ما زال الحديث ايها الاحبه في هذه السلسلة من الآداب الإسلامية في مادة التربية في أكاديمية زاد، وسبق الحديث في الحلقة الماضية عن أدب عظيم في عبادة عظيمة أيضاً، وهو الدعاء. مر في الحلقة الماضية الحديث عن آداب الدعاء، ونواصل في هذه الحلقة إن شاء الله الحديث عن بقية هذه الآداب والفضائل والسنن التي تتعلق بهذه العبادة الجليلة، التي هي من أجل وأعظم العبادات التي يظهر فيها العبد فقره وحاجته ومسكنته وخضوعه بين يدي ربه ومولاه.
فالدعاء ايها الاحبه يمثل حقيقة العبودية لله؛ حقيقة العبودية لله تتمثل في الدعاء. مر معنا جملة من الآداب التي تكون بين يدي الدعاء حتى يتحقق إن شاء الله القبول بإذن المولى عز في علاه، وهو أن يثني الإنسان على الله عز وجل، ليصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، أن يدعو الله عز وجل باسمه الأعظم الذي مر معنا في حديثين سابقين؛ أن يقول الإنسان في بداية دعائه: اللهم إني أسألك بأني أشهُد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. والدعاء الثاني الذي يقول فيه: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم.
هذان الدعاءان سمعهما النبي صلى الله عليه وسلم وقال في كل واحد منهما عندما سمعه من صاحبه: «لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى». فيحرص الإنسان على قول هذا الدعاء في مقدمة دعائه، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يكثر في خاتمة كل دعاء أن يقول: يا ذا الجلال والإكرام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أَلِظُّوا بيا ذا الجلال والإكرام» يعني تمسكوا بها وأكثروا منها.
أيضاً الإنسان يرفع يديه، لأن الله عز وجل حيي كريم يستحي من العبد إذا رفع يديه أن يردهما صفراً، وأيضاً تكرار الدعاء ثلاثاً كما كان يفعل النبي صلوات ربي وسلامه عليه، والإلحاح على الله؛ فإن الله عز وجل يحب الملحين، يحب المكثر من الدعاء. الإنسان -البشر إذا طلبت أحداً منهم فإنه قد يمل من كثرة الإلحاح- لكن الله عز وجل بخلاف ذلك، الله أعظم وأجل، الله يحب الملحين، يحب الذي يكثر من الطلب وإظهار الفقر والحاجة إلى الله عز في علاه.
أيضاً من الآداب العظيمة أيها الأحبة التي يفعلها الإنسان في هذه العبادة، وتكون سبباً بإذن الله في قبول دعائه، أن يكون واثقاً، أن يكون عنده ثقة بالله وحسن ظن بالله؛ وحسن الظن عباده عظيمة، حسن الظن بالله عبادة عظيمة، أن يكون عنده يقين بالإجابة. ومر معنا سابقاً أن الإنسان إذا دعا لا يخلو من إحدى ثلاث: إما أن يستجيب الله له، أو يصرف عنه من السوء بقدر ما دعا، أو يدخر ذلك حسنات له يوم القيامة.
فالانسان يكون عنده الثقة، ما هو يقول: يا رب أعطني كذا وهو يقول يمكن يعطيني ويمكن لا، هذا لا، لا يتعامل الإنسان مع الله بهذه الصورة، فإن الله لا مكره له، والله عز وجل بيده خزائن السماوات والأرض، والله عز وجل يعطي عطاءً عظيماً لا يتخيله العبد، كريم عز في علاه. فالإنسان عندما يدعو الله عز وجل يدعو وهو عنده ثقة بموعود الله القائل عز في علاه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]، هنا طلب وأيضاً جواب الطلب: ادعوني استجب لكم، الله عز وجل تكفل بالإجابة: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186].
فالانسان عندما يدعو الله عز وجل يكون على يقين بأن الله يستجيب له، لكن كيف يستجيب ومتى يستجيب؟ هذا علمه عند الله، قد يؤخر الله عز وجل الإجابة لحكمة يعلمها الله، قد يكون فيها خير لنا لو استجاب الله لنا مباشرة، يعني قد يكون فيه بلاء لنا كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لُقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [ونس: 11]. نحن قد ندعو بأشياء أحياناً، وقد يكون في علم الله عز وجل أنها مضرة لنا، فمن رحمة الله بنا أن يؤخر الإجابة أو يصرفها إلى أمر آخر، لأن الإنسان لا يعلم ما عند الله عز وجل من الخير والبركة والرحمة بهذا العبد المسكين.
ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة»؛ يعني عندك يقين بأن الله يستجيب دعاءك، متى؟ الله أعلم، كيف؟ الله أعلم، لكن عندك يقين بأن الله لا يضيع عنده الدعاء، لا يضيع عنده الدعاء، وهو أكرم الأكرمين عز في علاه.
ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه». هذا أيضاً أدب عظيم يتقيد به الإنسان، وهو أنه يدعو يستحضر قلبه وقت الدعاء، لا يدعو من قلب غافل لاه؛ يعني واحد جالس يدعو يقول: يا رب يا رب، وعقله يفكر في أمر آخر منشغل في أمر آخر، هذا لا يستجيب الله عز وجل له، لأن النبي صلى الله عليه وسلم بنص كلامه عليه الصلاة والسلام: «واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه».
هذا ليس من الأدب مع الله عز وجل، أن تطلب شيئاً وتفكر في شيء آخر، أن تطلب من الله عطاء من خيري الدنيا والآخرة وأنت تفكر في وظيفه أو تفكر في رحلة أو تفكر في زيارة أو تفكر في أي أمر من الأمور، هذا ليس من الأدب مع الله، ليس من الأدب مع الله أن يتعامل الإنسان مع ربه ومولاه الكريم الذي يعلم السر وأخفى. الله عز وجل يعلم ما في قلبك، الله عز وجل يعلم ما في قلبك، والله عز وجل لا تخفى عليه خافيه، يعلم السر وأخفى، فلا ينبغي للانسان الذي يتعامل مع الذي يعلم السر وأخفى أن يتعامل معه بهذا الأمر.
والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر بقوله: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم». فالقلب هو محل نظر الرب عز في علاه، فالإنسان يحرص أن يكون هذا القلب مخبتاً لله وهو يدعو ربه ومولاه.
قال الله تعالى: ﴿أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: 108]. متى ترضى على نفسك وأنت لا تقنع؟ لهث لا ينقطع وضماء لا يروى، إذا لم تسعد هذه اللحظة فلا تتوقع أن تسعد غداً أو بعد غد، استثمر مواهب الله عليك وافرح بما عندك، وتلذذ بالرغيف الحار وأنا أضمن لك أن تكون أسعد من تجار البورصة وأثرياء سويسرا.
لا تعش أوهاما وخيالات تطير بك في سماء التيه، فإن لم ترضَ بما في يدك فلن ترضى إذا سيقت الدنيا إليك، والقناعه كنز لا يفنى، فاقنع بما عندك وتلذذ بعبادتك لربك لتسعد وتسعد من حولك. اللهم اجعلنا من السعداء في الدنيا والاخره، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.
نواصل ما مر من حديث قبل الفاصل في أدب الدعاء، وكنا قد توقفنا قبل الفاصل عند ثقة الإنسان بربه ويقينه بإجابة الله عز وجل للدعاء؛ لأن الله تكفل بذلك ووعد عباده المؤمنين بذلك وقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]. أيضاً من الآداب العظيمة التي يتحلى بها الإنسان وهو يدعو ربه عز في علاه: ألا يدعو الإنسان بدعاء فيه إثم أو فيه قطيعه رحم، هذا لا ينبغي ولا يصح من المؤمن الذي يعظم الله عز وجل أن يدعو بهذا الأمر، وأيضاً ألا يستعجل.
هذان أدبان وردا في حديث واحد؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل، ما لم يستعجل». هنا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يستجاب للإنسان إذا سلم من هذه الثلاث: ألا يدعو بإثم؛ بأن يدعو مثلاً أن يرزق الله عز وجل شيئاً محرماً، أو يدعو بعدوان على الآخرين، أو بغير ذلك من الأمور التي فيها إثم وفيها محرم وفيها مما يكرهه الله ويبغضه الله عز في علاه، هنا لا يستجاب للإنسان.
الثاني: ألا يكون فيه قطيعة رحم؛ يعني إنسان عياذاً بالله يدعو على والديه، يدعو على أولاده، يدعو على زوجته، يدعو على إخوانه، على أخواته، هذا فيه قطيعة رحم عياذاً بالله، وهو من كبائر الذنوب. الله عز وجل جعل قطيعة الرحم من الكبائر العظيمة في كتابه الكريم وعلى لسان نبيه صلوات ربي وسلامه عليه: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: 22]، سماه الله عز وجل فساداً في الأرض، ولا يدخل الجنة قاطع كما قال النبي صلوات ربي وسلامه عليه، فهذا الدعاء يمنع الإجابة؛ ألا يكون الدعاء بإثم أو بقطيعة رحم.
الثالثة يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما لم يستعجل». وهذا يحتاج أيها الأحبة إلى شيء من التركيز، لأنه يقع فيه بعض الناس. فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما لم يستعجل»، الصحابة أرادوا أن يستفسروا عن هذا الأمر، قيل: يا رسول الله، ما الاستعجال؟ يعني ما هو ضابط الاستعجال؟ ما هو مفهوم الاستعجال عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما لم يستعجل»؟ يعني هذا يمنع إجابة الدعاء.
فقالوا: يا رسول الله، ما الاستعجال؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هو أن يقول العبد: قد دعوت فلم أر يستجب لي، فيتحسر ويدع الدعاء». يعني الإنسان من جهله بربه عز في علاه عندما يدعو بدعاء ويظن أنه لم يستجب له؛ مثلاً حصل شيء معين ودعا ولم يتحقق، عند ذلك يقول الإنسان: دعوت فلم يستجب لي، إذاً لا حاجة إلى الدعاء. فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فيتحسر ويدع الدعاء». وهذا من الجهل وعدم الفقه في الدين، وعدم المعرفة بعظمه الله عز في علاه، وما عنده من الخير والبركة والعطاء والفضل والمن.
لأننا ذكرنا سابقاً أيها الأحبة أن الدعاء لا يضيع عند الله عز وجل بهذه الأحوال الثلاثة التي ذكرناها في الحلقة الماضية: أن يستجيب الله عز وجل للعبد، أو يصرف عنه من السوء بقدر ما دعا، أو أن يدخر ذلك حسنات له يوم القيامة. فهذا الاستعجال لا ينبغي، ليس من الأدب أن يتعامل الإنسان مع ربه ومولاه؛ أنت لا تأمر الله عز وجل، أنت تدعو أنت تطلب، أنت فقير أنت محتاج، فلا ينبغي للإنسان أن يطلب من الله عز وجل كأنه يأمر الله أن يعطيه هذا الأمر، هذا ليس من الأدب مع الله عز وجل.
وإنما الإنسان يأخذ بالأسباب، يبذل الأسباب، ويفعل هذه العباده، ثم يترك الإجابة عند الله عز وجل، هو الذي تكفل بها، والله أرحم بنا من أنفسنا. قد يستجيب الله عز وجل لك هذا الدعاء ويكون فيه من البلاء والشقاء عليك ما لا تتصوره: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216].
عسى أن تحب شيئاً تتمناه تطلبه من الله وهو شر لك، فالله عز وجل من رحمته بالعباد أحياناً أن يؤجل له، من رحمته بالعباد أن يؤخر عنهم بعض الأدعية لا يستجيبها الله عز وجل، إما يؤخرها أو يأتي بالبديل لها بصرف السوء أو بالحسنات التي تكون للعبد، وهذا من رحمة الله عز وجل بالعباد أن يعطيهم هذا العطاء أو يمنعهم هذا الأمر. فالله عز وجل هو المعطي وهو المانع، وعطاؤه فضل ومنه، ومنعه حكمه، وهذا ما يجب على المسلم أن يتعامل فيه مع ربه ومولاه عز في علاه.
فهذا الأمر أيها الأحبة يجب أن يستشعره الإنسان وأن يستحضره في ذهنه، فيدعو الله عز وجل وهو واثق بالإجابة، موقن بالإجابة، كما مر معنا في الحديث قبل قليل: «ادعوا الله وأنتم...».
موقنون بالإجابة، فإن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاهٍ. وأيضاً ألا يستعجل الإنسان، لا يستعجل الله عز وجل، تأخر إجابة دعاء بعض الأنبياء دعوا في القرآن كدعوة موسى على فرعون، ودعاء أيوب جلس ثماني عشرة سنة وهو يدعو الله عز وجل وهو في مرضه وفي بلائه، وغير ذلك من الأنبياء الذين دعوا فتأخرت الإجابة لحكمة يريدها الله.
فإذا كان هذا مع أنبياء الله الذين هم خير الخلق، فكيف بنا نحن الضعفاء المساكين؟ فالإنسان لابد أن يتيقن بهذا الأمر وأن يبذل الأسباب ويأخذ بالأسباب ويترك قضية الإجابة بيد الله عز في علاه. ولهذا مر معنا قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: والله إني لا أحمل هم الإجابة، وإنما أحمل هم الدعاء. وهذا من فقهه العميق رضي الله عنه وأرضاه. أنت مأمور بالدعاء، المطلوب منك الدعاء هذا هو المطلوب منك أن تدعو، أما الإجابة فهي بيد الله عز وجل، استجاب الله عز وجل لك الآن، أخر عنك الإجابة، أعطاك بديلاً لهذا الدعاء بصرف السوء أو بالحسنات، فهذا كله بيد الله ولحكمة يعلمها الله.
لحكمة يعلمها الله، وعقولنا قاصرة عن هذا الأمر، عقولنا قاصرة عن هذا الأمر، لكن نحن نحسن الظن بربنا، نحسن الظن بربنا، والله عز وجل كما قال في الحديث القدسي: يقول الله عز وجل: «أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء، أنا عند ظن عبدي بي». ونحن والله لا نظن بالله إلا خيراً، لا نظن بالله إلا خيراً. فحسن الظن بالله عباده عظيمه عباده عظيمه يتعبد بها المسلم إلى ربه ومولاه.
أيضاً من الآداب أيها الأحبه التي يحرص عليها المسلم أو التي يطبقها المسلم في دعائه وهذا جاء في دعاء الأنبياء وفي دعاء الصالحين وغيرهم أن الإنسان إذا دعا أنه يبدأ بنفسه، أنه يبدأ بنفسه يدعو لنفسه: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ. فيحرص الإنسان على أن يبدأ بالدعاء لنفسه وهذا كثير في دعاء الأنبياء في دعاء الصالحين وفي أدعية النبي صلى الله عليه وسلم، مر شيء من هذا.
فالإنسان عندما يبدأ بالدعاء يدعو لنفسه، يدعو لنفسه لأن الإنسان يريد النجاة لنفسه، يريد النجاة لنفسه، فهو عندما يدعو الله عز وجل هو يريد الخير والصلاح والفلاح والبركة لنفسه أولاً، ليس فيه عيب، ليس فيه عيب. فالإنسان يحرص على نجاة نفسه، فإن أنت في هذه الدنيا أنت تسعى لخلاص نفسك يوم القيامة ولنجاحها. ومن الدعاء كما كان يدعو نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم في أكثر دعائه مثل: اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. فدعا لنفسه صلوات ربي وسلامه عليه مع أنه غفر له ما تقدم من ذنبك وما تأخر.
روي أن مسروقاً أدان ديناً ثقيلاً، وكان على أخيه خَيْثَمَة دين، فذهب مسروق فقضى دين خيثمة وهو لا يعلم، وذهب خيثمة فقضى دين مسروق وهو لا يعلم. إنه الإيثار؛ أعلى منازل الكرم والسخاء، وأسمى مراتب بذل والعطاء، خلق يبعث على المودة والرحمة ويدل على الصفاء والنقاء، امتدح الله به أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم من الأنصار فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِم خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9].
وللإيثار فوائد عظيمة وثمار جليلة؛ منها: انتشار التعاون والتعاضد بين المسلمين، جلب البركة ونماء الخير، وتحقيق الكفاية المادية في المجتمع، كمال الإيمان وحسن الإسلام، الوصول إلى محبة الله ورضوانه، حصول الألفة والمحبه بين الناس، البعد عن صفات الشح والأثرة، من علامات الرحمة التي توجب لصاحبها الجنة ويعتق بها من النار. فهنيئاً لمن تزين بهذا الخلق الكريم، وأصبح ممن قال الله فيهم: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على عبده ومولاه محمد صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فقد تقدم الحديث أيها الأحبة قبل الفاصل عن بعض الآداب والسنن التي يحرص عليها المسلم في تعامله مع الله عز وجل في هذه العبادة العظيمة.
توقفنا قبل الفاصل عند دعاء الإنسان لنفسه أن يبدأ بنفسه ثم يدعو لمن شاء، يدعو لوالديه يدعو لأبنائه يدعو لزوجه يدعو لإخوانه لأخواته لمن يحبهم من أهل الفضل والصلاح، ومن لهم فضل عليه من أشياخ من لهم يد عليه، فيدعو لهم، فهذا والله من الخير والبركة والنور. وهذا أيضاً من الإحسان للآخرين أن يدعو الإنسان لإخوانه بدءاً باعز الناس وأولى الناس بدعائه وهم الوالدان، وهما الوالدان.
فالدعاء للوالدين عظيم جداً أيها الأحبة وهو دلالة على صلاح العبد دلالة على صلاح العبد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث»، ذكر منها: «ولداً صالحاً يدعو له». ولهذا ذكر بعض العلماء أن كيف يعرف الإنسان أنه صالح أو غير صالح؟ فعندما سئل بعض العلماء عن ذلك قال له: هل تدعو لوالديك؟ قال: نعم. قال: إذاً أنت من الصالحين، لأن الله عز وجل قال: ﴿أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ﴾. فأكثر من الدعاء للوالدين هذا من أقل الحقوق والواجبات خصوصاً لمن مات منهما، فيحرص الإنسان ويجتهد ويكثر ويخص الوالدين بدعوة، ليس مع الدعاء العام رب اغفر لي ولوالدي وهو دعاء فيه خير، لكن أن يخص الوالدين بسجدة أن يخص الوالدين بدعاء خاص ويلح على الله عز وجل بهذا الدعاء، هذا والله من أعظم البر، من أعظم البر، وهو دلالة على صلاح هذا العبد وحبه لوالديه.
ومن ليس هناك من هو أجل وأعظم في عيني الإنسان في هذه الدنيا بعد نبينا صلى الله عليه وسلم إلا الوالدين، فالإنسان يكثر من الدعاء خصوصاً إذا علم أن بدعائه لوالديه أن الله عز وجل ينفعهما ويرفعهما بهذا الدعاء. أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن العبد يوم القيامة يرفع منزلة فوق منزلته؛ لأنه يوم القيامة الموازين واضحة، ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: 47]. الإنسان عندما يعرف حسناته وسيئاته يعرف مكانه ومنزلته، فيرفع بعد ذلك في منزلة فوق منزلته، فيقول: يا رب أنى لي ذلك؟ يعني هذه منزله فوق منزلتي، لأنه الإنسان عندما توضع الموازين تنشر الدواوين يوم القيامة كل إنسان يعرف ما له وما عليه، ثم يرفع الإنسان منزلة فوق منزلته فيقول: يا رب أنى لي ذلك؟ فيقال له: باستغفار ولدك لك، أي بدعاء ولدك لك وطلب المغفرة لك.
فإذا استشعر الإنسان أيها الأحبة أنه عندما يدعو لوالديه أنهما يرتفعان درجة في الجنة، هل يقصر الإنسان المحب لوالديه؟ لا والله، بل يكثر من الدعاء للوالدين، ويخص كما قلت الوالدين بدعوة خاصة بسجدة خاصة، ويكثر من الدعاء لهما عسى الله عز وجل أن ينفعهما بهذا الدعاء.
أيضاً الدعاء للأبناء والذرية بالصلاح، ودعوة الوالد مستجابة، دعوة الوالد مستجابة، فيكثر الإنسان من الدعاء لأبنائه ويحرص على ذلك، وهذا سبب عظيم بإذن الله من أسباب صلاح الأبناء، من أسباب صلاح الأبناء. وفي المقابل من أسباب دمار وضياعهم وعقوقهم الدعاء عليهم، الدعاء عليهم، وهذا والله من البلايا التي تحل ببعض المسلمين الذين يدعون على أبنائهم، هو يعين هو يساعد ويساهم في إفساد هذا الابن بالدعاء عليه؛ لأن دعوة الوالد على ولده مستجابة. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن»، وذكر منها: «دعوة الوالد». فالإنسان لا يدعو على أبنائه وإنما يدعو لأبنائه يكثر من الدعاء لهم بالصلاح، ومن دعاء الأنبياء: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: 100]. فيحرص الإنسان من الدعاء بصلاح الأبناء.
أيضاً الدعاء لإخوانه المسلمين، لإخوانه المسلمين، يعني يدعو لصديق يدعو لقريب يدعو لأخ لأخت لأحد من أقاربه لأصدقائه مريضاً كان أو محتاجاً أو لأي أمر من الأمور، فإن هذا فيه خير، ينفع الله عز وجل المدعو له بهذا الدعاء وينتفع الداعي أيضاً بهذا الدعاء. لماذا؟ لأن الله عز وجل كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان إذا دعا لأخيه بظهر الغيب وكل له ملكاً يقول له: ولك مثل ذلك. يعني تقول تدعو لإنسان بالشفاء، فملك يؤمن على دعائك ويقول: ولك مثل ذلك. تدعو له بالصحة يقول لك: لك مثل ذلك بالبركة، ولك مثل ذلك بالرزق، ولك مثل ذلك. فيستشعر الإنسان هذا الأمر أنه يوكل له ملك ويقول له: ولك مثل ذلك.
أيضاً إذا دعا لإخوانه المؤمنين، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة». تخيل الإنسان إذا دعا للمؤمنين والمؤمنات كل مؤمن ومؤمنة له حسنة بعدد هؤلاء! فتخيل لو الإنسان مثلاً قال هذا الدعاء العظيم: اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، لا إاله إلا الله، كم من الحسنات في هذا الدعاء الذي لم يأخذ إلا ثواني أقل من دقيقة، كم من الحسنات يحصلها الإنسان بعدد المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات؟ يعني من عهد آدم عليه السلام إلى وقته هذا، يعني أعداد لا تعد ولا تحصى.
إذا كان عدد المسلمين الآن الأحياء فوق المليار، قريب المليارين، فكيف بعددهم من آدم عليه السلام إلى الآن؟ مليارات مئات ملايين المليارات من الحسنات يحصلها الإنسان بهذا الدعاء اليسير، بهذا الدعاء اليسير.
أيضاً من الآداب التي تكون سبباً إن شاء الله في استجابة الدعاء أن يحرص الإنسان على أن يكون مطعمه ومشربه حلالاً، أن يكون مطعمه ومشربه حلالاً، لأنه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد: «أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة». بقدر ما يكون الإنسان يعني أكله حلالاً وشرابه حلالاً ورزقه حلالاً يكون بإذن الله أنه مستجاب الدعوة.
أنه في المقابل أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان إذا كان يأكل حراماً فإنه لا يستجاب له. ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل أشعث أغبر يطيل السفر يقول: يا رب يا رب يا رب. ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هنا عدداً من أسباب إجابة الدعاء؛ أشعث أغبر يعني يظهر فقره إلى الله، يطيل السفر والسفر من مواضع إجابة الدعاء، ويقول: يا رب يا رب يكرر ثلاثاً كما مر معنا سابقاً، لكن قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟» أنى يستجاب له؟ كيف يستجاب له ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام؟
هذا أيها الأحبة يعني سبب عظيم من أسباب منع الإجابة، منع إجابة الدعاء. الإنسان يكون عنده تساهل فيبيع ويشترى بأكل الحرام، تعامل بالربا، تعامل بالبيوع المحرمة في الأشياء المشبوهة، هذا الذي يخلط في ماله وفي رزقه، فهذا يمنع إجابة الدعاء عياذاً بالله. ولهذا يحرص المسلم أشد الحرص أشد الحرص على أن يكون مطعمه حلالاً ومشربه حلالاً ورزقه حلالاً وماله حلالاً بقدر المستطاع يحرص الإنسان على هذا الأمر حتى يكون بإذن الله ممن تستجاب دعوته.
الأمر الأخير أيها الأحبة الذي يحرص الإنسان عليه بتوفيق الله عز وجل أن يتحرى أن يدعو الله عز وجل بجوامع الدعاء التي جاءت في كتاب الله أو في كلام رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه. والأدعية في القرآن كثيرة جداً، وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة جداً، ومن أعظمها ما علمه النبي صلى الله عليه وسلم للصحابه كما علمه لعائشة: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني». ومعاذ: علمه لمعاذ: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». وغير ذلك من الأدعية العظيمة التي دعا بها النبي صلى الله عليه وسلم أو علم النبي صلى الله عليه وسلم بعضاً من صحابته رضوان الله عليهم.
هذه أيها الأحبة إذا تقيد بها الإنسان جملة من الآداب والسنن والفضائل التي يحرص عليها المسلم لتكون سبباً إن شاء الله في إجابة دعوته، وأيضاً لحسن هذه العبادة وإتقانها بإذن الله عز في علاه. أسال الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا من عباده المتقين، وأن يجعلنا ممن تستجاب دعوتهم بطعامنا الحلال وشرابنا الحلال ورزقنا الحلال، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
د. عبد العزيز بن محمد الجهني