تسجيل الدخول

البرهان في تناسب سور القرآن "للغرناطي" | المجلس الثاني عشر

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

حياكم الله أحبائي الكرام في مجلس جديد من تعليقنا على كتاب البرهان في تناسب سور القرآن للإمام ابن الزبير الغرناطي رحمه الله تعالى عليه. وقد انتهى بنا الحديث إلى سورة الحاقة، فما وجه مناسبة سورة الحاقة لسورة القلم؟

يقول ابن الزبير رحمه الله تعالى عليه: لما بنيت سورة القلم على تقريع مشركي قريش وسائر العرب وتوبيخهم، وتنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن شنيع تقولهم وقبيح بهتهم عليه، وبين سبحانه وتعالى حسدهم وعداوتهم للمقام الشريف. وأضيف على كلام ابن زبير أيضا: ولما ختمت سورة القلم ببيان كيف استقبل المشركون كلام الله سبحانه وتعالى حينما قال عز وجل في ختام سورة القلم: وَإِكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ، وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ.

بين الله سبحانه وتعالى في ختام سورة القلم هذا المشهد، مشهد كفار قريش وهم يستقبلون آيات القرآن باستهزاء، باستخفاف، بالنبي صلى الله عليه وسلم ويرمونه بالجنون. جاءتهم، وجاءت الإجابة للنبي صلى الله عليه وسلم في بداية سورة القلم، فقال الله عز وجل له: مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ. هذه إجابة خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، لكن أي الإجابة الإلهية لكفار قريش كانت في مطلع سورة الحاقة. إجابة هذا الاستهزاء وهذا العبث جاءت في مطلع سورة الحاقة، فبعد أن ختمت سورة القلم: وَإِكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ، أتت سورة الحاقة في مطلعها: الْحَاقَّةُ، مَا الْحَاقَّةُ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ، كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ، فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ، وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ، سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَرْ صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ، فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ.

وعيد شديد إلهي لهؤلاء الكفر الذين استقبلوا كتاب ربهم بالاستهزاء، بالاستخفاف، ورموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنون، وعدهم الله سبحانه وتعالى بالحاقة وهي يوم القيامة، وأوعد بعذاب شديد كعذاب عاد وثمود. ثم استمرت سورة الحاقة تبين عظمة يوم القيامة والمشاهد العظيمة فيها، وكيف يأتي الرب عز وجل لفصل الحساب، وكيف ينقسم الناس إلى سعداء: هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ، وإلى أشقياء: مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ، خُذُوهُ فَغُلُوهُ.

ثم بعد ذلك الله سبحانه وتعالى يجيب بإجابة أخرى لهذا الاستهزاء الذي وجهه كفار قريش للنبي صلى الله عليه وسلم، وتكذيبهم بكلام الله عز وجل. فهم كانوا يقولون عن النبي صلى الله عليه وسلم مجنون، وأحيانا يقولون شاعر، وأحيانا يقولون كاهن؛ افتراءات كثيرة وجهوها للنبي صلى الله عليه وسلم لما آتاهم بهذا الكتاب. فالله سبحانه وتعالى أجاب في ختام سورة الحاقة فقال: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ، وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ، تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ. وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لو أن محمدا صلى الله عليه وسلم افترى علينا شيئا واحدا، وحاشاه بأبيه وأمه، لكن الله سبحانه وتعالى من باب التوضيح والبيان: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مَنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ. وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ، هذا الكتاب خذوه يا كفار قريش، خذوه واستقبلوه وامنوا به، إياكم أن تستمروا على عنادكم، وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ. ويقول في آية 51: وَإِنَّهُ لَحَقُ الْيَقِينِ.

فهنا واضح علاج قضية القرآن ومواجهة الافتراءات التي وجهها كفار قريش والمشركون في ذاك الزمان للقرآن. فالله سبحانه وتعالى أعطاهم هذه الإجابات الواضحة في ختام سورة الحاقة. ثم تأتي سورة المعارج؛ يقول ابن الزبير: لما انطوت سورة الحاقة على أشد وعيد وعظة، اتبعت بجواب من استبطأها. سورة الحاقة بماذا ابتدأت؟ الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة؛ وعيد كفار قريش بيوم القيامة، ثم ذكر الله عز وجل وعيدهم الدنيوي. فكان كفار قريش لما سمعوا هذه السورة، الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة، أصبحوا كعادتهم يستهزئون ويقولون: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟ متى تأتي هذه الحاقة التي ترعبنا بها يا محمد صلى الله عليه وسلم؟ فياتيهم الجواب في بداية سورة المعارج: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ، لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ، مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ، تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا، إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا، يستهزئون يظنون الحق بعيدا، وَنَرَاهُ قَرِيبًا، يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ، وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ، وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا.

ثم ذكر المشاهد المرعبة الشديدة التي تكون في ذلك اليوم، وكيف يفر الإنسان من أخيه، وصاحبته وبنيه، وفصيلته وعشيرته ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه، ويتمنى أنه لو باع كل الأرض وكل أهله ومعشره مقابل أن ينجو من عذاب الله ولن ينجو. ثم بعد ذلك تاتي سورة نوح.

سورة نوح فيها تسلية وتثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم. النبي صلى الله عليه وسلم كما مر معنا في سورة القلم كان يستهزئ به كفار قريش ويقولون إنه لمجنون، ويواجهونه بالأذى والتضييق والاستهزاء والاستخفاف: وَإِكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ، ويقولون إنه شاعر كما جاء في سورة الحاقة وكاهن، والله سبحانه وتعالى يدافع عن النبي صلى الله عليه وسلم ويجيب المشركين. فهذا لعله كان سببا في حزن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الأقوال وهذا الاستخفاف الذي وجه به؛ فالله سبحانه وتعالى أعطى درسا للنبي صلى الله عليه وسلم وللدعاة من بعده في سورة نوح. في خضم هذه الاجابات وهذه الشبهات وهذه المنازعات بين أهل الايمان وأهل الكفر وإجابة كفار قريش عن استهزائهم واستخفافهم، يأمر الله سبحانه وتعالى نبيه بالصبر.

فجاءت سورة نوح مناسبة في هذا المكان بالضبط، ليخبر الله سبحانه وتعالى نبيه بأهمية الصبر في الدعوة إلى الله، ومن اعظم أمثله الصبر نوح عليه السلام الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، ألف سنة ثابتا على نهج الدعوة مع أن قومه استخفوا ولم يعظموا الله سبحانه وتعالى، ونوح يقول لهم: مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا، أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا. ويبين إصرار قوم نوح وعنادهم: وَلَا تَذَرُنَّ وَدَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا.

هذا المشهد، مشهد الصراع بين الحق والباطل، وكيف أن الكفار يثبتون بعضهم البعض على الكفر، وكيف أن أهل الإيمان يجب عليهم أن يستميتوا في دعوتهم إلى الله، وأن يثبتوا وأن يصبروا حتى ينحل عقد المشركين. ثم يخبر سبحانه وتعالى نهاية قوم نوح: مِّنْ خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخُلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دونِ اللَّهِ أَنْصَارًا. فيا محمد صلى الله عليه وسلم خذ من صبر نوح: رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا. لاحظوا الاستمرار: رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا. هذه رسالة للنبي صلى الله عليه وسلم وللدعاة عن أهمية الصبر والاستمرار والثبات على الرغم مما يستهزئ به المشركون ويرمونك به يا محمد صلى الله عليه وسلم، ويستخفون بك، عليك أن تصبر، عليك أن تثبت، هذه طريق الدعوة التي أرادها الله سبحانه وتعالى لأهل الإيمان.

ثم بعد ذلك تأتي سورة الجن. سورة الجن فيها رسالة لأكثر من شخص؛ هناك رسالة أولا لكفار قريش تقريع وزجر لهم، وكأن سورة الجن تقول لهم: يا كفار قريش، اتاكم رسول من جنسكم ويتكلم بلسانكم وعاندتم وكفرتم به، وجاءت طائفة من الجن، محمد صلى الله عليه وسلم ليس من جنسها ولسانه ليس من لسانها وحياته وطبائعه البشرية تختلف عن طبائعهم وامنوا هم به وسبقونا إلى الإيمان. كان هذا تقريع؛ سورة الجن تقرع كفار قريش: كيف تبتعدون عن الإيمان وتبتعدون عن القرآن وتحاربون هذه الدعوة المباركة مع أن الرسول من جنسكم ومن انفسكم -وفي قراءة ومن أنفسكم- ومع ذلك يسبقكم الجن الذين هم ليسوا من جنسكم إلى الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ هي إذا رسالة تقريع وتوبيخ.

يقول ابن الزبير: فقد كانت استجابة معاندي قريش والعرب أقرب في الظاهر للنبي صلى الله عليه وسلم وهو من أنفسهم ومن جنسهم؛ يعني هذا كان المنطقي أن تكون استجابة كفار قريش أسرع من استجابة الجن، ومع ذلك سبقهم كثير من الجن للإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم. وتستمر سورة الجن في بيان هذا المشهد وكيف استقبل الجن هذه الدعوة، ما هي الأمور التي وقعت في السماء والآثار التي تغيرت فيها منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وطبيعه الحوار الذي دار بين الجن.

بعد ذلك تأتي سورة المزمل في سياق سورة نوح -خلينا نقول- يعني هو درس تابع لدرس سورة نوح في قضية أهمية الصبر على الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، لكن سورة المزمل أعطت النبي صلى الله عليه وسلم والدعاة من بعده مفاتيح النجاح في الحياة الدعوية ومفاتيح الصبر على أذى المعاندين. هي درس من بدايتها: ما هي المفاتيح التي يجب أن تكون عند الداعية إذا أراد أن يصبر في طريق الدعوة إلى الله عز وجل؟ فبدأ الدرس: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، أردت أن تثبت وتصبر على هذا الطريق؟ قُمِ اللَّيْلَ؛ قيام الليل هو مفتاح الصبر: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا، إِنَّا سنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا، إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا، إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا. عندك مشوار في الدعوة إلى الله في النهار، هذا المشوار الثبات عليه والصبر عليه لا يكون إلا بعباده خفية ليلية يتواطأ فيها القلب مع اللسان. مواجهة الطغيان ومواجهة أهل الكفر بزمر وأهله يحتاج إلى هذه العبادات، فأثبتوا عليها.

ويكتمل الدرس أيضا في سورة المدثر، فيقول ابن الزبير: ملائمتها لسورة المزمل واضحة، فاستسقا السورتين من نمط واحد، وما ابتدت به كل واحدة منهما من جليل خطابه صلى الله عليه وسلم وعظيم تكريمه. فسور المدثر جاءت بـ: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ؛ اترك المعاصي ونهر نفسك عن كل ما عليه أهل الجاهلية، وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ. درس الصبر ما زال يتكرر، فواضح أن المزمل والمدثر هي درس في الصبر مع قصة نوح التي وردت في سورة نوح؛ هذا كله يعطيك انسجاما كاملا بين أجزاء هذا الجزء المبارك، جزء تبارك. لما تكلمنا عن سورة القلم والافتراءات التي وجهوها للنبي صلى الله عليه وسلم القرآن، ثم الوعيد والإجابات في سورة الحاقة، ثم بيان أن العذاب الذي يستخفون بقدومه ويسالون متى هو سياتيه: سال سائل، ثم درس الصبر في قصة نوح.

وفي نفس الوقت الصبر وتثبيت النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الجن، لأن سورة الجن فيها تثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم -ولعلي أني قفلت أن أنبه على هذا الدرس، أنا قلت سورة الجن فيها عدة رسائل، هناك رسالة تثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم- هذه يعود فيها سورة الجن فيها الرسالة الأولى لكفار قريش، لكن الرسالة الثانية كانت موجهه للنبي صلى الله عليه وسلم في تثبيت في قلبه أن يا محمد لن نتركك، أنظر كيف جلبنا إليك قوما من غير جنسك ليؤمنوا بك، لاحظ كيف ارسلنا إليك يا محمد صلى الله عليه وسلم قوما من غير جنسك، من غير الطينة البشرية ليؤمنوا بك؛ فهذا الكون بمخلوقاته العجيبه كله تحت أمر الله سبحانه وتعالى، فلو عاندك كفار قريش، لو آذوك لا تقلق، لو البشر كلهم آذوك يا محمد صلى الله عليه وسلم فإن هذا الكون بيدي وصرفه كيف أشاء، سأجعل القمر والكواكب، سأجعل النجوم والشهب، سأجعل الجن وكل المخلوقات التي لم تسمع بها البشر سأجعله كلهم جندا لك، فاثبت على دعوتك.

ثم يكتمل درس الصبر في سورة المزمل وفي سورة المدثر. بعد ذلك تأتي سورة القيامة؛ يقول ابن الزبير: لما تقدم قوله مخبرا عن أهل الكفر أنهم في سورة المدثر، أهل الكفر لما دخلوا نار جهنم سئلوا ما الذي ادخلكم نار جهنم وسيسالون، هذا هو المراد، فقالوا عدة أمور، ومنها الأمور التي ذكروها: وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ. من الأمور التي ستجعل الكفار يقتحمون نار جهنم أنهم كانوا يكذبون بيوم الدين، وكذلك الله سبحانه وتعالى في سورة المدثر يقول: فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ، فَذَلِكَ يَوْمِئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ، عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ، والمراد بهذا اليوم هو يوم القيامة.

فلما الله سبحانه وتعالى توعد بيوم القيامة وأخبر أن من سبب دخول الكافرين النار عدم إيمانهم بيوم القيامة، جاءت سورة كاملة أفردها سبحانه وتعالى لبيان عظيم هذا اليوم، فجاءت سورة القيامة: لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ، أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ، بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ، بَل يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ.

وأقول أحبابي الكرام، من سورة القيامة حتى سورة الإنسان، ثم المرسلات، ثم عم النبا، ثم النازعات، ثم عبسة، ثم التكوير، ثم الانفطار، ثم المطففين، ثم الانشقاق، ثم دعنا لا البروج، ننتقل لما بعدها وهي الطارق، كلها تحدثت عن درس يوم القيامة؛ يعني هذه السور المتسلسلة تحدثت عن اليوم الآخر باستفاضة، لأنها من العقائد الكبرى التي كان ينازع بها أو فيها كفار قريش ويستهزئون ويخفون ودائما يقول: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟ وهي أيضا من العقائد المهمة التي يجب أن تتوطن في نفوس الدعاة إلى الله، وفي نفوس الرعيل الأول والجيل الأول من حملة الدعوة، لأن الإيمان باليوم الآخر وربط القلوب بها أو بهذا اليوم هو الذي يجعل الإنسان.

يهون عليه مصائب الحياة الدنيا، ويصبر على ما يجد من لاوائهن. من تربية الصحابة وتقريع المشركين، يعني كلا الطائفتين؛ تربية نفس الصحابة المكيين أبناء دار الأرقم بن أبي الأرقم لا بد من تربيتهم على عقيدة اليوم الآخر وربط القلوب بذلك اليوم المهيب. وفي نفس الوقت كان لابد من إعذار الخلق بهذا اليوم وتقريع كفار قريش بأن هذا اليوم الذي تستهزئون به وتستخفون به وتسالون عن وقوعه وتقولون متى هو؟ هو يوم القيامة الرهيب، بل أ قادرين على أن نسوي بنانه، بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ، يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، هذا السؤال المتكرر الذي كان يصدر على صورة الشك والستهزاء والاستخفاف من جهة كفار قريش. نعم، الله سبحانه وتعالى أفرد له سورة كاملة، سورة القيامة: فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ كَلَّا لَا وَزَرَ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ.

كأنه هذه هي الإجابة؛ تسألون عن أيان يوم القيامة؟ هذا هو يوم القيامة؛ يوم يبرق البصر ويخسف القمر ويجمع الشمس والقمر، اليوم الذي يقول الإنسان فيه أين المفر، ولا يجد وزرا لا يجد مكانا يلجو إليه. نعم، هو ذاك اليوم الذي سيسأل فيه الإنسان عما قدم وأخر، ثم انقسم الناس إلى صنفين؛ منهم من أصحاب الوجوه الطيبة الناظرة إلى ربها ناظرة، ومنهم من يأتي يوم القيامة وجهه باسر قد خسر الرهان في هذه الحياة الدنيا. ثم ختمت سورة القيامة بقوله سبحانه وتعالى: أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى. أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً.

لاحظوا ختامها بذكر الإنسان: أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى. ختم سورة القيامة ببيان ما هو أصل الإنسان؛ نطفة من مني يقذفها الرجل في رحم زوجته، فينتج الإنسان من هذا المني الذي يصبح علقة ثم مضغة ثم يصبح إنسانا كاملا. ثم بعد ذلك مباشرة، وانظروا التناسب الرائع، تاتي سورة الإنسان في مطلعها: هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا. لاحظوا هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا، ذكر الله سبحانه وتعالى في مطلع سورة الإنسان هذا المخلوق هذا البشر ذكرهم باصلهم انهم لم يكونوا شيئا، وهذا انسجام رائع جدا مع ختام سورة القيامة.

سورة القيامة تقول في ختامها ألم يك نطفة من مني يمنى، ثم سورة الإنسان في مطلعها هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا. فالله يخبر الإنسان أنك لم تكن شيئا كنت عدما، وفي سورة القيامة يخبر أنك كنت منيا ثم يعني كنت عدما ثم جاء المني من والدك في رحم والدتك فأصبحت علقة ثم كبرت ثم أصبحت إنسانا، من الذي أوجدك وخلقك بهذه الطريقة؟ أليس هذا هو القادر على أن يحيي الموتى مره أخرى، وأن يبعثكم إلى الدار الآخرة؟ مو هذا دعوة إلى الإيمان بالدار الآخرة؟ إخبار الإنسان أنه كان عدما لا شيء، ثم كيف خلق الله من ذاك المني هذه العلقه ثم كبرت هذه العلقه لتصبح مضغة ثم لتكتمل ثم يصبح جنين ثم يخرج. من الذي راقبك وتابعك في هذه الأطوار حتى خرجت؟ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى؟ بلى، هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ. إعادة لذكر الإنسان تذكير الإنسان كيف خلق: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ. ذكر النطفة مرة أخرى: أَمْشَاجٍ. طيب، لماذا أوجدنا أيها الانسان لا تظن أننا وجدناك عبثا.

وكذلك في سورة القيامة لاحظوا هذا التناسق العجيب، في سورة القيامة ختامها يقول سبحانه: أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى، وفي مطلع سورة الإنسان بعدها: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ. فالانسان لم يخلق سدى. طب لماذا خلق؟ ياتيك الجواب في سورة الإنسان: نَّبْتَلِيهِ، خلق للبلاء ولاختبار. ثم بين سبحانه وتعالى انقسام الناس إلى أهل كفر سيجرون بالسلاسل والأغلال، ثم ذكر حال أهل الإيمان، والسورة في أغلبها تفردت بذكر حال أهل الإيمان والنعيم العظيم الذي أعد لهم. نحن نجد أساليب القرآن متعدده؛ هناك سور تركز على عذاب المشركين وتذكر يعني جنة أهل الإيمان عرضا، وهناك سور تركز على نعيم المؤمنين وتذكر أحوال الكفار عرضا باختصار.

ثم بعد ذلك تأتي سورة المرسلات. يقول ابن الزبير: أقسم الله تعالى في سورة المرسلات بالملائكه المتتابعين في الإرسال: وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا. أعاد فأقسم بالملائكه مرة أخرى التي تنزل بالفارق بين الحق والباطل، فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا أي الوحي الذي ينزل على الأنبياء. كل هذه أقساما، قسم بالملائكة وقسم بالرياح. هذا القسم على ماذا؟ يقول ابن الزبير: هو قسم على ما ورد في سورة الإنسان قبلها، قسم على ما ورد في سورة الإنسان في قوله تعالى: إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا، وقسم على ما ذكر من أهل الإيمان: إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا، وقسم على قوله: وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا، وَكَانَ سَعْيُُم مَّشْكُورًا، وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا. هو يرى ابن الزبير أن هذه الأقسام التي وردت في مطلع سورة المرسلات هي قسم على ما ورد في سورة الإنسان قبلها.

فلذلك يقول: أقسم تعالى بما ذكر من مخلوقاته على صدق الموعود والوعود التي ذكرت في سورة الإنسان وذكر الآيات. لذلك لما قال: إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ، هذه جاءت بعد الأقسام؛ وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا عُذْرًا أَوْ نُذْرًا إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ. ما الذي نوعد به وسيكون واقعا؟ هو الذي ورد في سورة الإنسان؛ من عذاب المشركين: إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا، ومن رحمة المؤمنين وما أعد الله عز وجل لهم في جنات النعيم. هذه الوعود التي ذكرت في سورة الإنسان هي التي أقسم عليها في سورة المرسلات، وقال الله عز وجل: إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ.

هذه الوعود واقعه لا محالة. ثم ذكر مجموعة من المشاهد، وفي بعد كل مشهد، بعد كل مشهد وهذه المشاهد؛ مشاهد أما مشاهد الخلق: نَخْلُقُكُم مِّن مَّاء مَّهِينٍ، ومشهد: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا خلق الأرض، ومشهد اليوم الآخر: انطَلِقُوا إِلَىٰ مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ، ومشهد: هَٰذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ. عدة مشاهد في سورة المرسلات، وكل مشهد منها كما تعرفون ينتهي بقوله: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلمُكَذِّبِينَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ. فسورة المرسلات سورة الوعيد للمكذبين باليوم الآخر. بعد كل مشهد من المشاهد التي ذكرها الله عز وجل تنبيها ودليلا وتقريعا وتخويفا؛ مشاهد متعدده مختلفة المراد منها التدليل عليه والتقريع والتخويف وتخويف الناس باليوم الآخر. كل مشهد كان ينتهي: ويل يومئذ للمكذبين، ويل يومئذ للمكذبين.

ثم بعد ذلك تأتي سورة النبا. لاحظوا مشاهد اليوم الآخر ما زالت هي التي تحكمنا من سورة القيامة إلى الإنسان إلى المرسلات، القضية قضية اليوم الآخر؛ ويل يومئذ للمكذبين تخويف الناس إرعاب أن هناك يوم ستاتون فيه ستقفون بين يدي الله لا تكذبوا احذروا صلحوا أموركم. ياتي السؤال في مطلع سورة النبا: عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ. كأنه قسم، كأنه أقول كأنه نوع من أنواع الأقسام والتهديد، وما زال الأمر ساريا عما يتساءلون عن النبا العظيم. طبعا نختلف المراد بالنبا العظيم؛ هذا المراد به يعني القرآن أم المراد به الدار الآخرة؟ ولعل ولعله أن يكون الدار الآخرة أقرب إلى سياق السور قبلها وبعدها. هذا وجه النبأ العظيم هو الدار الآخرة لأنه هو أقرب إلى سياق السور قبل سورة النبا وبعدها. هم يتساءلون عن النبا العظيم وهذا اليوم المرعب الذي يواعدهم الله سبحانه وتعالى به ويكثر منهم الاستهزاء والاستبطان له فياتيهم: كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ.

ثم يخبر الله سبحانه وتعالى من باب رحمته عز وجل بالخلق يبقى ياتيهم بالايات لعل أحدا يستيقظ؛ يا كفار قريش، يا أيها المعاندون الذين تتساءلون عن هذا النبا العظيم وتستهزئون أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا. من الذي فعل كل هذا؟ من الذي استطاع أن يخلق كل هذه المخلوقات إلا هو سبحانه وتعالى؟ فاليوم الآخر والله أهون عليه، إنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا لا تستهزئوا، هذا ميقات إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا. ثم بين انقسام الناس في ذاك اليوم إلى أهل سعادة؛ الله سبحانه وتعالى يتمم عليهم الخير إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا، وأهل شقاوة؛ الله سبحانه وتعالى يقول: لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا. هكذا ستنتهي الحكاية، اعرفوا عليكم أن تعرفوا جيدا كيف ستكون النهاية لتختاروا أي الطريقين تسلكون.

ثم تأتي سورة النازعات في خضم هذا الأمر، فلما سورة النبا ركزت على قضية اليوم الآخر وكيف سيكون انقسام الناس إلى فريقين فيه، سورة النازعات تخبر عن حال الكفار في الحياة الدنيا تجاه عقيدة اليوم الآخر كيف كانوا. فيقول سبحانه يقسم: وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ. لما ترجف الراجفة وتتبعها الرادفة ستكون القلوب خائفة وجلة فزعة.

ثم ينقل تنقلك الصورة مباشرة لحالهم هؤلاء الفزع الخائفون الملهوف الذين أدركوا الآن الحقيقة؛ كيف كانوا في الدنيا يستقبلون اليوم الآخر؟ الله عز وجل يذكر هذا الأمر حتى يعظ الناس، يقول كانوا يقولون: يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ. كانوا في الدنيا هكذا حالهم؛ يقولون معقول في يوم آخر وفي لقاء بين يدي الله وسنحاسب؟ يقولون أئنا لمردودون في الحافرة أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً هل إذا أصبحنا عظاما نخرة مفتتة هل هناك بعث وسنبعث مرة أخرى؟ لا، لا هذا كلام كذب. وَلَكِنْ يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ.

ثم تأتي لاحظ يقولون أئنا لمردودون في الحافرة أإذا كنا عظام النخر قالوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ، فيقول سبحانه: فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ صيحة واحدة، فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ، والساهرة هي أرض القيامة. ثم ذكر سبحانه وتعالى حال الطغاة قبلكم يا كفار قريش؛ انظروا إلى فرعون، انظروا إلى فرعون كيف أنهاه الله سبحانه وتعالى فاعتبروا بحاله. ثم يقول سبحانه في ختام سورة النازعات: فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى كلُّه تذكير باليوم الآخر. وسورة النازعات تبين كيف سيكون مشهد الناس في اليوم الآخر: فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى ستتذكر كل شيء فعلته في الحياة الدنيا وستجد الجنة وستجد النار، وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى فالناس سينقسم طريق للجحيم.

فَأَمَّا مَن طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وكان يستهزئ بالدار الآخرة ويقول متى هو؟ ويقول متى هذا الوعد؟ وسأل سائل بعذاب واقع وأيان يوم القيامة؟ كل هذه الأسئلة التي مرت معنا في السور السابقة، فأَمَّا مَن طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى. ذكر الانقسام النهائي للبشر.

ثم تأتي سورة عبس، لما قال سبحانه وتعالى في ختام سورة النازعات: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى، وقال سبحانه وتعالى في آية 45 منها: إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا. افتتحت سورة عبس بمثال يكشف عن المقصود بأهل الخشية؛ من هو الذي يخشى الله سبحانه وتعالى؟ هل أهل الخشية هم أصحاب الثروات؟ هم الذين يعيشون في أحوال مادية مترفة مرهفة؟ هل هم من لا يشعرون بأي بلاء في الحياة الدنيا؟ لا، لا، الذين يخشون الله ويتعظون بهذه الآيات أكثرهم من الفقراء أكثرهم من الضعاف، وذكر مثال على هؤلاء الضعاف سيدنا عبد الله بن أم مكتوم، ذاك الرجل الضرير لكنه كان بصير القلب الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن دينه، والنبي صلى الله عليه وسلم كان متشغلا بطائفة من عظماء قريش ومن صناديدها ورجالاتها وأشرافها.

فالله سبحانه وتعالى يقول للنبي صلى الله عليه وسلم لما قال له إن في ذلك لعبرة لمن يخشى ولما قال له في ختام سورة النازعات إنما أنت منذر من يخشاها انظروا هذا الختام في سورة النازعات؛ الله عز وجل يقول إنما أنت يا محمد منذر لمن يخشى ذكر له المثال الذي يخشى فالذي يخشى مثل عبد الله بن أم مكتوم تلك النفوس الرقيقه النظيفه الطاهرة النقية هذه النفوس التي تخشى هي التي تستحق أن تنذر وأن تذكرها وأن تتلو عليها هذه الآيات. واما هؤلاء الذين أنت انشغلت بهم، هو مطلوب منه صلى الله عليه وسلم أن يبلغهم، لكن يقول له الرب سبحانه وتعالى معاتبا: عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى يعني لا يخذ منك وقت أكثر من الوقت الذي يستحقونه بحيث يشغلوك عن أهل الخشية الحق الذين هم أحق أن تنشغل بتربيتهم وإعدادهم وتعليمهم.

فكان درس: عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى من هؤلاء الذين يعرضون فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى انت وظيفتك يا محمد صلى الله عليه وسلم أن تبلغهم وأن تقيم عليهم الحجج، وأما ما بعد ذلك من الأمور فما عليك بهم. ثم ذكر سبحانه وتعالى في ختام عبس أيضا ما زال

قضية التذكير باليوم الآخر؛ فإذا جاءت الصاخة، وكل مرة يعطيك اسم لليوم الآخر. ولولا أن هذه المجالس ضيقة، لوجدتم أن هذا القرآن عجيب في أسلوبه، في تعابيره، في ألفاظه، في المصطلحات التي يريدها. فإذا جاءت الصاخة، يوم يفر المرء من أخيه، ما زالت مشاهد اليوم الآخر هي التي تترى على أسماعكم كما تلاحظون. لماذا هذا التكرار بأسلوب مختلف؟

لأن هذا اليوم إخواني هو يوم مصيري، يوم نهائي، يوم الأيام، اليوم الذي لا شيء بعده؛ أما فريق إلى الجنة واما فريق إلى السعير، ما فيها هروب، ما في خيار ثالث، ما في مجال لرجوع للدنيا، هي الحقيقة العظمى، هي العقيدة الكبرى. فلا مجال إلا أن نتربى على هذه العقيدة، وأن نربي عليها أنفسنا وأبناءنا، نبقى نذكرهم باليوم الآخر بهذه المشاهد. لأن الإنسان إذا تربى على هذه المشاهد -والله- يخشى أحبابي، يخاف، يحافظ على الصلوات، يترك المحرمات، يواظب على طلب العلم، يزهد بالحياة الدنيا ويلتفت إلى الدار الآخرة. هذه المشاهد التربية الإيمانية عليها مهم جداً.

لذلك القرآن المكي وخاصة سور المفصل كثيراً ما ركزت عليه، وبعد ذلك سورة التكوير وهي تتحدث عن مشاهد اليوم الآخر وهول المطلع: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ، وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ، وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ، وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ، وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ، وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ، ثم تأتي أيضاً: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ. ثم تأتي سورة الانفطار: إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ، وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ، وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ، وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ، عَلِمَتْ نَفْسٌ... لاحظوا التناسق بين سورة التكوير والانفطار، علمت نفس هنا ما قال ما أحضرت قال: مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ، وذكر الكرام الحافظين؛ أي: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ، كِرَامًا كَاتِبِينَ، يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ.

ثم الانقسام دائماً ذكر الانقسامات النهائية: إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ، يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ، وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ، ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ. اسمعوا: يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمئِذٍ لِلَّهِ. ثم تأتي سورة المطففين يقول سبحانه: وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُم أَو وَّزَنُوهُم يُخْسِرُونَ، أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ. تركيز على معصية من المعاصي وعلى إثم من الآثام، ويقبل سبحانه وتعالى لأنه حتى هذه المعاصي معاصي التطفيف المكيال والميزان ستسألون عنها يوم القيامة. فإنه في سورة الانفطار لما قال: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يكتبون الحسنات والسيئات، أخبر في سورة المطففين أنهم سيكتبون كل شيء حتى قضية التطفيف المكيال والميزان ستكتب، وهذه كانت شائعة عند بعض العرب.

ثم بعد أن انتهى درس التطفيف، أكملت سورة المطففين في ذكر مشاهد اليوم الآخر: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ، وَكَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ، فقسّمت الكتب هناك كتاب للأابرار كتب الأبرار وسجلات أعمالهم ستكون عليين، وأما كتب الفجار ستكون في سجين. وبين أحوال الكفار: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ، كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِم يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ. وذكر أحوال أهل السعادة، والقرآن كثيراً ما يركز على بيان حال أهل السعادة وعلى حال أهل الشقاء في الدار الآخرة.

ثم بعد ذلك تاتي سورة الانشقاق في درس مجدد عن اليوم الآخر، طبعا هذه الدروس كانت تاتي في أوقات مختلفة تتنزل على الصحابه لتوطين عقيدتهم باليوم الآخر، فتاتي سورة الانشقاق عليهم: إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ، وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ، وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ، وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ، وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ. يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ، فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ... لاحظوا لما في سورة المطففين ذكر أن كتاب الأبرار لفي عليين وأن كتاب الفجار لفي سجين، بدا هنا يخبر كيف سيتم توزيع هذه الكتب كتب لما تتطاير الصحف. فاما اهل الإيمان فهذه الكتب التي في عليين ستتطاير وتاتي في أيمانهم، وأما أهل الشقاء فان هذه الكتب والسجلات ستاتي في شمالهم من وراء ظهورهم، هذه مشاهد من مشاهد اليوم الآخر.

ثم تاتي سورة البروج، سورة البروج درس مستقل في الحقيقه وهو الذي يسمى الالتفات في علم البلاغه يعني ينقل الموضوع سورة البروج تتكلم عن قصة قوم فتنوا وقصة صاحب الأخدود، ذاك الشاب الذي ضحى بنفسه من أجل أن تؤمن قريته وأهل بلدته، وكيف أن أهل البلدة بعد أن آمنوا تعرضوا للقتل في أخدود أشعلت فيه النار ورمي فيه أهل الإيمان. فكان درساً مستقلاً للنبي صلى الله عليه وسلم وصحابه عن أهمية الثبات، والصحابه في دار الأرقم النبي الأرقم كانوا يحتاجون لهذه الجرعات كل مرة يحتاجون لجرعة الصبر، جرعة الصبر والتثبيت من خلال ذكر حال الأولين وكيف صبروا لأن في قصصهم عبرة ومثبتات. ولذلك أحياناً تأتي هذه الالتفات انك أنت تجد نفسك من سورة القيامة لسورة الانشقاق واحنا بنتكلم عن الدار الآخرة، فجاه تأتي سورة البروج تتكلم عن أصحاب الأخدود ما علاقتها؟

أقول هنا نوع من انواع التنويع في الدرس، فكان هنا درس الصبر وبيان أن الذين يصبرون ويموتون على طريق الدعوة سيدخلون جنات النعيم، وأن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات وعذبوهم وساموهم سوء العذاب سيكونون في دركات الجحيم. ثم تأتي سورة الطارق وهي التي أختم بها اليوم إن شاء الله يقول سبحانه وتعالى: وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ، النَّجْمُ الثَّاقِبُ، إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ. الآن يقول ابن الزبير لما قال الله سبحانه وتعالى في سورة البروج: وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ وفي آية 20 منها: وَاللَّهُ مِن وُرَائِهِم مُّحِيطٌ، فاخبرت عن شهادة الله واحاطته بما يجري على هذه الارض من مجريات جاءت سورة الطارق تؤكد على هذه الفكرة فاقسم الله: وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ، النَّجْمُ الثَّاقِبُ.

هذا نجم في السماء أي يطرق في الليل أي يظهر ويبان في الليل أشد الوضوء عند العرب فاصبح يسمى طارقا، قالوا لأنه يطرق ليلا أي ياتي ويزور ليلا. والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب أقسم الله أن كل نفس لما عليها حفظ كل نفس عليها حافظ محدد من الله سبحانه وتعالى يحفظ ويسجل. والله سبحانه وتعالى ليس محتاجا طبعا إلى هؤلاء الملائكة ليساعدوه سبحانه وتعالى، لكنه أراد أن يخبر عن شدة هيمنته واحاطته ومعرفته بكل شيء يدور على هذه الأرض، فاياكم أن تظنوا أن ما يحل بكم من عذاب يا أهل الإيمان يحل بكم من دون دراية من الله سبحانه أو أن الله نسيكم أو تشاغل عنكم حاشاه سبحانه وتعالى. إن كل نفس لما عليها حافظ، هناك من يحفظكم ويسجل لكم ويرعاكم، إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ. فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ، يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ. ذكر الإنسان بخلقه وكيف أن الله رعاه وتولاه وأيده، فالذي رعاك وأنت جنين في بطن أمك لن ينساك وأنت تقاتل من أجل دينه ودعوته. هذا نهاية مجلسنا لهذا اليوم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.