تسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، سنواصل ما بدأنا به في هذه السلسلة المباركة في أكاديمية زاد وفي مادة التربية، قسم حقوق. وكنا قد تكلمنا في اللقاء الماضي عن حق الله عز وجل، وحق نبيه صلى الله عليه وسلم. واليوم بإذن الله سنأخذ الحق الثالث، والذي يتعلق أيضاً بحق الله وحق رسوله صلى الله عليه وسلم، ألا وهو حق الصحابة، حق صحابة نبينا محمد صلوات ربي وسلامه عليه.

الصحابة الذين رأوا النبي صلى الله عليه وسلم، وجاهدوا معه، وفدوه بأنفسهم وبأموالهم، وضحوا من أجل هذا الدين، فكانوا هم خير الناس بعد الأنبياء والرسل. هم خير البشر بعد الأنبياء والرسل هؤلاء هم صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم الذين هم أنوار الهدى ومصابيح الدجى، وهم نقلة الوحي رضي الله عنهم.

صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم زكاهم الله عز في علاه في كتابه الكريم، كما زكاهم نبينا وحبيبنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه. وفي ذلك يقول الله عز وجل في آية عظيمة في وصف أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم، ليس وصفهم في القرآن فقط، بل نقل ذلك ربنا عز وجل حتى في التوراة والإنجيل، كما أخبرنا في كتابه الكريم أنه جاء وصف الصحابة حتى في التوراة وفي الإنجيل. وهذا يدل على فضيلة صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم، وعلى المنزلة العالية التي وصلوا إليها بأن يذكروا حتى في الكتب السابقة في التوراة والإنجيل.

وفي ذلك يقول ربنا عز في علاه: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: 29]. هذا تقرير مبتدأ وخبر بأن النبي صلى الله عليه وسلم أعظم وصف له أنه رسول ربنا عز في علاه. محمد رسول الله والذين معه، وهم الصحابة والذين معه وهم صحابته صلوات ربي وسلامه عليه. والصحابي كما قال العلماء في معنى الصحابي، من هو الصحابي؟ الصحابي هو الذي لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على ذلك. هذا هو الضابط للصحابي.

الصحابي هو الذي لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على ذلك. كل من تحقق فيه هذا الشرط فهو صحابي من صحابة نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، له حق الإجلال والتقدير والتبجيل؛ لأنه لقي النبي صلى الله عليه وسلم، ولانه رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وكفى بذلك فضلاً وشرفاً.

يقول الله عز وجل: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: 29] وهم صحابته صلى الله عليه وسلم، ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29]. هنا بدأ الله عز وجل بوصف الصحابة مع الخلق، بوصفهم في تعاملهم مع الخلق، أشداء على الكفار رحماء بينهم. فيهم الشدة والقوة في نشر هذا الدين، بأنهم أشداء على أعدائهم. أشداء على أعدائهم يرون الناس من غيرهم، يرون لهم القوة والشدة والعزيمة والإصرار والثبات على دين الله عز في علاه. وهم أيضاً مع شدتهم على الكفار، من أعظم أوصافهم أنهم رحماء بينهم.

أنهم رحماء بينهم، فيهم الرحمة، فيهم الشفقة، فيهم اللين، فيهم العطف فيما بينهم. وهذه صفة عظيمة، بل هي من كمال صفات الإيمان أن يكون الإنسان رحيماً شفيقاً عطوفاً على إخوانه. فالنبي صلى الله عليه وسلم وصف المؤمن بمثل هذه الأوصاف، والمسلم كذلك، المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، وأكمل المؤمنين إيماناً أحاسنهم أخلاقاً. وأكمل المؤمنين إيماناً هم صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم في عمومهم وفي جملتهم: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح: 29].

هنا جاء وصفهم في تعاملهم مع الخالق، الوصف الأول في التعامل مع المخلوقين، وهنا جاء الوصف في التعامل مع خالقهم ومع ربهم وفي عبادتهم لله عز وجل. تراهم ركعاً سجداً، جاء الله عز وجل بأعظم أوصافهم أنهم من أهل الركوع والسجود. والوصف بالركوع والسجود هنا فيه إطلاق؛ لأن هذا صلاة الفرائض وصلاة النوافل، فهم في فرائضهم متمسكون بها، محافظون عليها، متنافسون فيها. وهم كذلك في النوافل من أعظم الناس تمسكاً بها ومجاهدة عليها. وهم ممن وصفهم الله عز وجل في قوله عز في علاه عن نبيه صلى الله عليه وسلم في آخر سورة المزمل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزمل: 20].

والطائفة هم الصحابة، وطائفة من الذين معك أيها الرسول، وطائفة من الذين معك هم يقومون كذلك نصف الليل أو ثلثه أو أدنى أو أقل من ذلك، فهم محافظون حتى على قيام الليل التي هي من أعظم العبادات، والتي هي شرف المؤمن، وهي التي يتقرب الإنسان بها إلى الله عز وجل، من أحب الأعمال إلى الله بعد الفريضة هي صلاة الليل. فهؤلاء الصحابة من صفاتهم مع الخالق عز وجل أنهم تراهم ركعاً سجداً.

لماذا؟ يبتغون فضلاً من الله ورضواناً. يعملون هذه العبادة ويقومون بهذا الأمر لا يرجون من أحد جزاءً ولا شكوراً، وإنما هي خالصة لله عز في علاه. يبتغون فضلاً من الله ورضواناً، يبتغون الفضل من الله: الرحمة، النعمة، الهدى، النور. والرضوان أيضاً ما عند الله من النعيم المقيم في جنات عدن. هؤلاء هم صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم، وهم القدوة لنا في هذا الباب. يبتغون فضلاً من الله ورضواناً، سيماهم في وجوههم من أثر السجود.

سيماهم في وجوههم من أثر السجود. هذا السجود الذي خضعوا فيه لله عز وجل، ووضعوا جباههم في الأرض ابتغاء ما عند الله ذلاً لله عز وجل، نتج عنه هذا النور الذي في وجوههم. سيماهم في وجوههم من أثر السجود، وهذه السيما هي النور التي تكون في وجه العبد، وليس كما يظن بعض الناس أن سيم السجود أنها هذه السجدة التي تكون في جبهة الإنسان. هذا ليس صحيحاً، هذه قد تكون من السجود، لكنها ليست هي المقصودة في الآية، وإنما المقصود هو النور الذي يكون في الوجه، الخشوع الذي يظهر على الإنسان، والسكينة والوقار الذي يكون بسبب سجوده وخضوعه وذله لله عز وجل.

ولذا ذكر ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية، ذكر أن هناك من في وجهه هذه السجدة وقلبه أغلظ من قوم فرعون، من قلوب قوم فرعون. لا يعني هذا ولا يدل على أن الإنسان الذي في وجهه هذه السجدة أنه هو المقصود بهذه الآية، وإنما هو النور الذي يكون في وجوه عباد الله عز وجل الذين يسجدون لله، ويخضعون لله، ويذلون لله عز وجل، وينكسرون هنا بين يدي الله عز وجل فيكسوهم من هذا النور. ولهذا لما سئل الحسن البصري: ما بال أصحاب الليل في وجوههم هذا النور؟ قال كلمة جميلة: خلوا بالله عز وجل فكساهم من نوره. وهذا العمل عمل عظيم، وهذه العبادة عبادة عظيمة، ولهذا كان يتنافس فيها أصحاب نبينا صلوات ربي وسلامه عليه: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: 29].

ذلك مثلهم في التوراة. وهذا ما ذكرناه قبل قليل، هذه الصفة للصحابة سورة في التوراة في كتاب موسى عليه السلام، وهذا يدل على هذه المزية العظيمة لصحابة نبينا صلى الله عليه وسلم أنه جاء وصفه في كتاب موسى، في كتاب اليهود، في التوراة.

وأيضاً يقول الله عز وجل في تتمة هذه الآية يقول: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ﴾ [الفتح: 29]. الآن سيأتي وصف آخر لصحابة نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو مذكور في الإنجيل، في كتاب عيسى عليه السلام: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: 29]. هذا وصف عظيم أيضاً ثانٍ لهؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم ومثلهم في الإنجيل.

كمثل زرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه. شبه الله عز وجل الصحابة بالزرع الذي أخرج شطأه وهو فراخه الصغير الذي يكون في جوانبه، فاستغلظ فاستوى على سوقه، يعني اشتد هؤلاء الصحابة. التصقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، اقتربوا منه، فزادهم من نوره ومن خيره ومن بركته ومن الهدى الذي معه، نقله وهم من الظلمات إلى النور.

كان أحدهم في ضلالة وفي عماية حتى انتقل إلى الإسلام فأصبح من المقدمين. هذا الفاروق رضي الله عنه وأرضاه كان شديدًا على أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم، ثم لما أسلم أصبح الفاروق الذي فرق الله عز وجل به بين الحق والباطل. وقل مثل ذلك في كثير من الصحابة كأبي سفيان وغيرهم الذين حاربوا نبينا صلى الله عليه وسلم، فلما دخل النور في قلوبهم استووا على سوقهم فأصبحوا خير الناس وأصبحوا خير الأصحاب.

أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم كزرع أخرج شطأه فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع. هذا الزرع خرج في أبهى حلة، كما أن الصحابة خرجوا من بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم في أبهى حلة، وطهرهم النبي صلى الله عليه وسلم وزكاهم بهذا الوحي الذي أتى به، فكانوا منابر الناس ومن خيرهم ومن أفضلهم.

فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار. هذه الآية وهذه المقطع من الآية فيها عبرة عظيمة، ليغيظ بهم الكفار. الله عز وجل هيأ هؤلاء الصحابة وطهرهم وزكاهم ورضي عنهم ورفع ذكرهم ليغيظ بهم الكفار، ليغيظ بهم الكفار. وقد فزع الإمام مالك رحمه الله من هذه الآية لكفر من سب أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم ومن كان في قلبه غيظ على الصحابة.

ليغيظ بهم الكفار، فلا يكون في قلب أحد غيظ على الصحابة إلا وفي قلبه من الكفر والنفاق والزندقة ما الله به عليم. ثم قال الله عز وجل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ﴾ [الفتح: 29]. يعني من جنس الصحابة، هذه من تسمى لمن للجنس، فهذه تدل على جنس الصحابة عموما وهي ليست للتبعيظ كما يظن بعض الناس.

فوعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم أي من جنس الصحابة مغفرة وأجراً عظيماً. وعد الجميع، وعد هذا الجنس من صحابة نبينا صلوات ربه وسلامه عليه، وعدهم مغفرة منه وأجراً عظيماً. هذه الآية فيها دلالة عظيمة على مكانة صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم. نتوقف هنا بعد هذه الآية ونكمل إن شاء الله بعد الفاصل.

إذا أحببت أن تتعرف على دينك أكثر، أن تزداد علماً وتنهل خيراً، أن تسمع وترى ما يقربك من ربك وفي نبيك وتزكو به نفسك في قناة زاد تجد ذلك وأكثر. تصفح وتجول في واحة إيمانية من مقاطع مميزة من إنتاج مجموعة زاد، تتنوع بين المادة العلمية والرقائق الإيمانية والفواصل الدعوية المحترفة إعلامياً والمؤصلة منهجياً، تخاطب الرجال والنساء الكبار والصغار، تدعو البعيد تؤنس القريب، مقاطع موشن جرافيك مميزة، دورات علمية متخصصة، فواصل درامية شيقة، لقاءات دعوية ممتعة برامج تلفزيونية وندوات شرعية، شاهد شارك انشر. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء: 7]. زاد تزود، قناة زاد العلمية والعلم في كل وقت.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. عوداً على بدء فيما تكلمنا عنه في حق صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم وكنا قد تكلمنا قبل الفاصل عن الآية العظيمة التي في آخر سورة الفتح، والتي تحدثت عن صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم ووصفتهم بأفضل وأجمل وأعظم الصفات والتي هي مذكورة ليست في القرآن فحسب، وإنما مذكورة أيضاً في الكتب السابقة في التوراة وفي الإنجيل.

نبدأ بحقوق صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم علينا وما أعظم حقهم وما أجله. من أعظم حقوق صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم اعتقاد فضلهم وأنهم خير الناس بعد الأنبياء والرسل. هذه حقيقة لابد أن تستقر في عقولنا وفي قلوبنا أن صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم هم خير البشر بعد الأنبياء والرسل، ولا يمكن لأحد كائناً من كان ولو وصل في العبادة إلى منتهاها أن يصل إلى فضل الصحبة. ولهذا لما سئل عبد الله بن المبارك رحمه الله، لما سئل عن أيهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز -وعمر بن عبد العزيز الذي كان يلقب بالخليفة الخامس ومعروف بزهده وورعه وتقواه رضي الله عنه وأرضاه ورحمه- فقالت كلمة جميلة، قال: لا، الغبار الذي دخل في أنف معاوية مع نبينا صلى الله عليه وسلم خير من عمر، خير من عمر الذي رأى النبي صلى الله عليه وسلم ومشى مع النبي صلى الله عليه وسلم وجلس مع النبي صلى الله عليه وسلم وجاهد مع النبي صلى الله عليه وسلم وسمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم.

هذا لا يمكن لأحد كائناً من كان أن يصل إلى هذه الفضيلة وإلى هذه المنزلة وإلى هذا الشرف، هذه مزية عظيمة وهذا اصطفاء من الله عز وجل اصطفى به صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم. ولا يمكن لأحد أن يصل إلى هذه المنزلة وإلى هذا الشرف، لكن نسأل الله عز وجل بحبنا لهم وحبنا لنبينا صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أن نحشر معهم وأن نكون في الفردوس الأعلى من الجنة.

هؤلاء الصحابة لابد أن نعرف لهم فضلهم، ولابد أن نقر بذلك ونعترف، ولابد أن نتيقن في قلوبنا بهذا الفضل وهذا الشرف، وألا يكون في قلوبنا حرج من أحد من الصحابة كائناً من كان. لابد أن نعرف لهم فضلهم وقدرهم ومكانتهم ومنزلتهم، ولهذا لا يمكن لإنسان أن يطعن أو يقدح أو ينتقص من أحد من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن زكاهم الله عز وجل في كتابه الكريم، فقد رضي الله عنهم ورضوا عنه، كما ذكر الله عز وجل في أكثر من آية.

فقد أثنى الله عز وجل عليهم كثيراً في القرآن، من ذلك ما جاء في قوله تعالى للفقراء المهاجرين، الله عز وجل أثنى على المهاجرين وأثنى على الأنصار، ثم أثنى على الصحابة أجمعين. يقول الله عز وجل: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحشر: 8]. هؤلاء الذين هاجروا وخرجوا من مكة من ديارهم وأموالهم تركوا كل ذلك، تركوا الدنيا ابتغاء ما عند الله عز وجل، فهؤلاء يسمون بالمهاجرين الذين هاجروا مع نبينا صلى الله عليه وسلم.

قال الله عز وجل عنهم: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: 8]. هذه تزكية من الله لهم، هذه تزكية عظيمة من ربنا عز في علاه لصحابة نبينا صلى الله عليه وسلم الذين هاجروا معه من مكة إلى المدينة. ثم قال الله عز وجل في مدح الأنصار، والأنصار هم الأوس والخزرج الذين نصروا النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، قال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: 9]، يعني من قبل أن يأتي إليها المهاجرون. ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ [الحشر: 9]. فهؤلاء الأنصار هم الذين نصروا النبي صلى الله عليه وسلم وآووا الصحابة وأسكنوهم في بيوتهم وفتحوا لهم دورهم وموالهم، فسطروا بذلك أعظم المثل التي تكون في هذه الدنيا من الكرم والجود والبذل والعطاء والمحبة والألفة، لا يمكن لأحد أن يصل إلى ما وصل إليه أنصار نبينا صلى الله عليه وسلم في حالهم في المهاجرين من مكة، فأثنى الله عز وجل عليهم.

ثم أيضاً أثنى الله عز وجل على عمومهم، كما قال الله عز وجل: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: 10].

وقاتلوا، هنا الله عز وجل ذكر أن فضيلة الذين هاجروا مع الناس الذين قاتلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم وأنفقوا وجاهدوا وصبروا قبل الفتح، أنهم مكانة أن مكانتهم أعلى من مكانة الذين دخلوا في الإسلام بعد الفتح. لكن يقول الله عز وجل: ﴿أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّه الْحُسْنَى﴾ [الحديد: 10]. وكلا، أي الجميع الذي قاتل وأنفق قبل الفتح وبعد الفتح، فتشمل كلا تشمل الجميع، وكلا وعد الله الحسنى.

والحسنى هي الجنة، كما جاء في آيات كثيرة: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26]. فالحسنى هي الجنة، فالله عز وجل وعد الجميع الذي أسلم قبل الفتح ولا قاتل، والذي أسلم بعد الفتح وقاتل، هؤلاء كلهم وعدهم الله عز وجل جنات عدن في ذلك اليوم العظيم، وكلا وعد الله الحسنى، وهذا وعد عظيم. والله عز وجل لا يخلف وعده، ومن أصدق من الله قيلاً، ومن أصدق من الله حديثاً.

فإذا كان الله عز وجل وعدهم بالجنة وكلا وعد الله الحسنى، فمن يناقض هذا العهد؟ أو من يرد هذا العهد؟ أو من يقف في وجه هذا عهد؟ أبداً، والله لا يمكن لأحد أن يرد هذا، فلابد أن نؤمن يقيناً بأن أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم لهم المنزلة العالية المكانة العظيمة بهذا الشرف وهذا الفضل وهذا الوصف الذي جاء في هذه الآيات.

ثم جاء هذا الفضل العظيم بأن وعدهم الله عز وجل بأن أنهم جميعاً من أصحاب الجنة، كل من كان مع النبي صلى الله عليه وسلم من السابقين أو من المتأخرين في إسلامهم كلهم جاء لهم هم هذا الوعد بأن لهم بأن لهم الحسنى. النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً أثنى على الصحابة عندما قال: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم». هنا النبي صلى الله عليه وسلم يبين هذا الفضل العظيم للقرن الأول الذين عاشوا مع نبينا صلى الله عليه وسلم، الجيل الأول الذي عاش مع النبي صلى الله عليه وسلم لهم الفضل العظيم.

أيضاً يقول نبينا صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الذي في صحيح مسلم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون». ولعل هذا يعني به النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا ذهب جيل الصحابة ظهرت الفتن في الناس، وهذا ما حصل، أنه انفتحت أبواب الفتن، تخرم الصحابة وموتهم وانقضائهم جميعاً، ظهرت الفتن التي استمرت إلى يومنا هذا في التفرق والتشرذم بين المسلمين.

هذا حق عظيم لصحابة نبينا صلى الله عليه وسلم، لابد أن نعتني به ولابد أن نعرفه وأن نقر به، وأن نعرف لهم الفضل وهذه وأن نعرف لهم هذه المكانة العظيمة والمنزلة التي رفعهم الله عز وجل بسبب صحبتهم، فاصطفائهم لهذه المكانة التي لا يمكن لأحد أن يصل إليها بعد موت نبينا صلوات ربي وسلامه عليه.

ثم أيضاً من حقوق صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم العظيمة التي يجب أن نؤمن بها وأن نتيقن بها وأن نقر وأن نعتبر بها، أن نشهد لهم لمن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم، أن نشهد له بالجنة. من شهد له النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة بالجنة أن نقر وأن نعترف وأن نؤمن بذلك وأن نصدق به، العشرة المبشرين بالجنة الذين جاءوا في حديث واحد الذين وعدهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة في قوله عليه الصلاة والسلام: «أبو بكر في الجنة، عمر في الجنة، عثمان في الجنة، علي في الجنة، طلحة في الجنة، وسعد في الجنة، وسعيد في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وأبو عبيدة في الجنة». هؤلاء كلهم حكم لهم النبي صلى الله عليه وسلم بلسانه بأنهم من أهل الجنة، والنبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.

لابد أن نقر لهؤلاء العشرة وأن نعترف بأنهم من أصحاب الجنة وأن نؤمن بذلك ولا نشكك فيه، ومن يشكك فعنده خلل في إيمانه، خلل في إسلامه إذا شكك في كلام نبينا صلى الله عليه وسلم. أيضاً من حقوق صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم علينا أن نعتقد أن لهم الفضل والمزية والمنزلة في ترتيب ما جاء عن سلف الأمة، في ترتيبهم أن خير الأمة هو أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه وهو خير من طلعت عليه الشمس بعد الأنبياء والرسل.

ثم يأتي بعده عمر ثم عثمان ثم علي، وهؤلاء هم الأربعة الخلفاء الراشدون الذين نقر لهم بالفضل وبالمكانة وبالمنزلة العالية، وهم على هذا الترتيب خيرهم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضوان الله عليهم أجمعين. فهذا ترتيب شبه إجماع عند الأمة أن هذا الترتيب هو ترتيب في الفضل والمنزلة والمكانة، وهم الخلفاء الراشدون الذين لهم سنة تتبع.

من أيضاً من حقوق صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم محبتهم رضي الله عنهم وأرضاهم والثناء عليهم. لابد أن يكون في قلوبنا محبة لأصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم، لابد أن نجلهم وأن نعظمهم وأن نكبرهم وأن نعرف لهم قدرهم، لأن هؤلاء هم نقلة الوحي، هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين نقلوا لنا هذا الدين فلابد أن نعترف لهم بالفضل والمكانة. لابد أن نعترف لهم بالفضل والمكانة والشرف لأنهم هم الذين أوصلوا لنا هذا الدين صافياً نقياً كما جاء عن نبينا صلى الله عليه وسلم.

ولهذا يقول الطحاوي رحمه الله في عقيدته: «حبهم إيمان ودين وإاحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان». لابد أن يعرف الإنسان أن حب الصحابة هو دين ندين الله عز وجل به، وليست القضية يعني أمراً سهلاً ولا يسيراً أبداً. لابد أن يعرف الإنسان وعندما يتحدث عن صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم لابد أن يعرف لهم فضلهم وشرفهم ومنزلتهم العالية التي تبوأوها بصحبة نبينا صلى الله عليه وسلم.

أيضاً من الفضائل أو من الحقوق التي تكون لأصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم الاستغفار لهم والدعاء لهم والترضي عنهم، يعني لابد أن عندما يذكر الصحابة أن نقول رضي الله عنهم، لابد أن نتأدب في نطقنا لأسماء الصحابة، ولعلنا نقف إلى هنا ثم نواصل إن شاء الله بعد الفاصل.

ابن خزيمة هو محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي، الإمام الحافظ الفقيه الشافعي، صاحب الصحيح وكتاب التوحيد. عُني منذ صغره بالحديث والفقه، حتى صار يضرب به المثل في سعة العلم والإتقان، وسئل: من أين أوتيت العلم؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ماء زمزم لما شرب له»، وإني لما شربت سألت الله علماً نافعاً. توفي رحمه الله سنة إحدى عشرة وثلاثمائة من الهجرة.

كلمات قصيرة تحمل بين طياتها تنبيهاً وتحذيراً خطيراً، وتوجه حواسنا ومداركنا إلى دورنا الحقيقي الذي سنحاسب عليه: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته». فمن أهم أدوارنا الجديرة به اهتمامنا في هذه الحياة التركيز على مسؤوليتنا تجاه رعيتنا، فالآباء والأمهات لهم الأثر الأعظم بعد الله في مستقبل الأبناء والأجيال، لذلك خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر فقال: «والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها».

إن الأبناء زهرة الحياة وقرة أعين الآباء والأمهات، وبصلاحهم ودعائهم ترفع الدرجات في الآخرة، ولكن يجب أن ندرك أن ذلك مرهون بحسن تربيتهم وصلاح نشأتهم. فهنا كان لزاما علينا البحث عن أبرع الطرقات وأفضل الأساليب في التربية والتوجيه، ليكون أبناؤنا في قابل أيامهم مصدر بر وسعادة لنا، وسواعد خير وبناء للمجتمع والإنسانية. رياض الأصالة زاد المنى تضيء الليالي وتمحو الدجى تفوح بطيب الكتاب على نسمات الهدى والصفاء على نسمات الهدى والصفاء. سبيل رشاد بشير العباد رحيم

فيقوا الشهاد وقطر الندى يزداد زاد العلا ودنى لزاد الحياة وزاد التقى بزاد الحياة وزاد التقى مشاعل خير تنير البلاد من أهل تروي أنين الجواد إذا هزني الشوق نحو على قناة يزاد رفيق السرايا يزاد رفيق السرى.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. نواصل ما توقفنا عنده قبل الفاصل، وهو الاستغفار لصحابة نبينا صلى الله عليه وسلم والدعاء لهم والترضي عنهم. وهذا جاء نصاً في كتاب الله عز في علاه في قول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: 10]، يعني جاءوا من بعد الصحابة، يعني بعد الله عز وجل في هذه الآيات في سورة الحشر بدأ بالمهاجرين ثم بالأنصار، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾.

والذين جاءوا من بعدهم هذه تشمل التابعين ممن رأوا الصحابة ولم يروا النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا إلى قيام الساعة. هؤلاء كلهم يدخلون في قول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾. ما هو حال الذين جاءوا من بعدهم؟ ماذا يفعلون؟ بماذا يتعاملون مع أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم؟ يقول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: 10]. هذا هو حال المؤمن الموفق المسدد الذي يعرف حق صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم، فانه يطبق هذه الآية العظيمة التي جاءت في وصف أهل الإيمان بعد صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة.

ماذا يفعلون؟ ماذا يقولون؟ بماذا يتعاملون مع صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم؟ يتعاملون معهم بالدعاء لهم والترضي عنهم. يقولون: ربنا اغفر لنا، وهذا من طبيعة الدعاء ومن أدب الدعاء أن الإنسان دائماً يبدأ بنفسه. ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، وأول من سبقنا بالإيمان هم صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم. فهذا هو لسان حال أو لسان مقال الذين يأتون بعد صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم وهم محبون لهم، معظمون لهم، يعرفون قدرهم ومكانتهم وشرفهم وفضلهم.

يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، وأعظم أهل الإيمان هم صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم. ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم. لا تجعل في قلوبنا غلاً؛ الغل هو الكره والبغض والضغينة على أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم. ندعو الله عز وجل ألا يكون في قلوبنا شيئاً من هذا على أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم، بل نضمر لهم الحب والتقدير والاحترام والإجلال والاعظام والتوقير، لأنهم صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم ولأنهم نقلة هذا الدين وحملة الوحي بعد نبينا صلى الله عليه وسلم.

فأي بغض لهم وأي طعن فيهم هو طعن في هذا الدين، وطعن في الشريعة التي نقلوها إلينا. فيجب على الإنسان أن يعتني بهذا الأمر أيما عناية، وأن يبتعد عن كل كلمة فيها شيء من الانتقاص وعدم التوقير وعدم الاحترام لصحابة نبينا صلى الله عليه وسلم. ولهذا من أدب أهل الإسلام منذ التابعين إلى يومنا هذا، من أدب أهل الإسلام أنهم إذا ذكر عندهم أحد من اصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم فإنه دائماً يأتي بعده بقوله: رضي الله عنه. نقول: أبو بكر رضي الله عنه، عمر رضي الله عنه، عثمان رضي الله عنه، علي رضي الله عنه، وكل صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم عندما يذكرون نقول: رضي الله عنهم. وهذا نص الله عز وجل عليه في كتابه الكريم: رضي الله عنهم ورضوا عنه. ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: 18]. وهؤلاء لهم المنزلة والمكانة، الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة في صلح الحديبية.

ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لن يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة». وهذا يدل على منزلة ومكانة عظيمة، وهؤلاء ممن شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم من أصحاب الجنة الذين بايعوا تحت الشجرة. وأصحاب الشجرة لهم منزلة عظيمة وهم كبار الصحابة الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ومثلهم أصحاب بدر كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في قصة حاطب بن أبي بلتعة لما قال: «لعل الله عز وجل اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم». وهذه المنزلة العالية حصلت أيضاً لافراد من الصحابة بشرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة.

كما أخبر عن بلال رضي الله عنه: «يا بلال، إني سمعت دف نعليك في الجنة»، لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الجنة شهد لبلال بهذا، وشهد لعدد من الصحابة. خديجة رضي الله عنها وأرضاها بشرها جبريل ببيت في الجنة من قصب لا نصب فيه ولا وصب، وعائشة وغيرها من أُمّهات المؤمنين. الصحابة كثير من الصحابة شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم من أصحاب الجنة؛ أُبيّ بن كعب وثابت بن قيس بن شماس وغيرهم من صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم الذين شهد لهم بأنهم من أصحاب الجنة. وهذا يدل على هذه الفضيلة وهذه المزية وهذه المكانة العظيمة التي كانت لهؤلاء القوم العظام الأجلاء الكبار قدراً ومكانة وفضلاً وشرفاً.

فلا بد أيها الأحبة أن نتعامل مع صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم بهذا الاحترام وهذا التوقير وهذا الإجلال وهذا التقدير، ولا يتجريء الإنسان على أحد منهم كائناً من كان حتى الخوض فيما حصل بين الصحابة وشجر بين الصحابة. لا بد أن يترفع الإنسان إذا كان يخشى الله عز وجل، يعظم الله عز وجل ويعظم نبيه صلى الله عليه وسلم ويعظم صحابته، لا بد أن يترفع وأن يطهر هذا اللسان عن أي قول يقدح أو يجرح في أحد من صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم.

ولهذا لما قيل لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه ورحمه، وهو من التابعين، لما قيل له في الحق وفيما حصل من قتال بين علي ومعاوية رضي الله عن الجميع، قال قاعدة جميلة كلمة تسطر بماء الذهب: تلك دماء طهر الله منها سيوفنا، فنطهر منها ألسنتنا. الله عز وجل عصم سيوفنا وعصمنا من أن نشارك في تلك الدماء، فنعصم ألسنتنا من الحديث في هذا الأمر. ولهذا ينبغي للمسلم أن يترفع وأن يطهر لسانه عن كل قول يقدح في صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم، ويكل أمرهم إلى الله، ما حصل بينهم من هذا أمره إلى الله عز وجل. ونحن لسنا حكاماً على صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم ولسنا نستطيع أن نقيم هذا على حق وهذا على باطل، إلا بما عرف أهل العلم من شواهد الآيات والأحاديث.

لكن المؤمن الذي يريد أن يحفظ إيمانه، أن يحفظ دينه، أن يحفظ لسانه، أن لا يتكلم في صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم لا من قريب ولا من بعيد، وهذا أيضاً يدخل فيه عدم الطعن في صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم كما قلنا. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم نص على ذلك، نص على ذلك، ولا أري اين يذهب عقل من يتكلم في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعد قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح المتفق عليه يقول عليه الصلاة والسلام: «لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي؛ فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه». كيف يستطيع الإنسان أن يتجرأ على أحد من صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم بعد هذا النهي: لا تسبوا أصحابي.

وهذا يشمل أي طعن، أي تجريح، أي انتقاص لأي صحابي من صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم، هو هذا الحديث: «لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا» جبل أحد الذي نعرفه في شمال المدينة الجبل العظيم «لو أنفق مثل أحد ذهبا لم يبلغ مد أحدهم ولا نصيفه»، لم يبلغ المد وهو ملء الكف، لم يبلغ مد أحدهم ولا نصيفه أيضا ولا جزء من هذا، وإذا أنفق مثل أحد ذهبا، فهذا يدل على أنه لا يمكن لأحد أن يصل إلى هذه المنزلة وهذه المكانة وهذا الشرف وهذا الفضل.

ويكفي قول الله عز وجل: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: 18] رضي الله عز وجل عن المؤمنين الصحابة الذين بايعوا نبينا صلى الله عليه وسلم، فمن رضي الله عنه كيف يطعن فيه أحد من الخلق؟ كيف يكون هناك، هل يستطيع مسلم يخشى الله ويخافه ويتقيه ويراقب الله عز وجل ويخشى على نفسه من الزلل والخطل والخطأ، كيف يجرؤ ويتكلم في أحد من صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم بعد هذا الذي جاء عن نبينا صلى الله عليه وسلم؟

هذا الشرف وهذه المكانة وهذا الفضل وهذا النهي الذي لا يمكن لأحد أن يقع فيه إلا إذا اختل عنده شيء من الإعظام والإجلال والتوقير لله أولا، ثم لنبيه صلى الله عليه وسلم ثانيا، ثم لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثالثا، الذين هم نقلة الوحي والذين هم أنوار الهدى ومصابيح الدجى بالنسبة لنا. ولهذا يقول الطحاوي رحمه الله: ونبغض من يبغضهم وبغير الحق يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، لا نذكرهم إلا بخير.

هذا الذي يريد النجاة، هذا هو الذي يريد والسداد والنجاة في الحياة، لا يذكر أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم إلا بخير، إلا بخير يطهر هذا لسان الذي سيشهد عليه يوم القيامة إذا تكلم بانتقاص أو بطعن في أحد من أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم، سيندم ولا حاصن مندم. ونقف عند هذا الحد ونكمل إن شاء الله بقية حقوق أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم في الحلقة القادمة، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.