بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
ما زال الحديث أيها الأحبة في سلسلة الحقوق في أكاديمية زاد، وفي هذه الحلقة نواصل الحديث عن حق الأبناء على الآباء الذي بدأناه في الحلقة الماضية، وكنا قد توقفنا في الحلقة الماضية عند حق الأبناء قبل الولادة. وسنتكلم إن شاء الله في هذه الحلقة عن حق الأبناء على والديهم بعد الولادة، وهناك جملة من الحقوق تكون للأبناء على آبائهم بعد ولادتهم.
أول هذه الحقوق التي يجب أن يعتني بها الأب، وأن تعتني بها الأم أيما عناية لعظيم بركتها على الأبناء، قضية الدعاء، الدعاء بصلاح الأبناء. وقد ذكرنا الدعاء في الحلقة الماضية من الحقوق التي تكون للأبناء قبل الولادة، كما جاء عن إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: 100]، وكما جاء عن زكريا عليه السلام: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران: 38]، وكذلك عن عباد الله الصالحين هذا يكون قبل الولادة.
ويستمر الدعاء ولا ينقطع الدعاء بالصلاح والتوفيق للأبناء، لا ينقطع، يكون قبل الولادة وبعد الولادة وإلى أن يكبروا، والدعاء مستمر؛ لأن الدعاء كله خير وبركة، ومهما دعا الإنسان فإنه يجني من الثمرات والخيرات والبركات فوق ما يتصور. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: 15]، هذا في حال الإنسان إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة. ذكر الله عز وجل دعاء لهذا الرجل الذي أعطاه الله عز وجل هذا العمر وكمال العقل بعد بلوغه الأربعين من جملة ادعيته عندما يقول: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: 15].
فالدعاء يستمر للأبناء، وسيجري بإذن الله الآباء والأبناء ثمرة هذا الدعاء صلاحاً وتقوى وإيماناً وحسن خلق بإذن الله ببركة هذا الدعاء، فيكثر الأب وتكثر الأم من الدعاء لابنائهما. دائماً في سجودهما يتحريان أوقات الإجابة في الدعاء للأبناء، وهذا له أثر عظيم بإذن الله في صلاح الأبناء؛ لأن الدعاء كله خير وهو بركة ونور يكون بإذن الله واضحاً جلياً في صلاح الأبناء.
أيضاً من حق الأبناء على والديهم التسمية، وهذا حق للأب: تسمية الولد بالاسم الحسن ويحذر من الأسماء القبيحة. وهذا من أبسط الحقوق، وهذا طبعا يتفق عليه عقلاء الناس أن التسمية تكون حسنة. والنبي صلى الله عليه وسلم لما ولد له ابنه إبراهيم، سمى يوم ولادته فسماه باسم أبيه إبراهيم عليه السلام. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أيضا أن أحب الأسماء إلى الله عبدالله وعبدالرحمن، وأصدقها الحارث وهمام. وكل ما كان من الأسماء الحسنة، سواء ما عبد لله عز وجل من المتعلقة باسماء الله الحسنى فهي أسماء حسنة يستحب التسمية بها، وغيرها من الأسماء كاسم النبي صلى الله عليه وسلم، وكثير من الأسماء التي يتعارف عليها الناس أنها أسماء ليس فيها قبح وليس فيها مهانة لهذا الأبن.
مع الأسف قد يفعل بعض الآباء شيئاً من ذلك بأن يسمي الابن على اسم أبيه أو على اسم جده، أو على اسم رجل مشهور في القبيلة لأنه كان كريماً، لأنه كان شجاعاً، لأنه كان جواداً، لكن قد يكون الاسم قبيحاً لهذا الرجل. وهذا الإنسان العاقل يعرف أن هذا الأب أو هذا الجد أو هذا الكبير في قومه أنه لم يكن كريماً باسمه، ولم يجعله الاسم جواداً أو صاحب مروءة، وإنما هذا بأفعاله وليس باسمه. فمن الخطأ الذي يقع فيه بعض الآباء أنه يسمي ابنه بأسماء قبيحة لجد أو لكبير في قومه من أجل أن يكون شبيهاً به، هذا حقيقة يدل على نقص في العقل؛ لأن ليس هذا الفضل الذي حصله ذلك الرجل باسمه، وإنما بافعاله. وكم غير النبي صلى الله عليه وسلم من اسماء للصحابة كعاص وعصية وغيرهما من الأسماء سماها أسماء حسنة.
ولهذا يقول سعيد بن المسيب رحمه الله في الحديث الذي يرويه عن أبيه عن جده حزن، أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله عن اسمه جد سعيد بن المسيب، والحزونة هي الغلظة والشدة والصلابة، فلما عرف النبي صلى الله عليه وسلم اسمه قال: «بل أنت سهل»، فرفض أن يترك الاسم الذي سمي به. فيقول سعيد بن المسيب رحمه الله: وما زالت الحزونة فينا، سبحان الله، رفضه لتغيير النبي صلى الله عليه وسلم لاسمه قد يكون عقوبة لهم في هذا الأمر، أنه لم يقبل بتغيير النبي صلى الله عليه وسلم لاسمه بسهل مقابل الاسم حزن. وهذا يدل على أن الاسم القبيح يغير، وهذا هو فعل نبينا صلوات ربي وسلامه عليه.
أيضاً من حق الأبناء على أبائهم الرحمة والرفق في التعامل، أن يكون رفيقا هينا لينا بالابناء، وألا يكون فظا غليظا شديدا عليهم، ويعامل الابناء كمعاملة رسمية عسكرية، وهذا مع الأسف يقع من بعض الآباء؛ يدخل إلى البيت وكأنه داخل إلى كتيبة عسكرية، شدة وغلظة ونهر وتقبيح ولعن وسب وشتم. نحن لا يتصوره عاقل أن يكون هؤلاء الأبناء في محبة وفي صلاح للأب مقابل هذا التعامل السيء، يعني يجني ما فعلته يداه كما قيل في المثل: يداك أوكتا وفوك نفخ. فالإنسان يكون رحيماً، ولهذا يقول أنس بن مالك رضي الله عنه عن نبينا صلى الله عليه وسلم: ما رأيت أحدا كان أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أعظم هذا الوصف؟ ما رأيت أحدا أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والنبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع الابناء كان القدوة والمثل الأعلى لنا في المحبة لهم وفي الرفق بهم. كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الحسن والحسين ويحملهما على ظهره، ويأخذ أمامة بنت ابنته زينب ويحملها على عاتقه حتى وهو يصلي. هذا يدل على منتهى الرفق ومنتهى الحنان الذي كان في قلب نبينا صلى الله عليه وسلم لهؤلاء الأبناء.
ولهذا لما قدم ناس من الأعراب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ورأوه يقبل الحسن، فقال: وتقبلون صبيانكم؟ قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «نعم». فقالوا: لكنا والله لا نقبل صبياننا، أعراب أجلاف حتى الصبي الذي النفس تميل إليه محبة وشفقة ورحمة، قالوا: والله لا نقبل صبياننا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أو أملك إن نزع الله الرحمة من قلوبكم». شيء عجيب جدا أن يكون هذا الأمر في قلب أب لا يقبل أبناؤه خصوصا الصغار الذين تهفو النفس إليهم زينة الحياة الدنيا كما وصفهم الله عز وجل زينة وهبة من الله عز وجل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أو أملك إن نزع الله الرحمة من قلوبكم». سبحان الله، أن يكون هذا في قلب انسان.
وأيضاً جاء الأقرع بن حابس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ورأى النبي صلى الله عليه وسلم يقبل صبيا، فقال الأقرع: والله إن لي عشرة من الابناء ما قبلت أحدا منهم. سبحان الله.
شيء عجيب في الغلظة وعدم اللين مع الأطفال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من لا يرحم لا يرحم»، «من لا يرحم لا يرحم». هؤلاء الذين لا يرحمون هؤلاء الأطفال الصغار، الذين هم زينة وبهجة في الدنيا؛ فلا شك أن هذا دلالة على أن الرحمة منزوعة من قلب هذا الإنسان. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من لا يرحم لا يرحم».
وهذا حصل حتى عند السلف، ثم دخل رجل على معاوية بن أبي سفيان وهو أمير المؤمنين، فرآه يحمل ابناً على ظهره ويسير به كالدابة. فقال: أتفعل ذلك يا أمير المؤمنين؟ فقال معاوية رضي الله عنه وأرضاه، قال: يا أعمش، من كان له صبي فليتصاب له، كأنه يقول: يا أحمق، هؤلاء الصبيان لابد أن نتعامل معهم بهذا اللطف وهذا اللين مهما بلغ الإنسان من منزلة في الدنيا ومكانة. فابناؤه قطعة منه، لابد أن الإنسان يرحم أطفال الآخرين فكيف بأطفاله وأبنائه الذين هم أقرب الناس إليه والذين هم زينة وبهجة له في هذه الدنيا؟ ولهذا الإنسان، كما يقال في تعامله مع أبنائه، يقولون في الأمثال أو يقولون في الحكم: إن الإنسان إذا دخل إلى بيته وجلس مع صبيانه أنه يضع عقله عند الباب. لا تتعامل معهم كتعامل الكبار بالجوانب الرسمية أو جوانب العلم والمعرفة والإدراك، هؤلاء صغار لا يدركون، فيجب أن الإنسان ينزل إلى مستواهم وأن نتعامل معهم بالرحمة والشفقة واللين، وهذا ولا شك سيكون سبباً في محبتهم للأب وللأم وتقبل ما يعطونهم من نصائح ومن توجيهات.
ولهذا الله عز وجل يقول للنبي صلى الله عليه وسلم المسدد والمؤيد بالوحي، يقول الله عز وجل له: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا منْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]، وحاشاه عليه الصلاة والسلام ولكن هذا تربية لنا وتعليم لنا، ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك، لكانت فظاظتك وغلظتك سبباً في أن لا يبقى الناس معك، حتى أبناؤك الذين معك في البيت سينفرون منك ويكرهون وجودك ولا يرحبون به، فلابد أن الإنسان يتعامل بالرحمة واللطف واللين والشفقة مع هؤلاء الأبناء، وأيضاً الابتعاد عن السب والشتم واللعن والتقبيح وكسر كرامة الأبناء بالكلمات الجارحة والقبيحة، لا شك أن هذا ليس من حق الأبناء على آبائهم، والحقوق أيضاً كثيرة في هذا الجانب، نواصل إن شاء الله بقيتها بعد الفاصل بإذن الله.
﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 6]. من رحمة الله تعالى بعباده أن رخص لهم في المسح على الخفين والجوارب في الوضوء بدلاً من غسل الرجلين، وذلك بالمسح مرة واحدة أعلى الخف الأيمن باليد اليمنى، وأعلى الخف الأيسر باليسرى، مفرجاً أصابعه، مبتدئاً من أصابع رجليه إلى بداية ساقيه، يمسح على الخفين معاً أو يبتدأ بالأخف الأيمن ثم الأيسر، الأمر في ذلك واسع بشرط أن يكون الخف طاهراً من النجاسة، وأن يكون ساتراً للقدم مع الكعبين، وأن يلبسهما على ضوء كامل، ومدته يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، يبدأ احتسابها من أول مسح بعد انتقاض الوضوء، فلو توضأ لصلاة الفجر مثلاً ولبس الخفين ثم انتقض وضوؤه الساعة التاسعة صباحاً، وتوضأ في الساعة الثانية عشرة ومسح على الخفين، فيبدأ احتساب المدة من الساعة الثانية عشرة لا من الساعة التاسعة، ويكون المسح في الحدث الأصغر، وأما الحدث الأكبر فيجب فيه الاغتسال الكامل. ومن خلع خفيه أو انتهت مدة المسح فوضوؤه صحيح ما لم ينتقض بناقض آخر، فإن أراد المسح مرة أخرى وجب عليه أن يتوضأ أولاً وضوءاً كاملاً يغسل فيه قدميه ثم يلبس الخف ويراعي الشروط السابقة.
مجموعة زاد تقدم لكم نخبة مميزة من إصداراتها: كتاب كيف عاملهم صلى الله عليه وسلم للشيخ محمد صالح المنجد، أربعون نصيحة لإصلاح البيوت، أدرك أهلك قبل أن، المجمعات التجارية آداب وأحكام، زاد الحج، زاد الصائم، طوبى للشام، كيف تقرأ كتاباً، معاني الأذكار، اترك أثراً قبل الرحيل، وكتاب بدعة إعادة فهم النص. لمزيد من المعلومات يرجى زيارة المواقع التالية: قناة زاد العلمية.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد؛ نواصل الحديث الذي توقفنا فيه قبل الفاصل من حقوق الأبناء على آبائهم. من الحقوق العظيمة للأبناء على الآباء: الحرص على تعليمهم وتأديبهم وتخلقهم بالأخلاق الحسنة، وهذا يندرج في قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]، ويعلم الأب أبناءه كل ما يكون سبباً في وقايتهم من النار. وجاء عن ابن عباس رضي الله عنه وعن أبيه في هذه الآية معنى قوا أنفسكم وأهليكم ناراً: تعليمهم الحلال وتحذيرهم من الحرام. تعليمهم الحلال وتحذيرهم من الحرام هذا من أقل الحقوق للأبناء، أن يعرف ما يجب عليه لله عز وجل، وأن يعرف ما يحرم عليه في جنب الله عز وجل، هذا من أقل حقوق الأبناء. والمصيبة والكارثة أن ينشأ الابن ولا يعرف بعض الحقوق وبعض الواجبات التي عليه في دينه، يخبط خبط عشواء في هذه الدنيا بسبب جهله وعدم معرفته وعدم اعتناء الأب والأم بتعليم هؤلاء الأبناء في هذه الجوانب.
وأول ما يبدأ به الإنسان، أول ما يبدأ به الإنسان تعليمهم العقيدة السليمة الصافية، تعليمهم العقيدة السليمة الصافية؛ لأن هذا هو سبب نجاتهم في الدنيا، سبب النجاة. وإذا غرس الإنسان هذا الأمر في قلوبهم من الصغر لا شك أنه سيكون له الأثر الكبير عندما يكبر، إذا غرس الإنسان حب الله، تعظيم الله، الخوف من الله، مراقبة الله في السر والعلن، هذا ولا شك سيؤثر في حياتهم كلها، في سلوكهم، في أخلاقهم، في تعاملهم، وسيبقى هذا الأثر حتى لو وقع الأبناء في فترة من الفترات، المراهقة وغيرها، إذا وقعوا في بعض المعاصي وبعض الذنوب فإن هذا الشيء المغروس في القلب سينتج وسيظهر في يوم من الأيام وسينير هذا القلب في يوم من الأيام.
ولابد أن يكون القلب خالياً من هذا التعظيم، من هذا التوقير، من هذا الإجلال، من هذا الخوف من الله؛ فلا شك أن هذا سبب في ضياعهم، سبب في وقوعهم في المحرمات وانتهاكهم لحرمات الله عز وجل. فيحرص الإنسان على غرس هذا الأمر في قلوب أبنائه من الصغر، ولهذا لو نظرنا في وصية لقمان لابنه وهي وصية عظيمة، نص الله عز وجل عليها لهذا الرجل الصالح لقمان الحكيم، هذه الوصايا العظيمة حبذا أن يقرأها الأب مع أبنائه وأن يقرأوا تفسيرها وأن يقف معها وأن يفسرها لهم وأن يأتي بالأمثلة والتطبيقات العملية في حياة الناس. لقمان يقول لابنه: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان: 13]. أول أمر يحذر منه الإنسان: لا تشرك بالله، إن الشرك لظلم عظيم، ظلم للنفس، ظلم لله عز وجل، لهذا القلب، ظلم لهذا الجسد، ظلم لهذه العين، لهذه الأذن، للسان أن يقع الإنسان في شرك وأن يكون هذا الجسد من حطب جهنم يوم القيامة. والله هذا هو اعظم الظلم، ولهذا جاءت هذه الوصية من لقمان عليه السلام. وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه، يعني هو يقصد هذا الأمر، لا يقوله من باب فقط حديث المجالس، وإنما هو يوجه الكلام لابنه، نصيحة موجهة لهذا الابن: لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم.
وأيضاً غرس تعظيم الله في قلب هذا الابن، ولهذا يقول لقمان أيضاً في هذه الوصايا: ﴿يَا بُنَىَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ [لقمان: 16]. بمعنى أن الله عز وجل لا تخفى عليه خافية، يعلم السر وأخفى. لو غرس هذا الأمر في قلبه، ولو أخطأ يرجع؛ إذا علم أن الله عز وجل مطلع عليه ويراه في بيته، في الشارع، إذا سافر في أي مكان وهو يعلم أن الله عز وجل لا تخفى عليه خافية.
خافية، وأن الله عز وجل لا تأخذه سنة ولا نوم. فإن هذا ولا شك يكون سببا في تعظيم الله في قلب هذا العبد، وإن أخطأ وإن زل فإنه يعود مباشرة، فإنه يعود إذا تذكر. ولهذا الله عز وجل ذكر من صفات المتقين، ولاحظوا والله عز وجل وصفهم بالتقوى، قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف: 201]. وصفهم الله عز وجل بالتقوى مع أنه مسهم طائف من الشيطان، إذا مسهم طائف من الشيطان من الغواية من تزيين بعض المعاصي والذنوب.
إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا، تذكروا ما الذي يجعله يتذكر؟ يجعله يتذكر هذا الذي غرس في قلبه من تعظيم الله، من خشية الله، من الخوف من الله، من توقير الله. هذا الذي يجعله يتذكر، أما الغافل الساهل الذي لا يعرف لله قدرا لا يمكن أن يتذكر إلا أن يشاء الله. تذكروا فإذا هم مبصرون، مبصر عرف الحق من الباطل ويعود، وكل ابن آدم خطاء كما يقول نبينا صلى الله عليه وسلم، وخير الخطائين التوابون.
هذه تربية عظيمة، النبي صلى الله عليه وسلم يقول لابن عباس وهو غلام، غلام فيما يقارب يعني سن العاشرة تقريبا في سنه الآن، احنا عندنا العاشرة لا إلا بكلام الأطفال، ومع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول لابن عباس رضي الله عنهما: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا استعنت فاستعن بالله، وإذا سألت فاسأل بالله». إذا سألت فاسأل بالله، وإذا استعنت فاستعن بالله.
هذا الغرس لهذه المفاهيم العظيمة في قلب غلام صغير سن العاشرة أو الحادية عشر، يقال إن ابن عباس رضي الله عنهما لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو في سن الرابعة عشرة، ويقول له هذا الكلام: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف».
كلمات عظيمة جدا عظيمة جدا، الآن لا تدرس إلا للكبار، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب بها هذا الغلام الصغير. فيا ليتنا نخاطب أبناءنا حتى الصغار نخاطبهم بهذه المعاني العظيمة التي تغرس في قلوبهم مثل هذا الأمر. ولهذا يقول الشاعر في أبيات جميلة في بيتين جميلين يقول: أبني إن من الرجال مصيبة في صورة الرجل السميع المبصر، رجل يسمع ويبصر مثله مثل بقية الناس، أبني إن من الرجال مصيبة في صورة الرجل السميع المبصر فطن لكل مصيبة في ماله، وإذا أصيب بدينه لم يشعر.
مواطن ذكي في أمور دنياه تجارة كسب المال فطن لكل مصيبة في ماله، وإذا أصيب بدينه لم يشعر، إذا أصيب بسلب أو مثل في الدين فانه لا يشعر، تقصير يقع في المحرمات ينتهك بعض الواجبات ولا يستشعر عقوبة الله عز وجل فطن لكل مصيبة في ماله وإذا أصيب بدينه لم يشعر. يحذر الإنسان من مثل هذا الوصف، أيضا الحرص على تعليمه القرآن، تعليمه القرآن ولا شك أن هذا له منزلة كبيرة خصوصا في الصغر عندما يكون الطفل عجينة وبيد الوالد قبل أن يكبر تصبح يعني له شيء من الاستقلالية، يستغل الإنسان فترة الصغر بأن يربي الطفل على القرآن.
ولهذا يقولون في التربية يعني: حفظ ابنك القرآن والقرآن يربيه، علم ابنك القرآن والقرآن يربيه. أي والله القرآن نور، وإذا كان في قلب هذا الغلام وكبر والقرآن في قلبه لا شك أن له تأثير عظيم جدا. ولهذا يقول عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: من حفظ القرآن فكأنما استدرج النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى إليه. منزلة عظيمة أن يكون الابن عندما ينشأ والقرآن في قلبه، مهما كان مهما بعد مهما ضعف مهما تسلط عليه الشيطان فإنه سيعود بإذن ببركة ونور القرآن الذي في قلبه.
وأيضا ما يحصله الأب من خير وبركة في يوم القيامة عندما يكسى حلتين عظيمتين ببركة حفظ ابنه للقرآن. أيضا الحرص على تعليمه فرائض الدين والحلال والحرام في صغره وتربيته على هذا الأمر، الصلاة وتعويده عليها من الصغر. الآن مع الأسف طبعا هناك حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع». يعني هذه تربية عظيمة، من السبع إلى العشر تربي الإنسان على الصلاة، بعد سنوات لا شك أن هذه التربية ستغرس في نفس الطفل الاهتمام بالصلاة.
لكن مع الأسف لو نظرنا في حال الناس اليوم وهذا واقع، ونراه عيانا الآن في مساجدنا الأب يأتي بابنه في سن الثانية في سن الثالثة وهو صغير، يأتي به للنزهة ليخرج من البيت فقط. ثم إذا وصل الابن إلى السن التي ينبغي على الأب أن يأتي به إلى المسجد فيفرط في ذلك الأمر، تجد الابن مع أبيه في سن الثانية الثالثة الرابعة الخامسة، ثم إذا وصل إلى السن الذي ينبغي على الأب ويجب على الأب أن يأتي به إلى المسجد في سن السابعة والثامنة فإنه يخرج: يا ولد صلي وهو ماشي، والأبناء على التلفزيون ولا على جوالاتهم أو منشغلين بألعاب أو نائمون، والأمر طبيعي بالنسبة له.
مع أنه كان يأخذه في السن التي ينبغي أن لا يأخذه إلى المسجد وهو صغير أنه يؤذي المصلين، وانقلبت الآية وخالفنا أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وجنينا من هذه المخالفة ما نراه الآن من تفريط كثير من أبنائنا في الصلاة. مع الأسف الآن والله يعني يحزن القلب وتتكدر النفس عندما يرى الإنسان وهو يمر في بعض الشوارع والناس يصلون وبعض الأبناء على ظهور السيارات أو على الأرصفة والإمام يقرأ في الركعة الأولى أو في الركعة الثانية.
ما الذي جرأ هؤلاء الأبناء؟ جرأ هؤلاء الأبناء على ترك الصلاة التي هي عمود الدين، لا شك أن للآباء في الغالب أثر في ذلك في تفريطهم وعدم اهتمامهم وعدم غرس هذا الأمر في قلوبهم من الصغر. مع الأسف الآن حتى في جوانب التربية عندنا نحن نعظم جوانب على جوانب أهم، يعني الآن كثير من الناس يذهب إلى صلاة الفجر والأبناء نائمون أو قد يوقظهم وبدون يعني حرص شديد عليهم، يوقظهم ويذهب إلى المسجد، ثم إذا جاء من المسجد وجاء وقت المدرسة وإذا بهذا الأب الذي كان وديعا هينا لينا في خروجه لصلاة الفجر وإذا به يزمجر ويغضب ويرفع الصوت حتى لا تذهب عنهم مدرسة وحتى لا يفوتهم طابور الصباح.
هذا يغرس في الأبناء تعظيم الدراسة تعظيم هذا الأمر على الصلاة، وهذا إشكالية كبيرة الآن في التربية يواجهها الكثير من المسلمين، عندما يغرس في الأبناء هذا الاهتمام وهذا الحرص وهذه العناية الشديدة على حساب الصلاة التي هي أعظم وأجل وأكبر وأولى بالاهتمام حتى من الدراسة حتى من المدرسة يعتري الإنسان بها، لابد أن نجعل الصلاة أعظم وأجل وأكبر أعظم وأجل وأكبر في الاهتمام في قلب هذا الابن، والخشية والخوف أن يشعر الإنسان بالاهتمام تعظيم لطابور الصباح أكثر من وقوفه في طابور الصباح أكثر من وقوفه مع المسلمين في صلاة الفجر، وهذا خلل ولا شك في التربية كبير جدا نسأل الله عز وجل أن يعافينا وأن يحفظنا منه. نواصل إن شاء الله بقية الحقوق بعد الفاصل.
من نعم الله تعالى على عباده نعمة أنزال المطر، فقد وصفه الله عز وجل بأنه ماء طهور، فقال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48]. كما وصفه بأنه ماء مبارك في قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: 9]. وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند نزول المطر سنن قولية وسنن فعلية، فمن سننه القولية قوله عليه الصلاة والسلام: «اللهم صيبا نافعا». وقوله: مطرنا بفضل الله ورحمته. ويدعو الإنسان بما شاء، قال صلى الله عليه وسلم: «اثنتان لا تردان: الدعاء عند النداء، وتحت المطر». وكان
عليه الصلاة والسلام إذا خشي ضرر المطر قال: «اللهم حوالينا ولا علينا». ومن سننه الفعلية أنه عليه الصلاة والسلام كان يكشف بعض بدنه ليصيبه المطر، ويقول: «لأنه حديث عهد بربه».
شعبة بن الحجاج الإامم الحافظ الكبير المشهور؛ كان من أوعية العلم لا يتقدمه أحد في الحديث في زمانه، وكان سفيان الثوري يخضع له ويجله، ويقول: شعبة أمير المؤمنين في الحديث.
قال الشافعي: لولا شعبة لما عرف الحديث بالعراق. توفي رحمه الله سنة ستين ومئة من الهجرة.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: 7].
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. نواصل الحديث الذي بدأناه قبل الفاصل فيما يتعلق بحقوق الأبناء. وكنا قد توقفنا عند الحق الذي للابناء، وهو تعليمهم فرائض الدين، ومن أعلاها وأجلها وأخبرها وأعظمها تعليمهم الصلاة وتربيتهم وتنشئتهم على الصلاة.
وقد نص الله عز وجل عليها خصوصاً لقوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: 132]. هنا الله عز وجل في هذه الآية فيها دلالة يبين أن الأمر يحتاج إلى ليس فقط الصبر، وإنما أيضاً اصطبار، وهو زيادة في الحرص والاهتمام والعناية والمثابرة على هذا الأمر؛ لأن قد يجد الأب من المعاناة ومن الجهد ومن التعب في التعامل مع الأبناء في هذا الجانب. ولهذا الله عز وجل ما قال واصبر، قال واصطبر؛ زيادة، وكما يقول علماء اللغة: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، ففيه زيادة قوة في الصبر وفي الاستمرار على هذا الأمر، وعدم التراجع فيه أو الضعف في هذا الجانب.
وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها. وهذا أمر لابد أن يكون حاضراً؛ أن تكون الصلاة معظمة في قلوب الأبناء مهما فعل، مهما قصر، مهما أخطأ؛ الصلاة يجب أن تكون أساساً عظيماً في حياته. لا يمكن أن يترك الصلاة بأي حال من الأحوال، مهما فعل، مهما أصابه شيء من الفتور، الفريضة مقدمة على كل شيء، ولا بد أن يعلم الأبن أنه إذا ترك الصلاة خرج من الإسلام، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة.
لابد أن يتصور الابن هذا الأمر، ومع الأسف أحياناً قد يسمع الابن بعض التفسيرات التي تضعف هذا الأمر في قلبه؛ يجب أن يأخذ الأحاديث بظاهر معناها: بين الرجل وبين الشرك، بين الرجل والشرك، بين الرجل وبين الإسلام والكفر ترك الصلاة، العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر. لابد أن يأخذ هذه الأحاديث بظاهرها وهو صغير حتى يعظم هذه العبادة ولا يقصر في هذه العبادة.
أما أن نبدأ نعلل تهاوناً وكسلاً هذا يكون عند أهل العلم تفصيلات في باب الفتيا، أما في باب التربية فيجب أن يأخذ الأبن هذه الأحاديث على ظاهرها وأن يعلم أن ترك الصلاة كفر. لابد أن يعلم هذه الحقيقة وأنها أول ما يوضع في الميزان؛ فإن صلحت صلح باقي العمل، وإن فسدت فسد باقي العمل. لابد أن يعلم الأبن هذا الأمر حتى يعظم جانب الصلاة ولا يقصر فيه أبداً؛ لأنه يعلم أن تركه للصلاة هو تذكرة خروج من الإسلام، عياذاً بالله من ذلك.
أيضاً يدخل بعد الصلاة تعويده على شعائر الدين عموماً وتعظيم شعائر الدين وجعل هذا الأمر في قلبه له مكانة، ما يراه من عبادات، من شعائر في المسجد، في البيت، من شعائر الدين، قرآن وغيره من الأذكار، أن يكون لها تعظيم. ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب. لابد أن يعظم هذا الأمر، كما مر معنا في وصية لقمان؛ قلنا إنه يحسن بكل أب أن يجلس مع أبنائه وأن يتدارسوا هذه الوصية العظيمة التي أثبتها الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: 17]. لابد أن يعرف أن الدين يحتاج إلى صبر.
ولهذا يقول شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: بالصبر واليقين تنال الإمامة بالدين. يحتاج إلى صبر ويحتاج إلى يقين بموعود الله عز وجل حتى يكون موفقاً مسدداً معانياً في حياته كلها. أيضاً من حقوق الأبناء تعليمهم الآداب والأخلاق والسلوك الجيد والأخلاق الحميدة التي يتعامل فيها مع الناس، وهذا ولا شك من أهم وأكبر ما يبنى في تربية الأبناء؛ لأن جانب العبادة بينه وبين الله، لكن هناك جانب الأخلاق والسلوك الذي بينه وبين الناس لابد أن يكون على مستوى عالي جداً يمثل البيت الذي رباه والأب الذي علمه.
ومسألة حسن الخلق مسألة عظيمة جداً، قد يهتم الناس بقضية أن يكون الابن حسن الخلق أولى من أن يكون فيه شيء من العبادة مع سوء الخلق. ماذا يريد الناس منك؟ يريد الناس منك التعامل الحسن والمقابلة الحسنة. ولهذا في هذه الوصايا يقول لقمان لابنه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنَكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: 18-19]. لابد أن يتربى الإنسان على الأدب، على الخلق القويم، على السلوك الجيد في تعامله مع الناس، من الكلام والألفاظ الطيبة والتعامل الطيب الراقي الذي يمثل هذا البيت الذي خرج منه.
وكما يقولون: الأبن عنوان البيت وعنوان أهله أيضاً، ودلالة على تربية الأب. لابد أن نغرس في نفوس أبنائنا احترام الكبير وتقديره وإجلاله. مع الأسف الآن بعض الناس قد يتربى على احترام أعمامه وأخواله لكن بقية الناس لا، والأشد والأنكى ما نراه في تربية بعض الأبناء أنه يقدر من كان من جنسه إذا كان كبيراً، ولا يحترم بقية الأجناس من المسلمين من خارج بلده، وتجد لا يقدر ذلك الرجل الشيبة الكبير في السن لأنه ليس من بلده وليس من محيطه الذي يتعامل معه ويعرفه، فتجد يتعامل مع كبار السن بسوء أدب وبقلة أدب وعدم خلق طويل، وهذا ولا شك خلل كبير في التربية.
لابد أن نعود أبناءنا على احترام الكبير أياً كان، قريباً أو بعيداً، من بلدك أو من خارج بلدك، ومسلم له حق؛ إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم أياً كان. لم يحدد رسول الله صلى الله عليه وسلم بلداً ولا جنساً ولا قبيلة ولا أحداً من الناس، أي رجل كبير في السن يقدر ويحترم، ولا شك أن هذا من الأدب الذي يكون عنوان التربية الجيدة.
أيضاً السلوك والأخلاق في التعامل في الأماكن العامة، وهذا ظاهر حتى في طريقة الأكل في طريقة الجلوس. لابد أن يعتني الأب بتعليم أبنائه في هذا الأمر، وإلا من يعلم الابن؟ لن يأتيه وحي من السماء إذا لم تعلمه. بعض الناس الآن لما يأتي في المجالس العامة ويأكل ابنه بطريقة سيئة يضرب الولد أو ينهره أمام الناس؛ ليس هذا مكان التربية، مكان التربية في البيت، الآن هو يطبق فقط ما علمته في البيت، إذا لم تعلمه فلا تنهره أمام الناس، يعني هذا خطأك أنت تحمله.
ولهذا لاحظوا أن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله لعمر بن أبي سلمة ربيب النبي صلى الله عليه وسلم ابن زوجته أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها لما أخذ الغلام يأكل وتطيش يده في الصحفة فقال: «يا غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك». أدب، ولكن انظروا إلى هذا الأدب كيف أثر في نفس هذا الصغير. يقول في تتمة الحديث: عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه وأرضاه يقول: فما زالت تلك طعمتي بعد.
هذا الأدب بقي معه حتى كبر، فما زالت تلك طعمتي، يعني هذا الأدب في طعامه كله طوال حياته: أن يسمي الله، وأن يأكل بيمينه، وأن يأكل مما يليه. وهذا يتعلم في البيت وليس أمام الناس، كما يفعل بعض الناس في تربيته أمام الناس لأبنائه.
أيضاً من حقوق الأبناء على آبائهم وعلى والديهم أن يحرصوا على اختيار الصحبة الصالحة لهم، وكما يقال في الأمثال: الصاحب ساحب. ولابد أن كم من الأبناء كان فساده من قبل أصحابه وينشأ من قبل أصحابه، ولهذا يقول الشاعر: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه، فكل قرين بالمقارن يقتدي. فيحرص الإنسان على الصاحب الصالح الذي يدله على الخير، وأن يأخذ هذا الابن إلى أماكن العلم، أماكن الرجال، أماكن الفضلاء الأخيار. يأخذه إلى الحرمين الشريفين، يجعله ينظر إلى هذه الأماكن المعظمة في شعيرتنا، حتى تكون في نفسه لها الأثر العظيم.
أما أن يهمل الابن ويتركه هكذا دون عناية، ودون اهتمام، ودون رعاية، لا شك أن هذا من التفريط العظيم الذي يؤخذ به الإنسان. هذا تعليم لابد أن يعتني به، لأنه سيجني الأب أول من يجني هذه الثمرة، سواء كانت خيراً أو شراً هو الأب، هو الأب سيجني ذلك في الدنيا وأيضاً يجنيه في الآخرة. صلاحاً أو فساداً، صلاحاً أو فساداً سيجني الأب وستجني الأم هذه البذرة التي زرعوها في نفوس هؤلاء الأبناء إن اهتموا واعتنوا بها أشد العناية.
يقول الشاعر في بيتين جميلين: ليس اليتيم من انتهى أبواه من هم الحياة وخلفاه ذليلا. إن اليتيم من تلقى له أماً تخلت أو أباً مشغوها. وهذا حقيقة من أبيات الحكم. ليس اليتيم هو الذي فقط مات أبواه، فهذا قد يعتنى به وقد يكون من أخيار الناس وفضلائهم إذا لقي من العناية ممن يكفله يلقى خيراً كثيراً. لكن اليتيم الحقيقي الذي تلقى له أماً تخلت أو أباً مشغولاً. الأم تخلت عن تربية الأبناء بالخروج والذهاب للأسواق والإنشغال بتوافه الأمور، والأب مشغول في تجارته، في دنياه، وفي أصحابه، في استراحته، هذا هو الابن اليتيم حقيقة وليس ذاك الذي مات أبواه.
فهذا هو التفريط العظيم الذي يكون في حق الأبناء، سينتج عنه بعد ذلك فساد الأبناء وضياعهم، وبالتالي سيكونون وبالاً على والديهم يوم القيامة عندما يتعلقون برقابهم في تفريطهم لهذه الأمانة العظيمة التي سيسألون عنها يوم القيامة. فأسأل الله العظيم رب العرش أن يصلح أبناءنا وأبناء المسلمين، وأن يوفقهم لكل خير، وأن يصرف عنهم كل شر، وأن يجعلهم هداة مهتدين، ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
يأتيك ميسوراً ومكارم الأخلاق ندرسها معاً أدب وتربية على الإحسان بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.
د. عبد العزيز بن محمد الجهني