس، أرفق بالضعفاء، أنصف المرأة والطفل، وشملت رحمته حتى الحيوان.

أثنى عليه حتى المنصفون من غير المسلمين، فيقول الألماني يوهان جوته: إننا أهل أوروبا بجميع مفاهيمنا لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد. ويقول الإنجليزي جورج ناتشو: إن العالم أحوج ما يكون إلى رجل في تفكير محمد. بل قال تولستوي الأديب العالمي: إن شريعة محمد تسود العالم لانسجامها مع العقل والحكمة.

وللنبي علينا حق عظيم؛ لنعرف قدره ومكانته، وننشر في الناس فضائله ومكارمه، ولنقتدي بسنته، فلولا محمد لما اهتدينا، ولما عرفنا طريق الحق. ولو أننا جازينا النبي صلى الله عليه وسلم على ما قدم، لجعلناه الواسطة في حمل رسالة رب العباد إلى عباده وتعريفهم به، لكان فضلاً لا يستقل العالم بشكره ولا البشرية بمكافأته. فقد عاش حياته يبلغ الخير لأمته، ولم يكتف بهذا، بل سأل ربه أن يشفع فيهم يوم القيامة. وصدق الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد، فقد توقف الحديث قبل الفاصل عن مرتبة عظيمة من المراتب التي يسعى فيها الإنسان ليجلب الخوف من الله عز وجل في قلبه. ذكرنا في المرتبة الأولى أو في الحالة الأولى أو في الوسيلة الأولى أن الإنسان يستشعر عظمة الله بذاته عز في علاه، ولو بذل الإنسان في هذه المرتبه يعني ما بوسعه فإن العقل سيتيه في هذه المرتبة لوحدها. وهذا السبب لوحده عندما يقرأ في صفات الله، في أسماء الله عز وجل، في عظمة الله، في جلال الله، فإن الإنسان سيصل إلى مرحلة من الخوف من الله ومن تعظيم الله ومن إجلال الله ما يكون بإذن الله سبباً في نجاته في الدنيا وفي الآخرة. فالله عز وجل عظيم، الله جليل، الله كبير. ولهذا الله عز وجل يذكر للعباد أن سبب الغفلة بعدهم عن هذه العظمة: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: 67]، ﴿مَالَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ [نوح: 13]، ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: 6]. فكلما تفكر الإنسان في عظمة الله فانه بإذن الله يبتعد ويحذر من عقاب الله ويخاف من الوقوع فيما حرم الله.

الحالة الثانية والسبب الثاني الذي وقفنا عنده هو الخوف من الوقوف بين يدي الله. الخوف من الوقوف بين يدي الله هذه مرتبة أيضاً عالية وعظيمة وجليلة، أن الإنسان يستشعر وقوفه بين يدي الله. ونضرب مثالاً ولله المثل الأعلى، الإنسان الآن إذا حضر في مجلس كبير من الكبراء، في مجلس ملك أو رئيس أو أمير أو وزير، كيف يكون يعني هذا الأثر في قلبه في في هذا المجلس، ما هو يعني هذا التعظيم لهذا المجلس وهذا التوقير والحذر من الخطا ومن الزلل، يعني ينتبه لحركاته وسكناته وجلوسه ومقامه وهو بين يدي بشر مخلوق لا يملك لنفسه شيئاً، فكيف بالله عز في علاه ولله المثل الأعلى؟!

فالانسان إذا استشعر هذه العظمة وهذه الجلالة في وقوفه بين يدي الله وهو واقف لا محالة، لا يشك عاقل ولا يشك مسلم أنه سيقف بين يدي الله، وأن الله عز وجل سيكلمه كفاحاً ليس بينه وبينه ترجمان، سيقرره بذنوبه. الذي يشك في ذلك أو لا يؤمن بذلك فقد خرج من دين الله، لكن المسلم الذي يعرف هذا ويعرف أنه سيقف بين يدي الله، عندما يقع في هذه المعصية وفي هذا الذنب يتذكر في ذلك اليوم عندما تعرض عليه هذه المعصية بين يدي الله وهو خائف ذليل حقير بين يدي ربه عز في علاه. فالإنسان إذا تذكر هذا الموقف فانه يرتدع عن الوقوع في المعاصي ويعظم الله في قلبه، يعظم الله عز وجل في قلبه.

ولهذا قال ربنا عز في علاه: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ [النازعات: 40-41]. وأما من خاف مقام ربه، خاف من قيامه ووقوفه بين يدي ربه عز في علاه، وهو يعلم يقيناً أنه سيقف بين يدي ربه. وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، ما هي النتيجة؟ فإن الجنة هي المأوى، يعني مأواه ومصيره إلى الجنة بإذن الله إذا تحقق هذا الخوف من مقامه ووقوفه بين يدي ربه عز في علاه، والذي هو واقع وحاصل لا محالة ولا شك في ذلك، لا شك في ذلك أننا سنقف بين يدي ربنا وسيسألنا عن القطمير والفتيل والنقير، عن كل صغيرة وكبيرة سيسألنا هنا ربنا عز في علاه، وسنجد ذلك مكتوباً في صحائفنا وسنقول: ﴿مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف: 49]. أحصاه الله ونسوه، الذي أوقع في هذا في هذه الطامة أنهم نسوا هذا الأمر ونسوا هذا الموقف بين يدي ربهم عز في علاه، لكنه في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى، وقد أحصاه ربنا عز في علاه وهو مكتوب عنده.

فالانسان عندما يقرا هذه الآيات ويستشعر هذا المقام وهذا الوقوف بين يدي الله، الآن لو قيل لأحد من البشر، لو قيل له انك ستقابل يعني رجل من عظماء الدنيا، من ملوك الدنيا أو من رؤسائهم، كيف يكون في قلبه من الوجل ومن الخوف والاستعداد والرهبة التي التي تكون في قلبه؟! ولله المثل الأعلى، يستشعر الإنسان هذا الأمر، يستشعر هذه الهيبة، هذه الرهبة، هذه الخشية، هذه العظمة في ربنا عز في علاه، وهو العظيم الكريم الجليل الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

فهذا المقام أيها الأحبه بين يدي الله عز وجل إذا استشعره الإنسان بإذن الله أنه يكون سبباً في تعظيم الله وفي زيادة الخوف في قلبه من الله. ثم تكون النتيجة العظيمة والثمره الكبيرة التي ذكرها الله عز وجل من خوف الإنسان من مقامه ووقوفه بين يدي ربه، فإن الجنة هي المأوى. وفي سورة الرحمن يقول الله عز وجل: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّةٌ﴾ [الرحمن: 46]. ولمن خاف مقام ربه، يعني وقوفه بين يدي ربه.

ربه ومقامه بين يدي ربه عز وجل ومخاطبه ربه له يوم القيامة، ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46]. ونحن نعلم أن الجنة منازل ودرجات عظيمة جداً، جنات عدن وصفها الله عز وجل في كتابه الكريم، فهي جنات. ولهذا نسأل الله عز وجل كما علمنا نبينا صلوات ربي وسلامه عليه أن نسأل الله عز وجل دائماً الفردوس الأعلى من الجنة، الذي هو وسط الجنة وأعلى الجنة ومنه تتفجر أنهار الجنة. فنحن نسأل الله عز وجل دائماً هذه الجنة العالية الرفيعة، ودائماً همة الإنسان تكون كبيرة، ويسأل الله عز وجل دائماً أن يكون مرافقاً لنبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو في أعلى الجنان، فنسأل الله ألا يحرمنا هذه المنزلة بالخوف الذي يكون في قلوبنا من الله، وبتعظيم الله عز وجل وخوفنا من مقامنا بين يدي ربنا ووقوفنا بين يدي ربنا عز في علاه، يوصلنا بإذن الله إلى هذه المنزلة العالية الرفيعة في جنات عدن.

أيضاً مما يستجلب الخوف من الله ومما يجعل هذا الخوف عظيماً في قلب العبد ودائما حاضراً في قلبه في كل أحواله وفي كل شؤونه، هو كثرة سماع القرآن، كثرة سماع المواعظ والتذكير بالخطب وغيرها. فهذا ولا شك أنه يحيي القلب، القرآن أيها الأحبة هو حياة القلوب، القرآن هو حياة القلوب. فالإنسان إذا أكثر من قراءة القرآن وهو يرى فيه المواعظ، والقران هو أعظم موعظة، ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: 45]. أعظم موعظة في كتاب ربنا عز في علاه فهو يقرا أحوال أهل الجنة ومراتبهم ومنازلهم، ويقرا أحوال أهل النار وما يحصل لهم يوم القيامة، وما في النار من سعير ومن عذاب شديد، ومن شجرة الزقوم ومن الطعام الذي يكون لأهل النار، ومن الحميم الذي في النار ودركات النار. فيقرا في كتاب ربنا، ويقرا أيضاً عن أسماء الله وصفاته وعظمة الله عز وجل، ما يجعل هذا الخوف في قلبه من الله، هذا الخوف في قلبه بمعرفة الله ومعرفة آيات الله عز وجل في الكون، ومعرفة ما عند الله عز وجل من نعيم ومن جحيم ومن عذاب وما يدخره الله عز وجل للعباد يوم القيامة، فانه بهذا يكون خائفا من الله، ويتحقق هذا الخوف في قلبه، وكفى بالقرآن واعظا. الإنسان إذا تذكر هذا الأمر، الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: 23]. هذا الحديث الذي هو احسن حديث واعظم حديث واحصن القصص في كلام ربنا عز وجل هو الذي يحيي هذا القلب ويعظم الخوف من الله في قلب العبد، ونواصل الحديث عن هذا السبب بعد الفاصل إن شاء الله.

الصلاة في المطار؛ إذا كان المطار خارج المدينة فيقصر المسافر الصلاة فيه، أما إذا كان المطار داخل المدينة فلا يقصر المسافر الصلاة فيه. حالات صلاه الفريضة في السفر؛ أن يستطيع أن يصليها في وقتها قبل الركوب أو بعد النزول، أو أن يركب الطائرة قبل دخول وقت الفريضة ويغلب على ظنه أن الطائرة لن تهبط إلا بعد خروج وقت الصلاة الأولى فينوي جمع التأخير، أو يركب الطائرة قبل دخول وقت الفريضة ويغلب على ظنه خروج وقت الصلاتين المجموعتين، أو كانت الصلاة لا تجمع وهي صلاة الفجر فيجب عليه أن يؤدي الصلاة في مصلى الطائرة إن وجد مستقبلاً القبلة إن استطاع. العجز عن القيام واستقبال القبلة؛ القيام واستقبال القبلة لا تصح الصلاة بدونهما إلا لعذر، فإذا خشي خروج الوقت فيصلي حسب قدرته ويأتي بما يستطيع من الأركان، فله أن يصلي قائماً ويومئ بالركوع والسجود وهو جالس على كرسيه، وإن لم يستطع قائماً فيصلي جالساً. ما تختص به المرأة؛ يجب على المرأة ستر جميع بدنها في الصلاة إلا الوجه والكفين، لكن إذا صلت في وجود رجال اجانب يرونها وجب عليها ستر جميع بدنها. صلاة النوافل في السفر؛ للمسافر أن يصلي نوافل أثناء ركوبه، سواء كان قائماً أو قاعداً يومئ بالركوع والسجود، والافضل استقبال القبلة عند تكبيرة الإحرام. للمسافر في اثناء سفره أن يصلي النفل المطلق والضحى وقيام الليل والوتر، ويترك السنن الرواتب عدا سنة الفجر.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد. فقد توقفنا قبل الفاصل ايها الاحبة عند سبب عظيم يستجلب عظمه الله والخوف من الله في قلب العبد، بل هو من اعظم الاسباب واجلها واكبرها، وهو ايضا من ايسرها وهو في متناول الانسان، وهو سبب لسعادته وسبب للنعيم الذي يعيش فيه في الدنيا وفي الاخره، والمقصود بذلك هو تلاوه القران وتدبر القران وفهم القران، الذي هو النور وهو الهدايه وهو الخير وهو البركه في هذه الدنيا، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتي هي أقوم﴾ [الإسراء: 9]. للتي هي أقوم، لم يذكر الله عز وجل أقوم في ماذا، في امور الدنيا، في امور الدين، في قضيه معينه، بل اطلق الله عز وجل الفعل ليتيه العقل ويذهب العقل اي مذهب في كل ما ينفع الانسان ويرفعه في دينه ودنياه. فان هذا القران يدل عليه، ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾. فبقدر ما يعيش الانسان مع القران بقدر ما يكون في قلبه من التعظيم لله عز في علاه. كيف وهو يقرا كلام الله، هو يقرا كلام الله عز وجل، يستشعر هذه العظمه بانه يقرا كلام العزيز الجبار الكريم. وهذا بحد ذاته اذا الانسان وهو يقرا كلام الله كانه يناجي ربه، كانه يناجي ربه، فالانسان اذا استشعر هذه العظمه لا يريد ان يتوقف ولا ان ينقطع عن هذه النعمه التي في الدنيا، النور الذي انزله الله عز وجل لنا في هذه الدنيا وهو كلامه عز في علاه.

وما اجمل قول الشاعر: وكتاب ربك إن في نفحاته من كل خير فوق ما يتوقع نور الوجود وانس كل مروع بكروب به ضاق الفضاء الاوسع فادفن همومك في ظلال بيانه تحلو الحياه وتطمئن الاضلع فبكل حرف من عجائب وحيه نبا يبشر أو نذير يقرع الله أكبر، كل حرف من عجائب وحيه نبأ يبشر أو نذير يقرع. هذا هو كلام الله عز وجل، فيه الترغيب وفيه الترهيب، فيه النعيم وفيه ذكر الشقاء لمن حاد عن طريق الحق، وايضا فيه ذكر الجنه وفيه ذكر النار، فيه ذكر اهل السعاده واهل الشقاوه، هذا هو القران. ولهذا يقول ابن مسعود رضي الله عنه: إذا سمعت «يا أيها الذين آمنوا» فأرعها سمعك، إما خير تؤمر به، أو شر تنهى عنه. فهذا الذي يحيي القلب، هذا الذي يعظم الخوف من الله عز وجل في قلب العبد، وهو كثرة قراءة القرآن. الذي يداوم ويكثر من قراءة القرآن سيكون الله عز وجل عظيماً في قلبه، حاضراً أمام عينيه دائماً، يستشعر مراقبة الله عز وجل له. لماذا؟ لأنه يتلو كلام الله، لأنه يناجي الله عز وجل بهذه الآيات العظيمة التي نزلت على قلب نبينا صلى الله عليه وسلم، الذي هو أطهر الخلق وأشرفها، ونزل به خير الملائكة وهو جبريل عليه السلام، ونزل به في أشرف الليالي وفي أشرف البقاع. فهو نور على نور، يهدي الله لنوره من يشاء. فالانسان الذي يريد ان يحصل هذه النعمه وهذه البركه وهذا الخير فانه يحرص على كثره تلاوه القران، وايضا على سماع المواعظ التي تكون من القران وما اعظم الموعظه اذا كانت بكتاب الله ومن كلام الله عز في علاه.

ايضا من الاشياء التي تكون جابلبة بإذن الله لعظمه الله وللخوف من الله عز وجل في قلب العبد هو الدعاء، كثرة الدعاء. والدعاء عباده عظيمه، دعاء كله خير كما اخبر النبي صلى الله عليه وسلم وهو عباده عظيمه، فالانسان يستعين بالله على استحضار عظمه الله في قلبه بالدعاء، بكثره الدعاء يدعو الله عز وجل ان يعظم الخوف منه والوجل منه والخشيه في قلبه. فيحرص الانسان على ان يكثر: اللهم عظم خشيتك في قلبي، عظم الخوف منك في قلبي، عظم مراقبتك في قلبي. هذه من الادعيه العظيمه الجليله ايها الاحبة التي يدعو بها المسلم لينال هذه البركه، والدعاء كله خير والدعاء لا يرد عند ربنا عز في علاه. نحن نعلم حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي ذكر فيه مراتب الدعاء الثلاثه، ان الانسان اذا دعا الله عز وجل اما ان يستجيب الله له ويتحقق، وهذا هو الذي يرجوه الانسان في هذه الدنيا. لكن هناك مراتب اخرى ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم اذا ما استجاب الله للعبد فانه يصرف عنه من السوء بقدر ما دعا، وهاتان المرتبتان في الدنيا. وهناك مرتبه ثالثه اذا ما استجاب الله عز وجل له ولا صرف عنه من السوء بقدر ما يدعو، فان هذه الادعيه تدخر له حسنات يوم القيامه، فالدعاء لا يذهب هباء وهو عباده جليله عظيمه. والله عز وجل قال في كتابه الكريم: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر: 60]. أستجب لكم بهذه الانواع الثلاثه، فالانسان لا يكون نظره قاصرا انه لابد ان يتحقق في الدنيا.

يعرف ويعلم من دين الله عز وجل ومن كلام نبينا صلوات ربي وسلامه عليه أن الدعاء لا يضيع عند ربنا، الدعاء لا يضيع كله خير وكله بركه، ومن اعظم الادعيه ان يدعو الانسان بان يرزقه الله عز وجل الخوف منه والخشيه والمراقبه في قلبه. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم من دعائه: «اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك». اللهم اقسم لنا من خشيتك، والخشية قلنا انها درجه اعلى من الخوف، الخشية هي خوف مع معرفه وتعظيم واجلال للمخوف منه، فهي ليست فقط مجرد خوف، وانما خوف مشوب بتعظيم مشوب بمعرفه مشوب باجلال لله عز في علاه، ولهذا كانت مرتبه الخشيه اعلى من مرتبه الخوف. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم ما قال انا اخوفكم، قال: «أنا أخشاكم لله». والله عز وجل ذكر عن العلماء قال: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ [فاطر: 28]. فهي مرتبه عاليه ورفيعه نسال الله عز وجل ان يرزقنا اياها. فالانسان يدعو الله عز وجل ويكثر من الدعاء ان يرزقه الله عز وجل هذه الخشية، وايضا من ادعيه النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهاده».

وما اعظم الله هذا الدعاء، ما احوجنا اليه ايها الاحبة، اللهم اني اسالك خشيتك، يعني الخوف وزياده منك يا رب، في الغيب وفي الشهاده. في الغيب يعني في الخلوه في انفراد الانسان بنفسه عندما يضعف الرقيب او يقل الرقيب من الناس، فيسال الله عز وجل ان يرزقه الخشيه والخوف منه في هذه الحاله. وفي الشهاده يعني في حضور الناس وامام الناس، فهو ايضا يراقب الله عز وجل ويخشى الله ويعظم الله حتى عند الناس وامام الناس. ولا شك ان الانسان اذا تحقق هذا الامر في قلبه في هذين الحالين واستوى عنده الظاهر والباطن، فهذا اعلى قمه الايمان في قلب العبد. اعلى قمه الايمان ان يكون الانسان ظاهره وباطنه سواء، هذه مرتبه عاليه ورفيعه وجليله يحرص المسلم عليها ليكون باذن الله من اهل الايمان ومن اهل الخشيه ومن اهل الخوف من الله عز في علاه. فما اعظم هذا الدعاء ايها الاحبة ان نكثر منه: «اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة».

ايضا من الاشياء التي تستجلب عظمه الله في قلوبنا والخوف من الله كثرة الذكر. كثرة الذكر؛ عندما يكثر الانسان من الاذكار العظيمه التي فيها اسماء الله عز وجل وصفاته وفيها تضرع وانكسار وخوف من الله عز وجل. هذا الذكر ايها الاحبة يحيي القلب، هذا الذكر يحيي القلب، الذكر هو حياه القلوب. فكلما ذكر الانسان الله عز وجل كلما عظم الله في قلبه. ومن الفوائد العظيمه ايها الاحبة للذكر ان الانسان دائما مع الله، دائما مع الله ويراقب الله عز وجل ويعظم الله عز وجل، فما اعظم هذه المنزله. والذكر ايها الاحبة غنيمه بارده، غنيمه بارده لانه لا يكلف الانسان لا مالا ولا جهدا ولا تعبا، وانما يذكر الله عز وجل في كل احيانه وفي كل اوقاته. ولهذا اخبر النبي صلى الله عليه وسلم ان الذكر هو خير من انفاق الذهب والورق وقتال العدو، كل خير من هذا كله ذكر الله عز وجل الذي يكون باللسان فهو يسير، وهو عظيم، وهو من اسباب استجلاب عظمه الله في القلب والخوف من ربنا ومولانا عز في علاه. اسال الله العظيم رب العرش الكريم ان يرزقنا خشيته في الغيب والشهاده وان يعظم قدره في قلوبنا. ونواصل ان شاء الله في الحلقه القادمه ما يتعلق بهذه العباده القلبيه العظيمه، اسال الله لي ولكم التوفيق والسداد، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.