تسجيل الدخول

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح.

ما زال الحديث أيها الأحبة عن سلسلة الآداب القوية والرفيعة في ديننا وفي شرعنا، والتي هي مقرر مادتنا لهذا الفصل الآداب الإسلامية، ومر الحديث في الحلقة الماضية عن أعظم أدب، وهو الأدب مع الله عز في علاه.

وسيكون الحديث في هذه الحلقة عن أدب عظيم أيضا يتعلق بالادب مع الله، وهو الأدب مع رسوله ومولاه صلوات ربي وسلامه عليه، ومن أحق بالادب في الخلق من نبينا وحبيبنا وقدوتنا وإمامنا محمد صلى الله عليه وسلم.

الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم عظيم، وهو عبادة من أجل وأعظم العبادات التي يتقرب بها الإنسان إلى ربه ومولاه، ويحب أحب الخلق إلى الله نبينا وحبيبنا وإمامنا وقدوتنا صلوات ربي وسلامه عليه. الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه﴾ [الفتح: 9]، يعني تعزر النبي صلى الله عليه وسلم، والتعزير هو التعظيم والإجلال، والتوقير كذلك.

الله عز وجل أمرنا في كتابه الكريم بأن نعظم النبي صلى الله عليه وسلم، بل قرن الله عز وجل طاعة النبي صلى الله عليه وسلم بطاعته: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80]. وكيف الإنسان يطيع الرسول صلى الله عليه وسلم إذا لم يعظم هذا النبي، ويحب هذا النبي، ويعرف له قدره؟ والله عز وجل أيضا يقول: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: 31]، قل أي يا محمد صلوات ربي وسلامه عليه، قل للناس إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم، فجعل الله عز وجل محبة نبيه صلى الله عليه وسلم تبعا لمحرفته، وهي سبب موصل لمحبة الله عز في علاه. فمن أراد أن يصل إلى محبة الله، لابد أن يحب نبينا ومولانا وإمامنا وقدوتنا محمدا صلوات ربي وسلامه عليه وبابي هو وامي، ومن لا يحب النبي صلى الله عليه وسلم خاب وخسر، والله ثم والله خاب وخسر. من لا يحب الرحمة المهداة والنعمة المسداة صلوات ربي وسلامه عليه.

ولو نظر الإنسان أيها الأحبة في حال الصحابة الذين تشرفت أعينهم برؤية النبي صلى الله عليه وسلم وطوبى لهم، أي والله هنيئا لهم برؤية النبي صلى الله عليه وسلم، لو نظر في حالهم وما أظهروه من حب للنبي صلى الله عليه وسلم، والله رأى العجب العجاب، رأى العجب العجاب من هؤلاء الصحابة الذين أظهروه من الحب الشيء العظيم لنبينا ومولانا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم.

ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم في يوم من الأيام يمشي مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين. فقال عمر رضي الله عنه وهو صادق وهكذا كان الصحابة رضوان الله عليهم، قال: يا رسول الله، انك أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فأظهر الصدق رضي الله عنه، وهذا الصدق كان سببا في فلاحه وفي نجاحه وفوزه أيضا حتى في تكملة هذا الحديث. فقال: لا يا عمر، يعني لا يكتمل إيمانك حتى أكون أحب إليك من نفسك. فقال عمر رضي الله عنه وهو صادق في الثانية كما صدق في الأولى، قال: والله يا رسول الله، انك أحب إلي حتى من نفسي، يعني الان استشعرت هذا الأمر. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم الآن يا عمر مصدقا لكلامه، الآن يا عمر الآن اكتمل إيمانك بأن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أحب إليك من نفسك أيضا. وهذا والله أمر ليس بالهين، أمر ليس بالهين إذا استشعره الإنسان.

طبعا نحن الآن لا نرى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا نستطيع أن نظهر هذا الأمر في حبنا لنبينا صلى الله عليه وسلم كما فعل الصحابة الذين فدوه بانفسهم صلوات ربي وسلامه عليه. لكن نحن الآن أمامنا سنة النبي صلى الله عليه وسلم، أمامنا هذا الدين الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، يظهر الحب الحقيقي في تعاملنا مع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، في تعاملنا مع أهاديثه، مع أوامره، مع نواهيه، هنا تظهر فعلا المحبة الحقيقية، ننظر في سيرته، نقتدي باثره، ونقتفي هداه عليه الصلاة والسلام في كل أحواله وفي كل شؤونه. هذا هو الامتثال الحقيقي، الحب الحقيقي لنبينا صلوات ربي وسلامه عليه.

مواقف عظيمة تدل على عظم محبة النبي صلى الله عليه وسلم في قلوب الصحابة، وهذا الأدب الجليل والعظيم الذي كانوا يمتثلونه في حياتهم. موقف حصل لعمر بن الخطاب رضي الله عليه في يوم من الأيام وهو الخليفة، مر عمر رضي الله عنه بميزاب يصب على طريق الناس، فانتزعه عمر رضي الله عنه، كان إذا جاء المطر فصب هذا الميزاب على طريق الناس، فانتزعه عمر حتى لا يؤذي الطريق.

فقال العباس، وكان هذا في بيت العباس رضي الله عنه، فقال العباس وهو عم النبي صلى الله عليه وسلم يعني شهد بان النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي وضعه بيده الشريفة، يعني هو الذي وضع الميزاب في هذا المكان، فماذا كان من عمر رضي الله عنه؟ أقسم على العباس رضي الله عنه أقسم عليه بأن يصعد على ظهره، وأن يضع الميزاب في مكانه، الله أكبر، تعظيم وحب وإجلال وأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم في أمر بسيط، يعني في أمر يسير لو نظر الإنسان أنه في شيء يعني في ميزاب نزعه وممكن يغير مكانه.

لكن هذا هو الأدب الحقيقي الذي لا يفرق بين الأشياء التي قد تكون من كبار الأمور أو من صغارها في نظر الناس، وهذا هو التعامل الحقيقي. وهذا أيها الأحبة لو طبقناها الآن في حياتنا، يعني أنظروا هذا ميزاب يعني نزعه أو وضعه لا يدخل في الأحكام الشرعية في حلال ولا حرام، لكن انظروا إلى هذا الأدب لو نظرنا وطبقناها في حياتنا اليوم، بعض الناس الآن عندما يسمع سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم مع الأسف يظهر عدم الأدب مع نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، يعني قد يكون كلام أحيانا لا يستشعر الإنسان ما فيه من سوء أدب مع النبي صلى الله عليه وسلم، يقول يعني هذا واجب ولا سنة.

الواجب معروف أن الإنسان يثاب فاعله ويأثم تاركه، والسنة يثاب فاعلها ولا يأثم تاركها. الأسلوب في الكلام يعني سنة يعني أي كلام، كأنه لسان حاله وليس لسان مقاله عندما يقول مثل هذا الكلام، فيحذر الإنسان من مثل هذه العبارات وهذه الألفاظ التي قد لا يكون فيها توقير لسنة نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، ونواصل بعد الفاصل بإذن الله.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، فقد توقفنا قبل الفاصل عند حال الصحابة رضوان الله عليهم مع نبينا صلى الله عليه وسلم في تمثلهم لهذا الأدب في أحوالهم وفي شؤونهم وفي أخلاقهم مع نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم.

ذكرنا قصة عمر رضي الله عنه مع العباس رضي الله عنه في نزع الميزاب وإرجاعه، وأقسام عمر رضي الله عنه على العباس بأن يصعد على ظهره حتى يضع الميزاب في مكانه الذي وضعه النبي صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة. ذكرنا أيها الأحبة أن هذا الأمر ليس له تعلق بالحلال ولا بالحرام وضع الميزاب، وهذا أدب كان يتعامل به الصحابة مع كل ما يتعلق بنبينا صلى الله عليه وسلم حتى ولو كان من الأمور اليسيرة.

وهذا ولا شك يدل على التعظيم والاجلال والتوقير لنبينا صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الأدب الجليل الذي تمثلوه. نحن الآن كما قلت قبل الفاصل ليس عندنا من آثار النبي صلى الله عليه وسلم، أو لم نرى النبي صلى الله عليه وسلم ونستطيع أن نطبق هذا الأدب كما فعل الصحابة رضوان الله عليهم، لكن أمامنا السنة، حتى في الألفاظ نتأدب مع سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

وكما قلت قبل الفاصل، بعض الناس الآن عندما يسأل عن السنة يعني هذا السنة، يعني أسلوب السؤال يظهر منه عدم الأدب، يعني هو كحكم شرعي يسأل أن هذا السنة أنه واجب، لا بأس به، لكن أن يكون أسلوب السؤال أنه يعني ما هو لازم، ما هو مهم! لا، لا تشدّق أنه ما هو سنة أنه ليس بواجب، لا، يبقى الإنسان أنه يعظم هذه السنة حتى ولو لم يفعلها، حتى ولو لم يفعلها، لكن يبقى التعظيم لهذه السنة وهي دلالة على حب الإنسان لصاحب السنة، لصاحب هذه السنة والذي جاء بها وهو نبينا وحبيبنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه.

وإذا حتى في السنن، لو نظرنا في حال الصحابة رضوان الله عليهم، الحديث الآيتين الأخيرتين في فضل الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة، تقول أم سلمة رضي الله عنها لما روت هذا الحديث: ما تركتهما منذ سمعتهما من النبي صلى الله عليه وسلم، وقل مثل ذلك في بقية الصحابة في أحاديث كثيرة في سنن وليس في واجبات، هذا من حبهم للنبي صلى الله عليه وسلم.

أيضا علي رضي الله عنه عندما روى حديث التسبيح قبل النوم: «سبحان الله ثلاثا وثلاثين، والحمد لله ثلاثا وثلاثين، والله أكبر أربعا وثلاثين»، عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم علمه هو وزوجته فاطمة رضي الله عنها بنت نبينا صلى الله عليه وسلم: خير لكما من خادم، يقول علي رضي الله عنه: ما تركتهما منذ ما تركتهما منذ سمعتهما من النبي صلى الله عليه وسلم.

هذا هو الحرص حتى على السنة، لأن حتى على السنة التي ليست بواجبة هذا يدل على التعظيم والإجلال والحب والأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم، والذي يرتقي بالانسان بعد ذلك أن يكون أشد حرصا في الواجبات وفي المأمورات. يكون أشد حرصا في الواجبات إذا كانت هذه السنن التي ليست بواجبة يتمسك بها ويتشبث بها، فانه يكون بإذن الله أكثر تمسكا وتشبثا وعملا وتطبيقا لما جاء في ديننا من أوامر ومن واجبات.

أيضا من الأمثلة في حب الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم، أمثلة كثيرة جدا، في قصة أبي أيوب الأنصاري لما نزل النبي صلى الله عليه وسلم في داره لما جاء مهاجرا إلى المدينة قبل أن يبني حجره صلوات ربي وسلامه عليه حجر نسائه، نزل في بيت أبي أيوب الأنصاري. ففي اليوم الأول جلس النبي صلى الله عليه وسلم في أسفل الدار، وأبو أيوب كان في الدور الثاني في الدور العلوي من الدار، فما طابت نفسه لا هو ولا زوجته في تلك الليلة، كيف ينام على سقف تحته النبي صلى الله عليه وسلم! والنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يختار هذا المكان ليكون أرفق بالناس الذين يأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم من المكان من الدور الأعلى، لكنه بات في ليلة في كرب وفي شدة، لم يحاول ألا يمشي حتى لا يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم بصوت المشي، لو كان في حالة لا يعلم بها إلا الله.

فلما أصبح الصباح عزم على النبي صلى الله عليه وسلم أن يصعد إلى الأعلى، وهو يجلس هو وزوجته وأبناؤه في أسفل الدار. هذا يدل على الحب والتوقير والأدب مع نبينا صلى الله عليه وسلم حتى في الأمور اليسيرة. كذلك مثال عظيم وجليل في قصة ذلك الصحابي الجليل سعد بن معاذ رضي الله عنه سيد الأوس.

الذي اهتز عرش الرحمن لموته رضي الله عنه وأرضاه، لما حكمه النبي صلى الله عليه وسلم في بني قريظة بعد أن نزلوا بعد غزوة الأحزاب بعد الخندق، لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم وقد خانت قريظة العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم فحاصرهم حتى نزلوا على حكمه.

فكان بنو قريظة هم موالي الأوس، فحكم النبي صلى الله عليه وسلم سيد الأوس، وهذا إكراماً له؛ حكمه في بني قريظة لما نزلوا على حكمه، وكان مصاباً رضي الله عنه وأرضاه ومات بعدها مباشرة من هذه الإصابة. فحملوه حتى جاءوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء وأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بأن جعل حكم بني قريظة له، فقال: يعني حكمه، يريد الآن أن يتبين أن حكمه يسير على من يحكم عليهم، فأشار إلى الناس الذين عن يميني وهم كبار بني قريظة ومعهم الصحابة رضوان الله عليهم؛ يعني أشار إليهم بأن يرضوا بحكمه، فقالوا: نعم، لكنه من أدبه مع النبي صلى الله عليه وسلم لم يلتفت ويطلب النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلن رضاه بالحكم.

فقال بكل أدب واحترام وتوقير وتعظيم وإجلال للنبي صلى الله عليه وسلم: أشار بيده دون أن يلتفت، قال: وعلى من ها هنا يقصد الجهة التي فيها النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم، وعلى من ها هنا». فحكم فيهم سعد رضي الله عنه الحكم المعروف أن يقتل الرجال وتسبى النساء والذراري وتصادر الأموال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم وقد حكم فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات.

لكن الشاهد أيها الأحبة أنه لم يلتفت ويقول: يا رسول الله ترضى بحكمي؟ وإنما أشار بأدب دون أن يلتفت، قال: وعلى من ها هنا، وهذا يدل على ذلك الأدب العظيم الذي تحلى به صحابة نبينا وحبيبنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه. أيضاً كانوا يعظمون السنة، كانوا يعظمون السنة ويعظمون أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ويستشعرون هذا الأدب في تعاملهم معه.

هذا الأدب نتج عنه الحب والتعظيم والتوقير والإجلال لكل كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وكل ما يصدر، وكل ما يأمر به، وكل ما يدل عليه، وكل ما ينهى عنه. وكان هذا حالهم مع حبيبنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فكانوا يعظمون سنته، ويعلمون أن الخير والنور والبركة والهداية والتوفيق هي في اتباع سنة النبي صلوات ربي وسلامه عليه. والله عز وجل دلنا على ذلك: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21].

وانظروا أيها الأحبة هذا الحب حتى في أصعب المواقف، هذا الحب الذي نتج عنه التمسك بالسنة والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، في قصة أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها لما توفي زوجها أبو سلمة أظلمت الدنيا، فهو وحيدها وليس لها أحد، هاجرت معه من مكة إلى المدينة. فلما مات زوجها تذكرت حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان إذا أصيب بمصيبة قال: اللهم إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي هذه وأخلفني خيراً منها.

تقول أم سلمة رضي الله عنها: قلت إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم قلت: اللهم أجرني في مصيبتي هذه. ثم لما أردت أن أقول وأخلف لي خيراً منها قلت: ومن خير من أبي سلمة؟ زوجها وحبيبها وهو سندها بعد الله عز وجل في الغربة. لكنها امتثلت لأمر النبي، وامتثلت لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وامتثلت أيضاً للهدي النبوي في التعامل في هذه المصيبة، فأكملت حباً وأدباً مع النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: وأخلف لي خيراً منها.

فأخلفها الله عز وجل بخير من ملء الأرض من أبي سلمة، وهو نبينا وحبيبنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه، ببركة هذا الأدب وهذا الامتثال لسنة نبينا وحبيبنا صلوات ربي وسلامه عليه. ونواصل بعد الفاصل إن شاء الله.

يقتل كل عام ستة ملايين شخص تقريباً، منهم أكثر من خمسة ملايين ممن يتعاطون أو سبق لهم، وأكثر من ستمائة ألف شخص ممن يتعرضون له بشكل غير مباشر. إنه التدخين مدمر الصحة وقاتل الملايين، ووفقاً لما جاء في تقارير منظمة الصحة العالمية فإن شخصاً واحداً يقضي نحبه من جراء التدخين كل ست ثوان تقريباً، مما يمثل عشر وفيات البالغين.

ونظراً للسنوات العديدة التي تفصل بين بدء الناس في تعاطي التدخين وبدء معاناتهم الصحية منه، فإن العالم قد بدأ يشهد زيادة الأمراض والوفيات ذات الصلة بالتدخين. ففي مقابل مائة مليون وفاة في القرن العشرين قد سببها تعاطي التدخين، قد تبلغ الوفيات في القرن الحادي والعشرين نحو مليار وفاة متى استمر تعاطيه بتلك الصورة المتزايدة.

هذا وقد أثبتت التجارب والأبحاث العلمية الحديثة خطر التدخين المميت على جسم الإنسان بأجهزته المختلفة، حيث يصاب المدخن بأراض خطيرة منها: سرطان الرئة، ضعف الأعصاب، جلطات القلب وموت الفجأة، التهاب الشريان التاجي المغذي للقلب، الذبحة الصدرية، سرطان المريء، سرطان المثانة والكلى، وصدق الله إذ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29].

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فما زال الحديث أيها الأحبة عن الأدب مع حبيبنا ونبينا محمد صلوات ربي وسلامه عليه. وذكرنا قبل الفاصل أن من الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم هو تعظيمه وتعظيم سنته، والتعامل مع هذا الهدي النبوي القويم بهذه الأخلاق الرفيعة، بأن يمتثل الإنسان وأن يخضع ويذل لكلام نبينا وحبيبنا ومولانا محمد صلوات ربي وسلامه عليه.

وذكرنا نماذج من سير صحابة النبي صلى الله عليه وسلم الذين طبقوا هذا الأمر في حياتهم، وهذا لعله هو الذي كان سبباً في رفعتهم وعلو شأنهم وقدرهم عند الله وعند الناس. توقفنا قبل الفاصل أو ذكرنا قبل الفاصل قصة أم سلمة رضي الله عنها عندما امتثلت لهدي النبي صلى الله عليه وسلم في حادثة وفاة زوجها، عندما قالت: اللهم أجرني في مصيبتي هذه وأخلف لي خيراً منها، فأخلفها الله عز وجل بخير من ملء الأرض من أبي سلمة، وهو نبينا وحبيبنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه.

هذا أيها الأحبة هو بركة الامتثال، هو بركة الاتباع؛ هنا تحصل البركة. الإنسان إذا طبق هذه السنة وهو يستشعر هذا الأمر أن فيها الحب والتوقير والتعظيم والإجلال والأدب مع نبينا صلى الله عليه وسلم، فانه يبارك له، يبارك له في عمله، يبارك له في علمه، يبارك له حتى في عاقبة أمره. في عاقبة أمره كما حصل مع أم سلمة البداية مصيبة والنهاية شيء عظيم لا يتصوره الإنسان أن تكون زوجة لخير الخلق صلوات ربي وسلامه عليه.

هنا يستشعر الإنسان فعلا بركة التمسك والامتثال والتطبيق للهدي النبوي. قصة أخرى أيها الأحبة، وما أجمل قصص صحابة نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، وهي قصة زواج زينب بنت جحش رضي الله عنها وأرضاها، قد ذكرها الله عز وجل في القرآن. زينب هي بنت عمة النبي صلى الله عليه وسلم، وأمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن تتزوج زيداً، وهو كان ابن النبي صلى الله عليه وسلم أو تبناه النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يقال له زيد بن محمد حتى أبطل الله عز وجل عادة التبني بحكم في القرآن: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 5].

ثم أراد الله عز وجل لحكمة يعلمها أن يجعل هذا تطبيقاً في حياة الناس، فأمر زيداً بالزواج من زينب. فكانت زينب ترى أنها هي الشريفة والكريمة من عائلة من أشراف قريش فرفضت، فجاءها النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيتها فقرأ عليها قول الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 36].

فقالت زينب وقد خضعت لامر الله عز وجل وهي المرأة الصالحة التقية النقية: أترضاه لي يا رسول الله؟ قال: «نعم». قالت: فنعم، فرضيَت به. فكان نتيجة هذا الرضا أن كانت العاقبة لها؛ يعني أن في بداية الأمر أنها تظن أنها تزوجت مولى من الموالي -طبعاً هو أعتق لكن في الأصل كان مولى- فكان بالنسبة لها أمراً شاقاً.

لكن انظروا إلى العاقبة أيها الأحبة، عاقبة الامتثال، عاقبة الخضوع، عاقبة التمسك بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، الامتثال لأمر الله عز وجل باتباع هذا النبي صلوات ربي وسلامه عليه. فكان في نهاية قصة هذا الزواج بأن طلقها زيد رضي الله عنه بعد أن أذن له النبي صلى الله عليه وسلم بطلاقها -لم تدم أو استمرت الحياة سنة كاملة لكن لم يكن هناك وفاق بينهما- حتى أذن النبي صلى الله عليه وسلم لزيد بطلاقها.

ثم بعد ذلك جاء الفضل من الله، جاء التعويض من الله عز وجل لهذه المرأة الصالحة التقية النقية التي أرغمت على هذا الزواج ولم تكن مريدة له، لكنها امتثلت لأمر النبي صلى الله عليه وسلم. فكان هذا التعويض من الله عز وجل لها بأن كانت هي زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، زيادة في الفضل والخير والانعام لهذه المرأة، بأن الله عز وجل هو الذي تولى تزويجها من فوق سبع سماوات.

﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: 37]. فكانت هذه الكلمة في القرآن هي تزويج النبي صلى الله عليه وسلم على زينب بدون عقد وبدون شهود وبدون ولي وبدون مهر، فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية. ولهذا كانت تفتخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم على بقية زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، تقول: زوجكن أهليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات.

انظروا إلى هذا الفضل الذي نالته هذه المرأة الصالحة التقية النقية التي كانت تسمى بأم المساكين، وهي أول نساء النبي صلى الله عليه وسلم لحوقاً به، هي التي كان يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أولكن لحاقاً بي أطولكن يداً». فكانت زوجات النبي صلى الله عليه وسلم يقسن طول اليد على الجدار يظنن أنه أطولهن يداً، فهمنا الطول الحسي، لكن كان هناك الطول المعنوي وهو طول اليد بالصدقة.

فكانت زينب رضي الله عنها من أكثر نساء النبي صلى الله عليه وسلم تصدُّقاً، بل كانت تعمل بيدها وتتصدق، فهي أول من لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم من نسائه، ماتت في سنة عشرين من الهجرة بعد تسع سنوات من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

لكن انظروا أيها الأحبة إلى بركة الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم، بركة الامتثال لسنة النبي صلى الله عليه وسلم ولكلام النبي صلى الله عليه وسلم، نتج عنه هذا الخير العظيم الجليل لهذه المرأة الصالحة ومن قبلها لأم سلمة رضي الله عنها، وكذلك لسعد رضي الله عنه وعمر ولغيري من الصحابة ولأبي بكر الصديق، الذين كانوا يحبون النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أنفسهم ويجلونه ويعظمونه ويقدرونه حق قدره، ويعرفون كيف يتعاملون مع حبيبنا ونبينا صلى الله عليه وسلم، ويعرفون الأدب الذي يمتثلون به مع سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

ولا شك أن الذي يسير على طريقتهم وعلى نهجهم وعلى هداهم أنه هو الذي يفوز وينجح ويحصل الخير العظيم في هذه الدنيا والبركة والتوفيق في الآخرة؛ لماذا؟ لأنه عرف كيف يتأدب مع حبيبنا ونبينا صلوات ربي وسلامه عليه. ونحن كما قلت سابقاً نحن لم نرى النبي صلى الله عليه وسلم ونسأل الله عز وجل أن يرزقنا هذه الرؤية -حرمنا منها في الدنيا- فنسأل الله عز وجل أن يرزقنا إياها في الآخرة وأن يجعلنا من رفقاء النبي صلى الله عليه وسلم في الفردوس الأعلى من الجنة.

والسبيل الموصل إلى ذلك هو الأدب مع سنته التي هي بين أيدينا الآن، عندما نتعامل معها في كلامه وفي أفعاله وفي تقريراته صلوات ربي وسلامه عليه. هذه هي السنة التي وصلت إلينا فيما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وما قرره النبي صلى الله عليه وسلم. ولو في عدد من الصحابة الذين كانوا يحاولون أن يتشبهوا بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى في أمور العادات فضلاً عن العبادات، ابن عمر وغيره رضي الله عنهم جميعاً كانوا يحبون أن يتشبهوا بالنبي صلى الله عليه وسلم في كل أحوالهم وفي كل شؤونهم.

ويعلمون حق العلم أن الخير والفلاح والفوز والنجاح في هذه الدنيا وفي الآخرة هو في امتثال هدي النبي صلى الله عليه وسلم. فالأدب كما ذكرنا أيها الأحبة، الأدب الآن مع سنته، عندما يسمع الإنسان سنة يقدر هذه السنة ولو لم يطبقها لكن يتعامل معها بأدب واحترام وتوقير لعله أن يكون من الفائزين في الدنيا وفي الآخرة.

وبقي حديث وكلام في الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم نؤجله إلى الحلقة القادمة. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا حب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يرزقنا اتباع سنته ظاهراً وباطناً. والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

يا راغبا في كل علم نافع، متطلع لزيادة الإيمان، وتريد سهلا يأتيك ميسورا بأي مكان، ومكارم الأخلاق ندرسها معا، أنا زدنا كاذبين للعلم كالأزهار في البستان.