تسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

ونواصل أيها الأحبة الحديث عن سلسلة الآداب الإسلامية، وقد ذكرنا في الحلقة الأولى فضل الأدب وفضل الخلق الحسن في حياة المسلم عموماً، وفي حياة طالب العلم خصوصاً، وذكرنا النصوص الشرعية التي تحث على ذلك وتدل على فضله وعلى مكانته وعلو شأنه في حياة المسلم عموماً.

أول أدب نبدأ به أيها الأحبة، وهو الأولى أن يبدأ به، هو الأدب مع الله، الأدب مع الله عز في علاه، ومن أحق بالتعامل بهذا الخلق العظيم من ربنا ومولانا عز في علاه؟ فهذا الأدب الذي نتعامل فيه مع ربنا هو عبادة نتعبد الله عز وجل بها، نخضع ونذل لله، ونحن نتعامل مع الله عز وجل في سائر عبادتنا، في صلاتنا، في صيامنا، في حجنا، في عمرتنا، في صدقتنا، في سلوكنا وأخلاقنا كلها نتمثل هذا الأدب القوي، ونعرف ونعلم ونستشعر أننا نتعامل مع العظيم عز في علاه، مع العظيم عز في علاه.

إذا عرف الإنسان مع من يتعامل في أخلاقه وفي أدبه، والله انكسر هذا القلب، انكسر هذا القلب وخضع بين يدي الله عز في علاه، فمن اعظم ما يكون في تعامل الانسان الذي يحقق فعلا العبودية الحقة هو الأدب مع الله، وهو الانقياد لله عز وجل في كل الأحوال وفي كل شؤون الإنسان، أن ينقاد لأوامر الله، أن ينكسر ويخضع ويذل بين يدي الله عز في علاه، وهذا واضح جدا في كثير من عبادتنا، فالقلب يخضع لله خشوعا وذلا واستكانة وفقرا إلى الله عز في علاه وتوكلا واستعانة بالله، فهذا أدب عظيم يكون في قلب الإنسان مع الله عز في علاه.

عندما يخضع هذا القلب، عندما يستكين هذا القلب، عندما يخشع هذا القلب ويعلن فقره لله عز وجل، هنا يشعر الإنسان بحقيقة العبودية، وهي الفقر إلى الله، أن يكون فقيرا لله عز في علاه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15].

كذلك الأدب في اللسان عندما يتخاطب الإنسان، عندما يتكلم بآيات الله وعبادات الشرعية التي جاءت بما يتلفظ به الإنسان، فانه يستشعر هذا الأدب ويستشعر هذا الخلق في تعامله مع ربه، عندما يقرا كلام الله يستشعر أنه يقرأ كلام العظيم عز في علاه، عندما يتكلم بالاحاديث الشرعية، عندما يتكلم بالاذكار النبوية يستشعر هذا الأدب وهذا الخلق العظيم في تعامله مع ربه ومع مولاه، وأنه يناجي الله في دعائه أيضا، الألفاظ والعبارات يتحفظ فيها الإنسان ويستشعر مثل هذه العبارات ألا تخرج إلا في قالب جميل وفي أدب وفي أسلوب يليق بمقام ربنا ومولانا عز في علاه.

أيضا في أركان الإنسان وفي جوارحه يستشعر هذا الأدب عندما يقف بين يدي ربه، عندما يؤدي العبادات، فإنه يستشعر هذا الأمر ويظهر هذا الأدب على أركان الإنسان، ولا شك أن الإنسان إذا عظم ربه في قلبه ظهر هذا على أركانه وجوارحه، فالتعظيم في القلب ينتج عنه التعظيم في الجوارح والأركان، وهكذا إذا صلح الباطن دائما يكون باذن الله سببا لصلاح الظاهر، فايضا الأركان تظهر فيها مثل هذه الأمور، ومن أشهر ذلك أو من أوضح ذلك هو ما نفصله في صلاتنا، من أجل وأعظم الذي يظهر في تعاملنا مع ربنا هو ما يكون في صلاتنا.

عندما يصلي الإنسان يظهر فعلا حقيقة الأدب والخضوع والذل والانكسار بين يدي الله عز في علاه، وإذا لم يستشعر الإنسان في وقوفه بين يدي الله هذا الأمر خاب وخسر ولم يوفق والله ولم يخرج من صلاته بالشيء الذي يريده الله عز وجل منه، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، لا ينتفع بصلاته، ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1-2].

أي فازوا، من هم؟ الذين هم في صلاتهم خاشعون، إظهار الأدب مع الله عز وجل في صلاتنا هذا سبب للفلاح والفوز، ولهذا نحن نقف بين يدي الله عز وجل نضع اليمين على الشمال بذل وانكسار وخضوع بين يدي الله عز في علاه.

أيضا الإنسان في صلاته لا يرفع بصره، جاء النهي عن نبينا صلى عليه وسلم عن أن يرفع الإنسان بصره إلى السماء، وهذا ولا شك دليل الخضوع والذل والانكسار بين يدي الله عز في علاه، لكن مع الأسف حال كثير من الإنسان الآن في وقفته وفي بصره يقلب وينظر إلى الأعلى، مع أنه جاء النهي العظيم عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة، الإنسان ينظر إما أمامه أو في موضع سجوده، وليس من الأدب، وليس من الأدب أن الإنسان يقلب بصره يمينا وشمالا ويرفع بصره إلى السماء، هذا ليس من الأدب في الوقوف بين يدي الله عز في علاه.

ولو نظرنا في حال الناس الآن، والله يرى الإنسان العجب في صلاته، يرى العجب في صلاة بعض الناس، مع الأسف لا يشعر فيها أو لا يرى فيها فعلا الوقوف الذي يستشعر فيه الإنسان الأدب مع الله، كثرة الحركات، النظر في الساعة، العبث بالعمامة والعبث باللحية، أو يحك جلده، وكثرة الحركة، فرقعة الأصابع، وهذه أيضا من الأشياء المكروهه في الصلاة كثرة الحركة، حتى تشعر الإنسان كأنه ليس في صلاه من كثره حركاته، ولو وقف أمام مسؤول أو أمير أو وزير أو صاحب جاه وسلطان فانه يقف بانكسار وذل وادب في موقف ذلك، لكن عندما يقف بين يدي الله عز وجل فانه لا يمتثل هذا الأدب، وهذا من ضعف الإيمان، ومن عدم توقير الله عز وجل: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: 67].

لو استشعر الإنسان وهو يصلي أنه واقف بين يدي الله فإنه يتمثل هذا الأدب حقيقة مع ربه ومع مولاه، أيضا من الأدب مع الله عز وجل الذي جاء في سنة نبينا صلى الله عليه وسلم ألا نستقبل القبلة ببول أو بغائط في قضاء الحاجة، ألا نستقبلها في الفضاء وبعيدا عن الخلاف الفقهي، لكن نقول إن هذا من الأدب، من الأدب الذي يستشعره الإنسان في قضاء حاجته أنه يستشعر هذا الأدب مع الله عز وجل، وأيضا في شعائر الله، مع شعائر الله أن لا نستقبل القبلة لأن القبلة من شعائر الله العظيمة، فنحن نتأدب مع الله وأيضا نتأدب مع شعائر الله عز في علاه، أيضا من الأدب العظيم الذي يجب أن يتحلى به المسلم في حياته أن يستمع إلى القرآن بأدب أيضا وخشوع، وهو ما نتكلم عنه أن شاء الله بعد الفاصل.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

توقفنا قبل الفاصل عند بداية الحديث عن أدب عظيم من الآداب التي نتعاملو فيها مع ربنا ومولانا عز في علاه، هذا الأدب هو في تلاوة القرآن وفي الاستماع للقرآن أيضا، الذي هو كلام الله، الذي هو كلام الله، فالذي يعظم الله، الذي يقدر الله عز وجل حق قدره، الذي يعرف الأدب مع الله، فانه أيضا لابد أن يقدر لكلام الله عز وجل قدره، وأن يعرف كيفية التعامل مع كلام الله عز وجل قراءه واستماعا أيضا.

عندما يقرأ القرآن لا بد أن يعرف الآداب التي جاءت في سيرة سلفنا الصالح في تعاملهم مع كتاب ربنا، سواء في تعامله مع المصحف في تعامله أثناء القراءة فإنه يستشعر هذا الأدب وهذا الخلق القويم، أيضا في سماعه للقرآن، أيضا هذه من الآداب التي قد يغفل عنها بعض الناس، عندما يستمع للقرآن لا بد أن يعرف للقران قدره وألا يكون القرآن مثل بقية كلام الناس، يعني لا يلقي له بالاً.

ولهذا انظروا إلى أمر الله عز وجل لنا عندما جاء الأمر بالاستماع للقرآن، ماذا قال الله عز وجل؟ قال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204].

الله عز وجل قال: فاستمعوا له وأنصتوا، ولم يقل: فاسمعوا له؛ لأن السماع، كما هو عند علماء اللغة الآن، السماع هو دخول الصوت إلى الأذن بدون انتباه، يعني مثل ما نسمع بقية الأصوات التي يتكلم بها الناس دون أن نلقي لها بالا، هذا لا يليق بكلام الله عز وجل ولا يليق بكتاب الله عز وجل، وإنما يكون إما في مرحلة الاستماع، وهو أن يستمع بشيء من التركيز والانتباه، أو بالإنصات، الذي هو حضور القلب والجوارح كلها في استماعه للقران ليصل إلى الفائدة العظيمة والثمره الكبيرة التي ذكرها الله عز وجل في آخر الآية، قال: لعلكم ترحمون، تاتي الرحمة والبركة والخير للإنسان إذا تعامل مع القرآن إما استماعا أو إنصاتاً، استماعا أو إنصاتاً.

وفي المقابل، مفهوم المخالفة، لا تحل الرحمة لإنسان لا يلقي للقرآن بالاً، وإنما يجعله مثل الكلام الذي لا قيمة له، وهذا لا شك أنه من الخذلان وعدم التوفيق وعدم الأدب مع الله ولا مع كلام الله عز في علاه.

أيضا من الأدب مع الله، وهو أدب عظيم جدا ويحتاجه أيضا طالب العلم، هو أن لا يقول على الله بغير علم، ألا يتكلم ولا يقول ولا يفتي بغير علم، لأن القول بغير علم أمر عظيم جدا، أمر عظيم جدا، ولهذا حرمه الله عز وجل في كتابه الكريم وقرنه بكبائر الذنوب، قرنه بكبائر الذنوب.

يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33].

قرنه الله عز وجل بالشرك وبالفواحش والمعاصي للدلالة على أن هذا الأمر عظيم وخطير جداً أن يقول الإنسان على الله بغير علم، يتجرأ على الفتيا هذا حلال وهذا حرام، والله عز وجل يقول في آية أخرى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: 116].

ولاحظوا أيها الأحبة سماه الله عز وجل كذبا: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾، يقول الإنسان بدون علم يقول هذا حلال وهذا حرام، ومع الأسف هذا التجرؤ الآن على مثل هذه الأمور، على التحليل والتحريم، أصبح كلاما مباحا للجميع، وفيه جرأة، والكارثة والمصيبة أن يكون هذا من طالب علم أو من محب للخير وداعية، أن يتجرأ، يستحي أن يقول لا أو يقول لا أدري.

وكان بعض السلف يقول: من أخطات كلمة لا أدري فقد أصيبت مقاتله، يعني وقع في بلاء عظيم، وكان السلف لا يتحرجون أبدا من قول لا أدري.

وفي القصة المشهورة عندما جاء أهل مصر للامام مالك، إمام دار الهجرة في المدينة، وعرضوا عليه، يقال عرضوا عليه أربعين مسألة، أجاب على أربعة فقط وقال في ستة: لا أدري، فاستكبروا واستعظموا هذا الأمر.

ماذا يقولون لاهل مصر؟ قال الإمام مالك ليربي طلبة العلم على مثل هذه الأمور، قال: قولوا لهم يقول مالك لا أدري، ما عنده أي حرج في هذا الأمر، أن الإنسان لا يتحرج من هذه الكلمه ولا يستحي منها، وكم جاء عن كبار العلماء مثل هذا الأمر، كلمه لا أدري.

أما التجرؤ على الفتيا فهذا من قلة الأدب مع الله، وعدم معرفة الله، معرفة قدر الله عز وجل حق قدره، وهذه جرأة عظيمة لا تنبغي، فالإنسان الذي يتأدب مع الله يتأدب أيضا مع شرع الله، ويتأدب مع الأحكام التي جاءت في كلام الله وفي كلام رسولنا صلى الله عليه وسلم، فلا يتكلم بغير علم، لا يتكلم بغير علم، وهذا من سوء الأدب، سوء أدب الإنسان في تعامله مع ربه ومع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

أيضا من أنواع الأدب التي يتعامل فيها الإنسان مع الله عز وجل في حال الدعاء، في حال الدعاء إظهار الفقر والحاجة والمسكنة والخضوع والذل بين يديه، لا يدعو الإنسان وهو يشعر أنه في غنى عن الله عز وجل، أو على الأقل يدعو بلسان غافل، يدعو بلسان غافل، بل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يحب العبد...

الملحاح يحب العبد الملحاح الذي ينكسر ويذل ويخضع بين يدي الله عز وجل، ويطلب برجاء، ويطلب بحرقة، ويطلب أيضا بمسكنة وبذل وخضوع. وهذا والله هو الشرف للإنسان، بقدر ما يخضع الإنسان ويذل لله عز وجل، بقدر ما يرفعه الله. أعظم ذل وأفضل ذل وأكمل ذل هو الذل بين يدي الله عز وجل، والانكسار والخضوع لله عز في علاه. هذه أنواع من أنواع الأدب مع الله عز وجل يتعامل بها الإنسان.

أيضا حسن الظن بالله هو نوع من أنواع الأدب مع الله، أن يححسن العبد الظن بربه ولا يسيء الظن بربه. دائما يكون في تعامله يححسن الظن، ويؤمن أن الله عز وجل أرحم به من نفسه. الله عز وجل أرحم بنا والله من أنفسنا، فيحسن الإنسان الظن بالله عز وجل، ويرضى باختيار الله له. يرضى باختيار الله له، ويعلم أن اختيار الله عز وجل له أفضل وأكمل من اختياره لنفسه. فالله أعلم بنا، وأعلم بما يصلح أحوالنا وبما يصلح لنا. فالله عز وجل رحيم، كريم، لطيف بعباده، وهو أرحم بنا من أنفسنا، فلا بد أن نححسن الظن بالله دائما.

ولهذا يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء». إن أحسنت الظن بالله حصلت هذا الخير، وإن أسأت الظن بالله عز وجل جاءك من البلاء بقدر ما تسيء الظن بربك، جزاء وفاقا عقوبة من الله. ولهذا الإنسان الموفق المسدد أنه دائما يححسن الظن بالله، حتى في أحلك الأمور وفي أصعبها وفي أشدها، فقلبه معلق بالله ويحسن الظن بالله.

ولهذا انظروا أيها الأحبة في قصة نبينا صلى الله عليه وسلم في حادثة الهجرة مع أبي بكر الصديق في الغار، إذ هما في الغار، إذ يقول لصاحبه: لا تحزن ان الله معنا. أبو بكر رضي الله عنه يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لرانا. فماذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو من اعظم الناس حسن ظن بالله؟ ماذا قال؟ قال: ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما! الله معنا وهو يحمينا ويحرسنا. فدائما عندما يححسن الانسان الظن بالله فانه يوفق ويسعد في حياته كلها في كل اموره، حتى في المصائب فإنه يححسن الظن بربه ويحمد الله عز وجل. كما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه ما يسره يقول: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا جاءه ما يسوءه عليه الصلاة والسلام يقول: الحمد لله على كل حال. وهذا من حسن الظن بالله أن يححمد الله حتى في حال السراء.

ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وليس ذلك إلا للمؤمن».

وقلتم: ﴿فَقَصَصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 176].

وقلتم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].

وقلتم: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: 43].

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد.

فما زال الحديث أيها الأحبة عن ذلك الأدب العظيم الذي هو الأدب مع ربنا ومولانا عز في علاه. تحدثنا قبل الفاصل عن أنواع من الأدب مع الله عز في علاه؛ الأدب في الصلاة، الأدب في قراءة القرآن، الأدب في سماع القرآن، الأدب في الكلام في الفتيا عن الله عز وجل، وكذلك الأدب في الدعاء. هذه كلها آداب، وحسن الظن كذلك بالله عز وجل هي آداب يتمثل بها المسلم في حياته كلها.

هناك أنواع من العبادات أيها الأحبة تدرس في كتب العقائد أو في كتب الفقه، لكن هي في حقيقتها وفي التفكر فيها -إذا تفكر الإنسان فيها- هي نوع من أنواع الأدب مع الله عز في علاه. مثلا الاخلاص، وهو شرط من شروط العبادة، أن هناك شرطين للعبادة؛ الإخلاص والمتابعة. الإخلاص مع أنه شرط في العبادة، هو أيضا أدب مع الله، أن تخلص في عملك لله عز وجل الذي خلقك، والذي رزقك، والذي أعطاك، والذي وهبك، والذي يثيبك على هذا العمل. فأنت تخلص لله عز وجل أدبا مع الله، فضلا عن أن يكون هذا العمل شرطا من شروط العبادة. فالله عز وجل لا يقبل من الأعمال ما كان الانسان فيه غير خالص لله عز وجل. يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه». لماذا؟ لأن هذا سوء أدب مع الله، أن تدع غير الله، أن تذبح لغير الله، أن تلجأ إلى غير الله، أن توكل على غير الله، أن تستعين بغير الله، أن تطلب الشفاعة من غير الله عز وجل. فهذا كله سوء أدب مع الله عز وجل، الذي علمنا ألا ندعو إلا إياه، ولا نتوكل إلا عليه، ولا نستعين إلا به، ولا نذبح إلا له. فالله عز وجل علمنا هذا الأدب في كتاب ربنا وفي سنة نبينا صلوات ربي وسلامه عليه.

فهو مع كونه من أنواع العبادات التي يتعبد الانسان بها، كذلك هو أدب مع الله عز وجل. فلهذا لابد أن يخلص الانسان إذا أراد أن يحقق الادب العظيم الذي يؤجر عليه، زيادة على ما فيه من اخلاص وتوفيق في العبادة، هو أيضا يؤجر الانسان في هذه النية، أن هذا الأمر هو تعامل مع الله عز وجل، أنك تتأدب مع الله، وتستحي من الله عز وجل أن تلجأ أو تتوكل أو تستعين أو تدعو أو تذبح لغير الله عز وجل. فهذا والله سوء أدب مع الله عز وجل، إذا استشعره الانسان فانه بإذن الله يؤجر على هذا الأدب.

والخلق القويم أيضا أن يكون في قلب العبد الحب العظيم لله، هذا نوع من أنواع الأدب. لأن النفس بطبيعتها تحب من أحسن إليها، وهو أدب الناس الآن، إذا أحسن الإنسان إلى غيره فإن من الأدب أن تتعامل معه بأخلاق حسنة وأن تظهر له الجميل وتظهر له الفضل. فكيف بالله عز وجل الذي خلقنا ورزقنا وأعطانا ومنحنا وتفضل علينا وأكرمنا بنعم عظيمة لا تعد ولا تحصى؟ ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النباء: 18]. فالله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذُلِمُم مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: 40]. فالله عز وجل الذي وهبنا هذه النعم العظيمة هو وحده المستحق للعبادة، وهذا هو الأدب مع الله، هذا هو حقيقة الأدب مع الله عز وجل، ألا تصرف العبادة إلا لمستحقها، إلا لمعبودنا ومولانا عز في علاه.

فهذا نوع من الأدب عظيم أيها الأحبة يستشعره الإنسان في طلبه للعلم، في تعلمه لأبواب العقيدة، في تعلمه لأبواب الفقه، فهو يستشعر هذا الأدب مع الله، وهذا مما يزيد الإيمان في القلب. ولهذا كلما تعلم الإنسان علما وازداد معرفة فإنه يعظم الله عز وجل في قلبه، ويحب الله حبا حقيقيا وصادقا، ويتأدب مع الله حق الأدب، ويستحي من الله حق الحياء. كلما ازداد الانسان من هذا العلم وبورك له فيه، فإنه يتمثل بإذن الله هذا الخلق القويم.

أيضا من الأدب مع الله، وهو أدب عظيم جدا، تعظيم شعائر الله. كل ما يتعلق بالله عز وجل فإن الإنسان يعظمه، وهو أدب عظيم أدب قويم. ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]، دلالة على التقوى الموجودة في القلب. ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [الحج: 30]. فإذا عظم الإنسان حرمات الله وعظم شعائر الله عز وجل، فإنه بإذن الله يتحقق فيه هذا الأدب الذي يؤجر عليه ويثاب عليه أيما ثواب.

الإنسان يعظم الأاماكن والأازمنة وكل ما يتعلق بالعبادات التي تتعلق بربنا ومولانا، فإن الإنسان يعظمه؛ عندما يكون في المسجد الحرام، في المسجد النبوي، يكون في بيت من بيوت الله، يكون في أماكن العبادة في الحج وفي غيرها، أو يكون متلبسا بشعيرة مثل الصيام مثل العمرة، فإنه يستشعر هذا الأدب. ولهذا كان بعض السلف عندما يلبس أحرامه ويقول: لبيك اللهم لبيك، فإن بعضهم يخر أو يبكي استشعاره لعظمة الله عز وجل وهو في هذا الموقف العظيم، أو في هذه الألفاظ العظيمة التي ينطق بها.

فتعظيم مثل هذه الأمور أيها الأحبة، أيضا تعظيم نبينا صلى الله عليه وسلم هو من الأدب العظيم الذي نتحلى به مع الله ومع نبيه صلوات ربي وسلامه عليه. وسيأتي الحديث مفصلا بإذن الله عن الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم، لكن تعظيم سنة النبي صلى الله عليه وسلم هو جزء من الأدب مع الله عز وجل الذي أمرنا باتباع هذا النبي صلوات ربي وسلامه عليه.

أيضا الإنسان ينكسر ويذل ويخضع للنصوص الشرعية، هذا أدب عظيم. ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36]. فالانسان يخضع ويذل في الأحكام الشرعية، وكما قال العلماء: يكون الانسان أمام النصوص الشرعية كالريشه في مهب الريح. ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]. هذا هو الخضوع وهذا هو الذل، وهذا هو الأدب العظيم القويم مع ربنا ومولانا عز في علاه.

أيضا من الأدب مع الله عز وجل إظهار الشكر لله في نعمه: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53]. فالإنسان الذي يتحلى بهذا الأدب دائما يشكر الله عز وجل على كل نعمة، الحمد والشكر لله، وهذه نعمه عظيمة إذا من الله عز وجل بها على العبد أن يكون من الشاكرين. والله عز وجل يقول: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِي الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13]. فالإنسان يحرص على أن يكون من هذا القليل الذين يشكرون الله على نعمه وعلى إحسانه وعلى جوده وفضله وكرمه. ومن فضل الله علينا أن هذا الشكر يزيد في النعم: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7].

أيضا التسليم لقضاء الله وقدره، لأوامر الله لشرع الله؛ كل ما يصيب الإنسان فإنه يسلم ولا يجزع ولا يتسخط، ولا تخرج منه بعض الألفاظ التي فيها اعتراض على قدر الله: لماذا يا رب؟ وهذا ما يستاهل! وليه يا رب! مثل هذه الكلمات التي لا تنبغي ولا تجوز أن تخرج من الإنسان وتنافي التسليم لله عز في علاه.

هذه أنواع من الأدب أيها الأحبة مع الله عز في علاه، يحرص عليها الإنسان ليكون بإذن الله ممن يتأدب حق الأدب مع الله، فينال الأجر والخير العظيم والوفير. إن هذا الأدب هو الذي يعلي من شان الإنسان بإذن الله عند ربه ومولاه. اسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا حسن الأدب معه، وأن يرزقنا التوفيق والسداد في الدنيا والآخرة، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.