تسجيل الدخول

ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته معه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد ينبوعها صاف. اليوم غلة الظمأ ومكارم الأرض، أدب وتربية على الإحسان، للعلم كالأزهار في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. وما زال الحديث في مادة الحقوق، وقد سبق الحديث عن حق الله عز في علاه وعن حق نبينا صلى الله عليه وسلم، وعن حق العلماء. وسنقف إن شاء الله في هذا اللقاء عن حق عظيم، بل هو من أعظم الحقوق بعد حق الله وحق رسوله صلى الله عليه وسلم، ألا وهو حق الوالدين.

حق الوالدين حق عظيم، قرنه الله عز وجل بعبادته وبتوحيده. فقال الله عز وجل في عدد من الآيات، في قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوۡا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23]. وايضا هناك آيات كثيرة تكرر فيها الأمر بالإحسان إلى الوالدين بعد الأمر بحق الله عز وجل، وبعد الأمر بتوحيد الله وعبادة الله عز في علاه. حق الوالدين عظيم، وهو من الحقوق التي يجب أن يعتني بها المسلم أيما عناية، لتعلقه بالخلق العظيم والقويم الذي أمر الله عز وجل به وربطه بحقه عز في علاه في توحيده وعباده.

الله عز وجل أمر بهذا الحق ونص عليه في آيات كثيرة كما ذكرنا، وقرنه بالتوحيد وبالعبادة. ولا شك أن الفطر السوية والسليمة تنقاد لهذا الأمر وتخضع له بدون أوامر، فكيف إذا جاء الأمر من الله عز وجل بحق الوالدين؟ ولو نظرنا في القرآن تجد أن الله عز وجل نص على هذا الحق ليس في أمة محمد فقط صلى الله عليه وسلم، بل حتى في الأمم السابقة. فقال الله عز وجل في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: 83].

وهذا يدل على أن الأمر بالإحسان إلى الوالدين وبالخضوع لهما وبطاعتهما والذل لهما، أنه أمر ليس متعلقا فقط بشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم، بل هذا متفق عليه بين الشرائع السابقة. وهذا يدل على أنه أمر يوافق الفطرة، وأنه خلق قويم وعظيم. أكد الإسلام هذا الأمر وزاده أمرا وزاده اهتماما وعناية. من أعظم الأعمال ومن أبر الأعمال ومن أقربها ومن أجزلها وأعظمها عند ربنا عز في علاه، حق الوالدين عظيم؛ لأنهما هما سبب وجود الإنسان في هذه الحياة.

فالذي يوفق ويسدد فهو الذي يقوم بهذا البر وبهذا الإحسان لمن كان السبب في وجوده في هذه الدنيا. أيضا ما يحمله الوالدان من الشفقة والرحمة الكبيرة والعظيمة في قلبيهما لأبنائهما، ولهذا الله عز وجل أمر بالإحسان إليهما نصا وربط هذا بالتوحيد والعبادة لعظيم شأن هذا الأمر. ولا شك أن جانب الرحمة جانب كبير وواضح جدا في حياة الوالدين. وما أجمل قول شوقي رحمه الله في همزيته التي يمدح فيها نبينا صلى الله عليه وسلم، يقول في وصفه صلى الله عليه وسلم: «وإذا رحمت فأنت أم أو أب، هذان في الدنيا هما الرحماء».

فضرب المثال للرحمة برحمة الوالدين؛ لأن أعظم رحمة تكون في هذه الدنيا بعد رحمة ربنا عز في علاه. هناك آية عظيمة ذكرها الله عز وجل كما ذكرنا سابقا في سورة الإسراء، وهذه الآية من وقف معها ومن تدبرها ومن تأملها ومن نظر فيها بنظر العقل والفهم، وجد فيها من العجائب الشيء الكثير. هذه الآية رتبت الحقوق وجعلت الأمور مرتبة بالنسبة للوالدين مع الأبناء.

فبدأ الله عز وجل أول ما بدأ في هذه الآية بقوله تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوۡا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. بدأ بالأمر -وقضى بمعنى حكم وأمر، أو بمعنى وصى، قضى الله عز وجل حكم وأمر بألا نعبد إلا إياه- بدأ بعبادته عز في علاه قبل الأمر بالإحسان للوالدين؛ لأن الإنسان لا يقبل منه أي عمل صالح إلا إذا كان موحدا، إلا إذا كان مسلما، إلا إذا كان خالصا في عبادته لله عز في علاه. وإذا اختل هذا الشرط لا ينفع الإنسان لا بر والدين ولا غيره من الأعمال: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23].

فبدأ الله عز وجل بهذا الأصل العظيم الذي تندرج تحته بقية العبادات وبقية الشرائع: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوۡا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. ثم ثنى ربنا عز وجل بالإحسان إلى الوالدين: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، وهنا حذف الفعل وأتى بالمصدر لتأكيد الكلام، والتقدير: وأحسنوا إحسانا، أي إحسانا عظيما في التعامل مع الوالدين. الإحسان هو كل ما يكون من وجوه البر والعطف والرحمة والشفقة والحنان للوالدين، يدخل هذا كله في كلمة إحسان.

كل عمل صالح، كل بر، كل خير، كل رحمة، كل شفقة يقوم بها الابن مع والديه فهي داخلة في هذه الكلمة العظيمة التي اختصر الله عز وجل فيها هذه الأعمال الجليلة والكثيرة في كلمة إحسانا: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحُدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفِّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23]. هنا انتقل الله عز وجل بعد الأمر بالإحسان عموما، بكل وجوه الخير والبر والاحسان والشفقة والرحمة والعطف والحنان، ثم انتقل الله عز وجل إلى قضية أخرى: إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما.

هنا نص الله عز وجل على قضية مهمة جدا، وهو التعامل مع الوالدين في حال الكبر؛ لماذا؟ لأن الإنسان إذا كبر تكثر شكاوى أو التعامل معه يصبح فيه شيء من المشقة، الحاجة إلى الرعاية والعناية الكبيرة والشديدة وغير ذلك من الأمور التي لا تكون في حال الصحة والعافية. عندما يصل الإنسان إلى مرحلة الكبر تشتد الحاجة أكثر، وتكون العناية فيه أكبر. ولهذا نص الله عز وجل عليه بقوله: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحُدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ -أحدهما يعني: أما أن يكون الوالد لوحده أو تكون الوالدة لوحدها، أو يكون مع الإنسان والديه الأب والأم، أحدهما أو كلاهما- ثم قال الله عز وجل: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفِّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾.

فلا تقل لهما أف، هنا جاء النهي عن كل أنواع العقوق التي يمكن أن يتخيلها الإنسان في عقله، كل ما يتصوره الإنسان من جانب عدم الاحترام أو التوقير أو التقدير للوالدين اختصر الله عز وجل هذه المعاني في وصفين، قال: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفِّ﴾، وعبرا بكلمة أف عن يسير الكلام. فكلمة أف قد تخرج من الإنسان أحيانا إذا لم يتنبه لهذا الأمر، وإذا لم يكن من الموفقين الذين يحرصون كل الحرص على التعامل مع الوالدين بالاحسان والبر والشفقة والرحمة.

فهذه الكلمة قد تخرج من الإنسان بطبعه المعتاد عندما يطلب منه شيء، أو عندما يصعب عليه شيء من رعاية الوالدين الكبيرين، فإن هذه الكلمة قد تخرج من لسانه وهو لا يشعر. وإذا لم يتنبه الانسان لمثل هذه الامور فإنه يقع في هذا الذنب الذي حذر الله عز وجل منه ونص عليه في كتابه الكريم: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفِّ﴾، وهي كلمة قد تخرج أحيانا من لسان الإنسان وهو لا يشعر، عندما تطلب الأم أو يطلب الاب- من أحد الابناء شيئا معينا ويكون مشغولا، أو يريد أن يذهب مع زملائه وأصدقائه أو يكون بعيدا، فقد تخرج من هذه من لسان هذه الكلمة، يقول: أف أنا مشغول، أو أف أنا متعب.

فهذه كلمة أف، هذه خطيرة وذنب عظيم عند الله عز وجل، ولذا نص عليه في كتابه الكريم: أن يتحرج الإنسان وأن يراعي حتى هذه الكلمة اليسيرة التي تخرج من لسانه أن يقول أف لوالديه، فما بالك بما هو أكبر وأعظم من كلمة أف من التلفظ عليهما بالألفاظ البذيئة أو رفع الصوت وغيرها من الأمور العظيمة التي هي من كبائر الذنوب عند ربنا عز في علاه: ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾.

قيل عند أهل التفسير: إن الله عز وجل لما عبر بكلمة (أف) أراد به يسير الكلام، و(ولا تنهرهما) أراد به يسير العمل. يسير العمل الذي يكون فيه شيء من عدم الاحترام أو التوقير أو التقدير للوالدين، كأن يشير الإنسان بيده عندما يطلب منه شيء معين من الوالدين، عندما يقول له اذهب إلى المكان الفلاني يقول كذا، يشير بيده، هذه الإشارة هي ذنب ويعاقب عليه الإنسان لأنه مخالف لأمر الله عز وجل الذي قال في كتابه الكريم: ﴿وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: 23]. لا بيسير الكلام ولا بيسير الفعل، وإنما يراعي المسلم الموفق المسدد البار بوالديه، يراعي ألفاظه، يراعي حركات يديه عندما يتخاطب مع الوالدين، عندما يقف مع والديه يجب أن يعتني بهذه الامور أيما عناية.

الأمر ليس باليسير، ولذا مما يدل على عظمته أن الله عز وجل قرنه بتوحيده، قرنه بتوحيده وعبادته: ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾ [الإسراء: 23]. بعد أن انتقل سياق الآيات، يقول الله عز وجل بعد أن ذكر هذا الأمر والتحذير من يسير الكلام ويسير الفعل: نبه الله عز وجل كيف يكون حال الإنسان مع والديه؟ قال: ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾. والقول الكريم يشمل العبارة الجميلة واللطيفة، ويشمل التواضع والخضوع والذل والانكسار والاحترام والتقدير والتبجيل والتوجيل، كل هذه المعاني تدخل في قول الله عز وجل: ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾؛ أي لا يخرج من لسان الإنسان في تعامله مع والديه إلا الكلمات اللطيفة، الكلمات التي فيها أدب واحترام وتوقير وتعظيم وإجلال للوالدين، وهما يستحقان هذا، ولا يستحق أحد في الدنيا الآن على وجه الأرض من الاحترام والتوقير كما يستحقه الوالدان، فهما أجل من يراه الشخص بعينيه في هذه الدنيا، الذي يصرف لهما الاحترام والتعظيم الكبير الذي لا يصرفه لأحد سواهما، فلهذا نص الله عز وجل على ذلك بقوله: ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾.

العبارات يراعيها الإنسان، الكلمات، الألفاظ، الجمل، رفع الصوت، أسلوب الكلام، النظر، حركات اليد، هذه كلها يجب أن يراعيها المسلم الذي يبر والديه، والذي يعرف هذا الحق ويعرف قدره عند ربنا عز في علاه: ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلس من الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء: 23-24]. هنا أيضاً يكرر الله عز وجل هذا الأمر وهذا المعنى ليقرره في النفوس، في هذه الآيات، في نفس المسلم الموفق المسدد الذي يعرف حق الله عز وجل عليه، ولهذا قال: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾، ونقف عند هذه الآية لنكمل الحديث عنها إن شاء الله بعد الفاصل.

لم يكن العرب أهل علم بالحساب، ففي التقويم الشهري كانوا يعتمدون سير القمر ومنازله لحساب الأشهر، فجاء الإسلام وأقره لوضوحه وسهولة الأخذ به، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: 5]، فهو المعتبر في توقيت الفرائض من صيام وزكاة وحج، وبه تحسب الأعياد، وهو المعتمد في عدد النساء كثلثة أشهر وأربعة أشهر وعشرة أيام، والكفارات كشهرين متتابعين، وكحول زكاة المال، كلها بالأشهر القمرية. قال تعالى: قال ابن تيمية: فالذي جاءت به شريعتنا أكمل الأمور، لأنه وقت الشهر بأمر طبيعي ظاهر عام يدرك بالابصار. قال عليه الصلاة والسلام: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غمي عليكم الشهر فعدوا»، وأما التقويم السنوي فلم يكن للعرب قبل الاسلام تقويم خاص بهم يجمعهم كما عند الأمم الأخرى، فكانوا يؤرخون بالحوادث الفريدة والوقائع المشهورة عندهم كحادثة الفيل وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه اعتمد التقويم بأشهر القمرية لدى العرب على أن تكون بداية التاريخ من السنة التي هاجر فيها النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، لأن الهجرة بداية عز الإسلام وقوته، فكان اختياراً مسدداً، فعن سهل بن سعد قال: ما عدوا من مبعث النبي ولا من وفاته، ما عدوا إلا من مقدمه المدينة، واستقر الرأي على أن يكون أول السنة شهر الله المحرم بعد أن ينتهي الناس من موسم الحج ويستريحوا من عناء السفر بعده، وابتدأ العمل بالتقويم الهجري عام سبعة عشر هجرياً. فالعمل بالتقويم الهجري تمسك بالشرع واعتزاز بالهوية وتميز واستقلالية.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، نواصل ما بدأنا به الحديث عن آية الإسراء في قول الله، وتوقفنا عند قول الله عز وجل قبل الفاصل، توقفنا عند قوله عز في علاه: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ * وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾. هنا يبين الله عز وجل كيف يكون حال البار بوالديه عندما يجلس عند والديه، عندما يتحدث معهما، عندما يجالسهما. يقول الله عز وجل: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾. هنا الله عز وجل يبين حال الإنسان في ذله وخضوعه وانكساره وشفقته بوالديه عندما يجالس، فيكون هناك من الاحترام العظيم لجانب الوالدين، عندما يتحدث، عندما يجلس، عندما يتكلم معهما، يكون هناك جانب الذل والانكسار والعطف والحنان للوالدين في هذه العبارات التي يتحدث معهما، فيكون فيه جانب الذل للوالدين متمثلاً فيه بكل أحواله بلسانه وبجوارحه، بلسانه في حديثه وبجوارحه سواء في حركات اليد أو العين أو غيرها، وهيئة الجلوس عندما يجلس مع والديه يراعي هذه الأمور، ولهذا قال الله عز وجل ليجمع هذا كله: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ * وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾.

هنا أيضاً نوع آخر من أنواع البر ذكره الله عز وجل في هذا التسلسل العظيم في هذه الآيات، بعد أن أمر بتوحيده والإحسان إلى الوالدين والعناية بهما في حال كبر السن والحذر من العقوق أو الإساءة اليهما سواء بيسير الكلام أو بيسير الفعل، ثم إظهار الانكسار والذل للوالدين، ختم الله عز وجل هذه الآية بقوله: ﴿وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾. وهذا من أعظم البر، من أعظم البر أن يدعو الإنسان لوالديه، أن يدعو لوالديه، وهذا والله من أعظم البر الذي يجب أن يعتني به المسلم خصوصاً إذا كان أحد الوالدين متوفياً، فإن الإنسان يجتهد أكثر وأكثر في الدعاء لهما، فهذا المتوفى أحوج ما يكون للدعاء من ابنه، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا﴾، قل أيها الابن الصالح البار: ﴿رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾. هذه العبارة على قصرها تشير إلى معان كثيرة؛ أولاً: الدعاء بهذا النص وبهذه الجملة التي ذكرها الله عز وجل في كتابه الكريم، نحن نجتهد في أدعية كثيرة لكن نحرص على أن يكون هذا الدعاء الذي نص الله عز وجل عليه في كتابه الكريم أن يكون في جملة الدعاء للوالدين: رب ارحمهما كما ربياني صغيرا، وما جاء في القرآن فهو عظيم، ولهذا نص الله عز وجل عليه: ﴿رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾.

هنا الدعاء لهما بالرحمة، والرحمة أحوج ما يكون الإنسان إلى الرحمة من الله عز وجل خصوصاً إذا كان في حال الوفاة وهو مرتهن بين يدي الله عز وجل. رب كما ربياني صغيراً، ذكر العلة؛ الإنسان لو نسي يتذكر فضل الوالدين عليه في صغره وفي كبره وما عمل من أجله، وما حصل لهما من مشقة في تربيته، فيتذكر الإنسان فيجتهد ويعيد النظر في قصوره مع والديه: ﴿وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾.

ثم تأتي الآية التي تلي هذه الآية، وهذه منحة وهبة من الله عز وجل لو تفكر الإنسان وما أعظم القرآن وما أعظم تدبر القرآن! الله عز وجل ذكر بعد هذه الآيات أو بعد هذه الآية العظيمة، قال الله عز وجل: ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً﴾ [الإسراء: 25]. من رحمة الله بنا وهو يعلم تقصيرنا ويعلم ضعفنا، الله عز وجل من لطفه ورحمته بعباده أتى بهذا الفضل وهذا المنة وهذا العطاء وهذا الكرم: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ! الله عز وجل يعلم بما في هذه النفوس تجاه الوالدين، ثم ذكر بعدها قال الله عز وجل: ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً﴾.

كأن الله عز وجل يشير إلى أنه لابد أن يحصل شيء من التقصير من العبد هذا ولابد، فالإنسان يقصر في أمور كثيرة، قد يقصر حتى في جانب عبادته مع ربه. فقد يقصر الإنسان مع اجتهاده وحرصه، قد يقصر في حق الوالدين، ولهذا ذكر الله عز وجل من لطفه بعباده: ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ [الإسراء: 25]. الله عز وجل يعلم بما في نفسك، هل أنت تتعمد هذا التقصير أم هو من طبيعة البشر والنسيان والغفلة الذي يكون في حال عدم التذكر؟

فالله عز وجل قال: ﴿إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: 25]. إن تكونوا صالحين؛ أن تكون أنت يعني صالحاً في هذه النية في بر الوالدين وحصل شيء من التقصير ومن الخلل الذي هو غير متعمد، الله عز وجل يقول: فانه كان للأوابين؛ يعني الرجاعين الذين يستغفرون ويتراجعون ويتوبون إلى الله عز وجل من تقصيرهم في حق والديهم، وهو ولا شك ولا بد أن يقع، لأنه لا يمكن لإنسان أن يؤدي حق والديه أبداً.

ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في حالة واحدة: أن يجده رقيقاً فيشتريه ويعتقه. في هذه الحالة فقط التي يقدر فيها الإنسان أن يرد حق الوالدين، أما في غير ذلك فلن يستطيع أبداً، لن يستطيع أبداً، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: 25]. يعني الذي يعرف هذا التقصير ويستغفر الله عز وجل من هذا التقصير، لأنه لا يمكن أن يصل إلى الكمال في البر، لا يمكن بأي حال من الأحوال.

رأى ابن عمر رجلاً في الطواف يحمل أمه يحج بها على ظهره، فقال: هل أديت حقها؟ هذا الرجل يسأل ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه، رضي الله عن أبيه، يقول: هل أديت حقها؟ يعني لو أخذها وقد يكون من بلده أتَى بها على ظهره، قال: هل أديت حقها؟ قال: لا، ولا بطلقة واحدة. طلقة واحدة من الأم، الطلق والولادة، لم يؤدِ هذا الذي حمل والدته على ظهره وحج بها من بلده، لم يؤدِ هذا الأمر اليسير! فكيف يريد الإنسان أن يكون كاملاً في بره؟ فلا بد أن يستغفر الله عز وجل مما يحصل منه من تقصير، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: 25].

وهذا من فضل الله عز وجل؛ أنه يعلم ما في نفوسنا، ويعلم ما في قلوبنا، ويعلم ما في قلب الابن البار الصالح عندما يحصل منه شيء من التقصير الذي ليس بمتعمد، فإن الله يتجاوز عنه ويغفر له. ولا شك أن هذا من عظيم فضل الله علينا، من عظيم فضل الله علينا، وإلا لو الله عز وجل أخذنا بتقصيرنا والله لهلكنا، إنه لا يمكن للإنسان أن يقوم بحق والديه بأي حال من الأحوال، لا يمكن أن يقوم بحق والديه بأي حال من الأحوال، لكن الإنسان يجتهد ويبذل الأسباب ويحاول قدر المستطاع أن يوفي بهذا الحق، ثم يستغفر الله عز وجل من التقصير والخلل الذي قد يكون حاصلاً في هذا الأمر.

هذا البر له شأن عظيم عند الله عز وجل، له شأن عظيم، بل هو من أعظم العبادات التي يتقرب الإنسان بها إلى الله عز وجل، من أعظم العبادات التي يتقرب بها إلى ربه. لو تفكر الإنسان في أعمال الخير وأعمال البر وأعمال الصلاح التي يتقرب بها إلى الله، لن يجد بعد توحيد الله عز وجل شيئاً يتقرب به في مثل بر والديه، مثل بر والديه.

ولهذا لما جاء عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: أي العمل أفضل؟ أو في رواية: أي العمل خير؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الصلاة على وقتها». ثم قال: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين». قال: بر الوالدين بعد الصلاة مباشرة، ولعل هذا تفسير لقول الله عز وجل: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23]. هناك التوحيد ثم بر الوالدين، وهنا الصلاة التي هي من أعظم الأعمال والعبادات بعد التوحيد، هي الركن الثاني من أركان الإسلام، والذي لا يقبل الله عز وجل من عبد صرفاً ولا عدلاً إذا لم يؤدِ هذا الركن بعد التوحيد، هو ركن الصلاة.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله ابن مسعود قال: ثم أي بعد الصلاة على وقتها؟ قال: «بر الوالدين». قال: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». فقدم بر الوالدين على الجهاد في سبيل الله، قدم بر الوالدين على الجهاد في سبيل الله. ولما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يريد الجهاد قال: ألك والدان؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد.

فمن تعقل وعرف قدر الوالدين وحق الوالدين العظيم، عنده باب عظيم من أبواب الجنة، باب عظيم من أبواب الجنة يلج إليه، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الوالد أوسط أبواب الجنة». الوالد تشمل الأب والأم، الوالد بمعنى من ولد، تشمل الأب والأم، الوالد أوسط أبواب الجنة، فالذي يريد الجنة فهناك باب من أبواب الجنة، بل هو أوسط هذه الأبواب، هو باب الوالدين، يلج الإنسان إليه إلى هذا الباب ويدخل إلى جنة ربنا عز وجل.

أنواع البر وطرق البر كثيرة جداً، والإنسان الذي يريد الخير ويريد التوفيق في الدنيا فليسعى في هذا الأمر وليعتني به، حتى لو تيسر له أن يعرف فقه هذا الأمر وكيف أن يتعامل مع الوالدين؛ لأن الإنسان في الغالب كثير من الناس يأخذ هذا البر بحكم العادة والألف وما يراه من الناس، لكن المسلم الحريص على الخير الذي يريد أن يكون باراً حقاً وصدقاً بوالديه فيجب أن يعتني بهذا الأمر في معرفة الآيات والأحاديث وآثار السلف التي وردت عنهم في هذا الأمر خصوصاً، حتى يكون فعلاً باراً بحق وصدق، وليس من باب العادة وما يفعله الناس، وإنما يكون فعلاً مؤدياً لهذا البر على أكمل وجه.

من أنواع البر العظيمة التي هي من أيسر الأمور ومن أولها، التي هي من أنواع البر الظاهرة التي يقدمها الإنسان لوالديه: السلام عليهما، أن يخص الوالدين بسلام عن غيرهما، يسلم على يده، يسلموا، يقبل رأسه، لابد أن يكون هناك مزيد تفضيل للوالدين عن بقية الناس، أما أن يسلم الإنسان على والديه كما يسلم على غيرهما فهذا ولا شك ليس من البر وليس من الإحسان إلى الوالدين.

أيضاً التخاطب معهما بمسمى الأبوة؛ الآن من أجمل وأعظم الألفاظ التي جاءت في القرآن كلمة: أبتِ، يا أبتِ، أو كلمة الأم، فالإنسان عندما يخاطب أباه أو يخاطب أمه يخاطبه بهذين الاسمين العظيمين: أبي وامي. ومع الأسف تجد بعض الناس الآن عندما يتكلم عن الوالدين يقول مثلاً: الشايب، العجوز، الكهلة، من هذه المسميات التي لا ينبغي ولا تليق، مع أنها قد تكون من العادات عند الناس، لكن العاقل الموفق لا ينجرف خلف العادات التي قد يكون فيها شيء من المخالفة لعظيم بر الوالدين. ولعلنا نتوقف عند هذا النوع من أنواع البر ونواصل إن شاء الله بعد الفاصل بقية أنواع البر.

مليار وثلاثمائة مليون طن من الأطعمة تحول إلى صناديق القمامة سنوياً، وهو ما يعادل ثلث إنتاج العالم من الطعام، ويتسبب هذا في خسارة مادية تقدر بسبعمائة وخمسين مليار دولار في كل عام. هذا ما أكدته منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة.

يحدث كل هذا في ظل وجود ثمانمائة وسبعين مليوناً من الجائعين يومياً، وصدق من قال: ما رأيت إسرافاً إلا وبجزء منه حق مضيع. ففي الوقت الذي يموت فيه عشرات الآلاف من الأطفال جوعاً بسبب نقص الغذاء، نجد أن دولة غربية ترمي وحدها أطعمة تبلغ قيمتها تسعة عشر ملياراً من الدولارات في كل عام، ودولة أوروبية أخرى تهدر مائة طن من الطماطم في مهرجان سنوي يعرف بمهرجان التراشق بالطماطم وفي دراسة.

كان لإحدى الشركات المتخصصة وُجد أن ثمانين بالمئة من قمامة إحدى الدول العربية كانت عبارة عن طعام. قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]. فلنتدارك الأمر قبل أن يؤول بنا الحال إلى مصير المسرفين، فثمة دول معاصرة اشتهرت بشدة النعيم والإسراف، ثم دارت الأيام واشتهرت بالمجاعة والقحط. فلنحرص جميعاً على الاقتصاد في الطعام، وأن نأتي به على قدر الاحتياج، وإذا تبقى منه شيء فلنحتفظ به للوجبة التالية، أو لنعطيه للمحتاجين بعد أن نغلفه، وإذا كان الطعام لا يصلح للإنسان فلنجعله أجمع في صندوق ولنجعله غذاء للطيور والحيوان، ففي كل كبد رطبة أجر. ولنتذكر دوماً قول الله تعالى، قال ابن القيم: قال بعض أهل العلم إن الله سبحانه وتعالى يسأل الوالد عن ولده يوم القيامة قبل أن يسأل الولد عن والده؛ لأنه كما قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: 8].

قال تعالى: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6]. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: علموهم وأدبوهم. وقال الحسن: مروهم بطاعة الله وعلموهم الخير. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد. نواصل الحديث في أنواع البر الذي يتعامل فيه الإنسان مع والديه، ذكرنا قبل الفاصل قضية السلام والخطاب مع الوالدين أن يكون بمزيد عناية واهتمام وتفضيل للوالدين عن غيرهما.

أيضاً من أنواع البر التي يتعامل فيها الإنسان مع والديه أن يتصدق عنهما، خصوصاً إذا كان أحد الوالدين متوفياً، فانه يحرص الإنسان على الإكثار من الصدقة عنهما لعظيم شأن الصدقة عند ربنا عز في علاه. ولو عود الإنسان نفسه حتى لا ينسى، لو عود الإنسان نفسه أنه ما يتصدق بشيء إلا ويشرك معه والديه، عندما يتصدق ولو بريال واحد يجعلها عنه وعن والديه، يعني ينوي بالصدقة دائماً عندما يقدمها، قليلة أو كثيرة، أنها بينه وبين والديه؛ ثلث له، وثلث لوالده، وثلث لوالدته. عندما ينوي هذا الأمر تعمر حياته كلها صدقة لوالديه دون أن يتعمد، وإن كان خص الوالدين بشيء معين إذا كان ممن أنعم الله عز وجل عليه بنعمة المال ووسع له في رزقه، فانه إن فعل من أنواع البر العظيمة كحفر الآبار، بناء المساجد، أو كفالة الأيتام عنهما، ولا شك أن هذه من الأعمال العظيمة والتي تدل بإذن الله على صلاح هذا الابن وبره بوالديه.

أيضاً من الأعمال العظيمة ومن البر العظيم: الدعاء لهما. والدعاء لهما هذا أيضاً له شأن عظيم عند الله عز وجل، ولهذا يؤتى بالعبد يوم القيامة فيرفع درجة أعلى من درجته كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، يرفع درجة أعلى من درجته بعد أن يعرف الناس منازلهم ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ويحاسب الإنسان على حسناته وسيئاته، عند بعد ذلك يرفع درجة أعلى من درجته. فيقول العبد: أنى لي هذا؟ يعني كيف جاءت هذه المنزلة وهذه الحسنات وأعمالي لا توصلني إلى هذه المنزلة؟ فيقال له: باستغفار ولدك لك، أي بدعاء ولدك لك. فكلما دعا الابن البار الصالح، كلما دعا لوالديه ارتفع الوالدان درجة في الجنة ومنزلة أعلى في الجنة، وهذا لو تخيله الإنسان لاجتهد في الدعاء أيما اجتهاد ولا يقصر في الدعاء لهما، ويخص الوالدين بدعوة مستقلة.

كثير من الناس يظن أنه عندما يدعو لوالديه مروراً، كما يفعل بعض الناس أحياناً بين السجدتين: رب اغفر لي ولوالدي، وخلاص، يظن أن هذا هو الكافي في دعائه لوالديه، مع أن هذا ليس موضع دعاء بين السجدتين، فيه ذكر خاص: رب اغفر لي وارحمني واهدني واجبرني وعافني وارزقني، أو رب اغفر لي رب اغفر لي رب اغفر لي. أما الدعاء فيكون يتحرى فيه الإنسان اوقات الإجابة الذي يريد الخير فعلا لوالديه ويريد فعلا استجابة الدعاء لهما بإذن الله، فانه يتحرى أوقات الإجابة، يدعو لهما بالسجود، يخصهما بسجدة في قيام الليل في الوتر يخصهما بسجدة، الدعاء بين الأذان والإقامة، في آخر ساعة من عصر الجمعة، في يوم عرفة، وفي غير ذلك من الأوقات التي جاء النص عن نبينا صلى الله عليه وسلم أن الدعاء فيها مستجاب.

أيضاً من أنواع البر العظيمة التي يقدمها الإنسان لوالديه وهو نوع قد يغفل عنه كثير من المسلمين مع الأسف، ولو تفكر الإنسان فيه، سواء هو مع والديه أو هو مع أبنائه، ينظر الإنسان في هذا الأمر، ألا وهو حفظ القرآن. حفظ القرآن! كيف يكون حفظ القرآن من بر الوالدين؟ أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن حافظ القرآن يكسى والداه حلتين لا تقوم لهما الدنيا. فهذا نوع عظيم من أنواع البر قد يغفل عنه بعض الناس، أنت الآن عندما تحفظ القرآن تنوي في حفظك لكتاب الله عز وجل مع ما تريد من الخير في أن تكون من أهل الله وخاصته، من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته، أيضاً تنوي بذلك البر بوالديك، تنوي البر بوالديك وأن تجعلهما بإذن الله يوم القيامة ممن يكسى هاتان الحلتان بحفظك لكتاب الله عز وجل، وهذا أيضاً المسلم الموفق المسدد يحرص على أن يكون أيضاً هذا الأمر له مع أبنائه، يحرص على تحفيظ أبنائه القرآن ليكسى أيضاً هو هذه الحلة.

وهذا الأمر لو تفكر فيه الإنسان وجد فيه من البر الشيء العظيم، خصوصاً أنه بر ليس مقتصرا على الدنيا الفانية المحدودة وهي دار الدنيا، وإنما هو بر عظيم في ذلك الموقف العظيم، عندما يقف الناس في ذلك الموقف العظيم في الحساب عند ربنا عز في علاه فيكسى الوالدان هذه الحلة، وفي رواية: تاج يوضع لهما تاج عظيم. فهذا ولا شك أنه اعظم حتى من بر الدنيا، أعظم من بر الدنيا إذا نوى به الإنسان بإذن الله أن يكون ممن كونوا سببا في أن يكسى والداه هذه الحلة أو هذا التاج يوم القيامة. ولهذا لما يكون ذلك اليوم ويكسى الوالدان هذه الحلة فيستغربان في ذلك الموقف العظيم، يعني لا يعرفان السبب، فيقولان: بما كسينا هذا؟ يعني هذه الحلة لماذا؟ فيقال لهما: بأخذ ولدكما القرآن.

فحفظ القرآن وهذا قد يغيب عن أذهان بعض الناس أنه من بر الوالدين، وهذا لو استحضره الإنسان يكون دافعاً له في حفظ القرآن، يجتهد أن يكون من حفظة كتاب الله ليحصل هذا الأجر العظيم وهذه الخيرية الكبيرة، وأيضاً ليكون ممن يكون سببا في أن يكسى والداه هاتين الحلتين العظيمتين يوم القيامة. وهذا أمر لو تفكر فيه الإنسان لاعتنى به أيما عناية، يحاول قدر المستطاع ويجتهد، وليس الأمر عسيراً وليس ببعيد، الله عز وجل يقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17]، خصوصاً إذا استحضر الإنسان هذه النية العظيمة، لا شك أنه بإذن الله يعان ويسدد ويوفق لحفظ القرآن بسبب هذه النية الصالحة وهذا المقصد العظيم الذي هو من اعظم انواع البر، من اعظم انواع البر الذي لا يكون في الدنيا وينقطع فقط، وإنما هو يستمر مع الإنسان في ذلك الموقف العظيم.

وهذا أمر نعتني به ونتفكر فيه، بل نجعله أيضاً في أبنائنا لعل الله عز وجل أن يكتب لوالدينا هذا الأمر، وأن يكتب لنا أيضاً من خلال أبنائنا هذا الأمر. هذه جوانب يعتني بها الإنسان في مسألة بر الوالدين، وهي كثيرة، لكن هذه إشارات يعتني بها الإنسان ويلاحظها في بره مع والديه؛ في ألفاظه، في كلامه، في عبارته، في أسلوبه، في جلسته، في نظره، في حركات يديه، في الذل والخضوع عندما يجلس معهما، وغير ذلك من الأعمال الصالحة العظيمة التي يتعبد الإنسان الله عز وجل بها. هذا الجلوس، هذا الكلام، هذا اللين، هذا الخضوع، هذا الذل، هو عبادة، هو عبادة لمن يتفكر ويتعقل، والذي يعرف حقيقة العبادة وأنها ليست فقط مقتصرة -كما يظن مع الأسف كثير من المسلمين- أنها تتعلق بالشعائر المعروفة: الصلاة والزكاة والحج والصيام، هناك عبادات قد تخفى ومن أعظمها هذا اللين، وهذا الخضوع، وهذا البر، وهذا الإحسان، وهذه الرحمة.

بر الوالدين ولا شك من أجل وأعظم العبادات. وهذا ما فهمه السلف الصالح من هذه النصوص العظيمة؛ من مجموع هذه النصوص في الآيات وفي الأحاديث وفي الآثار. ولذا يروى عن أحد السلف أنه قال: يقول «بت أهمز رجل أمي» أمه كبيرة في السن، وقد تكون قدماها تؤلمها. فيقول: بت أهمز رجل أمي وبات اخي يصلي، والان جالس بجوار والدته طوال الليل يهمز قدميها وأخوه يقوم الليل يصلي: «بت أهمز رجل أمي وبات اخي يصلي، فما أحب أن ليلتي بليلته».

الله أكبر، ما أعظم هذا الفهم وهذا الفقه لدين الله عز وجل! ما أحب أن ليلتي بليلته؛ يرى أن فعله هذا في همز رجلي أمه أنه اعظم من فعل أخيه في قيامه الليل؛ لأن هذه نافلة، وهذه عبادة عظيمة تفوق هذه النافلة. هذا هو التوفيق، وهذا هو السداد، وهذا هو العقل في معرفة العبادات وتفاضلها إذا تعارضتا. هذا هو التوفيق من الله عز وجل لهذا العبد إذا أحسن النية وأخلص النية في تعامله مع والديه، يعرف أن هذا الخطاب، هذه الكلمة، هذه الجلسة مع الوالدين، هذا الاتصال بالوالدين، أنه عبادة يتعبد الله عز وجل بها ويرجو ما عند الله، يرجو ما عند الله.

بعض الناس الآن قد يتثاقل على الوالدين حتى الجلسة؛ أن يجلس معهما، يخرج مع الأصحاب مع الأصدقاء ولا يأتي إلا في اوقات قصيرة جدا على عجل ومستعجل. حتى إذا جلس مع والديه فعلى جواله، أو يتصل بفلان وفلان، ولا يؤدي حق الله عز وجل؛ لأنه لم يستشعر أن جلوسه عبادة، أن جلوسه وكلامه ولينه في الخطاب والقول مع الوالدين أنه عبادة يتعبد الله عز وجل بها، كما نتعبد الله عز وجل في بقية النوافل كصيام النفل وصلاة النفل وغيرها من هذه الأعمال الصالحة. هذا يعني مجمل ما يمكن القول عنه في هذا الجانب وفي هذه العبادة العظيمة. ونكمل إن شاء الله في الحلقة القادمة بقية ما يتعلق بحق الوالدين.

أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا برهما أحياء وميتين. والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومكارم الأخلاق ندرسها معا أدبا وتربية على الإاحسان، بشرى لنا زاد.