بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
وما زال الحديث عن حقوق الزوجين؛ بدأنا بهذا الحق في اللقاء الماضي، ونواصل ما يتعلق بهذا الحق في هذه الحلقة أيضا. بدأنا بحق الزوج على زوجته، وذكرنا جملة من هذه الحقوق التي تكون للزوج على زوجته، وهذه الحقوق تؤديها المرأة تتعبد الله عز وجل بها، وهي تعرف أنها طائعة لله عز وجل، وتفعل هذا الأمر عبادة لله عز وجل ترجو ما عند الله، وأيضا تستقيم الحياة وتستمر، وليكون السعادة والمودة والمحبة في ذلك البيت.
من حقوق الزوج أيضا التي بدأنا بشيء منها في اللقاء الماضي، من الحقوق التي تكون للرجل والزوج على زوجته أن تحفظ الزوجة في غيابه، أن تحفظه في غيابه. فالله عز وجل يقول عن النساء الصالحات: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: 34]. أثنى الله عز وجل على المرأة الصالحة القانتة التي تحفظ زوجها في غيبته؛ هذه المرأة لها الفضل ولها المكانة العالية عند ربنا عز وجل، وأثنى الله عز وجل عليها في كتابه الكريم.
كيف يكون هذا الحفظ؟ كيف تحفظ المرأة زوجها في غيبته؟ من ذلك أن تحفظ زوجها في نفسها، أن تحفظ زوجها في نفسها، وهذا أمر عظيم جدا. إذا غاب الزوج عن زوجته، فإن من أكبر الأمانات التي يستودعها رجل عند زوجته هو نفسها هذه؛ أن تحفظها من كل مكروه ومن كل سوء ومن الفواحش الكثيرة والعظيمة، فهذا الأمر عظيم جدا.
إذا حفظت المرأة نفسها وصانت نفسها عما حرم الله من الفواحش، فهذه أكبر أمانة تؤديها المرأة لزوجها. أكبر أمانة تؤديها المرأة لزوجها أن تحفظ نفسها من الفواحش، وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا تسأل عنهم فإنهما من الهالكين» -أو كما قال- ثلاثة لا تسأل عنهم. يعني كلمة لا تسأل عنهم تدل على عظم هذا الأمر، يعني لا تسع الحال من السوء والهلاك والمصيبة والطامة التي تحل عليهم.
ثلاثة لا تسأل عنهم، وذكر منهم عليه الصلاة والسلام: وامرأة غاب عنها زوجها وقد كفاها مؤونة الدنيا، وقد كفاها مؤنة الدنيا فتبرجت بعده. فتبرجت بعده؛ هذه المرأة التي تفعل هذا الأمر يقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تسأل عن حالها يوم القيامة، وهذا دلالة على عظم وشناعة العقاب الذي سيحل بها، على عظم العقاب وشناعته الذي سيحل بها.
رجل غاب عن المرأة، امرأة غاب عنها زوجها وقد كفاها مؤونة الدنيا، قد كفاها مؤنة الدنيا؛ ينفق عليها، يصرف عليها، يرسل لها الأموال، ويتعب ويشقى ليصرف عليها وعلى أبنائها، ويرسل هذا المال إليها لتنعم بهذا المال، وهو يشقى به ويتغرب عن أهله ليجمع هذا المال ولينفق على هذا البيت. فإذا غاب عنها فإنها -وهذه المرأة عياذا بالله- تترجى من بعده، تترجى بمعنى تخرج سافرة وتتعرض للرجال عياذا بالله من ذلك.
فهذه المرأة في أشنع الأحوال وفي عظم المصائب، ولها من العذاب الأليم عند ربنا ما لا يعلمه إلا الله، ولهذا وصف ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من بلاغة الكلام في العبارة في تهويل الأمر؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تسأل عنها. يعني لا تسأل عن الشناعة والسوء والبلاء الذي سيحل بها إذا فعلت مثل هذا الفعل، إذا أنها لم تحفظ نفسها في غياب زوجها، وقد تكفل لها بالمؤونة وبالمال وبالنفقة ويصرف عليها وعلى أبنائها، ثم تخونه في نفسها؛ هذه اعظم خيانة وأشد خيانة تكون للمرأة في هذه الدنيا.
أيضا من أنواع الحفظ الذي يكون للمرأة على زوجها في حال غيبته: أن تحفظه حتى في ماله، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا تنفق امرأة شيئا من بيت زوجها إلا بإذن زوجها. حتى النفقة، حتى الصدقة لا تتصدق إلا بإذن زوجها. استودع عندها مالا فإنها تحفظ هذا المال ولا تتصرف فيه إلا بإذن زوجها، حتى الصدقة الذي فيها الأجر لا ينبغي للمرأة أن تفعل ذلك إلا بعد أن تستأذن من زوجها، فهذا من حفظ الزوج في غيبته الذي أثنى الله عز وجل عليه في كتابه الكريم.
لا بد أن تحفظ المرأة الرجل حتى في ماله، حتى في ماله: لا تنفق امرأة شيئا من بيت زوجها إلا بإذن زوجها. فقيل: يا رسول الله، ولا الطعام؟ يعني حتى الطعام الذي يكون من الزاد الذي يكون في البيت ويأتي به الرجل لأهله ويجعله عندهم، هذا أيضا تحفظه أيضا المرأة ولا تتصرف فيه إلا بإذن زوجها، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ذلك أفضل أموالنا. يعني هذا الزاد الذي جعله الرجل في بيته هو جزء من ماله، يعني هو لم يأتي إلا عن طريق المال الذي عند الرجل، فهو جزء من المال ويدخل في حكم المال، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ذلك أفضل أموالنا. يعني هذا الزاد هو أفضل الأموال، فلا تتصرف المرأة إلا بالنفقة الواجبة، إذا كان الرجل بخيلا فتأخذ ما يكفيها هي وأولادها، كما قالت هند بنت عتبة لما جاءت للنبي صلى الله عليه وسلم وذكرت له بخل أبي سفيان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: خذي ما يكفيك، خذي ما يكفيك فقط.
أما قضية الصدقة والتبرع وغير ذلك من الأمور، لا ينبغي للمرأة أن تفعل ذلك، وإنما تأخذ النفقة الواجبة، تأخذ النفقة الواجبة، وهذا ما يجب على المرأة دينا وشرعا وعبادة لله عز في علاه.
أيضا من أنواع الحفظ التي يجب على المرأة أن تعتني بها للرجل في غيبته: حفظه في أولاده والقيام بشؤونهم في حال غياب زوجها، وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها. المرأة داخل البيت هذه مملكتها، هذه هي مملكتها، ولها التصرف في هذه المملكة بما وافق رضا الزوج، بما يتوافق مع رضا الزوج.
لكن هناك أمور المرأة راعية فيها؛ راعية في شؤون بيتها، في ترتيب البيت والعناية وصيانته ونظافته، أيضا راعية لأولادها في حال غياب زوجها، ترعى هؤلاء الأولاد وتحفظهم وتربيهم التربية السليمة، وهي مسؤولة عنهم يوم القيامة، مسؤولة عنهم يوم القيامة. وهذا لعله هو السبب الذي قال من أجله النبي صلى الله عليه وسلم: فاظفر بذات الدين تربت يداك. لأن المرأة الدينة هي التي تقوم على هذه المسؤولية على وفق ما جاء في شرعنا ووفق ما يريده الله عز وجل منها.
وفق ما يريده الله عز وجل منها؛ فتربي الأولاد على الاستقامة وعلى الدين وعلى حفظ القرآن وعلى إقامة شعائر الدين، فهذه هي المرأة الصالحة التي تربي هؤلاء الأولاد على شرع الله عز وجل وعلى دين الله عز وجل وتعظم الله في قلوبهم.
فهذا من حفظ المرأة لزوجها في غيابه: أن تحفظه في أولاده ولا تقصر في هذا الحق؛ المرأة قد يكون زوجها مسافرا فتخرج وتترك الأولاد، تخرج إما إلى المناسبات أو إلى الأسواق أو غير ذلك وتهمل الأبناء، فيقع الفساد في الأبناء بسبب إما خروجهم إلى أماكن مشبوهة أو لا ترضي الله عز وجل، أو يكون حتى في البيت لا تراعي حق الله فيهم بترك الأبناء هكذا هملا، لا تدري ماذا يفعلون وإلى ماذا ينظرون، ويقعون في، قد يقعون في المحرمات دون رقيب أو حسيب؛ لأن المرأة هي التي كلفها الله عز وجل في غياب زوجها أن ترعى أبناءها.
أيضاً من الحقوق التي على المرأة لزوجها أن تراعي غيرة زوجها؛ الغيرة هذه فطرة سوية في قلب الرجل، أن يغار على زوجته. وهذا حقيقة ظاهر جلي في أهل الإسلام أن الرجل يغار على امرأته. وهذا مع الأسف ما نراه معدوماً عند كثير من أهل الكفر والضلال عياذاً بالله من ذلك؛ قيل لكثرة شربهم للخمر وقيل لأكلهم لحم الخنزير أكرمكم الله، فهذا يضعف الغيرة في القلب. أما الرجل السوي العاقل صاحب المروءة، فإنه لابد أن يكون في قلبه شيء من الغيرة على امرأته.
وقد ذكر هذا النبي صلى الله عليه وسلم صريحاً، وبين أن هذه فضيلة تكون في الرجل، الرجل الذي يغار على زوجته هذا نوع من أنواع المروءة والشرف والشهامة في الرجل. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم في يوم من الأيام لما سعد رضي الله عنه وأرضاه ذكر شيئاً عجيباً في الغيرة؛ أنه يغار حتى من جلوس الرجل على الحصان الذي ركبت عليه زوجته. فقال النبي صلى الله عليه وسلم ليقرر هذا الأمر في نفوس الناس، ولا شك أن في سعد رضي الله عنه قوة في الغيرة زائدة عن الحد الطبيعي، وهذا يحمد للرجل إلا إذا كان يوصل إلى الشك في الزوجة، لكن إذا زادت الغيرة في قلب الرجل هذا أمر محمود.
وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرر هذا الأمر في نفوس الصحابة وفي نفوس المسلمين عموماً إلى قيام الساعة من يسمع هذا الحديث، قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع هذا الكلام من سعد ورأى تعجب الصحابة من كلام سعد رضي الله عنه وأرضاه: «أتعجبون من غيرة سعد؟ أنا أغير من سعد، والله أغير مني ومن سعد». إذاً النبي صلى الله عليه وسلم يحب هذه الصفة العظيمة التي تكون في قلوب الرجال لزوجاتهم، وهي الغيرة على زوجته، والله عز وجل يحب أيضاً هذه الصفة التي يحبها نبينا صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم أغير من سعد، والله عز وجل أغير من النبي صلى الله عليه وسلم ومن سعد. ولهذا الله عز وجل يكره أن يقع الإنسان في الفواحش والمحارم، ومن حب الله عز وجل لهذه الفضيلة وهذه الصفة العظيمة؛ أنه يغار ربنا عز وجل على المحارم، ولهذا حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
فالمرأة لابد أن تراعي هذا الأمر مع زوجها، أن لا تتجرأ في الكلام مع الرجال الأجانب أو في الجلوس في الأماكن المختلطة التي قد تغضب الزوج وتثير غيرته على المرأة، فهذا من حفظ المرأة لزوجها. وأيضاً من أداء حق الزوج عليها أن تراعي هذا الأمر، وهذا فضيلة وشريف وامر شريف في المرأة. ونواصل ما يتعلق بهذا الحق بإذن الله بعد الفاصل.
ربما تحب أحد الابناء أو البنات أكثر من إخوتهما؛ أما لبره أو أدبه أو غير ذلك، ولكن هل يجوز أن تفضل من تحب في العطية وتخصه بالهدايا دون الآخرين؟ لنستمع إلى هذه القصة التي جرت لصحابي جليل النعمان بن بشير يقول رضي الله عنه: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله فوهبه، فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ بيدي وانا غلام، فأتى بي النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: يا بشير، أكل ولدك ووهبت له مثل هذا؟ قال: لا. قال: فلا تشهدني إذاً، فإني لا أشهد على جور.
ففي هذا الحديث تحذير من تفضيل أحد الأبناء على إخوته، وأنه من الجور والظلم، ولم يفرق بين الذكر الأنثى، وذلك لما يؤدي إليه من الكراهية والنفور بينهم. ولا حرج في الميل القلبي لأحد الأولاد دون غيره لأن ذلك أمر ليس في مقدور العبد، وإنما الذي يحرم أن يفضل المحبوب على غيره بالعطايا دون سبب شرعي. فإن حصل مثل هذا التفضيل وجب رد العطية أو إعطاء الآخرين مثل أخيهم، ويجوز التفضيل بين الأولاد إذا كانت هناك أسباب وجيهة تدعو إلى ذلك؛ كأن يخص أحد أولاده لمرض أصابه أو فقر وحاجة ألمت به أو لاشتغاله بطلب العلم ونحوه من الفضائل.
وللوالد أن يمنع العطية عمن يستعين بها على معصية الله تعالى، ويعطيها لمن يستحقها، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2]. قناة زاد الفضائية، العلم في كل وقت.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد؛ توقفنا قبل الفاصل عند حفظ المرأة لزوجها في غيرته عليها، وهذه الغيرة محمودة، وكما ذكرنا قبل الفاصل أن هذه الصفة يحبها النبي صلى الله عليه وسلم ويحبها ربنا عز في علاه، فهي صفة عظيمة، فالمرأة تراعي هذه الصفة في الرجل ولا تتعرض للمواطن التي تثير غيرة الرجل. والذي يثير غيرة الرجل أن المرأة تختلط بالرجال الأجانب؛ الرجل صاحب الغيرة وصاحب الشهامة وصاحب المروءة لا يرضى أن تختلط امرأته أو تحتك بالرجال الأجانب بما يثير الريبة، هذا أمر لا يرضاه الرجل السوي، أن تجلس المرأة وأن تتحدث بأنس وضحك باريحية مع غير محارمها.
وهذه فطرة في الرجل وهي مكرمة في المرأة أيضاً أن تحفظ هذا الأمر للرجل. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال لابنته فاطمة رضي الله عنها وأرضاها: ما هو خير للمرأة؟ فقالت فاطمة رضي الله عنها في كلام أظنه الآن يمكن لا يكون مقبولاً عند كثير من نساء المسلمين، يعني أمر أصبح غريباً أنه الذي يطرح الآن خلاف هذا الأمر، لكن هذا دين الله وهذا شرع الله ولابد أن نسلم لأمر الله ولشرع الله. فقالت فاطمة رضي الله عنها وأرضاها -وهي من النساء الكمل الذين ذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه كمل من الرجال كثير ولم يكن من النساء إلا أربع وذكر منها ابنة فاطمة رضي الله عنها وأرضاها-: أن لا ترى الرجال ولا يراها الرجال.
هذا هو الذي خير للمرأة؛ أن تقر في بيتها ولا تختلط بالرجال الأجانب. وكل رجل فطرته سوية لا يرضى أن تختلط المرأة بالرجال الأجانب، وكل امرأة فطرتها سوية لا ترضى أن تختلط بالرجال الأجانب. لأنه كما قيل: كثرة المساس تقلل الإحساس. المرأة إذا بدأت تتعامل مع الرجل بكثرة ويبدأ تذوب الفواصل وتذوب الرسميات بينهما، ثم يبدأ الأنس والضحك، تصل إلى حد أحياناً الكلام اللين الهين الذي قد يوصل إلى أمور عظيمة، هذا لا شك أنه مخالف لشرع الله عز وجل. فالمرأة التي تحفظ نفسها وتعرف حق زوجها وتراعي هذا الأمر ديانة لله عز وجل، فهي تحقق هذه الفضيلة العظيمة، وهي أنها تحفظ غيبة زوجها وتراعي غيرة زوجها إذا كانت معه أو لم تكن معه. أيضاً من الأمور التي ينبغي للمرأة أن تراعيها في حق زوجها عدم خروجها غير محتشمة ومتحجبة وتقع في التبرج، هذه أمور ينبغي على المرأة أن تحذر منها.
ينبغي على المرأة، وهذا حق للزوج، بل هو حق عليها لله عز وجل؛ يعني هذا من شرع الله الذي يجب أن تحققه حتى ولو لم تكن ذات زوج. لو لم تكن ذات زوج فإنها يجب أن تحقق هذا الأمر بأن تحفظ نفسها من التبرج ومن السفور، وفي ذلك يقول الله عز وجل في الآية التي ذكرناها سابقا: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: 33]. هنا نهى الله عز وجل عن تبرج الجاهلية؛ تخرج المرأة حاسرة عن صدرها وكاشفة لشعرها، يعني تظهر مفاتن جسدها. لا شك أن هذا من الإثم العظيم والكبير الذي تقع فيه المرأة، وأيضا هذا فيه تضييع لحق الزوج ومن قبله، وتضييع لحق الله عليها، وأيضا تضييع لحق زوجها عليها. الذي يريد الزوج من زوجته أن تكون صاحبة عفة وحشمة وحياء، وهذه هي المرأة التي تكبر وتعظم في عين الرجل.
أيضا من حقوق الزوج على زوجته: ألا تسمح لأحد، ولو كان محرما لها، بدخول بيته إلا بإذنه. هذا حق للرجل؛ ألا تدخل المرأة بيته إلا من أذن له بالدخول، أو تعرف المرأة أنه لا يغضب إذا دخل إلى البيت من محارمها. هذا الحق للرجل ينبغي للمرأة أن تراعيه، وهذا نص عليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه». يعني لو المرأة تعرف أن أحدا من محارمها، وأن زوجها لا يرضى بدخوله البيت لأي أمر من الأمور، فإنه لا يجوز لها أن تدخل هذا -ولو كان محرما- إلى بيتها. لكن لو تعرف المرأة أن الأصل أن الزوج ليس عنده إشكال في هذا الأمر، فيبقى الأمر على الأصل أنه يزورها محارمها دون أن تستأذن من زوجها، فيبقى الأمر على الأصل المتعارف عليه. لكن لو عرفت المرأة أن الزوج يكره دخول شخص بعينه، فانه لا يجوز لها أن تأذن له بدخوله دون موافقته، وهذا جاء نصا في كلام نبينا صلى الله عليه وسلم.
أيضا من الحقوق العظيمة التي يجب على المرأة تجاه زوجها: أن تطيعه فيما أمر، وأن تسمع له فيما يطلب منها؛ هذا حق من أبسط حقوق الزوج على زوجته الطاعة، وأن تكون المرأة طيعة هينة لينة مع زوجها. ولذا من خالف هذا الأصل من النساء، فإنها تقع في أمر عظيم. المرأة لابد أن تعترف وتقر بالفضل للزوج وتطيع فيما يريد إذا لم يكن مخالفا لأمر الله؛ إذا لم يكن مخالفا لأمر الله فيجب عليها الطاعة. بعض النساء عندها شيء من العناد أو شيء من الجحود لفضل الزوج وإحسانه إليها، وهذا ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في حال بعض النساء اللاتي رآهن النبي صلى الله عليه وسلم في النار عياذا بالله.
لهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أريت النار»؛ يعني رآها النبي صلى الله عليه وسلم وهذا نسلم به ونؤمن به، يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه رأى، قال: «فلم أر منظرا كاليوم أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء». النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى النار، رأى أكثر أهل النار من النساء. قالوا: بمَ يا رسول الله؟ قال: «يكفرن». قيل: يكفرن بالله؟ يعني أول ما يتبادر إلى الذهن في كلمة الكفر أنه الكفر بالله، فسأل الصحابة رضوان الله عليهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يكفرن بالله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم مبينا ومصححا لهذا المفهوم إنه ليست القضية كفر بالله، لكن هناك كفر آخر يقع من النساء، كفر خاص بالنساء، صفة قبيحة في النساء سماها النبي صلى الله عليه وسلم كفرا؛ قال: «يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان».
طيب كيف يكفرن العشير؟ والعشير هو الزوج. وكيف يكفرن الإحسان؟ علل النبي صلى الله عليه وسلم أو بين ووضح النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر بقوله: «لو أحسنت إلى إيهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا -يعني لا يعجبها- قالت: ما رأيت منك خيرا قط». وهذا أمر مشهور ومعروف عند النساء، ولهذا كن أكثر أهل النار كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن المرأة تكفر العشير؛ تكفر الزوج، تكفر بمعنى تجحد النعمة. يعني الزوج قد يحسن إليها ويكرمها سنوات طويلة، ويبيحها ويمنحها ويهبها ويفعل لها ما تريد، فاذا فعل شيئا في يوم من الأيام في حالة غضب أو عدم توفر المال عنده أو أي أمر من الأمور فمنعها شيئا تريده، فإنها تقول: ما رأيت منك خيرا قط. وهذا هو حال كثير من النساء.
وهذا لو نظرنا فيه، ننظر إليه من جهتين؛ ننظر إليه من جهة المرأة أنها تحذر من هذا الأمر لأنه سبب في دخولها النار، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أكثر اهل النار من النساء بسبب هذا الأمر. لكن المرأة الصالحة التقية التي تخاف الله وتخشاه وتتقيه وتراقب الله عز وجل، فإنها لا تقع في هذا الأمر، وتحفظ لسانها من هذا الكفران للزوج وهذا الجحود للنعمة، تحفظ لسانها عن هذا الأمر لأنه سبب في دخول النار. الجهة المقابلة ننظر إليه من ناحية الزوج؛ الزوج لابد أن يعلم أن هذا مما جبل عليه كثير من النساء، فلا يغضب ولا يثور ولا يصل إلى درجة من الشدة والقسوة مع المرأة إذا قالت هذا الأمر. الكل يعرف أن هذا أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، فيترك المرأة ويخرج عنها، ستعود إلى عقلها بعد فترة من الغضب؛ إذا سكن الغضب تعود إلى عقلها.
فالرجل العاقل الحكيم الذي يعرف هذا الحديث، ويعرف أن المرأة من صفاتها البارزة أنها تكفر العشير؛ يعني يعرف أن هذا ليس خاصا بزوجته، وإنما هذا أمر عام في كثير من النساء. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ورأيت أكثر أهلها» أي أكثر اهل النار النساء؛ أكثر اهل النار النساء بسبب كفران العشير، بسبب الجحود والنكران للزوج في الفضل والنعمة والعطاء الذي يمن به على المرأة ويعطي المرأة وينفق عليها ويصرف عليها. لكن لو أخطأ في يوم من الأيام في شيء يسير، فإنها تجحد هذه النعمة وتكفر الزوج في هذا الأمر. ولذا كانت النساء أكثر أهل النار كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، ونقف عند هذا الحديث لنواصل إن شاء الله بعد الفاصل.
غياب القدوة الحقيقية يهيئ النفس للتعلق بأي اسم لامع، ولو كان ممن لا يستحق الحفاوة والتكريم، لأنه صادف قلبا فارغا فتمكن. لذا كان السابقون يعلمون أبناءهم السيرة منذ الصغر؛ قال علي بن الحسين: كنا نعلم مغازي النبي صلى الله عليه وسلم وسراياه كما نعلم السورة من القرآن.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد؛ نواصل ما توقفنا عنده قبل الفاصل وهو الحديث عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أريت النار وما رأيت... فلم أر منظرا كاليوم أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء». تكلمنا عن هذا الحديث قبلُ، وذكرنا أن الذي أدى بالنساء إلى أن يكن أكثر أهل النار أنهن يكفرن العشير. إنهن
يكفرن العشير كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، بمعنى يجحدن؛ فظل الزوج عليهن سنوات كثيرة، وفي موقف واحد تنقلب المرأة وتنكر ما كان للزوج من إحسان عليها بسبب هذا الموقف اليسير، وتنسى تلك المواقف الكثيرة والكبيرة والأيام العظيمة التي مع زوجها. وهذه الصفة، المرأة التي كما قلنا تخaf الله وتراقب الله عز وجل، تبتعد عن هذا الأمر لأنه يدل على أنه كبيرة من الكبائر طالما أنه يكون سببا في دخول النار.
هذا لا شك أنه أمر خطير جدا، يجب على المرأة أن تحذر منه وأن تراقب الله عز وجل. يعني هذا قد يكون أحيانا يقع من المرأة، لكنها الموفقة هي التي تراجع نفسها وتستغفر الله عز وجل، كما قال الله عز وجل عن أهل التقوى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201]. يعود الإنسان مرة أخرى، والمرأة أولى بذلك، لأن هذا الأمر ليس بالهين، وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم كفرا، فليس بالأمر الهين ولا ذنبا بسيطا ويسيرا، بل هو كفر وموصل إلى نار جهنم عياذا بالله من ذلك.
أيضا من الحقوق العظيمة التي تكون للزوج على زوجته أن تكون هينة لينة في تعاملها مع زوجها، حتى في أفظائها وفي كلامها وفي عبارتها، وأن تعرف للزوج حقه، خصوصا أمام أبنائه. لا ينبغي للمرأة العاقلة أن ترفع صوتها على زوجها خصوصا أمام الأبناء، لأن هذا فيه زيادة في إثارة الشقاق بينهما إذا كان بين الأبناء، ويؤثر أيضا في نفوس الأبناء. وكم من الأبناء الذين يحصل شقاق بين الوالدين يكون في حياتهم من العقد النفسية الشيء الكثير! وهذا ملموس وملاحظ في كثير من المدارس ودور الإصلاح، يرون هذا الأمر عيانا عندما يصبح هذا الابن عدوانيا أو يصبح فيه شيء من التعدي على الناس، عنده شيء من الغلظة والقسوة، قد يكون ذلك كله بسبب ما يراه من والديه من شقاق وخلاف وخصام بين الوالدين.
فالمرأة العاقلة هي التي تحفظ لسانها في بيت زوجها، وتتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «والكلمة الطيبة صدقة». فكيف هذا مع عموم الناس؟ فكيف إذا كان مع زوجها؟ لا شك أنه أعظم وأكبر وأجل. إذا أخذت هذا الأمر بأنه عبادة وامتثال لأمر الله عز وجل، تتعبد الله عز وجل بهذا الأمر وتنشر السكينة والهدوء والاستقرار في بيت الزوجية. ولو نظرنا كما قلت سابقا في حال خديجة مع النبي صلى الله عليه وسلم، لرأينا هذا الأمر ظاهرا في حياتها، ولهذا بشرها الله عز وجل ببيت في الجنة لا صخب فيه ولا نصب.
الصخب كما قلنا هو رفع الصوت. فالمرأة التي تحفظ لسانها مع زوجها قد يكون ذلك سببا في رفعة عند ربها، وأن تنال الدرجة الرفيعة عند الله بسبب هذا الأمر، أنها تكون في كلامها مع زوجها بكلام لين بكلام هين بكلام لطيف، تتحبب إلى زوجها وتتودد إلى زوجها، هذه هي صفة المرأة الصالحة. أما المرأة التي ترفع صوتها وتغضب زوجها، لا شك أنها في سخط الله عز وجل. لقد ذكرنا سابقا أنه لا يمكن للمرأة أن تؤدي حق الله إلا إذا أدت حق زوجها.
وكم من الأزواج يعيش في جحيم بسبب لسان زوجته! هذه المرأة لسانها فيه سلاطة، فيه حدة في الكلام مع الرجل، ولا يمكن للرجل أن يشعر بالحب والود لهذه المرأة سليطة اللسان أبدا. الإنسان بطبعه يميل إلى المرأة الهينة اللينة الرقيقة الرحيمة، هذه هي صفة المرأة. المرأة كمالها في ضعفها، وجمالها في رقتها، وفي حنانها، وفي هدوئها. المرأة التي تميل النفس إليها، ويسعد الإنسان بها، ويستقر البيت بوجودها، هذه المرأة الهينة اللينة التي لا تنطق إلا بالكلام الجميل اللين مع زوجها، هي التي بإذن الله تكون امرأة صالحة وتكون أيضا من أهل الجنة.
أيضا من الحقوق التي تكون للمرأة على زوجها أنها تعينه على طاعة الله عز وجل، وتجعل هذا الزوج إن كان مشغولا يتفرغ إما لدعوة أو لطلب علم أو لغير ذلك. لا شك أن هذا خلق قويم جدا في المرأة، وتؤجر عليه وتشارك الزوج في الأجر إذا أخلصت النية واحتسبت الأجر عند الله، كما كانت تفعل خديجة رضي الله عنها. ونحن نكرر دائما أيها الأحبة، نكرر قصة خديجة رضي الله عنها، وأنا أعتبرها نموذجا يحتذى للمرأة الصالحة.
مع الأسف الآن يطرح اسم خديجة عند سيدات الأعمال أو غير ذلك، أو أصحاب المال والتجارة، هذا الذي يعرف من خديجة رضي الله عنها! كانت صاحبة مال وصاحبة تجارة، مع أن هذا الأمر وظفته خديجة رضي الله عنها في خدمة الإسلام وفي خدمة الدين، وكانت امرأة تقر في بيتها وتتاجر بمالها بالاتفاق مع آخرين يتاجرون في مالها، لم تذهب هي للتجارة في مالها. وشوهت صورة خديجة رضي الله عنها من هذا الباب أنها امرأة تاجرة وتخرج، أبدا. السبب كان في زواجها من النبي صلى الله عليه وسلم أنها كانت تبعث الرجال في تجارتها، فلما سمعت بأمانة النبي صلى الله عليه وسلم ارسلت إليه حتى يتاجر في مالها، وهذا ما حصل.
فلما عرفت من أمانته ووصل ووصف لها غلامها ميسرة حال النبي صلى الله عليه وسلم في أول تجارة ذهب بها إلى الشام ووصف حال النبي صلى الله عليه وسلم، أعجبت به ثم عرضت عليه الزواج منها. فهذه خديجة رضي الله عنها كانت تهيئ للنبي صلى الله عليه وسلم الراحة والسكن في البيت، فإذا أراد أن يخرج ويتعبد الله عز وجل في الغار كما كان يفعل قبل البعثة، كان يخرج ليتفكر في ملكوت الله عندما يضيق صدره صلوات ربي وسلامه عليه بما يراه من أفعال المشركين عند الكعبة: عبادة الأصنام والذبح للأصنام والاوثان والاستقسام بها في جوف الكعبة جوار الكعبة.
كان يضيق صدره عليه الصلاة والسلام من هذا الأمر، فيخرج إلى الغار يتعبد الله عز وجل الليالي ذوات العدد. وكانت خديجة رضي الله عنها تهيئ له الزاد والطعام الذي يكفيه لهذه الليالي، ويخرج صلوات ربي وسلامه راضية قابلة قانعة حافظة لبيتها ولبناتها رضي الله عنها وأرضاها، لم تعنف أو تغضب: أنت تركتنا وتركت الأولاد، أنت لا تعتني بنا. لم تكن خديجة رضي الله عنها تفعل هذا الفعل، وإنما كانت تعينه صلوات ربي وسلامه عليه على الشيء الذي يحبه ويريده.
وكذلك المرأة الصالحة التي تتمثل خديجة رضي الله عنها في حياتها، هي أيضا تكون عونا للزوج، سواء في عمله إذا كان الرجل يكدح ويجتهد ويعمل لطلب الرزق تكون عونا له عندما يأتي إلى البيت متعبا مرهقا تهيئ له المكان المريح. وكذلك إذا كان الرجل ممن يدعو إلى الله عز وجل أو يطلب العلم وينشر العلم، أيضا تهيئ له هذا الأمر وتعينه وتساعده وتوفر له الوقت الذي يبذله في هذا الأمر العظيم، فإنها تشاركه في الأجر. وهذا من توفيق الله للمرأة أن تكسب أجرا فقط بمجرد رعاية زوجها وحفظه في هذا الأمر.
فهذه المرأة الصالحة الموفقة التي تهيئ هذا الأمر لزوجها، سواء كان يعمل لكسب الرزق أو يعمل في الدعوة إلى الله أو في طلب العلم أو في أي أمر من الأمور، وكذلك لا تكلفه فوق طاقته. يعني بعض النساء قد تطلب من الرجل فوق ما يستطيع، ويكون هذا.
سبباً في النزاع والشقاق والخلاف بين الزوجين. لابد أن تعرف المرأة إمكانيات زوجها وتراعيه في هذا الأمر، وكم من الأزواج أُصيب بالأمراض، وقد يكون أصيب بجلطات بسبب كثرة طلبات المرأة التي لا يستطيع أن يحققها، وهو قليل ذات اليد.
فهذا حال المرأة التي تراقب الله عز وجل في تعاملها مع زوجها وفي إسعاده، ليكون البيت هانئاً سعيدا سكناً زوجياً بصدق وحق. هذا ما يتعلق بهذه الحقوق التي للمرأة على زوجها، ونكمل إن شاء الله في الحلقة القادمة الحقوق التي للزوجة على زوجها.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا مباركين هادين مهديين في كل شؤوننا وأحوالنا، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله يأتيك ميسوراً بأي مكان أدب وتربية على الإحسان.
د. عبد العزيز بن محمد الجهني