بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. ونواصل في هذه الحلقة ما بدأنا به من هذه السلسلة المباركة في أكاديمية زاد في مادة التربية في قسم الحقوق. وذكرنا في اللقاءات الماضية حق الله عز وجل، وحق نبيه صلى الله عليه وسلم، وحق صحابته رضوان الله عليهم. وسيكون الحديث في هذه الحلقة بإذن الله عن حق العلماء.
والعلماء هم ورثة الأنبياء، الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فالحديث عن العلماء هو حديث عن ورثة الأنبياء، عن نقلة الوحي، عن نقلة العلم، عن نقلة الفقه، عن نقلة الدين عموماً والشريعة إلى الناس. هؤلاء العلماء هم الذين لهم المنزلة العالية والمكانة الكبيرة في ديننا، لهم الإجلال والتعظيم والاحترام والتقدير؛ لأنهم أهل العلم الذين أثنى الله عز وجل عليهم في كتابه الكريم.
فالله عز وجل يقول: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]. وهذا استفهام تقريري، أنه لا يستوي أهل العلم مع غيرهم؛ فاهل العلم أجل وأرفع وأعلى مكانة من غيرهم. فالعلم يرفع الإنسان ويعطيه من المكانة العالية في الدنيا وفي الآخرة إذا أخلص النية لله عز وجل.
ولذا يقول الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: العلم لا يعدله شيء إذا صحت النية؛ لأن الإنسان كلما ازداد علماً، كلما ارتفع عند الله عز وجل مكانةً، وكلما ازداد في خشيته وفي إنابته وفي تقواه لله عز وجل. يقول ربنا عز وجل في الثناء على أهل العلم وفي بيان مكانتهم ومنزلتهم: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11].
فإن أصحاب العلم لهم المكانة العالية في الآخرة؛ فكلما حصل الإنسان معرفة أو علماً أو مسألة أو حفظ آية أو حديثاً، كلما ارتفع عند ربنا عز وجل في علاه، خصوصاً ما يتعلق بالعلم الشرعي في كتاب الله وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم. فأهل القرآن هم أعلى أهل العلم؛ ولذا يقول الله عز وجل عن أهل القرآن: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: 49]. القرآن يكون في صدور أهل العلم، ينفعهم ويرفعهم عند ربهم عز في علاه. ويكفي فيهم قول نبينا صلى الله عليه وسلم عن أهل القرآن: «يقال لصاحب القرآن يوم القيامة اقرأ ورتل ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها».
مكانة العلماء عظيمة، وخصوصاً العلم بالله؛ العلم بالله هو أعظم العلم؛ لأن شرف العلم من شرف المعلوم، فالذي يعتني بعلوم الشريعة، ما يتعلق بكتاب الله أو بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، هم الذين يطلق عليهم العلماء ابتداءً، وهم الذين يدخلون في هذه النصوص العظيمة التي تدل على فضل العلم وشرفه.
وإن كان العلم في كل مجالات الحياة هو مقدم، له فضل وله مكانة، لكن العلم الشرعي لا يدانيه أحد، لا تداني مكانته، ولا يصل إلى منزلة أهل العلم بالله عز وجل والعلم برسوله صلى الله عليه وسلم أحد. ولهذا في هذه الآية التي ذكرناها قبل قليل ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، هذه جاءت في سياق قول الله عز وجل: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 9].
إنما يتذكر ويتفكر ويتدبر في هذا الأمر أولو الألباب، أصحاب العقول السليمة والفطرة السوية، الذين يعرفون لاهل العلم مكانتهم ولهم فضلهم أيضاً. وهذا يدل في سياق هذه الآية، والقرآن يفسر بعضه بعضاً، أنها جاءت في سياق أهل الصلاح وأهل التقوى وأهل الإيمان: أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه. هذا الذي عرف الله وعبد الله وأناب إلى الله وكان في قلبه الخشية لله عز وجل، هذا هو العلم الحقيقي، إنما العلم الخشية.
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتهال المبطلين، وتأويل الجاهلين». فهؤلاء هم العدول الذين ينقلون العلم بأمانة وديانة وصيانة وتقوى وخشية لله عز وجل. هؤلاء الذين يوصفون بهذه المكانه العالية والرفعة عند الله عز وجل التي قالها في كتابه الكريم: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11].
ولهذا كان فقد العلماء له أثر كبير في حياة الناس؛ فقد العالم ثلمه في الدين، كما يقول بعض السلف، وهذا ما فسر به بعض الصحابة رضوان الله عليهم قول الله عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: 41]، قال هو موت العلماء، هو موت العلماء، هذا هو نقصان الأرض.
ولذا يقول الشاعر: لعمرك ما رزيّة فقد مالٍ ولا شاةٌ تموت ولا بعيرُ ولكن الرزية فقد حرٍّ يموت بموته خلق كثيرُ
فأثر العالم كبير على الناس، وإذا وجد في مجتمع أحد من العلماء، فانه يكون له الأثر الكبير في نقل الناس من الجهل إلى العلم، ومن الظلمة إلى النور، بسبب ما عنده من العلم وبثه ونشره بين الناس؛ فهو مصباح من مصابيح الهدى والنور.
ولهذا شبه ابن القيم العلماء بالنجوم في السماء، شبههم بالنجوم في السماء يهتدي بها الناس في ظلمات البراري والصحاري، فهم يعرفون الطريق الصحيح من خلال هذه النجوم، فكذلك العلماء يهتدون إلى الحق وإلى الطريق المستقيم عن طريق العلماء، الذين هم نقلة الدين.
هؤلاء العلماء لهم حق علينا، حق واجب يجب الاهتمام به، ويجب الإقرار به، وأيضاً يجب أن نهتم به فضلاً، إظهاراً لفضله ولمكانته وللمنزلته العالية بما حصلوه من علم، ليس لأنه فلان ابن فلان من القبيلة الفلانية أو من البلد الفلاني، ولكن لما في صدره من العلم بكتاب الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا الذي رفعه، هذا الذي يرفع الإنسان.
ولهذا لما جاء عبد الملك بن مروان جاء إلى مكة في الحج وجلس عند عطاء، وعطاء كان عالم مكة وهو المفتي في الحج، فجاء عبد الملك ومعه أبناؤه الوليد وغيره من أبنائه ممن كانت لهم ولاية العهد بعد عبد الملك، وجلس إلى، وكان إلى عطاء عبداً حبشياً وفي خلقته شيء من الدمامة، يعني في صورته لم يكن جميل الخلقه، فجلس إليه، جلس إليه عبد الملك جلسة المتواضع أمام هذا العالم وهو الخليفة.
فلما خرج قال لأبنائه: تعلموا العلم يا أبنائي، تعلموا العلم يا أبنائي، فوالله ما رفع خسيسة هذا العبد إلا العلم، الذي يجلس الخليفة أمامه، يجلس الخليفة أمامه هو وأبناؤه، يجلسون أمام هذا الذي في نظر الناس لا يؤبه له، عبد أسود، مسكين، بسيط، لكن الذي رفعه هو العلم.
وكما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. فالله عز وجل يرفع بعض العباد، ولا الله عز وجل لا يعاملنا بهذه الموازين الدنيوية التي ينظر لها عند الناس: هذا أسود، وهذا أبيض، وهذا فقير، وهذا غني، وهذا من القبيلة الفلانية، أو من البلد الفلاني؛ هذه لا قيمة لها عند الله عز وجل، إنما الميزان هو العلم والتقوى والإيمان الذي في قلب هذا العبد.
فهؤلاء العلماء لهم الاحترام، لهم التوقير، لهم التقدير، بسبب ما في قلوبهم أو بما حصلوه من العلم بكتاب الله والعلم بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وهذا كان ظاهراً وبارزاً وجلياً في حياة اشرف الخلق بعد الأنبياء والرسل وهم صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم، كانوا يجلون الكبار العلماء الأجلاء، كانوا يجلون ويكبرون.
ويعظمونه، وفي قصة ابن عباس رضي الله عنهما مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما أراد أن يسأله عن اللين تظاهرتا على النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: مكثت سنة لا أستطيع أن أسأل عمر هيبة له. هيبة له! أهل العلم يعرفون قدر أهل العلم، ولذلك لا يعرف لأهل الفضل فضلهم إلا أهل الفضل؛ هم الذين يعرفون، أما الجاهل قليل العقل قليل الديانة قليل الفهم هو الذي ينتقص هؤلاء العلماء ويقلل من قدرهم. هذا يدل ويشير إلى نقصان في عقله وعدم علمه وعلى جهله، لأنه لم يعرف لأهل الفضل ولاهل العلم مكانتهم.
ويقول ابن حمز أو يقول قبله الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة والجماعة رحمه الله: أمرنا أن نتواضع لمن نتعلم منه. يعني كان هذا الأمر اخذوه بالمشافهة ممن قبلهم، من التابعين، من الصحابة، عن نبينا صلى الله عليه وسلم. يعني هذا كان أمرا سائدا وعرفا بينهم أن الإنسان يتواضع ويخضع لمن اخذ عنه ومن تلقى عنه العلم، ردا للجميل واعترافا بالفضل لمن تعلم منه ولو اخذ منه حرفا واحدا، فهذا الأمر جلي عند هؤلاء الاقوام العظماء العلماء الذين عرفوا لأهل الفضل فضلهم وبالتالي أجلّهم وقدرهم من بعدهم من طلابهم. فهذه الكلمة كلمة جميلة من الإمام أحمد: أمرنا أن نتواضع لمن نتعلم منه. نتوقف هنا ثم نواصل بعد الفاصل إن شاء الله.
عطاء بن أبي رباح المكي، الإمام الكبير الفقيه، مفتي الحرم؛ قال أبو حازم: ما أدركت أحدا أعلم بالعلم من عطاء بن أبي رباح. وكانوا في زمان بني أمية يأمرون في الحج مناديا يصيح: لا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح. وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن أشياء فقال: يا أهل مكة تجتمعون علي وعندكم عطاء! توفي رحمه الله سنة خمس عشرة ومائة من الهجرة.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. نواصل ما بدأنا به قبل الفاصل من الحديث عن حق العلماء في ديننا وفي حياتنا؛ أن نعرف لهم قدرهم ونعرف لهم فضلهم. وقد مر معنا مقولة الإمام أحمد رحمه الله: أمرنا أن نتواضع لمن نتعلم منه.
ويقول ابن حزم رحمه الله أيضا في هذا الباب: اتفقوا على إيجاب توقير أهل القرآن والإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك الخليفة والفاضل والعالم. يعني اتفقوا، كأنه ينقل عمن قبله من العلماء الأجلاء والفضلاء أن هذا، يعني، هناك شبه اتفاق بينهم على هذا الأمر، أنهم يعرفون لأهل العلم ولاهل الفضل مكانتهم. وهنا ذكر أهل القرآن، وقد نبهت سابقا أن بعض الناس من جهله قد ينظر إلى أهل القرآن على أنهم ليسوا من أهل العلم؛ هذا خطأ كبير جدا، خصوصا الذي يحفظ القرآن ويعرف معانيه ويعرف تفسيره، لا شك أن هذا من أجل العلم وأفضله وأعلاه؛ العلم بكلام الله عز في علاه. ولذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، والحامل للقرآن غير الغالي فيه والجافي عنه». يعني الذي يحفظ القرآن وأيضا لا يكون فيه شيء من الإفراط ولا شيء من التفريط في هذا الباب، فانه أيضا يدخل في أهل العلم الذين لهم الاحترام والتقدير وأيضا لهم الإجلال، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.
أيضا من حقوق العلماء محبتهم وتوليتهم. يقول في ذلك ابن أبي العز شارح الطحاويّة يقول: يجب على كل مسلم بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين كما نطق به القرآن، خصوصا الذين هم ورثه الأنبياء. فالمؤمن الذي يعرف لأهل العلم علمهم ومكانتهم، هذا يكون في قلبه الحب لهؤلاء العلماء، لأن هؤلاء هم ورثة الأنبياء، والعلماء في أمة محمد صلى الله عليه وسلم كالأنبياء في بني إسرائيل، كالأنبياء في بني إسرائيل. فهذه الأمة تميزت بعلمائها، تميزت بعلمائها وبنقل الوحي من أهل الفضل وأهل الديانة وأهل الأمانة. فهؤلاء على أقل تقدير لنعرف لهم هذا الفضل، ولنجلهم ونحترمهم وننزلهم المنزلة اللائقة بهم لما في قلوبهم من العلم والحكمة.
أيضا الدعاء لهم والثناء عليهم، وهذا ليس بكثير وليس بقليل في حقهم، يعني ليس كثيرا عليهم أن ندعو لهم. وهذا الإنسان الذي يعرف قيمة هذا الدين ويعرف قيمة هذا العالم في نشره لهذا الدين، خصوصا إذا كان ممن نفع الله عز وجل به الأمة، فأقل القليل، أقل القليل أن أدعو له؛ أن أدعو له بالثبات، بالتوفيق، بالسداد، لإظهار المحبة له دعاء له. وهذا الإنسان إذا ما يستطيع أن ينشر العلم وأن يكون من أهل العلم، فلا أقل من أن يدعو لهم بالتوفيق والسداد، هذا أقل ما يقدمه المسلم البسيط لأهل العلم والفضل، أن يدعو لهم أن يحفظهم الله عز وجل وأن يسددهم في ألسنتهم وأقوالهم وأعمالهم، وأن يكفيهم شر الفتن ما ظهر منها وما بطن. هذا فيه عون وسداد لهؤلاء، أن يساعدهم الإنسان بالدعاء الذي هو عبادة عظيمة، ولا شك أن الدعاء له أثر عظيم، له أثر عظيم ودعوة المسلم لأخيه في ظهر الغيب مستجابة. وهذا يدل على صفاء القلب وعلى نقائه وعلى طهره أن يدعو الإنسان لأهل العلم والفضل الذين نفع الله عز وجل بهم، لا يكون في صدره شيء من الحسد أو الحقد أو الغل على أهل العلم. هذا يدل على خلل، خلل في القلب، وعلى ضغينة في القلب لهذا الدين، بحيث الإنسان يكره اهل العلم وهو قد يتمادى به الشيطان ليكره الدين وهو لا يشعر، إذا كان يكره العلماء الذين ينشرون الخير بين الناس، فلماذا يكرههم؟ لماذا يكره أحد العلماء الذي نفع الله عز وجل به، واهتدي الناس على يديه، وينشر قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم؟ لماذا يكره مثل هذا الإنسان؟ لماذا يكره؟
قد يكون عنده شيء من الأخطاء، كل بني آدم خطاء كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، لكن أنا أحبه وأدعو له لما يجري من الخير على يديه في نفع الناس وفي نشر القرآن والسنة بين الناس. فهذا من أبسط حقوق العلماء علينا أن ندعو لهم بالتوفيق بالسداد بالثبات، بأن يعينهم الله عز وجل على نشر هذا الدين بين الخلائق.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم -يعني إذا كان نحن قصرنا في الدعاء فقد جاء الثناء من النبي صلى الله عليه وسلم-: «إن الله وملائكته حتى النمله في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير». الصلاة هنا بمعنى الدعاء، لأن الصلاة تاتي في المعنى اللغوي بمعنى الدعاء، كما قال الله عز وجل: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة: 103] يعني ادع لهم، ادع لهم. فالصلاة تأتي بمعنى الدعاء، وقد تأتي بالمعنى الشرعي: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]، لكن قد تأتي الصلاة بمعنى الدعاء كما في هذا الحديث: «إن الله وملائكته حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير». سبحان الله! أي فضل لهذا العالم؟ أي فضل وأي مكانة وأي شرف وأي مزية لهذا العالم الذي حمل دين الله عز وجل في قلبه، حمل القرآن والسنة والعلم بالله عز وجل، حمله في قلبه؟ أي فضل وأي شرف أن يصلي عليه، أن يدعو له الله عز وجل بأن يثني عليه في الملأ الأعلى، وكذلك الملائكة حتى النملة في جحرها حتى الحوت في البحر يصلون على معلم الناس الخير! والله هذا شرف لا يدنيه شرف، شرف عظيم أن يسخر الله عز وجل، حتى الحشرات، حتى هذه الدواب، يسخرها للدعاء لهذا العالم الذي يعلم الناس الخير. وهنا نص النبي صلى الله عليه وسلم على معلم
الناس الخير ليس فقط هو من أهل العلم، من عنده العلم الكثير، لكن المقصود به هو الذي ينشر العلم، يتعلم ليعلم، هو الذي يحصل على هذه المزية. أما الذي فقط يتعلم لنفسه ولا ينقل العلم لغيره، فهذا يحصل فضلا، لكن قد لا يدخل في مثل هذا الحديث وفي بعض الفضائل التي جاءت عن نبينا صلى الله عليه وسلم. هنا قال: على معلم الناس الخير. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «بلغوا عني ولو آية». فالإنسان الموفق المسدد هو الذي يتعلم ليرفع الجهل عن نفسه، ثم ليرفع الجهل عن غيره، ليكون ناقلا لهذا العلم ناشرا له، وهو يحصل بذلك الأجور العظيمة التي لا يعلمها إلا الله عز وجل. ﴿وَمَنْ دَلَّ عَلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ﴾. يحصل مثل الأجور؛ دليت إنسان على سنة، فإنك تحصل الأجر الذي يفعله هذا الإنسان، يأخذ الأجر كاملا وتأخذ أنت مثل أجره، وهذا فضل من الله، فضل وكرم من المولى عز وجل.
ولذا من باب الشيء بالشيء يذكر، أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه كيف وصل إلى هذه المنزلة وهذه المكانة التي لا تدانيها مكانة، ولا يمكن لأحد من الخلائق أن يصل إلى مكانة أبي بكر الصديق رضي الله عنه؟ فهو خير الخليقة بعد الأنبياء والرسل، خير البشر بعد الأنبياء والرسل هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، وما ذلك والعلم عند الله إلا كما نقل عن الإيمان الذي وقر في قلبه. لكن هل عنه بعض الناس وهو في صلب حديثنا هذا، أن أبا بكر بعد أن أسلم بدأ مباشرة في الدعوة إلى الله، بدأ في نشر هذا الخير، وأسلم على يده خمسة من العشرة المبشرين بالجنة؟ هل يمكن لأحد أن يصل إلى هذا الفضل وإلى هذه المكانة؟ خمسة من العشرة المبشرين بالجنة في ميزان حسنات أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه. هذا فضل عظيم، وهذا يدل على مكانة هذا العلم.
هذا الإمام الكبير الذي هو خير الأمة بعد نبيها صلوات ربي وسلامه عليه، أبو بكر الصديق بدأ في الدعوة إلى الله في نشر العلم في نشر الخير بعد اسلامه مباشرة، انطلق ليدعو إلى الله عز وجل، فدخل هؤلاء النفر المباركون إلى الإسلام على يد أبي بكر الصديق. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم». وحمر النعم المقصود بها الإبل الفاخرة التي هي من أفضل المركوبات عند العرب، هي خير لك من الأجر، خير من هذه الإبل العظيمة التي يحبها الناس ويفضلونها، إذا دخل رجل واحد على يديك إلى الإسلام. وكذلك إذا اهتدى على يديك أحد، أو دللت إنسانا على سنة أو على فضيلة، أو علمته آية من آيات الله أو حديثا من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فباذن الله وبفضله وكرمه ومنه وجوده، فإن الإنسان يدخل في هذا الفضل. وهذا يدل على ما يحصله العلماء من الأجر العظيم.
ولذا كان الدعاء لهم والثناء عليهم هو من باب أن نضرب معهم بسهم؛ عندما ندعو لهذا العالم الذي يدعو الناس إلى الخير ويدلهم على الصراط المستقيم، عندما ندعو له بالتوفيق والسداد فكأنما نضرب معه بسهم في دعوته إلى الله عز وجل. إذا دعونا له بالثبات والتوفيق والسداد، فقد تكون دعوة من رجل صالح أو من امرأة صالحة لأحد هؤلاء العلماء، سببا في نشر الخير على يديه أكثر وأكثر، ويبارك الله عز وجل في دعوته أكثر وأكثر، وينتفع الناس به أكثر وأكثر، لعلها تكون ببركة دعوة صالحة خالصة صادقة من رجل صالح أو امرأة صالحة لا يعرفه ذلك العالم، لكن يعرفه رب ذلك العالم الذي يسمع الدعاء ويجيب الدعاء. ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]. ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]. فهذا باب من أبواب الخير، من أبواب التوفيق والسداد لمن لم يكن عنده شيء من العلم: أن يدعو لأهل العلم وأهل الفضل أن يبارك الله عز وجل في دعوتهم، وأن يبارك الله عز وجل في نشرهم للخير، فيكون معينا لهم بهذا الأمر. نقف عند هذا الحد ثم نواصل بعد الفاصل بإذن الله.
لقد شرع الله الدين للناس رجالا ونساء، ووعد الجميع الجنة والحياة الطيبة إذا قام بواجبه، فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]. وقد جاء الاسلام فأكرم المرأة وحملها مع الرجل مسؤولية النهوض بالمجتمع وحسن الرعاية له، فقال عليه الصلاه والسلام: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». وقد شغلت المرأة في العهد النبوي وما بعده مكانة رفيعة بمشاركاتها العلمية والاجتماعية والتربوية، وتصدر اسمها في قائمة المساهمين في بناء المجتمع وصياغة هوية الأمة والمحافظة على ثوابت الدين. ولا زال التاريخ يذكر أم المؤمنين خديجة، وأم المؤمنين عائشة، ونسيبة بنت كعب، وأم حرام بنت ملحان، وحفصة بنت سيرين، وفاطمة بنت عبد الملك، وزبيده بنت جعفر وغيرهن رضي الله عنهن ورحمهم.
ومن هنا كان للمرأة المسلمة دورها المهم والخطير في صياغة المجتمع قيمة واعتبارا واحتراما لا مثيل له في المجتمعات الأخرى، كما اعتترف بذلك المنصفون من الغربيين، وبانهم إنما تعلموا احترام المرأة من مسلمي الأندلس. يقول المفكر الفرنسي مارسيل بويزار: إن الشعراء من المسلمين هم الذين علموا مسيحي أوروبا عبر إسبانيا احترام المرأة. فللمرأة على ثغر الحياة الزوجية أثر خطير، وفي التربية على الدين والخلق دور كبير، وفي التعليم والدعوة والطب والرعاية مكانة ومسؤوليات. وقيام المرأة المسلمه بهذا وغيره له أثره الايجابي في اصلاح المجتمع كله أسرا وأفرادا. وصدق عليه الصلاة والسلام حين قال: «إنما النساء شقائق الرجال».
إذا أحببت أن تتعرف على دينك أكثر، أن تزداد علما وتنهل خيرا، أن تسمع وترى ما يقربك من ربك ويحببك في نبيك وتزكو به نفسك، في قناة زاد تجد ذلك وأكثر. تصفح وتجول في واحة إيمانية من مقاطع مميزة من إنتاج مجموعة زاد، تتنوع بين المادة العلمية والرقائق الإيمانية والفواصل الدعوية المحترفة إعلاميا، تخاطب الرجال والنساء، الكبار والصغار، تدعو البعيد وتؤنس القريب. مقاطع موشن جرافيك مميزه، دورات علمية متخصصة، فواصل درامية شيقة، لقاءات دعوية ممتعة، برامج تلفزيونية وندوات شرعية. شاهد، شارك، انشر.
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ * فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 186-187].
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. نواصل ما بدأنا به قبل الفاصل من الحديث عن حق علماء الأمة علينا ومكانتهم، وما يجب علينا تجاههم أو ما ينبغي علينا تجاههم من محبتهم والثناء عليهم والدعاء لهم بأن يوفقهم الله عز وجل وأن يسددهم وأن يعينهم على ما هم فيه من الخير ومن نشر العلم. أيضا من حق العلماء علينا أن نرجع إليهم وأن نصدر عن رأيهم، لاسيما في الفتن والنوازل، لاسيما في الفتن والنوازل، وهذا نص الله عز وجل عليه في كتابه الكريم في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: 7].
الذي ينبغي على عامة الناس في أمور الشرع أن يرجعوا إلى أهل العلم، أن يرجعوا إلى أهل الفهم، إلى أهل الفقه في الدين. ولا ينبغي للإنسان أن يتجرأ على دين الله عز وجل في علاه، وأن يتكلم بما لا ينبغي جرأة على هذا الدين. وهذا مع الأسف قد يقع من بعض الناس خلل كبير؛ أنه عنده جرأة في الكلام في الحلال والحرام وفي دين الله عز وجل بدون علم، وهو جاهل لا يعرف هذا العلم، وإنما يتجرأ ظنا منه أن هذا الدين هو كلام مباح يتكلم من شاء بما شاء. وهذا خطأ كبير جدا، وهذا ضلال مبين، وقد يكون سببا لغواية الإنسان وهو لا يشعر، ولهذا.
يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحلة: 116]. لاحظوا الله عز وجل سماه كذباً في موضعين مرتين، قال: ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب، سماه الله عز وجل كذباً: هذا حلال وهذا حرام، تقول هذا حلال وهذا حرام وأنت من غير ليس لست من أهل العلم، لست من أهل العلم، وإنما جَرّأه أن هذا معروف أن هذا كل الناس تتكلم به كما يحصل الآن، وهذه جرأة قبيحة لا تنبغي.
المسلم الذي يخشى الله ويراقب الله ويخاف على دينه ويتقي الله عز وجل لا يتجرأ، لا يتجرأ على القول بالحلال والحرام إلا إذا كان عنده علم بهذه المسألة، فإنه يتكلم بما يعرف، يتكلم بما يعرف، أما أن يتجرأ ويهرف بما لا يعرف فهذه جرأة قبيحة، وسماه الله عز وجل كذباً: ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب، لتفتروا على الله الكذب. هذه فرية على الله عز وجل أن يفتري الإنسان على الله عز وجل بأن يقول على الله عز وجل ما ليس عنده علم به، وهذه الفتوى وهذا الكلام الذي يتجرأ به بعض الناس هو عبارة عن توقيع عن رب العالمين، عن توقيع. هذه الفتوى هي توقيع عن رب العالمين، كأنك تقول هذا هو حكم الله في هذه المسألة، وهذا هو دين الله، وهذا هو شرع الله، وأنت لا تعرف الحكم الحقيقي في هذه المسألة!
هذا خلل عظيم في ديانة الإنسان وفي أمانته وفي تقواه وفي ورعه وفي خشيته، فلا بد أن يعتني الإنسان بهذا الأمر، وألا يتجرأ، وأن يعرف لأهل العلم فضلهم ومكانتهم، وأن يرجع إليهم فيما لا يعلم، أن يرجع إليهم فيما لا يعلم. أما ما نراه الآن في بعض مجالس المسلمين مع الأسف، إذا تكلم في الطب أو في الهندسة فيتوقف، يعني لا يتجرأ الإنسان أن يتكلم في شيء في الطب أو في الهندسة أو غيرها، ثم إذا جاءت مسائل الدين فبدأ كل واحد يخبط في هذا الأمر خبط عشواء! وهذه جرأة قبيحة كما قلنا، لا ينبغي لمن يخشى الله عز وجل ويراقب الله ويخاف الله أن يتجرأ على دين الله إلا إذا كان من أهل العلم، أو عنده علم بهذه المسألة خصوصاً قد سأل عنها أو قرأ فيها فلا باس أن يتكلم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بلغوا عني ولو آية».
يفهم الإنسان آية من كتاب الله أو حديثاً من سنة نبينا صلى الله عليه وسلم فلا بأس أن يبلغه إلى الناس، أو عرف حكماً معيناً نقله عن أحد العلماء، سمعه عن العالم الفلاني عن الإمام الفلاني، ينقله للناس. أما إذا لم يكن عنده علم في هذه المسألة فلا ينبغي أن يتجرأ على الكلام على الله عز وجل بغير علم.
أيضاً من حقوق العلماء التي ينبغي الاعتناء بها: طاعتهم في المعروف. لا يرى الإنسان نفسه أنه أكبر من أن يتبع العالم الفلاني أو الشيخ الفلاني أو الفقيه الفلاني، يقول: هم رجال ونحن رجال! والله هذا من الضلال المبين، هذا من الضلال المبين. كلمة "هم رجال ونحن رجال"، هم رجال وأنت رجل، لكن الله عز وجل ميزهم عنك بالععلم، فضلهم بالعلم، اصطفاهم بالعلم، رفعهم بالعلم، فلا بد أن تعرف لهم قدرهم. أما أن تقول نحن رجال وهم رجال، هذه كلمة يلقيها الشيطان على ألسنة بعض الناس الجهلة على أهل العلم وعلى أهل الفضل، وأيضاً يجرؤهم على دين الله عز وجل في علاه.
فالله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59]. يا أيها الذين آمنوا، هذا نداء لأهل الإيمان، الذي في قلبه الإيمان والتقوى والخوف من الله، هذا نداء له: يا أيها الذين آمنوا اطيعوا، والأمر يقتضي الوجوب: اطيعوا الله ورسوله، وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم. وأولو الأمر هنا ذكر المفسرون أنهم العلماء والأمراء، العلماء والأمراء هم الذين يطلق عليهم أولو الأمر، يطلق على العلماء وعلى الأمراء، فطاعتهم طاعتهم واجبة في دين الله عز وجل إذا لم يكن عند الإنسان علم.
ومن فوائد هذه الآية في ترتيب الأمر فيها: الله عز وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: 59]، جاء بالأمر "أطيعوا" مع الله، وجاء بالأمر "أطيعوا" مع الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن في أولي الأمر قال: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59]، عطفه على السابق، لم يقل "وأطيعوا أولي الأمر منكم". لماذا؟ لأن طاعة أولي الأمر من العلماء والأمراء هي تابعة لطاعة الله ولطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا من لطائف القرآن أنهم لم يفردوا بالفعل، وإنما جعل الله عز وجل الأمر بطاعتهم تبعاً لطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.
لكن هذا يدل على أن من كان متمسكاً من أهل العلم بدين الله عز وجل، مطيعاً لله، مطيعاً لرسوله صلى الله عليه وسلم، وقد أخذ بحظ وافر من هذا العلم، فإن طاعته ينبغي على المسلم الموفق، على المسدد، إذا تكلم في دين الله وأنت لا تعرف شيئاً في دين الله من العلم الذي يعرفه هذا العالم، فإنك تتبعه، وبإذن الله ليس عليك شيء في اتباعه، ليس عليك شيء في اتباعه إذا كنت تتبع من تثق بدينه وبأمانته، من تثق بدينه وبأمانته.
أيضاً من حقوق أهل العلم التي ينبغي الاعتناء بها: استشارتهم وتقديمهم على غيرهم في المجالس، يجب أن يحترموا، أن يقدروا في المجالس، أن تكون لهم المكانة، أن تكون لهم الكلمة عند الخلاف، أن يرجع إليهم. هذه من أبسط حقوق العلماء علينا، من أبسط حقوق العلماء علينا أن نقدمهم وأن نستشيرهم وأن نرجع إليهم فيما يهمنا من أمور ديننا ودنيانا، وكذلك أن تكون لهم المكانة المرموقة في المجتمع. يعني الآن بعض الناس قد يقدر بعض التخصصات كالطب والهندسة والطيران وغيرها، ولا شك أن هذا من باب الاحترام والتقدير الذي هو من مكارم الأخلاق، لكن الاحترام الأكبر والاجل والأعظم لمن حمل كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم في قلبه، ولمن فقه هذا الدين وعرف الحلال والحرام، لا شك أن هذا منزلته أعلى، وهو الذي يجب أو ينبغي أن يقدم وأن يُجَل وأن يحترم أكثر من غيره.
ولهذا كان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: كان القراء -والقراء كانت قديماً تطلق على الفقهاء على العلماء، ليس كالمصطلح الموجود عندنا الان القراء المقصود به الذين هم قراء القرآن فقط، لكن القراء قديماً عندما تطلق عند أهل العلم قديماً يقصد بهم الفقهاء- قال: كانوا القراء أصحاب مجلس عمر رضي الله عنه ومشورته، كهولاً كانوا أو شباناً، كهولاً كانوا أو شباناً.
عمر رضي الله عنه كان يقدم أهل العلم، يقدم أهل الفضل، يقدم من يحمل كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم في قلبه، يقدمه كهلاً كان أو شاباً، يعني ليست قضية السن مهمة عند عمر بشكل كبير، القضية في العلم؛ هل هو من أصحاب العلم؟ هل هو من أصحاب الفقه؟ هل هو من أصحاب الدين؟ فإذا تحقق هذا في الشخص فإن عمر يقدمه على غيره ويستشيره. وهذا يدل على فقه عمر، وهو المحدث والملهم والفاروق رضي الله عنه وأرضاه، كان يقدم أهل العلم وأهل الفضل في مشاورته وفي رأيه وفي الأخذ برأيهم، المنزله العالية والرفيعه، وهذا لا شك يدل على عقل عمر رضي الله عنه وعلى فقهه ومعرفته بمكانة هؤلاء العلماء، وأيضاً يدل على هذه المنزله التي حصلها أهل العلم، حتى ولو كان أحدهم شاباً، فإن عمر رضي الله عنه يقدمه، كما سياتي معنا إن شاء الله في قصته مع ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه، فعمر رضي الله عنه يقدم باب الصحابة إذا كانوا من
أهل العلم ومن أهل الفضل ومن أهل المكانة. وهذا حصل مع ابن عباس رضي الله عنه في قصة معروفة ستأتي معنا إن شاء الله في الحلقة القادمة.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يوفقنا للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يزيدنا إيماناً وتقوى، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
يا راغباً في كل علم نافع متطلعاً لزيادة الإيمان، أريد سهلاً نواميسراً ياتيك ميسوراً بأي مكان. زاد زاد أكاديمية ينبوعها صفوي غله الضمان ومكارم الأخلاق ندرسها معاً أدب وتربية على الإحسان. بشرى نازه أكاديمية للعلم كالازهار في البستان.
د. عبد العزيز بن محمد الجهني