تسجيل الدخول

البرهان في تناسب سور القرآن "للغرناطي" | المجلس الثالث

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. هذا مجلس جديد من تعليقنا على كتاب البرهان في مناسب سور القرآن للإمام ابن زبير الغرناطي رحمه الله تعالى عليه، وقد وصل بنا الحديث إلى سورة الأنعام، فيا ترى ما وجه مناسبة سورة الأنعام للسور التي سبقتها؟ تكلم ابن الزبير الغرناطي رحمه الله تعالى عليه بكلام طويل في سورة الأنعام في الحقيقة، وسأعى لاختصار ما يريد أن يدندن حوله.

يرى ابن الزبير الغرناطي رحمه الله تعالى عليه أن مطلع سورة الأنعام جاء ليعالج ويتحدث عن نوع ممن انحرف عن الصراط المستقيم، لكن هذا النوع ليسوا من اليهود والنصارى، وليسوا من أصحاب الكتب السماوية، وإنما هم أقوام قالوا بربوبية النور والظلمة، ومنهم من ذهب إلى ربوبية الأجرام السماوية كالشمس والقمر والنجوم وغيرها من الكواكب. وهذه العقيدة، وهي عقيدة الربوبية للنور والظلمة والربوبية للأجرام السماوية، كانت منتشرة في الصابئة وكثير من طوائف المجوس، فكان هناك طائفة من المجوس يقولون إن هذا العالم له ربان: رب النور ورب الظلمة، والنور والظلمة هي التي تتحكم في هذا العالم، وإن كان إله النور ورب النور أقوى من رب الظلمة، إلى غير ذلك من العقائد الفاسدة التي كانت منتشرة في بعض الأمم. وكذلك الصابئة انتشر فيهم عبادة الأجرام السماوية بالشمس والقمر والكواكب والنجوم إلى غير ذلك، فهنا لما بين الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة وفي سورة آل عمران وفي سورة المائدة حال الذين خرجوا عن الصراط المستقيم من اليهود والنصارى ومن تبعهم مشركي العرب، هنا في سورة الأنعام جاء ليتحدث عن طائفة أخرى وعن نوع ممن انحرف عن الصراط المستقيم، ولم يكونوا من أصحاب الكتب السماوية، وإنما كانوا يُعمِلون عقولهم وأنظارهم في هذا الكون، ولكنهم لم يهتدوا إلى الله سبحانه وتعالى، فوقف بهم الهوى والضلال إلى أن ألهوا وعبدوا وحكموا بربوبية ما لا يستحق أن يكون رباً.

فلو أنهم أحسنوا النظر واتبعوا الدليل الحق وتأملوا في معالم هذا الكون حق التأمل، لأبصروا من خلال هذا النظر ومن خلال هذا التدبر أن هذا الكون لا يمكن أن يكون إلهه هو النور والظلمة، لا يمكن أن يكون إلهه شمس أو قمر أو نجوم أو كواكب. ولذلك جاء في مطلع هذه السورة قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ. جعل هنا بمعنى خلق أيضاً، فجعل تأتي بعدة معاني ومن معانيها خلق، وإنما تأتي جعل بمعنى خلق إذا أخذت مفعولاً به واحداً، فكان الله سبحانه وتعالى يريد أن يعلم في بداية سورة الأنعام أنه هو الذي خلق السماوات والأرض، والسماوات والأرض هي أصلاً موطن الأجرام السماوية التي ينبعث منها النور، فالله سبحانه وتعالى هو خالق النور والظلام وهو خالق الأماكن التي ينبعث منها النور والظلام، وهي السماوات والأرض. يقول ابن الزبير: فبدأ تعالى بذكر خلق السماوات والأرض التي عنها وجد النور والظلمة، فالنور والظلمة إنما وجد وانبثق من السماوات والأرض، فيقول: إذ الظلمة إنما هي ظلال الأجرام السماوية، والنور إنما ينبعث عن بعض هذه الأجرام النيرة وهي الشمس والقمر والنجوم. فكان الكلام في قوة: أي كان الله يريد أن يقول الحمد لله الذي أوضح الأمر لمن اعتبر واستبصر، فعلم أن وجود النور والظلمة متوقف بحكم السببية التي شاءها الله تعالى على وجود أجرام السماوات والأرض وما أودع فيها، فالنور والظلمة إنما هي مسببات ناتجة عن أسباب وهي الأجرام السماوية، وهذه الأجرام السماوية إنما هي موجودة في السماوات والأرض، والذي خلق السماوات والأرض باسرها هو الله سبحانه وتعالى.

فمطلوب في بيان هذه العقيدة الحقة عقيدة التوحيد لله والرد على من قال بربوبية النور والظلمة والأجرام السماوية التي كان كما قلنا هذا منتشرا في بعض الطوائف والأمم. وأنت إذا نظرت واعتبرت لكلام ابن الزبير تجده موفقاً في هذه الملاحظة لو أننا أتينا إلى منتصف السورة ووجدنا قصة إراهيم عليه السلام، ففي منتصف سورة الأنعام نجد إبراهيم عليه السلام ناقش مناقشة مطولة مع الصابئة الذين كانوا في حران والذين كانوا يقولون بربوبية الأجرام السماوية، فإبراهيم عليه السلام ناقشهم المناقشة المشهورة، فنظر إلى كوكب فقال: هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ، أي لما غاب وذهب، ثم رأى القمر فقال: هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، ثم نظر إلى الشمس فقال: هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ، هذه أكبر الأجرام إذاً لعلها هي التي تستحق الربوبية، فلما أفلت أدرك أنه لا يمكن أن تكون هذه الأجرام التي لا تستطيع الثبات والتي تأفل وتغيب عن المشهد لا يمكن أن تستحق الربوبية. وهذا كله والله تعالى أعلم، وهذا الذي قرره ابن الزبير وطائفة من المفسرين إنما كان من إبراهيم عليه السلام على سبيل التنزل ولم يعتقد أن هذه الأجرام -عفوًا- أن هذه الأجرام هي آلهة أو أرباب كما ذكر بعض المفسرين، وأن هذا كان قبل أن يهديه الله حاشاه، وإنما إبراهيم عليه السلام إنما قال هذا ربي من باب التنزل ليقيم الحجة على هؤلاء وليبين أن هذه الأجرام وأن هذا النور والظلام لا يمكن ولا يصلح أن يكون رباً حاكماً خالقاً مدبراً لهذا الكون، لأنه لا توجد فيه عناصر القدرة والإحاطة والثبات والديمومة.

ثم سبحانه وتعالى قسم خلقه، أي بالنسبة لاستجابتهم لداعي الهدى، إلى ثلاثة أقسام: قسم الله سبحانه وتعالى وفقهم لاستجابة داعي الهدى ابتداء، قسم وفقهم الله سبحانه وتعالى للاستجابة إلى الهدى ابتداء ولم تكن منهم سابقة كفر، وقسم قدر لهم أن يعيشوا موتى موتى القلوب لفترة من الزمان ثم بعث الله عز وجل فيهم الحياة الحقيقية حياة الروح لما أبصروا نور الهدايه، وقسم ثالث بقي ميتاً ميت القلب بعيداً عن نور الهداية واللجوء إلى الله سبحانه وتعالى والتبصر بدلائل القرآن. فابن الزبير إذا قرأتم تلاحظون أنه ركز على هذا المفهوم، وهي أن سورة الأنعام في موطنين: الموطن الأول في الصفحة الخامسة يقول سبحانه وتعالى: إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمعُونَ وَالْمَوْتَى يبعثهم الله، فيقول ابن الزبير رحمه الله عليه إن هذه الآية تبين أن هناك صنفين ممن يتبصر بهداي القرآن والدلائل القرآنية والدلائل الكونية: صنف رزقه الله سبحانه وتعالى التبصر والهداية ابتداء، وهم الذين قصددهم الله في قوله: إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ. طبعا السماع هنا ليس المراد دخول الصوت إلى الأذن، إنما المراد بالسماع القبول والانقياد، المراد بالسماع هنا السماع النافع، وهو سماع القبول والانقياد، فكان الآية تقول: إنما يستجيب لهذه الدلائل وينتفع بها الذين يقبلونها ويتفهمون ويعتقدون عن الله ابتداء. والموتى يبعثهم الله، القسم الثاني هم قسم ابتداء لم يلتفتوا إلى هذه الدلائل، كانوا موتى القلوب، ما عندهم حياة حقيقية في نفوسهم، لكن الله سبحانه وتعالى يبعث فيهم هذه الحياة ويرزقهم التغير والتبدل من الشرك إلى الإيمان ومن الضلال إلى الهدى، وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ فيرفع عنهم الجهل وتقوم في قلوبهم دلائل العلم فيبصر الطريق إلى الله.

وأما القسم الثالث، وأما القسم الثالث فلم يذكرهم الله سبحانه وتعالى في هذا الموطن وهم الموتى الذين لا يبعث الله عز وجل فيهم الروح، وإنما يبقون موتى في هذه الحياة الدنيا ويلقون الله سبحانه وتعالى وهم موتى القلوب. لماذا لم يذكرهم الله في هذه الآية؟ يقول ابن الزبير: وكان هذا الضرب أي الثالث لو ذكر هنا لكان فيه ما يكسل من ضعفت همته وجفت حاله ابتدائه. فكانه يقول: الله عز وجل لم يذكر القسم الثالث وهم الموتى الذين يعيشون موتى ويموتون موتى حتى لا ينتبهوا إلى شأنهم ولا ينظر في حالهم، ليبقى الإنسان منشغلاً بأن يكون إما من أصحاب الفريق الأول أو على الأقل من أصحاب الفريق الثاني. لكن متى ذكر الله عز وجل الصنف الثالث وهم الموتى الذين يعيشون موتى ويحيون موتى؟ في قبيل نهاية السورة خلينا نقول أو يعني في النصف الثاني من السورة وهذا أدق، لما قال سبحانه وتعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا، هذا الذي في الظلمات ليس بخارج منها هم موتى القلوب الذين يعيشون في هذه الحياة الدنيا مع ملذاتهم مع شهواتهم ولا يلتفتون إلى دلائل الهداية ولا يتبصرون بها. فإذاً سورة الأنعام تبين أن استجابة الناس للدلائل والارشادات الإلهية: منهم من يستجيب لها ابتداء من دون توقف ولا تعنت ولا فترة موات، ومنهم من يكون ميتاً فترة من الزمان ثم يكتب الله له الهداية، ومنهم من يبقى في الظلمات ليس بخارج منها.

تماماً، والموضوع الثالث الذي تطرقت إليه سورة الأنعام أيضاً تطرقت إلى بيان أن الله سبحانه وتعالى أودع في هذا الكون وفي هذا العالم من الدلائل التي تدل على ربوبيته، لذلك أنت إذا نظرت في سورة الأنعام في العديد من المواطن وفي الصفحات المتفرقة من بدايتها إلى نهايتها، ذكر الله سبحانه وتعالى مجموعة من الظواهر الكونية التي تدل على ربوبيته، فقال سبحانه وتعالى في بدايتها: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ، هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ. وذكر مثلاً في منتصفها: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ، وتكمل الآيات، ثم يذكر في موطن آخر أن الله فالق الحب والنوى، يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي، ثم يعدد في صفحتين ثلاث مجموعة من المظاهر الكونية التي نراها ونشاهدها والتي تدل على وجود الخالق سبحانه وتعالى المتفرد بالوحدانية والربوبية لهذا الكون.

فسورة الأنعام أشارت إلى دلائل الربوبية التي نلاحظها ونشهدها في هذا العالم، ودلت وأخبرت أيضاً أنه مع وجود هذه الدلائل في هذا الكون على وجود هذا الرب، فإن الله سبحانه وتعالى أرسل الرسل رحمة منه حتى لا يعذب أحداً فيقول: يا رب لم ترسل لي رسولاً؟ دلائل الكون هي بحد ذاتها تقودك إلى الله وتعرفك به، لكن سبحانه من رحمته بخلقه أن أرسل لهم رسلاً، ومن رحمته بخلقه أن جعل على نفسه ألا يعذب أحداً وألا يعذب أمة حتى يبعث إليهم رسولاً، فقال سبحانه: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا. وهذا من رحمات الله سبحانه وتعالى، وإلا فدلائل الكون تدل على وحدانية الله وربوبيته، لكن من أشرك أو لم يهتدي إلى الله سبحانه وتعالى من الدلائل الكونية، فالله سبحانه وتعالى أعقبه واتبعه بعد ذلك بدلائل الرسل، وحكم أنه لن يعذب أحداً حتى تقوم عليه حجة الرسل من باب رفع يعني العذر وقطعه تماماً، لذلك قال في ختام سورة الأنعام: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ. الله أقام الحجة البالغة على عبيده بالآيات الكونية وبالرسل الذين أرسلهم بعد ذلك لتعزيز هذه الآيات الكونية.

فبالتالي من أعرض عن هذه الآيات وصدف عنها كما ذكر في ختام سورة الأنعام هو الملوم، من أعرض عن آيات الله الكونية وآيات الرسل وصدف عنها وكذب بها، هَلْ يَنْظُرُونَ -كما قالت سبحانه في الصفحة الأخيرة من سورة الأنعام- هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ؟ يعني بعض الناس كل هذه الآيات وكل هذه الدلائل الكونية والمصورة ما أنجحت معه، فهل ينتظر هؤلاء أن تاتيهم الملائكة لتحدثهم في الطرقات أو ياتيهم الله سبحانه وتعالى بنفسه ليدعوهم إلى وحدانيته؟ آه، إذا كان الإنسان أحبابي الكرام لا ينتفع بكل الدلائل وبكل القوارع وبكل الإرشادات وبكل التنبيهات، فهذا إنسان ختم على قلبه والعياذ بالله، فليكن بعلمه أنه لن يأتيه الله سبحانه وتعالى ولن تأتيه الملائكة تتنزل عليه لترشده إلى الله، لأنه قد قامت له الدلائل الساطعة الواضحة التي تكفي لمن أراد أن يستبصر ويعتقد.

ولذلك ختمت سورة الأنعام بقوله صلى الله عليه وسلم، يعني الله سبحانه وتعالى يقول على لسان نبيه يا محمد قل لهم: قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. قُلْ يَا مُحَمَّدُ: إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ. قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا؟ هل هناك رب متحكم في هذا الكون سواه سبحانه وتعالى وهو رب كل شيء؟ ثم ختمت هذه السورة ببيان أن الله سريع العقاب وأنه في المقابل أيضاً غفور رحيم لمن سلك طريق الهداية. هكذا يعني مررت على أهم الأفكار أقول التي ذكرها ابن الزبير الغرناطي رحمه الله عليه. ننتقل إلى السورة التي تليه وهي سورة الأعراف، فإنتم تلاحظون لما هو شرع في سورة...

الأعراف عاد ليتكلم عن مسألة في سورة الأنعام، الله سبحانه وتعالى في سورة الأنعام ذكر قضية إرسال الرسل، ذكر الله عز وجل قضية إرسال الرسل إلى الأقوام السابقين، وكيف أن الأقوام السابقين كذبوا رسلهم. وهذا كله المقصد منه كان ابتداء تسلية النبي صلى الله عليه وسلم، فمثلاً يقول عز وجل: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ، هذه آية 10 في سورة الأنعام.

ويقول أيضاً: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ، ويقول في آية 34 من سورة الأنعام: وَلَقَد كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ، ويقول في آية 42 من سورة الأنعام: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَضَّرَّاءِ، ويقول في آية 130 من سورة الأنعام: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي.

فيقول ابن الزبير: وقعت الإحالة في هذه الآية على الاعتبار بالأمم السالفة، وما كان منهم حين كذبوا أنبياءهم، وهلاك تلك القرون بتكذيبهم وعتوهم، وهذا كله تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم بجريان ما جرى له لمن تقدمه من الرسل. لذلك الله سبحانه وتعالى ماذا قال في سورة الأنعام في آية 33: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ، فاستدعت الإحالة والتسلية بسط أخبار الأمم السالفة، وهلاك تلك القرون الماضية، والإعلام بصبر الرسل والتلطف في دعائه.

ماذا يريد أن يقول ابن الزبير هنا وهو يتحدث عن سورة الأعراف؟ يريد أن يقول عن وجه مناسبة سورة الأعراف لسورة الأنعام، وأن الله سبحانه وتعالى في سورة الأنعام في العديد من المواطن بين أنه أرسل رسلاً للأمم السابقة، وأن هذه وأن أقوام وأن أقوام هؤلاء الرسل أكثرهم وأغلبهم كذبوا أنبياءهم وأعرضوا.

وكانت النتيجة أن أهلك الله عز وجل هؤلاء الاقوام، ونزل بهم السخط والغضب، لكن سورة الأنعام لم تتكلم عن تفصيل هؤلاء الاقوام في الحقيقة، سورة الأنعام لم تتكلم عن تفصيل هؤلاء الاقوام، وإنما تكلمت عن قاعدة عامة وهي أن الله كان يرصد الرسل فتأتي الاقوام فتكذب رسلهم فيهلك الله سبحانه وتعالى هؤلاء الاقوام. هذا كله تسلية وتثبيت النبي صلى الله عليه وسلم، ليخبره أن ما يجري لك يا محمد صلى الله عليه وسلم من كفار قريش قد جرى للأنبياء السابقين، فعليك أن تصبر كما صبروا، وإياك أن تظن أنك فريد في هذا الباب.

ثم جاءت سورة الأعراف كأنها جاءت لتفصل قصص الأمم السابقة، جاءت لتفصل قصص الأمم السابقة يعني سورة الأنعام الله عز وجل تكلم بشكل مجمل أنه أرسل رسلاً فكذب هؤلاء الرسل، وصبر هؤلاء الأنبياء، فكانت النتيجة أن أهلك الله المكذبين، الآن جاءت سورة الأعراف بالقصص لتفصل حال هؤلاء الرسل.

فتكلمت سورة الأعراف عن قصة نوح، عفواً قبل قصة نوح تكلمت عن قصة آدم عليه السلام، وكيف كانت قصته مع إبليس، وكيف استزل إبليس وأخرجه من الجنة، وهذه أول قصة انحراف في تاريخ البشرية، انحراف إبليس عن طاعة الله سبحانه وتعالى، وكيف تسبب في عصيان آدم ونزول آدم من الجنة. وحذر الله عز وجل بالتالي البشرية جمعاء من إبليس ومن خطره ومن جنوده، ثم بعد ذلك تتابعت القصص فذكر الله سبحانه وتعالى قصة نوح، وقصة هود، وقصة صالح، وقصة شعيب، ثم ذكر قصة موسى مع فرعون بالتفاصيل وما وقع للسحرة، إلى أن ذكر الله عز وجل طرفاً من قصة بني إسرائيل.

وهذا كله بيان لحال الأمم السابقة مع أنبيائهم، وكيف كان يحل بهم يعني في كل قصة من هذه القصص تجد الله سبحانه وتعالى يخبر ما الذي حل بقوم نوح لما عصوا، ما الذي حل بقوم هود، ما الذي حل بقوم صالح، ما الذي حل بفرعون وجنده، ما الذي حل ببني إسرائيل لما عصوا أمر الله سبحانه وتعالى. فهذا كله إذاً تفصيل لما أجمل في سورة الأنعام، في أن الله سبحانه وتعالى نعم يبتلي الرسل بأقوام، ثم عندما هؤلاء الاقوام يتجاوزون الخطوط الحمر ولا ينصاعون كيف ينزل الغضب، فاستبشروا أيها المشركون واعرفوا وانتبهوا حتى لا يصيبكم ما أصابهم، ويا محمد صلى الله عليه وسلم ويا اتباع محمد الصبر الصبر والثبات الثبات، فسنة الابتلاء وسنة المدافعه بين الحق والباطل سنة تدوم إلى قيام الساعة.

تمام، ثم بعد ذلك أتت سورة الأنفال. يقول الشيخ ابن الزبير في طليعة سورة الأنفال: لما قص الله سبحانه على نبيه عليه الصلاة والسلام في سورة الأعراف أخبار الأمم السابقة، وقطع المؤمنين من مجموع ذلك بأن لا يكون الهدى إلا بسابقه السعادة.

والذي يظهر أنها وقطع المؤمنون إلا إذا جعل مصدراً، وقطع المؤمنين تصلح من مجموع ذلك ولعل هذا هو المقصود، يعني يصعب أن يكون هناك لحن، والأظهر أنها وقطع المؤمنين من مجموع ذلك بأنه لا يكون الهدى إلا بسابقه السعادة، لافتتاح السوره أي من ذكر الأشقياء بقصه إبليس اللي هي سوره الاعراف وختمها بقصة بلعام بن باعوراء، وكلاهما كفر على علم ولم ينفعه. المهم أشار سبحانه وتعالى إلى أن اتباع الهوى هو أصل كل ضلال، يعني هو يريد أن يقول الآن من سورة البقرة إلى سورة الأعراف، هذه الجولة التي ذهبنا فيها إلى بيان الذين تنكبوا وخرجوا عن الصراط المستقيم، وتفاصيل المشاهد في حياتهم سواء من اليهود، من النصارى، من الصابئة والمجوس الذين عبدوا الكواكب، من المنافقين، كل الذين عصوا الله سبحانه وتعالى وخرجوا عن سبيل الاستقامة من الأمم السابقة، ما أصل إشكالهم؟ لو تتبعت سورة الأعراف وما قبلها تجد أن أصل الإشكالية كان هو اتباع الهوى، إنما كان هو اتباع الهوى.

فجاءت سورة الأنفال في مطلعها في الحقيقة تمنع المؤمنين من اتباع أهوائهم، وتحسم هذه المادة تماماً. لذلك يقولون سورة الأنفال جاءت لتحسم مادة الهوى ابتداءً عن الصحابة الكرام، هذه المادة هذا الهوى الذي كان سبباً في شقاء الأمم السابقة الله سبحانه وتعالى يريد أن يحمي وأن يقي أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم منه، فلذلك جاءت سورة الأنفال في مطلعها: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ، يعني لا تتدخلوا في موضوع الغنائم هي لله ورسول.

الآن قصة الأنفال هي قصة الخلاف الذي وقع بين الصحابه في غنائم غزوة بدر، لما بعض الصحابة الشباب الذين قاتلوا قالوا الغنائم لنا نحن من قاتلنا، فجاء الشيوخ وقالوا لا أيضاً نحن لنا حق فيها، فنحن كنا رداً لكم فلو أن هزمتم لفئتم. هنا وقع خلاف بين الصحابة، فالله سبحانه وتعالى قدر بحكمته أن تكون غزوة بدر على ما فيها من الانتصار الرهيب والفرقان بين الحق والباطل، أيضاً فيها درس كبير للصحابة بأن يحسموا مادة الهوى ويقطعوها في حياتهم، وأن يكون تسليمهم لله ورسول.

فلذلك بدأت سورة الأنفال بهذه البدايه: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ، يعني لا تتدخلوا في هذه التفاصيل سلموا أمركم لله، والله سبحانه وتعالى سيعدل بينكم لا تخوضوا بأهوائكم، لا تستعلوا على أحكام الله ولا على مقام النبي صلى الله عليه وسلم هو موجود بينكم يدلكم ويرشدكم ويفصل بينكم. فكان هذه يعني أنت قد تقول طيب يعني هل موضوع الغنائم يصل في الخوف منه وفي مرتبته موضوع الأمم السابقة الذين أشركوا وكفروا بالله؟

أحبابي الانحراف يبدأ بنقطة، وكأن هذه الصورة تبين أنه لو ترك الهوى لو ترك الهوى للصحابة في مسائل صغيرة مثل مسألة الأنفال والغنائم لو تركوا مع أهوائهم ولم يربوا من الله عز وجل هذه التربية، لكان هذا الهوى يكبر ويكبر ويكبر إلى أن يصل بالإنسان العياذ بالله إلى أن يخرج من دائرة الإيمان، لأن الهوى يبدأ معك صغيراً في مسائل بسيطة في الحياة فانت لا تلتفت إليه، وتظن أنك يعني لا يمكن أن يتدرج معك هذا الهوى إلى امور أعظم، لكن فعلاً الهوى إخواني ياتي رويداً رويداً على النفس، فياتيك في الأمور الصغیره التي لا تلتفت إليها في امور الحياة البسيطة في علاقتك مع إخوانك، مع أمك، مع أهلك، في بعض العبادات، في بعض المحرمات، في بعض الأشياء تدخل الهوى عليك في بعض الاختيارات.

ثم إذا لم تقاوم هذا الهوى يبدأ الهوى يكبر، وإذا كبر الهوى تصبح مقاومته أصعب وأصعب، فالله سبحانه وتعالى يعني لما قص على الصحابة الكرام من سورة البقرة إلى سورة الأنفال إلى الأعراف قصص الأمم السابقة، وأحوال الذين خرجوا عن طاعة الله بالتفاصيل وبالقصص وبالأحوال وبالأخبار، لاحظوا المشاهد التي مررنا عليها سابقاً، وبين سبحانه أن أصل كل هذه الانحرافات إنما هو عدم تلقي الهداية من كتاب الله سبحانه وتعالى، ومن كتب الله عموماً، والاعراض عن نور الله عز وجل والاعتماد على الهوى ورغبات النفوس.

الله سبحانه أراد أن يربي الصحابه في هذه السورة فأخبرهم أن يسلموا لله ورسوله، وهذا الموضوع وإن كان صغيراً يتعلق بالغنائم، لكن من الآن يجب أن تتعلموا أن تتحكموا بأهوائكم، لأن السير إلى الله يحتاج إلى ربط للنفوس ولا يعطى للنفوس المجال حتى تتفلت وتبدي رغباتها والتي تكون مجاوزه لحدود الله سبحانه وتعالى.

فجاءت سورة الأنفال من مطلعها إلى ختامها وهي تربي الصحابه على هذا المفهوم، وتعالج هذه القضية في نفوسهم. خمس صفحات من بداية سورة الأنفال إلى الصفحة الخامسة، والله سبحانه وتعالى يعالج هذه القضية في نفوس الصحابة أنه موضوع الغنائم هذا الامر أمر سهل إياكم أن يكون سبباً في وقوع النزاع بينكم، إياكم أن تجعلوا الهوى يدخل بينكم في هذه المسائل، لأنكم إذا تربيتم على الهوى ورغبة الدنيا وملذاتها، فإن هذا الهوى سيكبر ويكون حالكم حال الأمم السابقة الذين قصصهم لكم في سورة البقرة وآل عمران والمائدة والأنعام والأعراف، هذا يعني شكل من أشكال الارتباط تنبه إليه ابن الزبير رحمه الله تعالى عليه.

لذلك في الصفحة السادسة من سورة الأنفال بدأ الله عز وجل يبين لهم كيف توزع الغنائم في حكم الله، لكن كان الأهم من بيان كيف توزع الغنائم أن ربوا على ترك الهوى. لذلك الله سبحانه وتعالى أخبرهم عن تفاصيل غزوة بدر، لذلك في الصفحة الأولى ايش قال لهم: وَتَوَدّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوكَةِ تَكونُ لَكُم وَيُريدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ. أخبرهم أنكم أصلاً لما خرجتم لغزوة بدر كنتم تريدون قافلة أبي سفيان ولم تكونوا تريدون المعركة، وقد كنتم مستصعبين لها، فمن الذي هداكم إلى هذه المعركة؟ ومن الذي نصركم؟ ومن الذي أرشدكم؟ ومن الذي جعل هذا العز وهذا الفرقان؟ من الذي جعلكم ترمون: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ.

ثم قال: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مَّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسِ، من الذي قواكم؟ ثم قال لهم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ. وفي مطلع السورة يربيهم فيقول: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ.

استشعروا هذه المعية التربوية العالية التي تربى فيها الصحابة على حسم مادة الهوى، على الانصياع لله والرسول، على الاهتمام بالجوانب الإيمانية وعدم الالتفات للدنيا، بعد ذلك يأتي موضوع الغنائم ويحل بسهولة: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إلى آخره.

فموضوع الغنائم يحل، لكن الموضوع الاصعب الذي يصعب حله هو موضوع الهوى إذا زرع في النفوس، إذاً سورة الأنفال جاءت تعالج هذه القضية، ثم تحدثت أيضاً عن الغزو وعن المعارك، وكيف ينبغي أن يكون حال المسلمين في التعامل مع أعدائهم، الصبر والثبات في المعارك، الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً، فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ، وكيف أن المسلمين في بداية الغزو والمعارك يجب أن يكونوا أشدلاء على الكفار وأن يثخنوا فيهم، وما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة.

وبين سبحانه وتعالى أن المؤمنين يجب أن تكون الولاية بينهم والنصره بينهم، وأن المهاجرين والأنصار يجب أن تكون يدهم واحدة، وأن لا يتفرقوا وأن لا يسمحوا للهوى أن ينغرس في نفوسهم حتى لا تذهب ريحهم فيفشلوا ويضعفوا.

بعد كل هذه التربية أيضاً اتصلت بها سورة براءة، فيقول ابن الزبير: واتصال نهاية سورة براءة بالأنفال أوضح من أن يتكلف توجيهه، يعني لا يحتاج إلى تكلف أصلاً حتى نفهم وجه الارتباط بينهم، حتى أن شدة المشابهة والالتئام أوجبت أن لا يفصل بينهما أصلاً ببسم الله الرحمن الرحيم، وأظن أننا ذكرنا أن عثمان رضي الله تعالى عنه كان شاكاً هل هما سورة واحدة التوبة والأنفال أم سورتين لذلك لم يضع البسمله بينهما.

طيب، ما وجه إذاً الارتباط إذا كان بهذه الدرجة من الوضوح؟ يقول: وذلك أن سورة الأنفال قد تضمنت الأمر بالقتال بقتال الكفار وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ، وبينت حكم الفرار من الزحف، وحكم أي النسيبة المطلوب النسبه المطلوب فيها بالثبوت اللي هي مئة صابرة يغلبوا مئتين هذا يقصد كم عدد المسلمين الذين يجب عليهم الثبات أمام عدد الكفار، وما الذي يلحق الإثم للفار، وأنها وحكم الأسرى وحكم ولاية المؤمنين، ومن يدخل تحت هذه الدلالة ومن يخرج عنها.

يعني سورة الأنفال خاصة في القسم الثاني منها تكلمت عن أحكام المعارك وأحكام الثبات فيها والإثم في سبيل الله وأحكام الأسارى وما شابه ذلك، فجاءت سورة براءة تكمل الكلام عن المعارك والغزو وأحكامها، فلذلك بدات سورة براءه: بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ.

فيقول ابن الزبير: ثم ذكر في السورة الأخرى حكم من عهد إليه من المشركين والبراءة منهم إذا لم يوفوا بعهودهم، وحكم من استجار منهم إلى ما يتعلق بهذا، وكله باب واحد. وذكرت أيضا بالتفصيل سورة التوبة -سورة براءة- تسمى السورة الفاضحة؛ لأنها فضحت أحوال المنافقين في المجتمع المسلم، فكان الله سبحانه وتعالى -بعد أن بين للمؤمنين في سورة الأنفال أهمية الاجتماع والتكاتف وأن يطردوا الهوى والشيطان من بينهم وأهمية أن يتربوا على قواعد إيمان- بين لهم كيف النفاق، وكيف يدخل إلى النفوس، وبين لهم أحوال المنافقين الذين يعيشون بين ظهورهم؛ لأن النفاق هو الذي يزرع الهوى، النفاق هو الذي يفرق الصف، النفاق هو الذي يضعف الدولة المسلمة، هو الذي يجلب الهزيمة.

فالله سبحانه وتعالى فصل في سورة التوبة أحوال المنافقين وأشكالهم وتصرفاتهم ليحذر الصحابة من حال هؤلاء، فبعد أن تربوا على الإيمان وعلى القواعد الصحيحة في سورة الأنفال جاءت سورة التوبة لتبين لهم أحوال المنافقين الذين يعشعشون بينهم وعن تصرفاتهم، ليكون الصحابة على حذر منهم وليحذروا من أن يتصفوا بصفاتهم.

ثم بعد ذلك جاءت سورة يونس، يقول ابن الزبير: لما تضمنت سورة براءة -أي قوله تعالى: إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ، وقوله تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ، ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله، لَّقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ- يعني: لما سورة براءة ظهر فيها كيف أن الله سبحانه وتعالى يتلطف في خطاب نبيه ويراف به وأن الله اصطفاه وقربه وخصه، لما ظهرت كل هذه المزايا من محبة الله لنبيه هذا مع ما طوت عليه هي وسورة الأنفال من قهر أعدائه وتأييد الله له ونصره عليهم وظهور دينه وعلو دعوته وعلاء كلمته إلى غير هذا من نعم الله عز وجل على النبي المصطفى، كان ذلك كله مظنة لتعجب المرتاب وتوقف الشاك ومثيرا لتحرك ساكن الحسد من العدو لعظيم ما منحه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم.

فجاء مطلع سورة يونس يقول فيه سبحانه: أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ إلى نهاية الآية الثانية، فقال الذين كفروا: هَٰذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ، وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدْ سِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ، ثم قال تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ. يعني: كأن سورة الأنفال والتوبة لما ظهر فيها احتفاء الله سبحانه وتعالى بالنبي صلى الله عليه وسلم وكيف أن الله عز وجل توعد من يؤذيه في سورة التوبة في العديد من المواطن، وأخبر سبحانه وتعالى: إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إلى غير ذلك من الآيات، هنا اليهود والنصارى والمشركون لما سمعوا هذه الآيات تتلى وكيف أن الله يحتفي بنبيه ويعززه وينصره، كان الحسد بدأ يأتي في قلوبهم فكفروا بهذا النبي.

فيقول الله سبحانه وتعالى لهم في مطلع سورة يونس: أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ۚ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ، ثم قال سبحانه: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ. وهذه (إن ربكم الله) هي إعادة لتقرير ربوبية الله سبحانه، في سورة البقرة في مطلعها يقول سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ، تقرير الربوبية، وفي مطلع سورة يونس يقول سبحانه: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ.

ومن العجيب أن ابن الزبير الغرناطي في الحقيقة إنما أتقن الكلام عن مناسبة سورة يونس لما قبلها ليس في الموطن الذي تحدث فيه عن سورة يونس، بل دعونا ننتقل إلى مطلع سورة هود ستجدون أنه في مطلع سورة هود تحدث عن سورة يونس حقيقة، لذلك ايش يقول في مطلع سورة هود: لما كانت سورة يونس قد تضمنت من آية التنبيه والتحريك للنظر ومن العظات والتخويف والتهديد والترهيب والترغيب وتقريع المشركين والجاحدين والقطع بهم والاعلام بالجريان على حكم السوابق ووجوب التفويض والتسليم ما لم تشتمل على مثله سورة لتكرر هذه الأغراض فيها، وسبب تكرر ذلك فيها والله أعلم أنها جاءت بعد السور السبع الطوال، وقد مر التنبيه على أن سورة الأنعام بها وقع استيفاء بيان حال المتنكب -يعني الخارجين عن الصراط المستقيم- على اختلاف أحوالهم، ثم استوفت سورة الأعراف ما وقعت الإحالة عليه من أحوال الأمم السابقة وبسطت ما أجمل من أمرهم، ثم أتبع ذلك بخطاب المستجيبين للرسول وحذروا وأنذروا في سورة الأنفال والتوبة يقصد، وكشف عن حال من تلبس بهم من عدوهم من المنافقين، وتم المقصود من هذا في سورتي الأنفال وبراءة.

عاد الخطاب إلى طريقة الدعاء والدعوة إلى الله من جديد والتحذير من عذابه بعد بسط ما تقدم، كأنما يريد أن يقول: من سورة البقرة إلى سورة التوبة الله سبحانه وتعالى بين لنا أحوال الذين خرجوا عن الصراط المستقيم بمختلف أطيافهم وأشكالهم تمام، ثم في سورة الأنعام كما هي التي تكلمت عن الصنف الأخير الذين خرجوا عن درب الاستقامة من غير أصحاب الكتب السماوية كالصابئين والمجوس، ثم جاءت سورة الأعراف لتذكر حال الأمم السابقة مع أنبيائهم بالتفصيل وكيف كانت نهايتهم ومآلاتهم، ثم جاءت سورة الأنفال والتوبة لتحذر الصحابة من اتباع الهوى كما اتبعتهم الأمم السابقة، وتدعوهم إلى التحام الصف ووحدة الكلمه والتسليم والتفويض لله وللرسول في الأحكام.

كان هنا التئم النسيج الابتدائي للقرآن الكريم بسورة بالسبع الطوال: البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنعام، الأعراف، الأنفال براءة -هذه السبع الطوال بها التئم النسيج-. طبعا أنت تقول: كيف السبع الطوال؟ طب أقول: البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنعام، الأعراف، والأنفال رقم سبعة وبراءة رقم ثمانية؟ نقول: براءة والأنفال كلاهما تعتبر مع بعضهما شيئا واحدا، هي السورة السابعة وإن كانتا سورتين في الرسم.

المهم هذه السبع الطوال أعطت القواعد الأساسية وبينت الذين خرجوا عن الصراط المستقيم وأحوالهم وقصصهم وكيف كان مآلهم، فجاءت سورة يونس كأنها عادت لتؤسس من جديد الدعوة إلى الله سبحانه، لذلك في مطلعها يخبر الله عز وجل عن بعثه نبيه وانه لا عجب أن يبعث نبيا لهذه البشرية: أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ، ثم قرر ربوبيته: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، ثم حذر وتوعد وهدد وخوف وقرع إلى غير ذلك من الأساليب التي هي مشابهة لما ورد في سورة البقرة عموما في الحقيقة، لكنه أعاد ذكرها في قصة يونس كأنها تأسيس ودعوة جديدة للإيمان بالله سبحانه وتعالى.

لذلك يقول: فتحصل من سورة الأعراف والأنفال وبراءة وسورة يونس تفصيل ما كان أجمل فيما تقدمها، كما حصل مما تقدم تفصيل أحوال السالكين والمتنكبين، فلما تقرر هذا كله أتبع المجموعة بقوله: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ، يعني يريد أن يقول: إذا سورة يونس بعد أن بين الله سبحانه وتعالى فيها دلائل التوحيد أيضا وبين فيها أحوال المكذبين في الجمله وبين فيها أهمية الثبات على دين الله وبين فيه أحوال الأمم يوم القيامة وتطرق قليلا إلى قصه نوح وقصة موسى عليه السلام، وثم ختم بقصة يونس قال سبحانه وتعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ، هذا في خطاب سورة يونس أنه يا أيها الناس: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ، هذا القرآن هذا حق من الله، وَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ.

واتبع يا محمد صلى الله عليه وسلم ويا اتباع محمد: وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ اللَّهُ، يعني بعد كل هذه الرحلة الطويله في معرفة أحوال الأمم كأن الآية تقول لكم يا أيها المؤمنون الموحدون يا اتباع محمد صلى الله عليه وسلم: هذه حال البشرية منذ أبيكم آدم والى اليوم الصراع المستمر بين اتباع الصراط المستقيم وبين الذين خرجوا عن الصراط المستقيم، ها هي اخبار الذين خرجوا عن الصراط المستقيم بين أيديكم هذه مآلاتهم وأحوالهم بين أيديكم، اعتبروا وانظروا فاثبتوا على طريقكم واياكم أن تنجروا إلى طرق الضلال والهوى والعياذ بالله، وجاهدوا هؤلاء الذين خرجوا عن الصراط المستقيم وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله.

فبعد كل هذا البيان تاتي سوره هود لتپول في مطلعها: الَر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ، بعد كل ذاك البيان وذاك التفصيل وذاك نقول التبيين الواضح في السور السابقه السبع الطوال ومع يونس، تاتي سورة هود تقول في مطلعها: السور السابقة والستأتي كله كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير.

ثم تامل تلاؤم صدر هذه السورة لقوله تعالى وقد كان تقدم قوله: قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ، الآن في سورة يونس الله عز وجل في أكثر من موطن يقول: قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ يبين أن القرآن هو سبيل الهدايه، وفي آخر سورة يونس: قُلْ يَا أَيُّهَا في آية 108 عفوا في سورة يونس: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ وفي آيات 108: قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ.

إذا سورة يونس أشارت في أكثر من موطن إلى أن القرآن كتاب حق كتاب هداية كتاب بيان يا أمة الإسلام تمسكوا بكتابكم، فجاءت سورة هود في مطلعها تؤكد هذه الفكرة فذكرته وتحكمها فتقول: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ، ذلك الكتاب الذي هو موعظة من ربك، ذلك الكتاب الذي يقول فيه سبحانه يقول: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ.

هذا الكتاب في سورة هود في نسيجها مع سورة يونس تأتي مطلعها أو ياتي مطلعها: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ، ثم تاتي سورة هود لتفصل أكثر أكثر في موضع الأمم السابقة، ولاحظوا هذا التكرار لقصص الأمم السابقة -يعني سورة هود ذكرت قصة نوح مرة أخرى ولكن بتفاصيل جديدة، ذكرت قصة هود مع عاد، ذكرت قصة صالح مع ثمود، ذكرت قصه إبراهيم وذكرت قصه لوط- طبعا ذكرت قصة إبراهيم جاءت يعني هي تتميم يعني تتميما في الحقيقه أو مطلعا لقصه لوط مع قومه، ذكرت قصة شعيب ثم ختمت بقصه موسى.

يخبر الله سبحانه وتعالى ويؤكد وجوب الاعتبار والانتباه والالتفات لحال الذين خرجوا عن الصراط المستقيم لحال الذين خرجوا على الصراط المستقيم، وهنا ساختم بمقوله جميلة يقول ابن الزبير: إن سورة هود بدأت بها بعد قوله سبحانه وتعالى في مطلع سورة هود: الَر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ، يقول ابن الزبير بعد أن ذكر هذه الآية: اتبع هذا اتبع هذا بالإيماء إلى فصول ثلاثة عليها مدار أي الكتاب.

انتبهوا إلى هذه الفقرة في صفحه 112 يقول في بدايتها ابن الزبير: الله سبحانه وتعالى لما قال في سورة هود: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ، يقول ابن الزبير: ثم اتبع هذا أي بعد هذه الآية جاءت آيات اتبعها الله عز وجل فيها الإيماء والإشارة إلى فصول ثلاث -يعني مواضيع ثلاث- هي مدار أي الكتاب، كل القرآن يدور حول هذه المواضيع الثلاث، ما هي هذه المواضيع ما هي هذه الفصول؟

قال: وهي فصل الألوهية تثبيت ربوبية وألوهية الله عز وجل في هذا الكون، فصل الرسالة وارسال الرسل، فصل التكاليف المطلوبه من البشرية، فالقرآن أنت إذا تتبعتها من أوله إلى آخره إنما هو إثبات للربوبية والألوهية، وموضوعه الثاني هو بيان شأن الرسل والأنبياء عليهم السلام، والمضمون الثالث قواعد التكاليف الشرعية وأصولها، فأمر الله عز وجل في القرآن بالصلاة والزكاة والصيام والحج، وبين الله سبحانه وتعالى أيضا وأمر بالجهاد والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وذكر مجموعة كبيرة من أحكام الرضاع والطلاق والاسرة إلى غير ذلك وأحكام النفقات إلى غير ذلك من الأحكام.

فالقرآن مواضيعه ثلاثة: الألوهية، والرسالة، والتكاليف. فأما الأول فأشار إليه سبحانه وتعالى في قوله بعد الكتاب نحكم الآيات وثم صيرت من لد حكيم خبير قال سبحانه: أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ، هذا اشاره إلى الألوهية، وأما فصل الرسالة فأشار إليه في قول: أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ، وهذا كلام عن الرسالة، وأما فصل التكاليف فأشار إليه في مطلع سورة هود في قوله: وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ، وهذا فيه تكليف استغفار والتوبة وهذا حال المؤمن لا ينفك عنه.

وهذه الفصول الثلاثة هي التي تدور عليها آي القرآن وعليه مدار السورة الكريمة، فلما حصل استيفاء ذلك كله فيما تقدم ولم يبق وجه شبهة للمعاند ولا تعلق للجاحدين قال سبحانه وتعالى: وجاءك في هذه الحق -أي في هذه السورة وفي غيرها من سور القرآن- إشارة إلى كمال المقصود وبيان المطلوب واستيفاء التعريف بوضوح الطريق، وقد وضح من هذا سلاسة هذه السورة الكريمة لما تقدمها، ثم أخبر سبحانه وتعالى في ختام سورة هود أنه إنما يقص قصص السابقين على هذه الأمة وعلى نبيها لتثبيت الفؤاد وتبصرة بالطريق.

فقال في ختام سورة هود: وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.