بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
ونواصل الحديث عن حق صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم. نواصل في هذه الحلقة ما بدأنا به في الحلقة الماضية عن هذا الحق العظيم الذي يجب أن نقر به، وأن نعترف به، وأن نؤمن به، وهو حق صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم، الذين هم نقلة الوحي ونقله هذا الدين لنا. تكلمنا في اللقاء الماضي عما للصحابة رضوان الله عليهم من حق المحبة والتوقير والإجلال والتعظيم والدعاء والاستغفار لهم، وأيضا من أعظم حقوقهم أن نحفظ ألسنتنا عن الطعن فيهم، وألا نتكلم فيهم إلا بحق أو بخير أو بعدل، وألا نجترئ على الحديث عنهم فيما لا يرضى الله عز في علاه.
الطعن في الصحابة خذلان من الله للعبد وعدم توفيق. الذي يجترئ على صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم، هذا رجل مخذول ورجل غير موفق، ورجل قد وكله الله عز وجل إلى نفسه الأمارة بالسوء، وهذا قد لا يكون ممن أراد الله عز وجل به خيرا ولم يوفق في فعله هذا، قد يكون سببا لخسران الخسران المبين؛ قد خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين. لماذا؟ لأن من سب الصحابة أو تكلم في الصحابة وطعن فيهم وانتقص ولم يعرف لهم قدرهم، هذا في قلبه حرج من هذا الدين، في قلبه حرج من هذا الدين، وهو يضمر ولا شك، يضمر ولا شك البغضاء لهذا الدين. لماذا؟ لأنه إذا طعن في الصحابة طعن في الذين نقلوا لنا هذا الوحي. فإذا طعنت فيمن نقل الوحي، من نقل هذا الدين، فكيف تثق بهذا الدين الذي طعنت في الذين نقلوه؟ هذا أمر عظيم جدا لابد أن ننتبه له في هذه القضية، وهذا الأمر الذي يجب أن يحترز منه الإنسان أيما احتراز.
وكيف والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الذي حسنه الألباني رحمه الله، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين». أعوذ بالله، هذا المسكين الذي يطعن في الصحابة استحق عليه لعنة الله عز وجل ولعنة نبيه صلى الله عليه وسلم، بل لعنة الناس أجمعين، إذا وقع في هذا الأمر العظيم الذي لا ينبغي لمسلم عاقل أن يجترئ عليه وأن يقع فيه. وهكذا الأئمة رضوان الله عليهم ورحمهم عندما أتوا إلى هذا الأمر وبدأت طوائف من الناس من أهل الخذلان وعدم التوفيق ومن أهل الضلال والزيغ بدأ الطعن في أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم. وهذا بدأ في عهد مبكر، لما كثرت الأهواء وكثرت الشبه عند الناس ودخل في الدين من المنافقين والزنادقه الذين يريدون أن يطعنوا في الدين، فما تجرؤا مباشرة أن يطعنوا في ديننا، بل طعنوا في صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم، ليكون ذلك طعنا مبطنا بهذا الدين العظيم.
ولهذا يقول الإمام أحمد رحمه الله، وانظروا إلى هذه الكلمه الجميلة والرائعة من إمام أهل السنة والجماعة، يقول: إذا رايت رجلا يذكر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بسوء فاتهمه على الإسلام. الله أكبر، ما أعظمها من كلمة! ما قال فاتهمه في النفاق أو في غيره، أتى بكلمة عظيمة هذا الإمام العظيم قال: فاتهمه على الإسلام، على أصل الدين! إذا طعن في صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم فإننا نتهمه في دينه ونشك في اسلامه، وإلا فكيف بعد هذا الفضل وبعد هذه المكانة وبعد هذه التزكية من الله ومن رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه يأتي الإنسان ويتجرأ في صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم؟ ولهذا كانت هذه الكلمة الجميلة والرائعة من إمام أهل السنة والجماعة: إذا رايت رجلا يذكر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بسوء فاتهمه على الإسلام، فاتهمه على الإسلام على نفس دينه؛ عنده خلل في دينه، عنده شيء من الضلال والزيغ الذي قد يخرجه من هذه الملة.
وكثير من السلف لما كان يرد إليهم هذا الأمر، كانوا يتعجبون من هذه الأسئله ومن هذا الكلام الذي لا يمكن أن يكون هناك أحد من أهل الإيمان والتقوى والخشية أن يتجرأ على هذا الأمر. ولهذا لما سئل الحسن البصري رحمه الله: هل حب أبي بكر وعمر سنة؟ يعني أمر ليس بواجب علينا أو هو سنة إن فعلنا، أو ممكن أن نبغضه وممكن أن نحبه كأي أحد من الناس؟ ماذا قال؟ قال: لا، هو ليس بسنه، فريضه؛ هو فريضة علينا، فرض علينا واجب؛ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ويعرف لهؤلاء الصحابه قدرهم أن يحب هؤلاء الصحابه، وخصوصا خصوصا من كان في منزلة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عن الجميع. فهؤلاء الأربعة خصوصا نص النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم لهم سنة تتبع، أمر الله أمر النبي صلى الله عليه وسلم باتباع سنتهم والتمسك بهديهم والاقتداء بهم.
جاء بعض من أهل الزيغ والضلال، جاؤوا إلى علي زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عن الجميع، جاؤوا إليه وتطاولوا وشتموا أباکر وعمر وطعنوا في عثمان رضي الله عنه وأرضاه، فما كان منه إلا أن أتى بقاعدة جميلة، يعني رد عليهم بنصوص القرآن، أتى بهذه الآيات التي في سورة الحشر، سألهم: هل انتم من المهاجرين الذين قال الله عز وجل فيهم: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: 8]؟ قالوا: لا، لسنا ممن هؤلاء، يعني حتى ليسوا من الصحابة لم يلقوا النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الضلال والزيغ في آخر القرن الأول. قال: هل أنتم من الأنصار الذين قال الله عز وجل فيهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحشر: 9]؟ قالوا: لا. قال: وإني أشهَد أنكم لستم ممن قال فيهم الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: 10]. اذهبوا فعل الله بكم وفعل، شتمهم وبخهم بكلام شديد ثم طردهم من مجلسه. وهذا حكمه عظيمة، وهذا يدل على عقل هذا الإمام العظيم علي زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في التعامل مع هؤلاء، مع أهل الزندقة الذين بدأوا في ذلك العصر في الطعن في صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم.
وهذه القصة حقيقة يجب أن يقف معها من ينظر في هذه الشبه التي تطرح الآن في الكلام عن أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم، ومع الأمر انتشر خصوصا في قنوات الضلال والفساد والغي والزيغ التي بدأت تسوق لمثل هذا الضلال في الطعن والاجرائة على أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم بأباطيل وأكاذيب وروايات ما أنزل الله عز وجل بها من سلطان، بل هي من نسيج خيالهم وعقولهم الفاسدة، وليس لهذا الكلام الذي يقولونه أصل صحيح أبدا من كتاب ولا من سنة ولا من قول عالم معتبر من علماء المسلمين. فهذا الأمر لابد أن نعتني به أيما عناية في هذه القضية، خصوصا في هذا الزمن الذي كثرت فيه القنوات الفضائية وكثر من يجترئ على أصحاب نبينا صلوات ربي وسلامه عليه. ولعلي هنا أنبه إخواني الفضلاء على أمر يجب أن نفكر فيه قليلا؛ تكثر الآن بعض المقاطع التي يأتي فيها السب والشتم إما لأبي بكر وعمر أو
لعائشة أو لغيرها من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين؛ فمع الأسف تجد أن كثيراً من أهل السنة بطيبة قلب وحقيقة سذاجة عقل ينشر هذا الأمر: انظروا هذا الضال ماذا يقول! طيب، لماذا تنشر الضلال؟ كيف تنشر هذا السب والشتم؟ ويكرر هذا السب والشتم والكلام البذيء على صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم الذين نحبهم ونجلهم ونعظمهم.
كيف يجرؤ الإنسان أن يرسل شيئاً فيه شتم أو سب أو انتقاص من قدر أحد من صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم؟ لا شك أيها الأحبه هذا خلل كبير جداً، ومع الأسف لو تابعت المشاهدات، أو لو استقرأ الإنسان المشاهدة لهذه المقاطع بين هؤلاء الزنادقة وعدد المشاهدين عند أهل السنة الذين ينشرونه بحجة أنهم انظروا إلى هذا الفساد وهذا الزيغ، لتجد أن نسبة المشاهدين عند أهل السنة أكبر! وهذا حقيقة من الخطأ، من الخطأ الكبير الذي يقع فيه كثير من أهل السنة بطيبة قلوبهم، وأنهم يريدون أن يشنع على هؤلاء.
لكن الحق الواجب علينا أن لا ننشر مثل هذا الفساد ومثل هذا الضلال ومثل هذا الزيغ ومثل هذا الكلام البذيء الذي لا ينبغي أن يقال؛ فحقيقة الذي يحب صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم ويكره ويبغض من يطعن فيهم، لا يمكن أن ينشر لهم هذه المقاطع مهما كان، حتى ولو كان من باب الطرافة، إلا إذا كان هناك أحد الباحثين الذي يريد أن يجمع مثل هذه الأقوال وأن ينتتقد وأن يرد عليها فلا باس.
أما أن نتداول هذا في المجموعات في وسائل التواصل الاجتماعي، يسمعها الصغير والكبير والجاهل والمتعلم والرجل والمرأة والأمي والجميع يتعلم، يسمع هذا الكلام، فهذه شبه قد تدخل إلى الأذهان، تدخل إلى العقول، قد يقع في قلب أحد من هؤلاء المساكين، أما الجهلة أو الضعفاء أو من قليل العلم والفقه ومن قليل الدين، قد يدخل في قلبه شيء من هذا الضلال ومن هذا الزيغ بسبب استماعه وهو يريد أن يرد على هذا، أو يستمع إليه من باب التبكيت لهؤلاء! وهذه إشكالية كبيرة.
يجب أن نميت الباطل وأن لا ننشره، أن نميت الباطل وأن لا ننشره، نقف عند هذا الحد ثم نواصل إن شاء الله بعد الفاصل.
قال ابن القيم: من أهمل تعليم ولده ما ينفعه وتركه سداً فقد أساء إليه غاية الإساءة، وأكثر الاولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباد وإهمالهم لهم وترك تعليمهم، فأضاع صغاراً فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوا آبائهم كباراً، كما عاتب بعضهم ولده على العقوق فقال: يا أبتي إنك عققتني صغاراً فعققتك كباراً، وأضعتني وليداً فأضعتك شيخاً. مجموعة زاد تقدم لكم نخبة مميزة من اصداراتها: كتاب كيف عاملهم صلى الله عليه وسلم للشيخ محمد صالح المنجد، أربعون نصيحة لإصلاح البيوت، أدرك أهلك قبل أن يحترقوا، المجمعات التجارية آداب وأحكام، زاد الحج، زاد الصائم، طوبى للشام، كيف تقرا كتاباً، معاني الأذكار، اترك أثراً قبل الرحيل، وكتاب بدعة إعادة فهم النص، لمزيد من المعلومات يرجى زيارة المواقع التالية.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: نواصل ما بدأنا به قبل الفاصل من الحديث عن حفظ اللسان عن الطعن في صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم، وأيضاً أن نحفظ أيضاً أعمالنا، ونحفظ أيضاً أجهزتنا من نشر ما يتعلق بهذا الأمر من تطاول واعتداء واجتراء على صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم، وهذا أمر خطير، كما نبهت قبل الفاصل، يجب أن نتواصى فيما بيننا، خصوصاً في هذه التقنية الحديثة التي انتشرت بين الناس، أن نتواصى فيما بيننا على أن لا ننشر مثل هذا الباطل وهذا الكلام القبيح الذي والله إنه يمرض القلب وتمج الأسماع وانه يضيق الصدر عندما يسمعه الإنسان، فلا يمكن أن يضيق صدري ثم أرسله إلى آخرين لتضييق صدورهم أيضاً! كيف يكون هذا؟
لابد أيها الأحبة أن نتواصل فيما بيننا على عدم نشر هذا الباطل، وعلى إماتته، وعلى نفيه عن أجهزتنا، وعدم نشره بين الناس، وكما قلت قبل الفاصل خشية أن يستمع إليه من هو قليل العلم، قليل الديانة، قليل الخوف من الله عز وجل، فيدخل في قلبه شيء من الشك، شيء من البغض لصحابة نبينا صلى الله عليه وسلم وهو لا يشعر.
من الحقوق أيضاً العظيمة لصحابة نبينا صلى الله عليه وسلم اعتقاد عدالتهم وبراءتهم من النفاق ومساوئ الأخلاق، هذا أمر لابد أن نعرفه حق المعرفة، أن الصحابة في عمومهم هم عدول، أن الصحابة عدول في عمومهم، ولا يمكن أن نصف أحداً منهم بما لا يليق وبما يخل بالشرف أو بالمروءة.
﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِمُحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: 100]. هنا الله عز وجل قسم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى ثلاثة أقسام، قال: والسابقون الأولون من المهاجرين؛ هؤلاء هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة مع نبينا صلى الله عليه وسلم أو قبله أو بعده، هاجروا خوفاً على دينهم، تركوا أموالهم وأولادهم وجاؤوا إلى المدينة مأرز الإيمان، وعاشوا مع صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم من الأنصار. هذا هو القسم الأول: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار. الأنصار هم أهل المدينة من الأوس والخزرج ومن القبائل الموالية لهم في المدينة، فهؤلاء هم الأنصار الذين جاء إليهم المهاجرون، بل جاء إليهم نبينا وحبيبنا صلوات ربي وسلامه عليه. ثم قال الله عز وجل: ﴿والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾. والذين اتبعوا أيضاً الصحابة من أهل القبائل المحيطة بالمدينة أو من أهل البلدان البعيدة أو القريبة الذين أسلموا وجاؤوا إلى المدينة، هؤلاء كلهم يدخلون في هذا الفضل، وفي هذا الشرف، وفي شرف صحبة نبينا صلى الله عليه وسلم ممن أسلم متأخراً من أقاصي الدنيا، ممن جاء كسلْم الفارسي الذي جاء من فارس، وغيره من الصحابة الذين جاؤوا من الجنوب، الذين جاؤوا من الشمال ومن الشرق، ودخلوا في الإسلام خصوصاً بعد انتشار الدين على أرجاء الجزيرة بعد فتح مكة، جاؤوا وهؤلاء كلهم يدخلون في هذا الفضل وهذه المكانة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾.
الله أكبر، هذه كلمة عظيمة! هذه كلمة تقشعر لها الأبدان، أن يرضى الله عز وجل وأن يقرر رضاه عنهم! هذا يدل على هذه المنزلة العالية العظيمة الجليلة الرفيعة لهؤلاء القوم: ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. الله عز وجل يقرر أنه قد رضي عنهم، ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ أيضاً هم رضوا عن الله عز وجل بسبب ما في قلوبهم من الإيمان والتقوى واليقين والصدق بموعود الله عز وجل، فرضوا بما أعطاهم الله عز وجل، وما حباهم به من الإيمان ومن التقوى ومن النور والهداية ومن صحبة نبينا صلوات ربي وسلامه عليه.
ثم قال الله عز وجل: ﴿وأعد لهم﴾ يعني هيا لهم ليس فقط مجرد الرضا، بل أيضاً أعطاهم نعيماً أكبر، قال: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. هنا وعدهم الله عز وجل بجنات وليس بجنة واحدة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءت أم حارثة إلى النبي صلى الله عليه وسلم عندما قتل في المعركة واستشهد، قالت: يا نبي الله يا رسول الله أخبرني إن كان في الجنة صبرت واحتسبت، وإن كان غير ذلك بكيت عليه واجتهدت في البكاء عليه. قال: أو هبلت يا امرأة! إنها جنات وليست بجنة، وقد أصاب ابنك الفردوس الأعلى منها! إنها جنات وليست بجنة، وهذا نعيم عظيم مقيم وعده الله عز وجل لأصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم ومن سار على أثرهم واقتدى بهديهم إلى يوم الدين: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. وهذا والله من أعظم النعيم، من أعظم النعيم أن يثبت الله عز وجل لهم الخلود في هذا النعيم خالدين فيها أبداً، يعني لا ينقطع ولا يحول ولا يزول.
يتغير ولا يتبدل هذا النعيم، وإنما هو باق سرمدي مستمر لا ينقطع. وهذا من أعظم النعم التي يوعد بها المسلم في هذه الدنيا إذا عرف أنه مهما لقي في هذه الدنيا من العناء، من التعب، من النصب، فانه موعود بجنات عدن وفيها النعيم المقيم الخالد الذي لا يزول ولا يحول. وهذا ما جعل الصحابة يصبرون على الأذى، يصبرون على العذاب، يصبرون على ما لاقوه من كفار مكة ومن غيرهم من الجهد والبلاء الذي لا تحتمله الجبال، لكن احتمله أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم لأنهم عرفوا هذا الدين وعرفوا هذا الحق وعرفوا هذا النور، وكانوا ينتظرون موعود الله عز وجل، وينظرون إلى هذه الدنيا أنها دار ممر وليست دار مقر، وأنها ستنتهي وتنقضي، لكن البقاء والخلود هو في الدار الآخرة.
وهذا ما يجعل الإنسان في هذه الدنيا مهما لاقى من العناء، مهما لاقى من التعب من النصب، يصبر ويثبت على دين الله عز وجل، لأنه يعلم أن هذه الدار قصيرة. الدار الدنيا هي الدور ثلاثة؛ الدار الأولى وهي هذه الدار التي نعيش فيها وهي قصيرة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أعمار أمتي بين الستين والسبعين ومن يتجاوز ذلك. ثم تأتي الدار الثانية وهي دار البرزخ، وهي أطول من الدار الدنيا وأقل من الدار الآخرة، وهذه الدار دار البرزخ هي أول منازل الآخرة، إما أن يكون هذا القبر روضة من رياض الجنة أو يكون حفرة من حفر النار عياذا بالله من ذلك. ثم تأتي الدار الثالثة وهي الدار الآخرة التي هي النعيم أو الجحيم المقيم خالدين فيها سواء كان أهل الجنة أو أهل النار، فإنها دار خلود تبقى ولا تزول ولا تحول.
ولهذا يقول الله عز وجل في ختام هذه الآاية: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصف: 12]. أي والله ذلك الفوز العظيم، هذا الفوز الذي يراه الإنسان يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، هذا أعظم فوز؛ هو الفوز في تلك الدار، أن ينجو الإنسان من النار وأن يكون من أصحاب الجنة. والله هذا هو أعظم فوز وأعظم نجاة وأعظم هبة وأعظم عطية يحصلها الإنسان في ذلك اليوم العظيم، الذي هو من أعظم الأيام يقف فيه الإنسان بين يدي ربه عز وجل فيكلمه كفاحا ليس بينه وبين الله ترجمان، فيقرره الله عز وجل أعماله وذنوبه، وهذا لا شك أنه أمر عظيم لو تفكر فيه الإنسان وعرف قدره لم يجترئ على معصية الله.
وهذا ما حصل من صحابه نبينا صلى الله عليه وسلم، أنهم صبروا واحتسبوا فيما وجدوه من أذى ومن جهد ومن بلاء، فكان أحدهم ينتظر موعود الله كما كان بلال يفعل به في صحراء مكة ويقول: أحد أحد. ويأتي النبي صلى الله عليه وسلم إلى ياسر وزوجته سمية وابنهما عمار وهم يعذبون عند كفار مكة فيقول: «صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة، صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة». هكذا حال الصحابة لما عرفوا هذا اليقين وهذا الحق بذلوا أرواحهم رخيصة في خدمة الدين، وهذا بسبب ما وقر في قلوبهم من الإيمان.
وهذا ما ذكره هرقل عظيم الروم لأبي سفيان في الحديث المشهور الذي في صحيح البخاري، قال لما قال له: هل يرجع أحد عن دينه سخطة عليه؟ قال: لا. قال: كذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب. إذا وقر الإيمان في القلب لا يمكن للانسان أن يتراجع عن دين الله مهما حصل ومهما عذب ومهما أوذي في سبيل الله عز وجل، فانه يصبر ويحتسب.
وعندنا هذه النماذج العظيمة والرائعة والجميلة والجليلة من أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم، الذين نكن لهم الحب والتوقير والتعظيم والاجلال والتقدير، بسبب ما عانوه وما لقوه في نشر هذا الدين وفي حمل هذا الدين حتى وصل إلينا صافيا نقيا ليس به شائبة، وإنما اخذوه من المنبع الصافي من نبينا وحبيبنا صلوات ربي وسلامه عليه، فنقل إلى من بعدهم بنفس الطريقة. فنسأل الله عز وجل أن يرضى عن صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم، وأن يحشرنا معهم في الفردوس الأعلى من الجنة. نتوقف عند هذا الحد ثم نواصل بعد الفاصل إن شاء الله.
﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مَنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكرُونَ﴾ [المائدة: 6]. من رحمة الله تعالى بعباده الرخصة لهم في المسح على الخفين والجوارب في الوضوء بدلا من غسل الرجلين، وذلك بالمسح مرة واحدة أعلى الخف الأيمن باليد اليمنى وأعلى الخف الأيسر باليسرى مفرجا أصابعه مبتدئا من أصابع رجليه إلى بداية ساقيه.
يمسح على الخفين معا أو يبتدئ بالخف الأيمن ثم الأيسر، فالامر في ذلك واسع بشرط أن يكون الخف طاهرا من النجاسة وأن يكون ساترا للقدم مع الكعبين وأن يلبسهما على وضوء كامل، ومدته يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، يبدأ احتسابها من أول مسح بعد انتقاض الوضوء. فلو توضا لصلاة الفجر مثلا ولبس الخفين ثم انتقض وضوءه الساعة التاسعة صباحا وتوضا في الساعة الثانية عشرة ومسح على الخفين، فيبدا احتساب المدة من الساعة الثانية عشرة لا من الساعة التاسعة.
ويكون المسح في الحدث الأصغر، وأما الحدث الأكبر فيجب فيه الاغتسال الكامل. ومن خلع خفيه أو انتهت مدة المسح فوضوؤه صحيح ما لم ينتقض بناقض آخر، فان أراد المسح مرة أخرى وجب عليه أن يتوضا أولا وضوءا كاملا يغسل فيه قدميه ثم يلبس الخف ويراعي الشروط السابقة.
عبد الله بن المبارك، الإمام الكبير، الحافظ المحدث، الثقة الحجة، أمير المؤمنين في الحديث، وشيخ الإسلام في زمانه، جمع بين الفقه والحديث والعربية والشجاعة والسخاء. قال الإمام احمد بن حنبل: لم يكن أحد في زمان ابن المبارك أطلب للعلم منه. وقال سفيان بن عيينة: نظرت في أمر الصحابه وأمر عبد الله فما رايت لهم عليه فضلا الا بصحبتهم النبي صلى الله عليه وسلم وغزوهم معه. من مصنفاته الجهاد وهو أول من صنف فيه والزهد والرقائق. توفي رحمه الله سنة إحدى وثمانين ومائة من الهجرة.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد. نواصل الحديث في ختام هذه الحلقة التي تتعلق بحق صحابة نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، وقد تكلمنا عما يتعلق بهم من حقوق وما لهم من فضل ومكانه ومنزله عالية في ديننا، وما يجب علينا تجاههم من حب وترض ودعاء واستغفار لهم، وأيضا أن نكن لهم في صدورنا التقدير والتبجيل تعظيما. هذا هو حال أهل الإيمان الذين يحبون صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم، والذين حبهم تبع لحب نبينا صلى الله عليه وسلم، فمن كان يحب النبي صلى الله عليه وسلم فهو ولا شك يحب صحابته الذين دافعوا عنه والذين فدوه بأنفسهم وأموالهم، هؤلاء لا بد أن نعرف لهم قدرهم وأن نعرف لهم فضلهم ومكانتهم.
من حقوق الصحابه العظيمه التي يجب أن نقر وأن نعترف بها أن الصحابة جميعهم عدول، ولهذا يقول ابن حجر العسقلاني رحمه الله: اتفاق أهل السنة على أن الجميع عدول. يعني أن الجميع من أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم على أن الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة. هذا الذي نقله ابن حجر رحمه الله من اتفاق أهل الإسلام، أهل الإيمان، أهل الديانة، أهل العلم، بأن الصحابه فيما نقلوه إلينا من الدين بأنهم جميعهم عدول، لا يمكن أن نطعن فيهم في فسق أو في عدم صلاح أو في بدعة أو ضلالة. لا يطعن في أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم، قد يحصل بينهم ما يحصل من البشر من الخلاف الطبيعي جدا بين الناس، وهذا أمر طبيعي، فقد حصل بعض الخلاف لكن لا علاقة له بالدين، وإنما هو من الطبيعة.
البشرية من الطبيعة البشرية يحصل بينهم خلاف أحيانا في بعض الأمور، يختلفون على بعض المسائل، على بعض الأشياء التي تكون في حياتهم اليومية، لكن في أمانتهم، في ديانتهم، في عدلهم، في صدقهم، في تقواهم، في علاقتهم بربهم لا يمكن لأحد من أهل الإيمان أن يطعن فيهم أو أن يجرئ عليهم أو أن ينتقص منهم، إلا إذا كان كما قال ابن حجر رحمه الله، إلا أن يكون من أهل البدع، إلا أن يكون شاذا من أهل البدع والضلال الذين يجرؤون.
مع الأسف كم نسمع اليوم في هذه القنوات الفاسدة التي تبث في هذا الفضاء الذي قد لوث بالسب والشتم لصِحابة نبينا صلوات ربي وسلامه عليه مما يؤذي الأسماع، لكن نسأل الله عز وجل أن يكبتهم وأن يخذلهم وأن يرد كيدهم في نحورهم وأن يخرس ألسنتهم، ويهلكهم بعدله في علاه، وأن ينتقم لأصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم. لما قيل لعائشة رضي الله عنها: إن أقواما يسبون أباک وبكر وعمر. قالت: لعل الله عز وجل أو أبى الله عز وجل إلا أن يجري لهم حسنات وهم في قبورهم، وهم في قبورهم كل من تكلم فيهم فستؤخذ من حسناته وتوضع لهم، أو تؤخذ من سيئاتهم وهم إن شاء الله خفيف الظهر من هذا الأمر، لكن سيأخذ من حسنات هؤلاء الظلمة الذين طعنوا فيه بغير حق وبغير عدل.
فهذا الحق لصِحابة نبينا صلى الله عليه وسلم أن نشهد لهم بالعدل والديانة والأمانة والصدق والتقوى والثقة فيما نقلوه من دين الله عز وجل في علاه، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم عن الصحابة وخصوصا الخلفاء الراشدين قال: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ».
سبحان الله يعجب الإنسان كيف يشترئ إنسان أو أحد يخاف الله عز وجل ويخشى الله عز وجل، كيف يشترئ على أحد من صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم، خصوصا من كان مقدما منهم كأبي بكر وعمر؟ ونحن نسمع الآن هذا الطعن العجيب في أبي بكر وفي عمر من أهل الضلال، من أهل الزيغ، من أهل الفساد، من أهل الزندقة، وهذا ولا شك نتهم في إسلامهم وديانتهم بفعلهم هذا.
ولهذا لما سأل هارون الرشيد، سأل الإمام مالكا عن مكانة أبي بكر وعمر من النبي صلى الله عليه وسلم، فقال كلاما جميلا قال: مكانتهم منه في حياته كمكانتهم منه في قبره، يعني هم الآن بجوار النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا كانوا في حياته صلوات ربي وسلامه عليه، فكثيرا ما كان يقول النبي صلى الله عليه وسلم: خرجت أنا وأبو بكر وعمر، وذهبت أنا وأبو بكر وعمر، فهما صاحبا النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أقرب الناس إليه، ومن أحب الناس إليه.
خصوصا أبا بكر، لما سأل عمرو بن العاص سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله، من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة. قال: ومن الرجال؟ قال: أبوها. قال: ثم من؟ قال: عمر. وانظروا، يعني هؤلاء الثلاثة يعجب الإنسان من أهل الباطل الآن، من أهل الضلال، من أهل الزيغ، من يسب في هؤلاء الثلاثة الذين قدمهم النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن العاص: من أحب الناس إليه؟ قال: عائشة. ومن الرجال؟ قال: أبوها. قال: ثم من؟ قال: عمر.
سبحان الله، يعني هذا نص واضح وصريح من نبينا صلى الله عليه وسلم أنه يحب هؤلاء العظام الكبار الأجلاء، الذين والله ثم والله نتقرب إلى الله بحبهم، نتقرب إلى الله بحبهم وهو دين كما قال الطحاوي في عقيدته: دين وإيمان وإسلام حب صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم. وكما قال الحسن البصري رحمه الله: إن حب أبي بكر وعمر فرض علينا وليس بسنة، لأن الذي يحب النبي صلى الله عليه وسلم لابد أن يحب صاحبيه اللذين هما سيدا كهول أهل الجنة كما أخبر النبي صلوات ربي وسلامه عليه.
عندما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الحسن والحسين أبني علي رضي الله عنهما هما سيدا شباب أهل الجنة، فكذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما هما سيدا كهول أهل الجنة، وهذه شهادة تتكرر من النبي صلى الله عليه وسلم لهذين الرجلين العظيمين، وأيضا لبقية صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم كالعشرة المبشرين بالجنة، وأصحاب بدر، وأصحاب بيعة الرضوان، والذين شهدوا فتح مكة، وشهدوا الخندق. يعني هذا تسلسل لمكانة أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم، نعرف لهم فضلهم، ونقدر لهم قدرهم، ونجلهم ونعظمهم.
يقول ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه في كلمة جميلة يقولها للتابعين، وهي قاعدة لكل مسلم لنا اليوم لمن بعدنا أيضا، قاعدة عظيمة وجليلة في التعامل مع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وابن مسعود هو من صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم، بل ممن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، ففي يوم من الأيام كان ابن مسعود يرقى على نخلة أو على جذع شجرة، وكان ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه رجلا خفيف الجسم قصير القامة، فضحك الصحابه رضوان الله عليهم.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مما تضحكون؟» قالوا: من دقة ساقه يا رسول الله، كان نحيل الجسم. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بشهادة عظيمة لهذا الصحابي الجليل عن هذه الساق الدقيقة التي ضحك الصحابه من دقتها ليس استهزاء به، وإنما هي من باب المداعبة له والضحك فيما بينهم في مجالسهم، يعني هذا ليس استهزاء وسخرية بابن مسعود، وهم يعرفون قدره ومكانته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لهي أثقل في الميزان من جبل أحد» هذه الساق الدقيقة التي ترونها.
فالموازين عند الله عز وجل تختلف عن موازين الناس، تختلف عن موازين الناس، فقد يرى الناس الآن، قد يرون رجلا ضعيفا كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب، لكن قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أقسم على الله لأبره». فموازين الناس ليست كميزان الله عز وجل، فميزان الله يختلف اختلافا كليا عن موازين الناس اليوم. الناس قد يحتقرون بعض الضعفاء، بعض المساكين، وهم من أولياء الله، وهم من أولياء الله، وهذا نراه الآن عيانا في حفظة كتاب الله عز وجل في علاه.
قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم والحافظ لكتاب الله». الآن الحافظ لكتاب الله قد يكون فقيرا أو مسكينا أو عاملا ولا يؤبه له، لكن الميزان عند الله يختلف كليا عن ميزان الناس.
يقول ابن مسعود رضي الله عنه: من كان متأسيا -يعني مقتديا ومهتديا- فليتأس بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، من أراد أن يتبع أحدا من الناس فليتبع وليقترف أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، وأكثرها ديانة، قوما اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم، فإنهم كانوا على الصراط المستقيم.
الله أكبر، فإنهم كانوا على الصراط المستقيم، فاعرفوا لهم قدرهم وفضلهم واتبعوهم في آثارهم وفيما جاء عنهم وفي سيرتهم وفي طريقتهم وفي تعاملهم وفي حياتهم وفي عبادتهم، فهذا هو الكمال البشري بعد الأنبياء هو في صحابة نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، فاتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الصراط المستقيم. أي والله، كانوا فعلا على الصراط المستقيم، وكيف لا يكونون على الصراط المستقيم وهم قد أخذوا الدين نقيا صافيا من منبعه الأصل، من المنبع الأصل من نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد صلى الله عليه وسلم وعاشوا معه ورأوه رأي العين.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا حب صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم، وأن يحشرنا معهم في جوار نبينا صلى الله عليه وسلم في الفردوس الأعلى من الجنة، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
الضمان ومكارم الأخلاق ندرسها معاً أدب وتربية على الإحسان. بشرى لنا ذات أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.
د. عبد العزيز بن محمد الجهني