تسجيل الدخول

البرهان في تناسب سور القرآن "للغرناطي" | المجلس الثالث عشر

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. حياكم الله أحبتي الكرام في مجلس جديد من تعليقنا على كتاب البرهان في تناسب سور القرآن، وهذا هو المجلس قبل الأخير بإذن الله. وقد انتهى بنا الحديث إلى سورة الأعلى، فما وجه مناسبة سورة الأعلى لسورة الطارق؟

يقول ابن الزبير عليه رحمة الله: لما قال سبحانه وتعالى مخبراً عن عمه الكافرين، أو عن عمه الكفار -المراد بالعمه والحيرة والضلال والتأني عن عمه الكفار في ظلام حيرتهم- أنهم يكيدون كيداً في ختام سورة الطارق، الله سبحانه وتعالى بين أن الكفار يكيدون كيداً لهذا الإسلام، ومكرون مكر الليل والنهار إنهم يكيدون كيداً. وكان وقوع هذا الكيد من العبيد المحاط بأعمالهم، والذين أحيط بدقائق أنفاسهم وأحوالهم، هذا الكيد منهم لهذا الدين هو من أقبح مرتكب وأبعده عن المعرفة بشيء من عظيم أمر الخالق سبحانه. فلو قدروا الله حق قدره لما فعلوا هذا، ولما سولت لهم أنفسهم هذا الكيد تماماً. فوقوع الكيد من البشر لدين الله سبحانه وتعالى ولأمر الله من الأمور المستشنعة القبيحة.

هذا باختصار نهاية سورة الطارق، فبدأت سورة الأعلى بتنزيه الله سبحانه وتعالى من هذه الفعلة الشنيعة، وقد مر معنا القاعدة التي ذكرها ابن الزبير رحمه الله عليه: أن السور التي تبدأ بتنزيه الله سبحانه (سبح، ويسبح) يكون هناك شيء قبلها في السورة التي قبلها من المستشنعات التي يفعلها الكفار، فينزه الله سبحانه وتعالى نفسه عن ذلك، فيقول: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى. ثم ذكر عظيم شأنه سبحانه: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى.

أمثل هذا يكاد بدينه؟ أمثل هذا يستهزأ به؟ لكن المساكين يمكرون ويمكر الله، إنهم يكيدون كيداً وأكيد كيداً. بعد أن عظم الله سبحانه وتعالى شأنه، وبين في ختام سورة الأعلى أن الناس ينقسمون إلى قسمين، وهذه القسمة دائماً يعني تكرر في السور ليعرف الناس أقسام الخلق في هذه الحياة الدنيا إلى أشقياء وإلى سعداء، فقال سبحانه وتعالى: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى، عفوآ، وسيجنبها الأشقى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا.

فبينت نهاية سورة الأعلى أن الناس ينقسمون إلى أشقياء لا يزكون أنفسهم ويكيدون لهذا الدين إلى غير ذلك من الأمور التي دلت عليها الآيات، فهؤلاء سيصلون النار. وإلى أناس عملوا لدين الله واهتموا بأنفسهم، اهتموا بالتزكية بصلاح القلوب فارتقوا بأيمانهم، فالله سبحانه وتعالى يجنبهم نار جهنم ويجعلهم من أهل السعادة. ثم ختمت: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى. لاحظوا، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى، هذا المقطع الأخير يتناسب مع سورة الغاشية التي بدئت: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ.

فالغاشية هي يوم القيامة، هي الآخرة التي ختمت بها سورة الأعلى، فالله سبحانه وتعالى في سورة الأعلى يقول: وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى، أي اثروا هذه الآخرة على الدنيا، اعملوا لآخرتكم. ثم الله سبحانه وتعالى أراد أن يزرع الهول من يوم القيامة ويبين عظم هذا المشهد، أنه هذه الآخرة التي قلت لكم اعملوا لها ولا تؤثر عليها الدنيا، هل تعرفون قدرها وعظمها وانقسام الناس فيها وهول مطلعها؟ فجاء السؤال بالاستفهام: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ * لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ. بين مشهد الكفرة كيف سيكونون في الدار الآخرة: لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ.

وذکر الطرف الآخر: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ. هي القسمة الثنائية التي ذكرت في الأعلى، وذكرت في الغاشية، وتذكر في جميع السور في العادة، أن الله سبحانه وتعالى يذكر حال الفريقين في الدار الآخرة ليختار الانسان في هذه الحياة الدنيا كيف يريد أن يكون مشهده يوم القيامة. هي مشاهد مرسومة، أنا وأنتم في الدار الآخرة سنكون إما وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً، وإما سنكون وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةً مسرورة لسعيها لما أنتجته وأنجزت في هذه الحياة الدنيا. أنا وأنتم سنكون إما من هذا الفريق وإما من هذا الفريق، الله سبحانه وتعالى يعطينا هذه المشاهد التي ستأتي، يرسم لك هذا المشهد ليبقى في ذهنك وأنت تقرا القرآن وأنت تسير في الحياة، أنت من سيختار هل ستكون ضمن هذا المشهد أم من هذا المشهد. والانسان الذي يكثر ذكر القرآن تبقى هذه المشاهد في قلبه، فالمشهد المخيف يبقى مفزعا له والمشهد الجميل يبقى محبا راغبا فيه، هذه فائدة إحياء هذه المشاهد وكثرة قراءة القرآن.

وختمت سورة الغاشية بذكر شيء من دلائل وجود هذا الإله وعظيم أمره: أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ. وانا قلت لكم كثيراً إن القرآن يعرفنا على الله ويدلنا عليه من خلال طريقين: من خلال طريق الخلق ومن خلال طريق العناية والتدبير، فالقرآن ركز على هذين الدليلين من بدايته إلى نهايته لأنهما من اعظم الأدلة، هناك أدلة أخرى لكن أقول من أعظم الأدلة التي تدلك على وجود الإله وعلى وحدانيته في ربوبيته وألوهيته: دليل الخلق الذي ذكره الله عز وجل من خلق الإنسان إلى خلق السماوات والأارض إلى خلق النبات إلى خلق الإبل. أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ. فهذا مثال على دليل الخلق وهذا يقودك إلى الله سبحانه وتعالى.

وبعد ذلك ننتقل إلى سورة الفجر. سورة الفجر أيضاً هي تاتي ضمن السياق الذي يعد الله سبحانه وتعالى فيه المعاندين الذين يكيدون كيداً كما ذكر في ختام سورة الطارق، يعدهم الله سبحانه وتعالى بحال مشابه لحال الأقوام السابقين إذا هم استمروا على هذه المنهجية منهجية العناد منهجية الكفر منهجية الكيد لدين الله سبحانه وتعالى فيأتيهم: وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَةَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ.

والبعض ذكر أن إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ هي جواب القسم، جواب القسم الذي ابتدئ به: وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ، إن ربك لبالمرصاد. كان هذا هو جواب القسم الذي ابتدئ به، فكل معاند كل كافر كل من يكيد لهذا الدين نقول له: إن ربك لبالمرصاد.

ثم ختمت السورة ببيان مشهد اليوم الآخر: كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ. يومئذ يتذكر الإنسان، هذا المشهد أيضاً من مشاهد اليوم الآخر، والقران يركز على رسم مشاهد اليوم الآخر حتى تبقى مستحضرة في ذهن القارئ دائماً ليبقى على وجل وعلى خوف. هذا مشهد سنشاهده في اليوم الآخر، يوم يقف الإنسان المفرط، يوم يتذكر الإنسان ما سعى، يتذكر الإنسان المفرط ما سعى ويتذكر المؤمن في نفس الوقت ما سعى، يوم يتذكر الإنسان ما سعى وبرزت الجحيم لمن يرى -أو عفواً كأنني انتقلت إلى سورة أخرى-.

كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بجهنم، يومئذ نعم، يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ، هذه يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى، يتذكر ما فعل في هذه الدنيا، هنا يقول: يَا لَيْتني قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي. يتمنى الذي قصر، الذي فرط، الذي لم يكن مسارعا للصلوات، لم يكن مع الصالحين، لم تكن مواظبة على حجابها وعلى طهارتها، لم يكن مواظبا على تقوى الله سبحانه، كان مقضي وقته على الفيسبوك وسائل التواصل الاجتماعي، سيندم: يَا لَيْتني قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ.

ثم يخبر الله سبحانه وتعالى عن الفريق الآخر: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ. من نجحت في هذه الحياة الدنيا، من صبرت على لأواء الحياة وقبضت على الجمار، كنت مطمئنة لوعد الله، كنت مصدقة بمشاهد اليوم الآخر، مطمئنة كان عندك اطمئنان لما يخبر الله سبحانه وتعالى به، هنا عندما يأتي اليوم الآخر ستنجح وستذهب: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي.

ثم تأتي سورة البلد أحبابي الكرام لتبين الطبيعة التي خلق الله عز وجل عليها الإنسان، وانتبهوا هذه كلها سور مكية تعطي دروساً للصصحابه ولاهل مكة عموماً في مسائل الاعتقاد في اليوم الآخر، في دلائل التوحيد، في طبيعة خلق الإنسان والمقصد من خلقه. فالله عز وجل في سورة البلد يخبر أنه يعني يقسم أنه خلق الإنسان في كبد، الإنسان مخلوق وجد على هذه الأرض وخلقه الله عز وجل بطبيعة أنه مكابد، مكابد في الحياة. لا تظن أن الحياة هي حياة الراحة وحياة الدعة، الحياة فيها مشقة خاصة لمن يريد أن يصل إلى نهايتها بنجاح، من يريد أن يصل إلى درب النجاة بنجاح عليه أن يكابد الحياة: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ.

لكن بعض الناس يظن أنه مستغنٍ، طبعا إذا كنت أنت فهمت هذه القاعدة أن الإنسان مخلوق في كبد وفي مشقة ويحتاج إلى جهد ونصب هنا يتذكر الإنسان بما أني أنا في مشقة وجهد إذاً علي أن أستند إلى من يعينني ويقف معي ويغنيني، وليس إلا أن تتصل بالله سبحانه وتعالى، تتذكر افتقارك. لقد خلقنا الإنسان في كبد يعني خلقنا الإنسان مفتقراً خلينا نقول محتاجاً دائماً، فالانسان دائماً محتاج مفتقر إلى وجود الإله في حياته، فلذلك الله سبحانه وتعالى الذين يظن أنهم استغنوا عن وجود الإله: أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ * يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا * أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ. مسكين هذا الذي يظن أنه مستغنٍ عن الله. فالإنسان مهما كنت كافر ولا مؤمن أنت في كبد الحياة فيها مشقة الحياة فيها تعب، إذا لم تستند إلى الله سبحانه وتعالى إلى الركن الشديد ستضيع ستتيه، فعليك أن تحفظ هذه القاعدة أيها الإنسان وأنت تسير في هذه الحياة الدنيا: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ. وهذا الكبد يحتاج أن تسند ظهرك فيه إلى إله عظيم يقوم بحوائجك ويغنيك بعد فقرك ويرزقك سبحانه جل في علاه، وإياك أن تظهر الاستغناء عن ربك سبحانه وتعالى.

ثم يخبر سبحانه وتعالى في منتصف سورة البلد أنه بين -أحبابي الكرام- لما يقسم الله سبحانه وتعالى أحد عشر قسماً متوالياً على قضية فانت تتكلم عن قضية مصيرية محورية، نعم قد أفلح والله وسعد وحصل السعادة الأبدية من زكى هذه النفس وراقبها وتابعها، وقد خاب من دساها فجعلها في ظلمات المعاصي وفي ظلمات الشهوات وفي ظلمات الأهواء ولم يخرج هذه النفس لتشرق ولترى النور.

ثم بعد ذلك بعد سورة الشمس تاتي سورة الليل، يخبر الله سبحانه وتعالى فيها أن الناس تجاه النجدين، تجاه طريق الهدايه وطريق الضلال الذين يبينهم الله سبحانه وتعالى سينقسمون قسمين فقال سبحانه وتعالى: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى. أيها البشر ستنقسم سعيكم وأعمالكم متنوعة في هذه الحياة، فمنكم من سيسلك طريق الهداية ومنكم من سيسلك طريق الضلالة. لكن الله سبحانه وتعالى ما زال يعطي الدروس ويؤسس العقائد في نفوس الصحابة والجيل الأول: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى. ما هي القسمة؟ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى. هي هذه القسمة الثنائية كل مرة تعرض بشكل.

ثم قال سبحانه: إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى * وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى. ركزوا هذه الآية، وإننا نحن من نملك الآخرة والأولى، تعظيم وإجلال لهذا الإله. فلما أخبر الله سبحانه وتعالى أنه هو الذي يملك الآخرة والأولى، وأنه الذي يجزي المؤمنين بإحسان، وأنه يعاقب الكافرين بكفرهم، جاءت سورة الضحى أولاً تثبيتاً للنبي صلى الله عليه وسلم بعد فترة انقطاع الوحي، وقد مر معنا في شرح كتاب فضائل القرآن أن هذه السورة نزلت بعد المرة الثانية من انقطاع الوحي فترى الوحي عنه عدة أيام، فنزلت سورة الضحى تأنيثاً وتثبيتاً وتسليَة للنبي صلى الله عليه وسلم، وتخبره أن الله سبحانه وتعالى لم يدعك ولم يتركك كيف وهو قد وجدك يتيماً فآوى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى. وأنت قبل أن تبعث كنت بهذه الأحوال والله اجتباك واصطفاك، فهل يعقل أن يتركك الله سبحانه وتعالى بعد أن أصبحت نبياً من أنبيائه تحمل لواء هذا الدين؟

ووورد في سورة الضحى قوله عز وجل: وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى. لاحظ هذه الآية مع ما ورد في سورة الليل: وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى. يعني نحن من نملك الآخرة والأولى، ويا محمد صلى الله عليه وسلم في سورة الضحى: وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى. هذه التناسبات، هذه التقارب اللفظية يدل على انسجام بين السورتين.

وتاتي سورة الشرح بعد سورة الضحى لتكمل العقد، عقد تسلية الله لنبيه وتثبيته في هذه الدعوة المباركة: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ. أي الآن الخصائص يقول ابن الزبير الغرناطي: الخصائص والمدائح التي ذكرها الله سبحانه وتعالى لنبيه في سورة الشرح هي خصائص ومدائح لم يشهدها النبي صلى الله عليه وسلم خلينا نقول محسوساً في الحياة الدنيا، يعني ألم نشرح لك صدرك هذا ليس أمر حسي مشاهد، وإنما هو أمر باطني، ووضعنا عنك وزرك هذا أيضاً أمر من الله سبحانه وتعالى هدية ومنحة من الله عز وجل ليس أمر مشاهد محسوس. ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ورفعنا لك ذكرك، أيضاً هذه من الأمور المعنوية، فاصبر يا محمد فإن مع

العسر يسر، مش مشكلة إذا كفار قريش أطبعوك، أنا ندرك يا محمد صلى الله عليه وسلم كل ما يحصل معك، فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. في سورة الضحى كان المديح والثناء والاختصاص والاجتباء يتعلق بالأمور المحسوسة، الله سبحانه وتعالى ماذا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ ۝ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ ۝ وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ.

فإذن كانت تتعلق خلينا نقول بأور شاهدها النبي صلى الله عليه وسلم بين عينيه، بين ناظريه، كيف كان يتيما فأواه الله، وفتيراً فأغناه الله، وكان يبحث عن الحق فهداه الله سبحانه وتعالى إليه. في سورة الشرح ركز الله سبحانه وتعالى على الأمور المعنوية خلينا نقول التي ليست هي محسوسة، شرح الصدر وهذا شيء إيماني قلبي داخلي، وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ۝ الَّذِي أَنقَهَ ظَهْرَكَ ۝ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ، تمام.

طيب بعد ذلك تأتي سورة التين، يقول ابن الزبير: هذه سورة موضحة ومتممة للمقصود في السورتين قبلها. وبيان ذلك أن الصورة الانسانية بظاهر الأمر مما هي عليه من الترتيب والإتقان، يعني صورة الإنسان ككائن حي متقنة، الوجه، اليدان، الأقدام، الجسم متناسق، قد كانت تعطي بظاهرها ارتباط الكمال بها من حيث أنها فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ولا افتراق يبدو في الظاهر، فكيف افترق الحكم واختلف السلوك؟ أي لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ.

هنا ابن الزبير حمل الآية أن الله عز وجل خلق الإنسان في صورته الخارجية على أحسن منظر وعلى أحسن هيئة، وكان ينبغي أن يكمل الإنسان هذا الجمال الظاهر بجمال الباطن، كأنه هذا الذي يريد أن يقوله، إنه إذا كان الله خلق الإنسان في أحسن تقويم، فالمطلوب منك يا أيها الإنسان أن تكمل جمال الظاهر حسن التقويم بجمال الباطن. لكن للاسف كثير من الناس اختاروا الابتعاد عن الله سبحانه وتعالى فشوهت نَفْسهم فلم يغنهم جمال الظاهر، لذلك قال لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ۝ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ.

كلهم الذين عصوا ولم يتبعوا الله سبحانه وتعالى وهربوا ونفروا من دين الله عز وجل يعني لم ينفعهم جمال صورهم وأشكالهم، ردوا في أسفل سافلين. وَأَمَّا الَّذِينَ انتَفَعوا بحسن التقويم، الذين كملوا جمال الظاهر بجمال الباطن إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ. ثم ختمت السورة: فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ. طبعا هل النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يعني يتشكك في الدين فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ حاشاه، لكن الكلام يعني يوجه له بصيغة الخطاب، لكن هو الكلام لك واسمعي يا جارة، بهذا المنوال، إنه الكلام للمشركين الذين يعارضونه.

الله سبحانه وتعالى حيانا يوجه الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم لكن ليس هو المراد تنزيله عليه، وإنما المراد تنزيله على أهل عصره، كان كقوله سبحانه وتعالى مثلا في سورة الزمر: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ. الآن ظاهر الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، لكن هل النبي صلى الله عليه وسلم سيشرك حاشاه بأبيه وأمه صلوات ربي وسلامه عليه، وإنما هي رسالة للمشركين أنه إذا كان محمد صلى الله عليه وسلم يخاطب بهذه الطريقة فما بالكم في أنفسكم؟ إذا فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ۝ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ، كان الكلام ما الذي يشكك هؤلاء الناس في دين الله سبحانه وتعالى؟ لماذا يكيدون له كيدا؟

طيب تأتي سورة العلق. يخبر الله سبحانه وتعالى فيها عن الأمور التي تبعث الطمأنينة بهذا الدين، أي إنسان عنده شك بهذا الدين، فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ، التكذيب تشكيك بهذا الدين. إذا أراد أن يصل للهداية فعليه أن يقرأ هذا الكتاب، فهذا الكتاب هو الذي بدأ الله عز وجل به في سورة البقرة فقال ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ، وهو الذي يذكره هنا يبين أنه سبيل العلم بالله سبحانه والوصول إلى حقائق الدين وحقائق الوجود وفلسفة الحياة، ويعرف الإنسان لماذا خلقه الله سبحانه وتعالى، عليه أن يعود إلى هذا الكتاب: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ۝ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ۝ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ۝ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ۝ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ. عليك أن تقرا وأن تتعلم، وأن خاصة التمسك بهذا الكتاب العظيم، لأن القراءة هنا أول ما تطرق إليه القراءة لكتاب الله، لأنه هو الذي سيهديك ويرفع عنك الشك والتكذيب بيوم الدين. فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ۝ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، ستتعلم وسيزول عنك أي تكذيب وأي شك بعد كل الدلائل الباهرة والآيات المعجزة التي ذكرت في هذا الكتاب العظيم.

كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ ۝ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ، لكن المشكله أن بعض الناس يريد أن يبقى على طغيانه ويظن أنه مستغن عن قراءة القرآن وعن التعلم وعن الاستبصار، يريد أن يبقى في شهواته في ملذاته. كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ أمثال هؤلاء يأتيهم التهديد: إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ، دعهم سيعودون إلى الله سبحانه وتعالى وسيكون الحساب الشديد بانتظارهم. إذا نقف هنا إن شاء الله في هذا المجلس وفي المجلس الاخير غدا باذن الله إن كانوا في العمر بقية سيكون نهاية تعليقنا على هذا الكتاب المبارك المفيد، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.