بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
حياكم الله أحبائي في المجلس الأخير من تعليقنا على كتاب البرهان في تناسب سور القرآن للإمام ابن زبير الغرناطي رحمه الله تعالى عليه. وقد انتهى بنا الحديث إلى سورة القدر، فترى ما وجه مناسبة سورة القدر للسورة التي سبقتها، ألا وهي سورة العلق؟ لما بين الله سبحانه وتعالى في سورة العلق عظيم أمر هذا الكتاب، وأن السلوك إليه سبحانه وتعالى والوصول إليه إنما يكون من بوابته؛ فأمر بقراءته: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، جاءت سورة القدر لتبين أيضاً عظيم منزلة هذا الكتاب من خلال بيان عظيم الليلة التي أنزل فيها: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ.
لاحظوا: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ استعمل الضمير؛ فالضمير يعود إلى الكتاب الكريم الذي ضمن في سورة العلق. أي: هذا الكتاب الذي أخبرناكم عنه في سورة العلق، وأخبرنا أن السلوك إلى الله إنما يكون من خلاله، وأعلمنا بأهمية قراءته وتلاوته، اعلموا أن هذا الكتاب أنزلناه في ليلة القدر. وهذا الارتباط شبيه بما مر بين سورة الزخرف وسورة الدخان؛ ففي سورة الزخرف بين الله سبحانه وتعالى عظيم قدر هذا الكتاب فقال: حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ. ثم في سورة الدخان بعدها بين عظيم الليلة التي أنزل فيها فقال: حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ. أي: الكتاب الذي ذكرناه في الزخرف، هذا الكتاب أنزلناه في ليلة مباركة.
هنا نفس الشيء أحبابي الكرام باسلوب آخر؛ لما بين الله عظيم أثر هذا الكتاب في الهداية والسلوك إلى الله عز وجل، أي جاءت سورة القدر لتبين عظيم الليلة التي نزل فيها؛ فالشيء العظيم لا ينزل إلا في الأوقات العظيمة: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ. ثم بعد ذلك تأتي سورة البينة، وهي سورة البرية؛ ويقصد بالبرية أنها البرية، لأنه وردت فيها: أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، وأولئك هم شر البرية. هذه يقول ابن الزبير فيها: هي من كمال ما تقدمها؛ لانه لما أمر صلى الله عليه وسلم بقراءة الكتاب في سورة العلق: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، واتبع ذلك بالتعريف بالليلة التي أنزل فيها هذا الكتاب تعظيماً له، اتبع ذلك بتعريفه صلى الله عليه وسلم بأن هذا الكتاب القرآن الكريم هو الذي كانت اليهود تستفتح به على مشركي العرب، كما أخبرنا سبحانه وتعالى في سورة البقرة: وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِه.
كانت اليهود تستفتح به على مشركي العرب وتقول: إذا جاءنا هذا الكتاب يا أيها العرب مع نبيه، فإننا سننتصر به عليكم. وكانوا يتوعدون العرب به، فلما جاء الكتاب ماذا كان موقف أهل الكتاب من اليهود بل حتى من النصارى؟ منهم من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم وهم قلة، وأكثرهم عارض هذا النبي وحاربه حسداً وبغياً أن جاء النبي من غير طائفة اليهود. يقول سبحانه: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ. البينة هي القرآن: رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ.
طيب، لما جاءت هذه البينة ماذا كان موقفهم؟ قال: وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ. وقع التفرق منهم مع أن هذه البينة إلى ما دعتهم؟ قال: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ. فانقسم أهل الكتاب تجاه هذه البينة إلى قسمين، إلى فريقين؛ فريق بها كعبد الله بن سلام وغيرهم من اليهود الذين أسلموا وهم قلة للأسف، وأكثرهم كانوا من شر البرية الذين عارضوا وحسدوا وتامروا على النبي صلى الله عليه وسلم.
الآن تأتي بعد ذلك سورة الزلزلة؛ لما بينت سورة البينة انقسام أهل الكتاب تجاه الدعوة المباركة وتجاه القرآن الكريم والنبي الأعظم إلى قسمين: شر البرية وخير البرية، كان هناك مناسبة أن يذكر مشهد يوم القيامة؛ لأنه الله سبحانه وتعالى بين أن شر البرية في نار جهنم خالدين فيها، وخير البرية الله عز وجل أعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها. فكان هذا من المناسب أن يأتي بذكر مشهد اليوم الآخر، وكيف أن كل انسان سيحاسب في اليوم الآخر على ما صدر منه من أعمال في هذه الحياة الدنيا: إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا. ستحدث الارض بكل ما جرى عليها؛ ستحدث ما فعله أهل الكتاب، من آمن منهم ومن كفر، بما فعله المشركون من تحدى ومن اتبع النبي صلى الله عليه وسلم، ستحدث الأرض بكل شيء. وعندئذ: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.
مشهد الإيمان باليوم الآخر مشهد متكرر في السور القصيرة؛ لأنه درس مهم جداً جداً في تأسيس القاعدة المسلمة، القاعدة المسلمة المؤمنة التي يتوقع أن تحمل النصر لهذه الأمة لابد وأن تؤسس على مشهد اليوم الآخر؛ لأنه هو الذي يلهمها الصبر والثبات على هذا الطريق مع ما فيه من البلاء.
تتأتي سورة العاديات؛ سورة العاديات يقسم الله سبحانه وتعالى فيها على خصله من خصال الإنسان الذميمة، وهي حرصه على المال: إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ، أي لكفور، يبخل بما لديه من المال، وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ، أي المال، لَشَدِيدٌ. فهذه الآية أو هذه السورة تحث الإنسان على ألا يكون حريصاً شحيحاً على ماله بصورة تمنعه من بذله في أبواب الخير. فكما أن الله عز وجل يختم سورة الزلزلة يقول: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ، فعليك أن تعلم أيها الإنسان أن كل دينار تنفقه في سبيل الدعوة ومن أجل تشييد هذا الدين فهو أي عند الله سبحانه وتعالى مدخر، يجزيك الله عز وجل عنه، وأما شحك وبخلك فأنت أيضاً تسأل عنه.
وأنا أتخيل أجواء مكة المكرمة حيث كان الصحابة والمستضعفون في فقر وقلة ذات اليد، فكان من المناسب أن يذكروا بهذه المواعظ، موعظة أهمية الإنفاق، أن يذكر أصحاب الأموال منهم مثل عثمان وغيرهم أن يذكروا باهمية الإنفاق في سبيل الله وعدم الشح وعدم البخل بهذه الأموال، فياتيهم هذا الدرس، درس يقول لهم: إن الإنسان لربه لكنود وإنه على ذلك لشديد وإنه لحب الخير لشديد، مع درس: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ. ففي هاتين السورتين الله سبحانه وتعالى يبين طريقة الحساب يوم القيامة، ثم يبين أن الإنسان عليه ألا يكون شحيحاً بخيلاً بماله وأن ينفق في سبيل الدعوة وفي سبيل الله سبحانه وتعالى؛ فكل دينار ينفق: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، يعني كأنها من الدروس المتقاربة.
ثم لما ختم الله سبحانه وتعالى سورة العاديات فقال: أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ، لما ختم بهذا الرعب، جاءت سورة القارعة لتكمل مشهد التخويف والإرعاب: الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ. ثم الانقسام الأبدي: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ... فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ.
دائماً القرآن، خاصة السور التي تتحدث عن مشاهد اليوم الآخر، دائماً ما تقسم الناس إلى فرقتين وتتحدث عن هاتين الفرقتين كل مرة بصورة وبمشهد ليرسخ الأمر، لئلا ينسى الدرس. نسيان درس الدار الآخرة، نسيان انقسام الناس حينئذ إلى فريق سعادة وإلى فريق شقاء، هذا أكثر شيء يبعد الإنسان عن درب الاستقامة. كلما كان الإنسان مستحضراً لهذه القسمة الثنائية التي لا ثالث لها، حينئذ يا أحبابي الكرام يبقى متعظاً بهذا القرآن الكريم.
تأتي سورة التكاثر؛ لما تقدم ذكر القارعة وعظيم أهوالها، أعقب سبحانه وتعالى بذكر الأمور التي تشغل الناس في العادة عن تذكر الدار الآخرة. ما الذي يشغلني أنا واياكم عن تذكر مشهد الدار الآخرة، عن تذكر القارعة وعن الخوف منها والوجل وأن نكون منها دائماً مشفقين، ما الذي يشغلنا عنها؟ هو التكاثر بالحياة الدنيا والإقبال عليها: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ، ودخلنا القبور، وحينئذ ستبدا معالم اليوم الآخر تتضح لنا؛ فيا ليتنا انشغلنا بها في الحياة الدنيا قبل أن نندم ونصبح في قبورنا. أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ، أي: لو كنتم في هذه الحياة الدنيا تعلمون علم اليقين، وجواب الشرط محذوف: لو كنتم تعلمون علم اليقين وعندكم الإيمان بالغيب راسخ لما أشغلكم التكاثر، هذا هو الجواب.
لو تعلمون علم اليقين الجواب: لما أشغلكم التكاثر، لما أشغلكم الصفق بالأسواق، ولا وسائل التواصل الاجتماعي، ولا السمر الفارغ الساعات الطويلة، ولا الليالي الماجنة، ولما أشغلكم التكاثر. لكن للاسف يأتي الوعيد بعد ذلك: لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ، يا من انشغلتم عن الدار الآخرة، يا من ألهتكم الدنيا وأسرفتم بالمعاصي والذنوب: لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ. ستشاهدونها عينة اليقين؛ في الدنيا كان المطلوب منكم أن تؤمنوا بها بعلم اليقين، علم اليقين العلم بدون رؤية، أما يوم القيامة سترونها حقاً وعياناً عين اليقين أمامكم، سياتي اليوم الآخر وستاتي حقائقه تشاهدونها وعيئذ لا ساعة مندم.
ثم بعد ذلك تأتي سورة العصر؛ لما قال تعالى: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ، وتضمن ذلك الإشارة إلى قصور نظر الإنسان، أن الإنسان قاصر ينظر فقط إلى دنياه يظن أنه سيخلد فيها ويحب التمسك بالعاجل ولا ينظر إلى الدار الآخرة ولا يعد لها، أخبر الله سبحانه وتعالى عن الطبيعة البشرية القاصرة فقال: وَالْعَصْرِ، يقسم بالدهر سبحانه، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، ويستثني من تيقظ وانتبه لنفسه قبل فوات الاوان: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ. فهؤلاء الذين لم يلهيهم التكاثر، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله.
ثم تأتي سورة الهُمَزة لتبين أصنافاً من الناس كيف عذبهم الله سبحانه وتعالى؛ فهناك أناس عذبهم الله سبحانه وتعالى لأنهم عبدوا الدنيا بأموالها وأخلدوا إلى أموالهم وظنوا أن أموالهم ستجعلهم لا يموتون، فياتيهم الموت على حين غرة وهم لم يستعدوا للقاء الله وكانوا بجحود واستكبار عن أوامره. فهذا الصنف من الناس الذي يغره ماله ولا يعبأ بالدار الآخرة ولا يستعد للقاء الله ويظن أن ماله سيخلده، الله يقول له في سورة الهمزة: كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ.
هنا إذا تعارضي سورة الهمزة، نفسية الهمزة اللمزة الذين عندهم أموال؛ بعض الناس يكون ثري عنده أموال يظن أن أمواله ستجعله يعيش في الدنيا ولا يموت، فيبدأ يهمز ويلمز بأهل الخير والصلاح، المساكين الذين أحوالهم رثة وأمورهم ضعيفة، تجده يهمس بهم: انظر هؤلاء المساكين وقول دراويش هؤلاء الشيوخ لا يملكون شيئاً من الحياة الدنيا، يظنون أنهم سيحيون في الدار الآخرة. هي حال قصة الرجلين الذين قص الله قصةلما في سورة الكهف: أحدهما عنده جنة وعنده أبناء وعنده عزوة فكفر فقال: مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا. فقال له صاحبه وهو يحاوره: أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ؟ يعني أنت تراني فقير لكنني أنا غني بارتباط بالله سبحانه، وكل هذه الدنيا التي بين يديك والتي تتفاخر بها علي الله سبحانه وتعالى ينهيها لك في لحظة.
فهذا مشهد مقارب، مشهد الذين يهمزون ويلمزون بالمتطوعين بالصدقات، الذين يهمزون ويلمزون بأهل الطاعات والإنشغال بطلب العلم والإقبال على الله والعبادة، يقول: هؤلاء مساكين ما عاشوا دنياهم. هذا هو المسكين، يظن أن ماله أخلده: كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ، سيلقى في نار جهنم ويكون حطاماً لها.
ثم تأتي سورة الفيل لتعالج نوعاً آخر من المعاندين، وهم الذين غرتهم قوتهم وسطوتهم وسلطانهم وامتدادهم في البلاد فحاربوا الله ودين الله؛ يخبر الله سبحانه وتعالى ويعطيهم مثلاً قصة أصحاب الفيل، أبرهة وصحبه الذين خرجوا ليهدموا الكعبة ويحاربوا الله مغترين بقوتهم وعددهم وعدتهم، فيرسل الله عليهم طيراً أبابيل ترميهم بحجاره من سجيل فجعلهم كعصف مأكول.
ثم بعد ذلك يتوجه الخطاب إلى كفار قريش، خطاب تنبيهي لكنه بهدوء يقول سبحانه: لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِم رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ. يعني يا كفار قريش، قصصت عليكم قصة أصحاب الفيل، قصصت عليكم قصة الهمزة الذي اغتر بماله، أنتم يا كفار قريش الله عز وجل أكرمكم بهذا البيت وجعلكم سدنة هذا البيت والناس تحج وتقصد هذا البيت وأنتم أهله وتعظم الناس بسببه والله عز وجل رزقكم من تجارة الشتاء والصيف ما يغنيكم عن البشر، فاعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف. وهذا في ضمنه تهديد: أنكم إذا لم تنتبهوا لهذا النعم وهذا التكريم وهذا التشريف فسيكون حالكم كحال أصحاب الفيل الذين أهلكهم الله على مرأى من كفار قريش.
بعد ذلك تأتي سورة الماعون والتي تسمى سورة الدين، وكذلك سيسمي سورة النصر سورة الدين، ستلاحظون أنه سمى سورة الماعون وسورة النصر كلاهما سماها بسورة الدين. المهم، سورة الماعون الآن لما تضمنت السور المتقدمة من الوعيد لمن انطوى على ما ذكر فيها ما تضمنه كقوله تعالى: إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ، بخيل شحيح، نوع من الوعيد أن.
الإنسان لفي خسر، لاحظوا هذه السور القصيرة تضع قبساً تبين طبائع الناس. إن الإنسان كلام عن جنس البشر: إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّ لَكَنُودٌ، لكنه في سورة العاديات، في سورة العصر: إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، في سورة الهمزة: يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ. هذا الإنسان يجب أن يزكي نفسه وأن يهتم بترقيتها، حتى لا تبقى نفسه متوحشة راغبة بالحياة الدنيا متشبث بها؛ لذلك الله سبحانه وتعالى في سورة الشمس قال: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا بعد أحد عشر قسماً تماماً.
بعد كل هذه الامور ومن جَرّاء اثناء ذلك مما تثمر هذه الصفات الاولية، ما ذكر ايضا فيه كشغل بالتكاثر والطعن في الناس ولمسهم والاغترار المهلك، أصحاب الفيل. أتبع ذلك بذكر صفات قد توجد في المنتمين الى الإسلام، أو يوجد بعضها، أو أعمال من يتصف بها وإن لم يكن من أهلها؛ كدع اليتيم وهو دفعه عن حقه وعدم الرفق به وعدم الحظ على إطعام المسكين، والتغافل عن الصلاة، والرياء بالأعمال، ومنع الزكاة والماعون. والماعون هي يعني العارية من القدر والحبل، لما ياتيك جار يقول لك اعطيني والله قدرك اريد محتاجه، أو اعطني مثلاً مفك، أو اعطني شيء أدق به. هذه الماعون؛ هذه الادوات التي تكون في المنازل يعيرها الناس لبعضهم البعض.
الآن هذه السورة، سورة الماعون، وإن كانت سورة مكية، لكنها أتت لتبين أن منظومة الأخلاق ليست منفصله عن منظومة التوحيد. منظومة الأخلاق التي يدعو إليها هذا الإسلام ليست منفصلة عن منظومة التوحيد، بل هي مرتبطة مع بعضها البعض. وأن الإسلام الحقيقي وأن الإيمان الذي يريده الله عز وجل هو إيمان منتظم في سلك الأخلاق؛ فلذلك انظر هذه السورة كيف ركزت على هذا الموضوع، وتبين أن من لم يتم أخلاقه ومعاشه مع الناس، فهذا لم يصل إلى الإسلام بمفهومه الحقيقي. أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ يا محمد، فذلك يعني الذين يكذبون بالدين أي باليوم الآخر.
وبالجد تظهر منهم هذه الصفات: فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ، وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ، فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ، الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ. كأن هذه السورة تقول: من لم يكن متيقناً جازماً بالدين بالجزاء يوم القيامة، وكان عنده شكوك أو شيء من التكذيب الباطني، هو الذي تصدر منه هذه الأفعال كدع اليتيم، ولا يحض على إطعام الفقراء، ولا يعطي الماعون، ولا يهتم بصلاته، ويكون دائماً في سهو عنها، ولا ينفق المال في سبيل الله.
فهذه الأخلاق إذاً كأنه هناك ربط؛ أنه من آمن باليوم الآخر وبالمشاعر التي ذكرناها لليوم الآخر في جميع السور السابقة، لا يمكن أن يكون بخيلاً، لا يمكن أن يكون بخيلاً: إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّ لَكَنُودٌ، لا يمكن أن تكون فيه هذه الخصلة؛ لانه إيمانه باليوم الآخر يسعى الى تقويم وتهذيب هذه الخصلة، خصلة الشح والبخل، إلى أن يصل إلى الكرم وإطاء الفقراء تماماً. فإذاً الذي يؤمن باليوم الآخر هو الذي توجد فيه هذه الصفات، وهذا ربط بين منظومة الأخلاق ومنظومة الاعتقاد، وبيان أن منظومة الاعتقاد مؤثرة جداً في بيان هذه المنظومة، وهي اكتساب الأخلاق الحميدة. فمن يؤمن بيوم الدين لا يدع اليتيم ويحض على طعام المسكين، والذي يكذب بالدار الآخرة وليس موقناً بها تمام الإيقان، فهو الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين ولا يعطي الماعون.
بعد ذلك تأتي سورة الكوثر. لما نهى الله عز وجل عباده عما يلتذ به من أراد الدنيا وزينتها من الإكثار من جمع المال والكبر والاغترار بالمال والجاه وطلب الدنيا، اتبع ذلك بما منح نبيه صلى الله عليه وسلم ما هو خير مما يجمعون، وهو الكوثر وهو الخير الكثير. فهو فسر الكوثر ليس على أنه نهر في الجنة، فسره بأنه الخير الكثير، وهذه إحدى التفاسير المشهورة لكلمه الكوثر. يعني الله سبحانه وتعالى أمرنا بأن نعطي الفقراء والمساكين وأن نحض على إطعامهم وأن نعطي الماعون، لا يكون عندنا حرص على الحياة الدنيا. هو الإنسان الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين ويمنع الماعون، ما سبب ذلك؟ هو الشح في الحياة الدنيا، الحرص عليها، التكالب عليها.
فكان الله سبحانه وتعالى يريد أن يخبر أن الخير الكثير والعطاء العظيم عنده سبحانه، وأن ما أعده للمؤمنين في الجنات من الخير والكوثر والعطاء عظيم عظيم جداً، فلا تتعلق بالدنيا. لكن هنا الكلام كان موجه للنبي صلى الله عليه وسلم بالدرجة الأولى، فقال سبحانه: يَا مُحَمَّدُ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ. نعم، الكلام بالدرجة الأولى موجه للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا أعطيناك خيراً عظيماً ينتظرك في الدار الآخرة، فلا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا. ألق هذه الدنيا من قلبك، ازهد بما عند الناس، كن مهتماً بالفقراء والمساكين، لا تحبس شيئاً من المال عندك؛ فما عند الله سبحانه وتعالى وما أعده الله لك هو خير عظيم أكبر لا يقارن أصلاً بما هو في الحياة الدنيا، مما عند أصحاب الأموال بما اكتنزوا.
وهذا الكلام ليس فقط للنبي صلى الله عليه وسلم في الحقيقة، وإنما هو كلام لكل داعية مصلح، ألا يكون حريصاً على جمع الدنيا بالدين، وإنما يكون يده سخية يعطي وينفق ويبذل المال في وجوه الخير وفي سبيل الله سبحانه وتعالى، ولا يخشى من ذي العرش إقلالاً، وليكن على علم بأن الكوثر بمعنى الخير العظيم عند الله سبحانه وتعالى، وأن الدار الآخرة خير من الأولى: وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى.
لما هكذا انتهت الدروس الأساسية نقول في القرآن الكريم، ولما انتهى ذكر الفريقين المتردد ذكرهما في الكتاب العزيز من أوله، من سورة الفاتحة إلى هذه السورة، إلى سورة الكوثر؛ فانت من سورة الفاتحة إلى نهاية سورة الكوثر، والله سبحانه وتعالى يبين انقسام الناس إلى أهل سعادة كتب الله عز وجل لهم الخير، وإلى أهل شقاء كتبت لهم التعاسة. اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ أهل السعادة، غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ أهل الشقاء.
والقرآن من أوله إلى آخره، وهو يبين حال من هم أهل السعاده وما صفاتهم وما خصالهم وكيف يكون اللحوق بركبهم، ومن هم أهل الشقاء وما خصالهم وما صفاتهم وكيف يتبرا الانسان من أفعالهم وكيف هي نهايتهم. فالقرآن هو كما قلت لكم في أول مجلس، هو كل ما جاء في القرآن هو تفصيل لما أُجْمِل في سورة الفاتحة، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. ما هي صراط الذين أنعمت عليهم؟ ما هي مقوماتها؟ ما هي سبل الوصول إليها؟ ما الثمره التي يرجى منها في الدنيا وفي الآخرة؟ ومن هي وما هي صراط المغضوب عليهم والضالين وما خصالهم وكيف يتجنبها الإنسان؟ وما هي الامور التي ينتظر في نهاية ماليها في الدنيا وفي الآخرة؟ الدنيا بالعذاب، وفي الآخرة عذاب اخروي، دعونا نقول باختصار.
ثم تأتي سورة الكافرون، كأنها أن تختم النهاية في هذا الموضوع وتقول: يا محمد صلى الله عليه وسلم بعد كل هذا البيان والتفصيل لأحوال الفريقين، أعلنها مدوية في هذا الكون: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ. درس المفاصلة التامة، خلاص، بعد أن تم تبيين كل شيء وبيان السبيلين وفصلهم الله سبحانه وتعالى أبدع وأجمل تفصيل من خلال أمثال وقصص وحكايات وأوامر ومواعظ وزواجر وقوارع، بعد كل ما سبق أعلنها مدوية: لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم لكم دينكم ولي دين.
درس المفاصلة؛ لا تمييع، أي لا إضاعة لثوابت الملة، الوضوح التام، المكاشفة، المصارحه، لا يمكن أن نتنازل عن ثوابتنا عن عقائدنا. أوضحنا لكم السبيل، أقمنا عليكم الحجج، أطيناكم البراهين، فصلنا لكم أحوال الفرق، الآن جاء وقت المفاصلة: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وتختم السورة: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ. نعم، بلغ النبي صلى الله عليه وسلم وأعطاها مدوية في هذا الكون لا إله إلا الله، بين وأوصل هذا الدين كما أراده الله سبحانه وتعالى منه، وتركنا عن المحجة البيضاء ليلها كنهارها.
ثم الآن جاءت اللحظات الأخيرة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، بعد كل هذا البلاغ، فتاتي سورة النصر تشير إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنك بعد أن تبرأت من الكافرين وأعلنت المفاصلة، ها هو الله سبحانه وتعالى ينصرك ويفتح عليك فتحاً مبيناً، فتح مكة. إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، حينئذ يا محمد صلى الله عليه وسلم قد اقتربت نهاية قصتك موجوداً في الحياة الدنيا، والله سبحانه وتعالى يريد أن يصطفيك لجواره، فاختم حياتك بالاستغفار: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا.
ثم يأتي درس قصة أبي لهب ليخبر أن كل من عاند النبي صلى الله عليه وسلم وكل من حارب هذه الدعوة وكل من وقف في وجهها، حتى ولو كان من أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الله سينزل به سخطه وعقابه. هذا درس قصة أبي لهب: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، هو درس أن كل من عاند وحارب وصد عن سبيل هذه الدعوة ووقف في وجهها ولو كان يتصل بالنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان من أقاربه ومن ذريته، كل من حارب هذا الدين سينزل به الغضب، لا مجاملة على ثوابت الملة. الله سبحانه وتعالى حافظ دينه، الله سبحانه وتعالى متول أوليائه، وهذه نهاية كل محارب معاند مؤذ لله ورسوله: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ، سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ، وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ، فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ.
ثم تأتي سورة الإخلاص، كأنها بداية الختام للموضوع الجميل الذي ابتدأته سورة الفاتحة. الآن يختم في سورة الإخلاص ليعلم الجميع، ليعلم كل المخلوقات من الجن والانس والجمادات ومن في البحر ومن في البرية ومن في الكون ومن في كل العوالم، اعلموا جميعاً: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، لا أحد معه مسيطر، لا أحد معه حاكم، لا رب سواه، لا معبود يستحق العبادة إلا هو. قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، انفرد بالأحد والصمد: وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ، لا مثيل ولا نظير ولا شبيه: وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ.
فطوبى لمن استوضح أي هذا الكتاب العظيم وأتى الأمر من بابه، ففهم هذه الوحدانية، هذا هو الصراط المستقيم. الصراط المستقيم هو أن تؤمن أن الله هو الأحد، أن الله هو الصمد، وأن الله ليس له كفواً أحد؛ فتعمل من أجل الله وتسعى وتكدح في هذه الحياة الدنيا لرضاه عز وجل. ثم بعد ذلك انتهى هذا الكتاب.
فيقول: ولما كمل مقصود الكتاب واتضح عظيم رحمة الله بعباده لما أنزل عليهم هذا الكتاب العظيم ليتدبروا به وليعرفوا به الطريق إلى الله سبحانه وتعالى، اكتمل المقصود. كان اكتمال هذا المقصود بهذا الإعجاز، بهذا البهاء، بهذا الرونق، بهذا الجمال، كان مظنة وقوع الحسد. يقول ابن الزبير: أن يحسد الناس واليهود خصوصاً، فهم أهل الحسد، المسلمين والنبي صلى الله عليه وسلم على هذه النعمة العظيمة، نعمة انزال الكتاب على هذا الرسول العربي الأمي. فالله سبحانه وتعالى أمر نبيه بالاستعاذة به والالتجاء إليه.
وفعلا، فإن اليهود سحروا النبي صلى الله عليه وسلم كما فعل المشؤوم لبيد بن الأعصم، وكانوا يحسدونه على هذه النعمة العظيمة، ويحسدون أمة العرب أن بعث الله عز وجل فيهم هذا النبي العربي وأنزل عليه هذا الكتاب المبين. فكان من المناسب للختام أن يأمرنا الله سبحانه وتعالى بالاستعاذة من شر الحاسدين ومن شر الأنفس النفاثات في العقد الساحرة، من شر كل مخلوق على هذه الأرض يبث شره.
فجاءت سور الاستعاذة تخبر الإنسان بأهمية الالتجاء والاعتصام إلى الله سبحانه وتعالى في أمور الحياة. لكن سورة الفلق ركزت على الاستعاذة من الشر الظاهر، وسورة الناس ركزت على الاستعاذة من الشر الباطن. لذلك لو لاحظت سورة الفلق: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، مِن شَرِّ مَا خَلَقَ، وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ إذا ادلهم سواده، وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ -وابن القيم يقول: المراد بالنفاثات أي الأنفس النفاثات في العقد- وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ. فامر الله بالاستعاذة من الشرور الظاهرة التي المراد بالظاهرة التي مصدرها من خارج الإنسان، هذا أقصد بالشرور الظاهرة التي مصدرها من خارج الإنسان.
ثم تأتي سورة الناس، الاستعاذة من الشر الباطن الذي مصدره من داخلك، الوساوس والخطرات: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، مَلِكِ النَّاسِ، إِلَهِ النَّاسِ، مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ. لاحظوا الشر الذي يأتي من داخلك: الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ، مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ؛ لأن الذين يوسوسون في صدور الناس شياطين الجن وشياطين الإنس: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيِّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ. فالشياطين نعم وإن كان الأصل فيها أنها جنية، لكن هناك شياطين أيضاً من الإنس كرفقاء السوء.
فلاحظوا سورة الفلق ركزت على الاستعاذة من الشر الذي مصدره خارج الإنسان، وسورة الناس استعاذت من الشر الذي مصدره من داخل الإنسان، في الجمله الوساوس والخطرات. فبهذا الالتجاء وبهذا الاعتصام يكتمل عقد هذا الكتاب العظيم. كتاب مميز في الحقيقة، فوائده جمة، طبعاً ما من كتاب بشري إلا عليه ملاحظات لا يخلو منها، لكن الطريقة التي سردنا فيها هذا الكتاب ومررنا على القرآن من سورة الفاتحة إلى سورة الناس، حاولنا أن نختصر الحكاية برؤوس أقلام، لكن ما بعد هذا الاختصار عليكم أن ترجوا رويداً رويداً.
في هذا الكتاب لتقف على الأسرار العظيمة، نحن فقط وضعنا القواعد العامة، وضع يعني طلقنا الأبواب، والآن المرحلة القادمة مرحله فتح هذه الأبواب للولوج إلى أسرار أجمل وأعظم واحلى أي من خلال التدبر مع كل آية آية وفي أجواء كل سورة سورة.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا رب العالمين، وأعنا على الاستمرار في درب العلم والتعلم، والوقوف على كنوز كلامك، إنك ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل