بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أمين. أما بعد:
فنواصل ما بدأنا به في الحلقة الماضية عن أعظم حق في الوجود، وهو حق الله عز في علاه. تكلمنا في اللقاء الماضي عن حق الله العظيم، من ناحية عبوديته وتوحيده في أسمائه وصفاته، وفي توحيد الربوبية وفي توحيد الألوهية، وأن كل أعمال الإنسان لابد أن تكون منصرفة لله عز وجل، كما قال الله في كتابه الكريم: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 162-163].
من الحقوق العظيمة لله عز وجل علينا أن نعظم الله؛ أن نعظم الله، أن نجل الله، أن نكبر الله عز وجل. لابد أن يتحقق هذا الأمر في قلوبنا ليزداد الإيمان ويتحقق التوحيد في قلوبنا؛ أن نعلم حق الله عز وجل، وأن نقدر الله عز وجل قدره. هذا الأمر -تعظيم الله عز وجل- له أثر عظيم في إيمان العبد؛ فبقدر ما يعظم العبد الله، بقدر ما يكون في قلبه الخوف من الله، والوجل من الله، والبعد عن معاصي الله عز وجل.
فإذا عرف الإنسان هذا العظيم عز في علاه، لن يتجرأ بأي حال من الأحوال على معصيته؛ إذا عرف عظمة الله عز وجل وجلال الله عز وجل، فإن الإنسان بذلك يجتنب كثيراً من المعاصي التي قد يجرئ عليها بسبب ضعف تعظيم الله عز وجل في قلبه، والذي ينتج عنه ضعف الخوف في قلبه.
فبقدر ما يعظم الإنسان الله عز وجل، بقدر ما يستقيم على دين الله؛ يستقيم حق الاستقامة. والاستقامة شأنها عظيم، ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من السور التي شيبته سورة هود وأخواتها. سورة هود ذكر الله عز وجل فيها، كما قال العلماء، الآية العظيمة التي فيها، والتي قد تكون سببا في أنها هي التي شيبت النبي صلى الله عليه وسلم، وهي في قوله عز في علاه: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا﴾ [هود: 112].
فاستقامة الإنسان على ما أمر الله عز وجل وبما أراده الله عز وجل ليست بالأمر الهين، ومما يعين على هذه الاستقامة أن يعظم الله في قلب العبد، أن يعظم الله في قلب العبد. ولهذا يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: 13]، ما لكم لا ترجون لله تعظيما، ولا تعلمون حق العلم واليقين بعظمه الله العظيم الجليل الكبير المتعال؟ هذا فيه نقص، ولهذا شنع الله عز وجل عليهم واستنكر عليهم هذا الأمر، بأنهم لا يعرفون حق الله ولا يقدرون الله عز في علاه حق قدره.
أيضاً من حقوق الله عز وجل التي يجب أن نعتني بها في حياتنا، أن نعظم حرمات الله؛ أن نعظم حرمات الله، ما أمر الله، ما نهى الله عز وجل، يجب أن يحرص الإنسان أشد الحرص على أن يجتنب هذا المحرم الذي جاء في كتاب الله أو على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي ذلك يقول ربنا عز في علاه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: 30].
ما معنى يعظم حرمات الله؟ بمعنى أنه يعرف حق الله في هذا الأمر، ويجتنبه ولا يتجرأ عليه. فإذا عرف هذا الحق، فانه باذن الله يوفق ويسدد ويعان في البعد عن هذه المظالم وعن هذه الموبقات. فمسألة تعظيم الحرمات لها شأن عظيم، تجعل الإنسان لا يجرئ على حق الله عز وجل، وأيضاً لا ينتقص من قدر الله عز وجل باشترائه على هذه المعصية التي نهى الله عز وجل عنها.
ولهذا يقول نبينا صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم». الأمر يحرص الإنسان على أن يفعله بقدر المستطاع، وهذا من رحمة الله بنا أنه ليست كل الأوامر يجب أن نفعلها في كل أحوالنا وفي كل شؤوننا، وإنما كما قال الله عز وجل، يحاول الإنسان أن يفعل من الطاعات ومما أحب الله عز وجل بقدر جهده، وطبعاً يثابر الإنسان ويجاهد نفسه أن يتقدم، لكن الله عز وجل رحيم بعباده، ولهذا قال في كتابه الكريم: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، وهذا من رحمة الله بنا.
أما المحرمات فلا خيار لك؛ يجب أن يبتعد العبد، وهذا من تعظيم الله ومن حق الله، ألا تقع في هذه المعصية وهذه الذنوب التي نهى الله عز وجل عنها. وما نهيتكم عنه -يقول نبينا صلى الله عليه وسلم- وما نهيتكم عنه فاجتنبوه؛ ما قال افعلوا ما تستطيعون أو اجتنبوا ما تستطيعون، قال: فاجتنبوه. لابد أن يكون هذا الحديث وهذه الجمله من كلام نبينا صلى الله عليه وسلم قاعدة في حياته في جانب المحرمات: فاجتنبوه. ولهذا من عظم الله عز وجل في قلبه، فانه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يجرئ على هذه المعصية وهذه الذنوب. ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: 30]، خير لك عند الله، ستجني نفع هذا يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
أيضاً من حق الله عز وجل علينا أن نعظم شعائره؛ أن نعظم شعائره، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم في سياق هذه الآيات في سورة الحج: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]. شعائر الله، يعني: دين الله بكل ما فيه من عبادات جليلة أو قليلة، بكل ما في هذا الدين. فالمؤمن الموفق المسدد، الذي يعرف حق الله عز وجل عليه، ويقدر الله عز وجل حق قدره، ويعظم الله عز وجل في قلبه، فانه ينظر إلى هذا الدين، وينظر إلى هذه العبادات، وينظر إلى هذه الشعائر، ينظر لها بعين العظمة والاجلال والاحترام والتوقير والتقدير، ولو لم يفعلها، ولو لم يفعلها، لكنه يعظم الله عز وجل ويقدر الله عز وجل حق قدره، وينظر إلى هذه العبادات بعين الاعظام والأكبار والإجلال. وهذه مسألة عظيمة أيها الاحبه لابد أن يعتني بها المسلم.
العبادة ولو كانت ثقيلة على نفسك، لابد أن تعظم هذه العبادة، وتعرف أن فيها الخير والنفع ولو لم تفعلها، لكن يحاول الإنسان أن يجاهد هذه النفس ليستقيم على دين الله عز وجل، ويزداد من هذه العبادات؛ لأنها سبب في رفعة الإنسان عند ربه، فهي تنفعه وترفعه عند ربه. ولهذا كلما ازداد الإنسان من الأعمال الصالحه، كما قال الله عز وجل في الحديث القدسي: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن استعاذني لأعيذنه، ولئن سألني لأعطينه». هذه منزلة وكرامة عالية للإنسان إذا كان مقبلا على الله عز وجل، معظما لشعائر الله، يفعل العبادة ولو بقدر مستطاعه، لكن لا ينظر إليها بعين الاحتقار، كما يفعل بعض الناس الآن عندما يؤمر أو يحث في فعل سنة من السنن يقول: هي سنة أو واجب! هذه النظرة قد يكون فيها شيء من الاحتقار للعبادة والانسان لا يشعر، وهذا قد يكون فيه شيء من خلل في إيمان الإنسان وفي تعظيم الله عز وجل وفي تقدير الله عز وجل حق قدره، عندما يبدا الإنسان ينظر إلى هذه العبادات بشيء من القصور أو الضعف، أو -عياذا بالله- شيئا من الاحتقار: هذا بسيط وهذا أمر سهل! لا يدري الإنسان أين الخير، قد يكون في عمل يسير، ونحن نعلم قصة الرجل الذي دخل الجنة في غصن شوك نحاه عن الطريق.
في غصن شوك نحاه عن الطريق تعظيم لهذا العمل، وهذا العمل اليسير، والمرأة البغي التي سقت كلبا عمل يسير، لكن إذا كان الإنسان معظما لهذه العبادات وهذه الشعائر لله عز وجل، فانه بإذن الله يوفق ويسدد. وهناك قصة جميلة للإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة والجماعة تدل على ما في قلب هذا الرجل من تعظيم لله، ولعل الله عز وجل رفع ذكره بمثل هذا الأمر، بمثل هذا التعظيم الذي كان في قلبه لله عز وجل.
يروى عن الإمام أحمد أنه في فتنة خلق القرآن كان مختبئا عند أحد طلابه، فبقي عنده ثلاثة أيام. وبعد ثلاثة أيام قال لهذا الطالب: ابحث لي عن مكان آخر أختبئ فيه. قيل: أين تذهب والعيون في كل مكان والناس يبحثون عنك؟ قال: ابحث لي عن مكان آخر وأعطيك فائدة. فمن حرصهم على الفائدة وعلى العلم من هذا الإمام الإمام الجليل، بحث حتى وجد مكانا آمنا عند صديق آخر، فانتقل الإمام أحمد رحمه الله إلى هذا الصديق فقال: هات الفائدة. طالب ما زال يبحث عن هذه الفائدة، فقال الإمام أحمد: اختبأ النبي صلى الله عليه وسلم -واسماعوا أيها الأحبه- قال: اختبأ النبي صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثة أيام في حادثة الهجرة، اختبأ النبي صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثة أيام، أفنتبعه في السراء ولا نتبعه في الضراء؟
لاحظوا هذا الإمام رحمه الله أراد أن يكون متبعا للنبي صلى الله عليه وسلم، معظما لسنته حتى في الأمور التي يظن الناس أنها من الأمور اليسيرة والبسيطة، لكن هو ينظر إلى كل ما جاء عن الله وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعين العظمة والاجلال. وهذا والله له أثر عظيم في القلب، أن يعظم الإنسان دين الله وأن يعظم شعائر الله في كل أحواله وفي كل شؤونه. فهذه مسألة عظيمة أيها الأحبة، أن يعظم الإنسان شعائر الله، أن ينظر إلى كل عبادة، أن ينظر إلى كتاب الله، أن ينظر إلى السنن، أن ينظر إلى الأذكار، أن ينظر إلى العبادات الظاهرة والباطنة، أن ينظر إليها بعين الاجلال والعظمة، والنتيجة تحقق التقوى في قلب العبد: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32].
وشعائر الله كلمة عامة تنطبق على كل ما يتعلق بالله عز وجل من عبادات، أي عبادة لها تعلق بدين الله عز وجل فإنها تدخل في شعائر الله عز في علاه. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، والحافظ لكتاب الله وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط». لاحظوا هذا نوع من التعظيم قد يغفل عنه كثير من الناس، أن من إجلال الله، من تعظيم الله، أن تعظم كبير السن، أن تقدر كبير السن، أن تجل كبير السن، أن تنزله منزلته الحقة، فهذا ليس من أجله، وإنما من أجل أن تعظم الله عز وجل الذي أمر بهذا.
وأيضا حامل القرآن وحافظ القرآن نعظمه ونجله ونكبره لأن هذا فيه تعظيم لله عز وجل، فهذا إجلال تبع لإجلال الله عز وجل وتبع لتعظيم الله عز وجل، يحرص عليه العبد أيما حرص لأن فيه زيادة العظمة في قلب العبد لله عز في علاه. نقف هنا ونخرج إلى فاصل ثم نعود إليكم بإذن الله.
أن لمطابقه افعال المربي لاقواله واقتران علمه بعمله أهمية كبرى في حياة المتربي، فمن خلال القدوة تتجلى الأفكار وتترسخ القناعات، أما إذا تخلف الفعل عن القول فإن المتربي سيتمثل الأقرب إلى هواه ومشتهاه، ويعتاد التمني والتحلي بما ليس عنده، ويبرر أخطاءه من خلال تقصير القدوات. وقد قال شعيب عليه السلام لقومه: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: 88].
ورتل القرآن ترتيلا.
اعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: 7].
زاد تزود.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، عودا على بدء أيها الأحبة في الحديث عن حقوق الله عز وجل تكلمنا عن تعظيم حرمات الله وعن تعظيم شعائر الله، وسيكون الحديث بإذن الله في هذا الوقت عن حق الله عز وجل في أن نستحي من الله حق الحياء، في أن نستحي من الله حق الحياء، فهذا حق لله عز وجل أن نستحي من الله عز وجل أعظم من استحيائنا من الناس. كثير من الناس قد ينظر بعين الحياء إلى الناس فيبتعد عن بعض ما يخل بالمروءة أو بالشرف أمام الناس وأمام أنظار الناس، أما إذا خلا فانه قد يجترئ على معاصي الله عز وجل، وهذا ولا شك فيه نقص كبير في الحياء من الله، في جانب الحياء من الله عز وجل، فلا بد أن يكون هذا الحياء متحققا في قلب العبد، وهذا ولا شك له أثر عظيم جدا في البعد عن معاصي الله عز وجل.
فالإنسان يراقب الله عز وجل في السر وفي العلن، ويعلم أن الله عز وجل لا تخفى عليه خافية، فيستحي من الله الذي ينظر إليه، فالله عز وجل يعلم السر وأخفى، والله عز وجل يعلم ما يحصل منا في كل أحوالنا في السر وفي العلن، أمام الناس وفي الخفاء. فهذا الأمر له شأن عظيم في إيمان العبد وفي تعلقه بالله عز وجل، وأيضا في بعده عن المعاصي والذنوب. ولهذا نعى الله عز وجل على المنافقين في كتابه الكريم الذين يستحيون من الناس ولا يستحيون من الله، فهم ينظرون إلى الناس بعين الحياء ولا ينظرون إلى الله عز وجل بهذه العين عندما يختفون عن أعين الناس. ولهذا قال الله عز وجل عن المنافقين: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: 108]. يستخفون من الناس إذا أرادوا أن يفعلوا شيئا منكرا سواء في حربهم على الإسلام، في طعنهم في الدين، أو في جرأتهم على المحرمات، هم يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله، لا يستخفون من الله بمعنى أنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها ولا يستخفون من الله، والله عز وجل هنا أعطى قاعدة وبيان عظيم في هذه الآية، قال: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: 108].
فالله عز وجل معنا في كل وقت وفي كل حين، ويراقبنا ويعلم سرنا ونجوانا، يعلم السر وأخفى. وهذه لو تفكر الإنسان فيها وتبصر وتدبر والله بإذن الله أنها تكون حجابا له عن المعاصي وعن الذنوب. يعلم السر وأخفى، السر الذي يكون بين اثنين، وأخفى ما هو؟ الذي أخفى من السر هو ما تخفيه في قلبك، هو ما تضمره في نفسك، ولهذا يحرص المسلم الموفق المسدد الذي يستحي من الله حق الحياء، يستحي أن يضمر في قلبه شرا، يضمر في قلبه منكرا. فالإنسان الذي يعلم أن الله عز وجل مطلع على قلبه ويعلم ما في نفسه، فانه يستحي من الله عز وجل حتى فيما يخفيه في قلبه، أن يكون محاربا لله ورسوله أو محبا لشهوة أو شبهة تخالف دين الله عز وجل.
فهذا الجانب جانب عظيم، جانب الحياء من الله، جانب الحياء من الله هذا حق عظيم لله إذا صرفناه، فاننا بإذن الله نكون من أهل الإيمان حقا وصدقا، من أهل الإيمان حقا وصدقا. ومن أخل بهذا الحق لله عز وجل، فانه يقع في مصيبة عظيمة لا يعلمها إلا الله، وانه يقع في بلاء عظيم لا يعلمه إلا الله، بل هو من أكبر الناس خسرانا وحرمانا وضياعا في يوم القيامة. أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن أناس يأتون بحسنات مثل جبال تهامة بيضا، حسنات عظيمة، حسنات عظيمة من زكاة وصلاة وحج وعمره وعبادة وذكر وتصدق وغير ذلك، عبادات عظيمة يفعلها الإنسان ويقدمها وتكون في ميزان حسناته، لكنه وقع في بلاء عظيم لا يعلمه إلا الله.
الله يجعلها الله عز وجل يوم القيامة هباء منثوراً؟ لماذا يعني هذه الحسنات العظيمة التي جعلها الله عز وجل هباء منثوراً، ما معنى الهباء المنثور؟ الهباء هو القشر الرقيق الذي يطير في الهواء ونراه من النافذة عندما تأتي الشمس وتدخل من النافذة، من أراد أن يعرف هذه الآية حق المعرفة ويعرف تفسيرها فلينظر إلى النافذة في وقت العصر أو في وقت الضحى عندما يدخل الضوء، هناك بعض القشور التي تطير في الهواء هذا هو الهباء. لماذا الله عز وجل مثل الأعمال يوم القيامة أعمال هذا العبد المسكين المحروم المفلس بهذا الذي تكون أعماله هباء منثوراً؟ لأن الإنسان الذي ينفعه عند الله عز وجل هي الأعمال التي تثقل ميزانه، فهذا الهباء لا وزن له ولا قيمة له. وهذا يعني خسران عظيم أن يفعل الإنسان أشياء ثم لا تنفعه، وهذا هو الأفلاس الحقيقي الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال: «تدرون من المفلس؟» وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بما يعرفونه من فهمهم الطبيعي عند الناس المفلس لا درهم له ولا متاع، قال: «المفلس يأتي يوم القيامة بحسنات عظيمة»، هذا الذي يظلم الناس ويأكل أموالهم لم يعظم الله عز وجل، لكن الآخر الذي يجعل الله عز وجل حسناته هباء منثوراً أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء الأقوام الذين نسأل الله أن لا يجعلنا منهم، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها.
إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها بمعنى أن الإنسان يظهر للناس الصلاح والتقوى والإيمان ويظهر البر والإحسان والخشوع، فاذا خلى بمحارم الله كما يفعل بعض الناس عياذاً بالله من ذلك ونسأل الله الهداية لجميع المسلمين، عندما يختفي عن الناس أما يسافر أو يختلي في حجرته أو يجلس لوحده مع هذه الأجهزة الحديثة، عندما يختلي فإنه يتجرأ على معاصي الله عز وجل بأمر لا يستطيع أن يفعله أمام الناس، فهو يخشى الناس أكثر من خشيته لله، وهذا أمر عظيم ويدل على ضعف الإيمان في قلب العبد، وإلا لو عرف أن الله عز وجل يراه سواء أمام الناس أو في غرفته لا يمكن أن يختفي عن عين الله وعن نظر الله، فالله عز وجل لا تخفى عليه خافية ولا تأخذه سنة ولا نوم عز في علاه، فهو يراك وينظر إليك في كل أحوالك.
ولهذا المسلم الموفق المسدد الذي دائماً يستشعر هذا الأمر ولا يتجرأ على معصية الله ولا يقول أنا الآن لوحدي ولا يراني أحد أما مختل بجهازه أو بجواله أو مسافراً لوحده بعيداً عن أقاربه وأهله، فيبدأ في الوقوع في المعاصي ويجترئ على هذه المعاصي لأنه في مكان لا يراه فيه أحد من الناس، ولهذا يذكر الإنسان نفسه دائماً ويراجع نفسه دائماً في عظمة الله وفي نظر الله عز وجل إليه، وأن الله عز وجل ينظر إليه في كل وقت وفي كل حين، وأن الله لا تخفى عليه خافية. ولهذا يقول الشاعر في بيتين جميلين: إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب، ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفي عليه يغيب. أي والله لا يمكن أن نخفي عن الله عز وجل ولو مثقال الذرة أبداً، والله أن الله عز وجل يعلم حركاتنا وسكناتنا وما نضمره حتى ونحن نائمون، فإن الله عز وجل مطلع علينا ويعلم بحالنا ولا يخفى عليه شيء من أمرنا.
فهذا الإنسان إذا عظم الله عز وجل واستشعر الحياء من الله عز وجل في كل أحواله وفي كل شؤونه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يجترئ على محارم الله وأن يقع في المعصية بسبب ضعف الخوف من الله والمراقبة، وأن الله عز وجل ينظر إليه فيضعف الحياء من الله فيقع في هذه المعصية وفي هذا الذنب، لكن المؤمن الموفق المسدد يستشعر هذا الأمر ويستشعر الحياء من الله في كل أحواله وفي كل شؤونه.
أيضاً من حق الله عز وجل العظيم علينا نحن العباد المساكين الضعفاء الخضوع لحكم الله عز وجل، أن نخضع لله في كل أحوالنا وفي كل شؤوننا، ولهذا يقولون المؤمن أمام النصوص الشرعية أمام أوامر الله عز وجل كالريشة في مهب الريح، ما أمر الله عز وجل نفعله ونتجه معه لا نعمل عقلنا في نصوص الشرع إلا بما يعين على فهم هذه النصوص، أما أن نعترض وأن نبدأ نفكر في المخالفة فهذه والله تدل على عدم الانقياد الحقيقي لله عز وجل، فهذا حق لله أن ننقاد ونخضع لحكم الله عز وجل في كل ما يأتي عن الله أو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾، ولاحظوا هنا عبارات القرآن دقيقة الله عز وجل ما قال وما كان لمسلم، قال: وما كان لمؤمن، المؤمن الذي يعظم الله عز وجل، المؤمن الذي يعرف حق الله عز وجل، المؤمن الذي يخضع لأمر الله عز وجل، والإيمان أعلى درجة من الإسلام، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُ-هُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36]، ما لك خيار أمام النصوص الشرعية الذي عليك أن تقول سمعنا وأطعنا، سمعنا وأطعنا كما فعل الصحابه رضوان الله عز وجل عليهم عندما نزلت هذه الآيات التي في أواخر سورة البقرة.
لما أخبر الله عز وجل عندما قال الله عز وجل: ﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 284]، عندما نزلت هذه الآية استعظم الصحابة هذا الأمر، وأن تخفوا ما في أنفسكم أو تبدوه يعلمه الله، فهنا الصحابة قالوا يعني كلفنا من الأعمال ما نستطيع من صلاة وصيام وحج وزكاه ففعلنا، لكن هذه الآية كانت عظيمة جداً ما يضمره الإنسان وما يخفينه لأنه تاتي خواطر الشيطان تاتي وساوس الشيطان على قلب العبد، فخشي الصحابة لأنهم يعلمون حق الله عز وجل عليهم ويعظمونه حق التعظيم وينقادون له حق الانقياد علموا عظم هذه الآية أنه إذا حوسبوا حتى على ما في النفوس فهذا والله بلاء عظيم بالنسبة لهم، فجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأرادوا أن يبينوا للنبي صلى الله عليه وسلم مشقة هذه الآية في تطبيقها عليهم، فهنا النبي صلى الله عليه وسلم وجههم التوجيه الصحيح السليم وهم ولا شك على نور وعلى هدى وعلى إيمان وعلى تقوى وعلى يقين وعلى خضوع وذل لأوامر الله عز وجل، لكنهم أرادوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يشفع لهم عند ربهم في هذا الأمر، نقف هنا ونواصل باذن الله هذه القصة لصحابة نبينا صلى الله عليه وسلم بعد الفاصل: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 6].
من رحمة الله تعالى بعباده الرخصة لهم في المسح على الخفين والجوارب في الوضوء بدلاً من غسل الرجلين، وذلك بالمسح مرة واحدة أعلى الخف الأيمن باليد اليمنى وأعلى الخف الأيسر باليسرى مفرجاً أصابعه مبتدئاً من أصابع رجليه إلى بداية ساقيه، يمسح على الخفين معاً أو يبتدئ بالخف الأيمن ثم الأيسر، فالأمر في ذلك واسع بشرط أن يكون الخف طاهراً من النجاسة وأن يكون ساتراً للقدم مع الكعبين وأن يلبسهما على وضوء كامل.
ومدته يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، يبدأ احتسابها من أول مسح بعد انتقاض الوضوء، فلو توضا لصلاه الفجر مثلاً ولبس الخفين ثم انتقض وضوءه الساعة التاسعة صباحاً وتوضأ في الساعة الثانية عشرة ومسح على الخفين، فيبدا احتساب المدة من الساعة الثانية عشرة وليس التاسعة، ويكون المسح في الحدث الأصغر، وأما الحدث الأكبر فيجب فيه الاغتسال الكامل، ومن خلع خفيه أو انتهت مدة المسح.
فوضوءه صحيح ما لم ينتقض بناقض آخر، فإن أراد المسح مرة أخرى وجب عليه أن يتوضأ أولاً وضوءاً كاملاً يغسل فيه قدميه، ثم يلبس الخف ويراعي الشروط السابقة.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد. توقفنا قبل الفاصل عند قصة الصحابة رضوان الله عليهم مع نبينا صلى الله عليه وسلم عندما نزلت الآيات الأخيرة من سورة البقرة. لما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾، جاء الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق، وكلفنا بهذه الآية ولا نطيقها. فأخبر دلهم النبي صلى الله عليه وسلم على جانب عظيم هو تربية، وهو قد يكون يعني من الحكمة في نزول هذه الآية هو تربية للصحابة وتربية لنا من بعد الصحابة، كيف يتعامل الإنسان مع النصوص الشرعية؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل تريدون أن تقولوا كما قالت النصارى: سمعنا وعصينا، أو كما قالت اليهود: سمعنا وعصينا؟ قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فقال الصحابة، رددوا هذه الكلمة حتى ذلت ألسنتهم بها: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير.
فعندما جرت على ألسنتهم وامتثلوا وانقادوا وخضعوا لحكم الله عز وجل، نزل التخفيف من الله، نزل التخفيف من الله للصحابة ولمن بعدهم، فقال الله عز وجل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: 286]. فهذه منزلة عظيمة وهي الانقياد لحكم الله عز وجل، الانقياد لحكم الله. وكما قلنا سابقاً، أن المؤمن الذي يريد النجاة في الدنيا وفي الآخرة، أنه يكون مع النصوص الشرعية كالريشة في مهب الريح، كالريشة في مهب الريح، ويكون لسان حاله دائماً يقول: سمعنا وأطعنا، سمعنا وأطعنا. لا يعترض ولا يجحد ولا ينكر ولا يخالف، وإنما يمتثل وينقاد وخضع لنصوص لأوامر الله عز وجل. وهذا ولا شك دلالة على عظم الإيمان في قلب هذا العبد، وعظم توقير الله عز وجل وإجلال الله عز وجل في قلب العبد، إذا خضع لنصوص الشرع أياً كانت.
والله عز وجل لا يأمر إلا بخير، الله عز وجل وهذا لا بد أن يكون في أذهاننا، أن نعلم أن الله عز وجل لا يأمرنا إلا بخير، فالله رحيم بنا بل هو أرحم بنا من أنفسنا ومن آبائنا وأمهاتنا، فالله عز وجل رحيم ولا يأمر إلا بما فيه الرحمة لعباده. أيضاً من حقوق الله عز وجل علينا من الحقوق العظيمة: محبة الله عز وجل، محبة تعظيم، محبة إجلال لله لا تدانيها أي محبة أبداً. لا بد أن يكون الحب لله في قلوبنا عظيماً جداً جداً، ولهذا الله عز وجل يقول كما في الآية التي مرت معنا سابقاً: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: 165]. الحب العظيم لله عز وجل ينتج عنه اليقين الصادق، ينتج عنه التوقير لله عز وجل، ينتج عنه تعظيم الله، ينتج عنه الامتثال لأوامر الله عز وجل، فيكون هذا العبد خاضعاً لله ذليلاً لله منقاداً لله في كل أوامره.
ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما». محبة الله أولاً، ثم محبة نبيه صلى الله عليه وسلم التي هي تبع لمحبه الله، هي تبع لمحبه الله. يحب الله عز وجل حبا عظيما جليلا، حبا فيه إعظام لله عز وجل، فيه انقياد لله عز وجل، فيه خضوع لله عز وجل. هذا هو الحب الحقيقي الذي يكون باللسان ويكون بالاركان ويكون بالجنان. هذا هو الحب الحقيقي الذي يمتثل به المؤمن، أما أن يتكلم الإنسان بلسانه: إني أحب الله عز وجل، ثم يقع في المعاصي وفي الذنوب، هذا والله مخالف لقواعد المحبة. تعصي الإاله وأنت تزعم حبه هذا لعمري في القياس بديع لو كان حبك صادقا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع. هذه هي القاعدة العظيمة التي لو قالها الإنسان بلسانه امتثل بأركانه وصدق بقلبه، يكون فعلاً هذا الحب الحقيقي لله عز وجل الذي تنقاد فيه الجوارح لله، ينقاد فيه القلب لله عز وجل. هذا هو الحب الذي ينتج عنه العمل الصالح الذي ينفع الإنسان ويرفعه عند ربه.
أيضاً من حقوق الله عز وجل علينا المداومة على ذكره. المداومة على ذكره وهذا ولا شك من تعظيم الله عز وجل، الإنسان إذا أحب شيئاً إذا عظم شيئاً أكثر من ذكره، فالذي يحب الله يعظم الله يجل الله عز وجل وهو يكثر من ذكره، يكثر من ذكر الله عز وجل. ولا شك أن ذكر الله من اعظم العبادات، من أعظم العبادات، يكفي فيه قول ربنا عز وجل: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: 152]. أنت إذا ذكرت الله عز وجل لوحدك أو مع الناس، سيذكرك الله عز وجل في ملائه الأعلى، في الملأ الأعلى عند الملائكة. يذكرك الله عز وجل: فلان ابن فلان يذكرني هنا، حتى يعني من عظمة الله عز وجل ومن رحمته وشفقته بعباده أن يذكر هذا العبد الضعيف الضعيف جداً بالنسبة لله المسكين الفقير لله، أن يذكره في الملأ الأعلى! أي شرف وأي فضل وأي منزلة وأي مكانة يحصلها الإنسان؟ ولو استشعر الإنسان هذا الامر وهذا الحق لله عز وجل والله لجعل يومه كله ذكراً لله عز وجل، لكن قد يغفل الإنسان قد يقصر، لكن يحاول دائماً أن يرتبط بالله عز وجل في أذكار الصباح وفي المساء. هناك أذكار مقيدة وهناك أذكار مطلقة يقولها الإنسان تكون سببا في سعادته في الدارين، وسبب أيضاً في رفعته عند ربه.
فبقدر ما تذكر الله عز وجل، وهذا الذكر يعني كما يقول بعض العلماء يقول: الذكر هو الغنيمة الباردة، لا يكلفك مالاً ولا جهدا، وأمر يسير، وفي أي وقت، في سيارتك في طريقك، وانت جالس وأنت قائم وأنت نائم، الذكر يعني في كل الأحوال. وهذه من بركة هذه العبادة العظيمة التي لو استقام بها الإنسان والتزم عليها فهو على خير عظيم جداً. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم في كلامه للصحابة، قال النبي صلى الله عليه وسلم مدللاً على عظمة الذكر على عظمة الذكر وعلى فضله وعلى مكانته عند الله عز وجل: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، والورق هو الفضة وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟». سبحان الله استعجب الصحابة، ما هذا العمل الذي يفوق الجهاد والذي يفوق الانفاق والذي هو من أزكى الأعمال وأفضلها والذي له هذه المنزلة العالية عند ربنا عز في علاه؟ قالوا: بلى يا رسول الله. يعني ما هذا العمل الذي هو من خير الأعمال وأزكاها عند ربنا وأرفعها في درجاتنا، وخير لنا من أن ننفق الذهب والفضة والاموال، وخير لنا من أن نلقى العدو فنقاتل ونضرب أعناقهم ويضرب أعناقنا؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «ذكر الله، ذكر الله».
ذكر الله عظيم يا إخوان، ذكر الله له منزلة عالية وعبادة يسيرة جداً، لا تكلف الإنسان شيئاً، فقط يحرك هذا اللسان، يحركه وهو في سيارته، يحركه وهو في طريقه إلى السوق، يحركه وهو في عمله في مكتبه إذا خلى من الأشغال. أمر عظيم إذا واصل الإنسان هذا الأمر يحصل منافع كثيرة لا يعلمها إلا الله، لا يعلمها إلا الله. منها يعني من هذه الأذكار ما يكون سبباً في محبة الله له، وهو من أحب الكلام إلى الله، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «أحب الكلام إلى الله: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر». لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة. الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من أعظم العبادات، من أعظم العبادات، ومع الأسف هناك تفريط كثير في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه بعض الناس يعني قد يرد على ذهني أن هذا فيه مخالفة، فيه تصوف، وهذا خطأ كبير جداً يا إخوان. الإنسان يجلس في مصلاه يكثر من الصلاة على النبي.
النبي صلى الله عليه وسلم عباده عظيمة، وذكر لله عز وجل، يصلي الله عز وجل بك، يصلي عليك بها عشرا كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، وقل مثل ذلك في بقية الأذكار العظيمة التي تنفع الإنسان وترفعه عند ربه. فالذكر له شأن عظيم في ديننا، ويكفي في أن هذا الذكر يكون لك حماية وحرز من الشيطان. أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أو ذكر ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله عز وجل، في تفسير: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: 1-6]. فسر الخناس الوسواس الخناس، قال ابن عباس رضي الله عنهما قال: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم.
الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا ذكر الله خنس؛ يعني إذا ذكر العبد الله خنس هذا الشيطان، وإذا غفل وسوس. متى يسيطر الشيطان على الإنسان؟ متى يدله على المعصية ويزين له المعصية؟ إذا غفل عن ذكر الله، أما إذا أكثر من ذكر الله فالشيطان ليس له طريق على هذا العبد. هذه نعمة عظيمة لو تيقنها الإنسان وادركها من فضائل الذكر وما أعظمها. والذكر شأنه عظيم وبابه واسع، وهو نوع من حقوق الله عز وجل علينا. وهذا حق أيها الأحبة ينفعنا نحن، من كرم الله عز وجل أن هذا حق لله وهو أيضا فيه نفع للعبد؛ نفع في الحماية والحرز من الشيطان، وأيضا في رفعة الدرجات يوم القيامة. فكلما ذكر العبد الله عز وجل ارتفع عند ربه وعند مولاه عز في علاه. فهذا أمر يجب أن نعتني به، يجب أن نهتم به، يجب أن نكثر منه، لعل الله عز وجل أن يحفظنا من كل سوء ومن كل مكروه.
أيضا من حقوق الله عز وجل دوام الاستغفار، وهو نوع من أنواع الذكر، الاستغفار له شأن عظيم عند الله عز وجل. فنسأل الله عز في علاه أن يجعلنا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات، ومن المستغفرين بالأسحار، وأن يوفقنا ويسددنا، وأن يعيننا على طاعته وعبادته، وأن يجعلنا ممن يعرف حق الله ويعمل بهذا الحق في ليله وفي نهاره.
قبل أن أختم، أذكر الطلاب في الأكاديمية أن هناك سؤالا في كل أسبوع ويجيب عليه الطالب وله جائزة على هذا السؤال. أسأل الله العظيم لي ولكم التوفيق والسداد، والحمد والصلاة والسلام على رسول الله.
يا راغبا في كل علم نافع متطلعا لزيادة الإيمان، وتريده سهلا النوال ميسرا ياتيك ميسورا بأي مكان. زاد أكاديمية ينبوعها صاف ليروي غلة الظمان، ومكارم الأخلاق ندرسها معا أدب وتربية على الإاحسان. بشرى لنا ذات أكاديمية للعلم كالازهار في البستان.
د. عبد العزيز بن محمد الجهني