تسجيل الدخول

البرهان في تناسب سور القرآن "للغرناطي" | المجلس الرابع

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. حياكم الله أحبائي الكرام إلى مجلس جديد من تعليقنا على كتاب البرهان في تناسب سور القرآن، وقد وصل بنا الحديث إلى سورة يوسف عليه السلام.

سورة يوسف تأتي امتداداً لسورة هود عليه السلام. سورة هود كما مر معنا في المجلس السابق ذكرت العديد من قصص الأنبياء مع أقوامهم، وكيف كانت المواجهة بين الحق وبين الباطل، وما آلت إليه الأمر من انتصار الأنبياء؛ وهذا كله كما بين الله سبحانه وتعالى في ختام سورة هود المقصد منه تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيت قلب كل داعية إلى الله سبحانه وتعالى يسير على هذا النهج؛ فقال الله عز وجل في ختام سورة هود: وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ -أي في هذه السورة- وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ.

فجاءت بعد ذلك قصة يوسف امتداداً لذكر أحوال الأنبياء، لكن السؤال: لماذا لم تذكر قصة يوسف عليه السلام ضمن قصص الأنبياء؟ لماذا أفردت بسورة وحدها؟ يقول ابن الزبير الغرناطي: السبب في ذلك والله تعالى أعلم أن طبيعة قصة يوسف عليه السلام وطبيعة البلاء الذي مر به يوسف ويعقوب يختلف عن البلاء الذي مر به الأنبياء مع أقوامهم؛ يعني عندما نقرا قصة نوح عليه السلام فنحن نقرأ قصة البلاء بين نوح مع قومه، وكذلك قصة هود وقصة صالح وقصة لوط وقصة شعيب، لكن عندما نقرأ قصة يوسف عليه السلام نلحظ أن شكل البلاء الذي تعرض له يوسف في حياته يختلف عن شكل البلاء الذي تحدثت عنه قصص الأنبياء السابقين، لذلك جاءت قصة يوسف مفردة في نسيجها وفي طريقة سردها.

يقول ابن الزبير: وإنما أفردت على حدتها ولم تنسق على قصص الرسل مع أممهم في سورة واحدة لمفارقة مضمونها -أي مضمون سورة يوسف- لتلك القصص، ألا ترى أن تلك قصص إرسال من تقدم ذكرهم وكيفية تلقي قومهم لهم وإهلاك مكذبيهم، أما هذه القصة وهي قصة يوسف فحاصل ومضمونها فرج بعد شدة، وتعريف بحسن عاقبة الصبر؟ فإنه تعالى امتحن يعقوب بفقد ابنيه وفقد بصره وتشتت بنيه، وامتحان يوسف عليه السلام بالجب ثم بالبيع ثم بامرأة العزيز ثم بفقد الأب والإخوة ثم بالسجن، ثم امتحن جميعهم -أي يعقوب وأبناء يعقوب- ثم امتحن جميعهم بشمور الضر لهم وقله ذات اليد، مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاه، ثم تداركه الله باللطف وجمع شملهم من جديد، ورد بصر أبيهم، وائتلاف قلوبهم، ورفع ما نزغ به الشيطان، وخلاص يوسف من كيد من كاده، واكتنازه بالعصمة وبراءته عند الملك وعند النسوه، وكل ذلك مما أعقبه -يعني هو ثمره جميل الصبر وجلالة اليقين في حسن تلقي الاقدار بالتفويض والتسليم على توالي الامتحان وطول المدة.

وهذه عبارة جميلة من ابن الزبير أنه ما وصل إليه يوسف وآل يوسف وأخو يوسف من ائتلاف القلوب بعد تشتتها، ومن اجتماع الكلمه بعد تفرق، انما هو ثمرة الصبر الجميل وجلالة اليقين في حسن تلقي الأقدار الإلهية بالتفويض والتسليم، وهذه عقيدة ينبغي أن تكون عند كل مؤمن؛ وهو أن يتلقى أقدار الله سبحانه وتعالى بالتفويض والتسليم، وأن يدرك أن خلف كل قدر وخلف كل محنة وخلف كل بلية هناك شيء جميل ينتظر.

فبالتالي قصة يوسف عليه السلام هي ألهمت النبي صلى الله عليه وسلم وألهمت الدعاة من بعد النبي صلى الله عليه وسلم ما هي عاقبة الصبر والثبات والرضا بأقدار الله سبحانه وتعالى؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام لاحظ التنوع في القصص له، كيف أن الله عز وجل في قصة في سورة هود والتي هي قبل سورة يوسف حدثه عن نوح مع قومه وكيف انتصر نوح في نهاية المطاف، وحدثه عن هود مع قومه وكيف انتصر هود، وكيف انتصر صالح، وكيف انتصر لوط، وكيف انتصر شعيب، ثم هنا يتكلم الله سبحانه وتعالى مع النبي صلى الله عليه وسلم مع الدعاة عن منحى آخر من مناحي البلاء، وهي أهمية الصبر عند نزول المحن، وأهمية الصبر عندما تضيق الأمور، وكيف أن يعقوب ويوسف مثال على هذا الشكل من أشكال الصبر عندما ضاقت بهم الدنيا وتغيرت بهم الأحوال وتقلبت بهم الأمور فصبروا وثبتوا وكيف عقبهم الله سبحانه وتعالى بعد الضيق سعة، وبعد الهم فرجاً ورشداً، فهذه كلها من الأمور المهمة للدعاة إلى الله سبحانه.

لذلك القرآن أحبابي الكرام حرص أن يعالج نفوس الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى في العديد من المواطن؛ القرآن الكريم نزل لعدة مقاصد، ومن مقاصد إنزاله أن الله سبحانه وتعالى عالج قلب النبي صلى الله عليه وسلم ونفسه، وعالج ضمن ذلك قلوب ونفوس الدعاة الذين سيأتون بعده.

طيب، إذاً قصة يوسف عليه السلام أظن واضح ما الذي أراده ابن الزبير في مناسبتها للقصص السابق، ثم يختم ابن الزبير فيقول: ثم مناسب سورة يوسف أن تذكر أثر قوله تعالى: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ، وأثر قوله في سورة هود: وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، وأثر قوله في ختام سورة هود: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً، وأثر قوله في ختام سورة هود أيضاً: وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ.

الآن ابن الزبير الغرناطي يقول إنه سورة يوسف هي مناسبة لهذه الآيات الأربع التي وردت في ختام سورة هود؛ الآن هذه آيات أربع وردت في آخر الصفحة ونصف من سورة هود: آية إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ، آية وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، آية وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً، آية وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ. أي سورة يوسف جاءت مناسبة لهذه الآيات، طب ما وجه مناسبتها لكل آية من هذه الآيات التي وردت في ختام سورة هود؟

يقول: أما مناسبتها للايه الأولى إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ؛ فإن ندم إخوة يوسف واعترافهم بخطأ فعلهم وفضل يوسف عليهم في قولهم: لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ، وعفوه عنهم: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، وكذلك ندم امراتي العزيز وقولها: الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ؛ كل هذا من باب إذهاب الحسنة للسيئات، وكان ذلك مثال لما عرف به المؤمنون من إذهاب الحسنات للسيئات، فيريد أن يقول أن إخوة يعقوب أن إخوة يوسف أخطاؤا في حق يوسف خطأ كبيراً، لكنهم تابوا وعادوا إلى الله سبحانه وتعالى فالله سبحانه وتعالى بدل سيئاتهم حسنات، وكذلك امرأة العزيز أخطأت وفعلت وكانت تريد يوسف عليه السلام على القبيح، لكنها في نهاية الأمر تابت وعادت إلى الله سبحانه وتعالى وقالت: الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِي وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، فكان هذا فيه نوع من إبدال السيئات بالحسنات والعودة إلى الله سبحانه وتعالى بعد الخطأ والبعد عنه، وهذا هو مضمون قوله تعالى في ختام سورة هود: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ.

وهذه فيها إشارة أنه كل إنسان أسرف على نفسه في حياته بالخطايا والذنوب والبعد عن الله؛ ما زال المجال مفتوحاً لتقبل على ربك من جديد، ولتبدأ صفحة جديدة.

وأما مناسبتها للايه الثانية وهي قوله سبحانه لنبيه عليه الصلاة والسلام بالصبر على قومه فاتبعه بحال يعقوب ويوسف وما كان من صبرهما؛ فالله عز وجل علم نبيه صلى الله عليه وسلم الصبر من خلال صناعة القدوات، أنه اقتدي يا محمد صلى الله عليه وسلم بيعقوب وبيوسف، انظر صبر يعقوب الطويل، انظر صبر يوسف الطويل وكيف تقلبت به الحياة.

وهذا أحبابي الكرام من أكثر ما يعين المؤمن على الثبات، وهنا فكرة وهي القصص القرآني: الله سبحانه وتعالى يخبر أن من مقاصده الجليلة تثبيت قلوب المؤمنين، لما الله سبحانه وتعالى يقول: وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ، معناها أنا كداعية إلى الله سبحانه وتعالى علي أن أدرك أن هذه القصص التي أقرأها وأتلو في كل رمضان وفي كل شهر وفي كل ورد للقران هذه القصص المراد منها أن تثبت قلبي على هذا الدين وأن تثبت قلبي في سيري إلى الله سبحانه وتعالى وأن تجعلني أتحمل ما ألاقيه في هذه الدعوة من أذى الناس من تنقص الناس من هجوم الناس على شخصي من إحاطة الكافرين بي من سياط الظالمين التي تقع علي.

فعندما تقرأ قصص الأنبياء عليك أن تستحضر قوله تعالى: وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ، أن هذه القصص لها دور عظيم في تثبيت المؤمنين الداعين إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن ما حدث للأنبياء السابقين وما حدث للدعاة السابقين سيحدث في واقعنا المعاصر؛ ما حدث لصاحب ياسين، ما حدث لمؤمن آل فرعون، ما حدث للأنبياء والأولياء، فالأمم السابقة لابد وأن يتكرر لابد وأن يتكرر ولابد وأن تبقى محنة الحق بالباطل ولابد وأن تبقى المدافعة.

فالله سبحانه وتعالى عندما يستعرض لنا كيف كانت الثمره النهائية للمدافعة بين الحق والباطل في الأمم السابقة وكيف أن الحق انتصر ولو بعد حين وعرفنا ماذا سيحدث في أثناء هذه المعركة أنه لابد وأن يكون هناك شهداء لابد وأن يكون هناك هم لابد وأن يكون هناك ألم ولابد وأن يكون هناك اصطفاء واجتباه واختبار ثم بعد ذلك تكون العاقبة للمتقين في الدنيا قبل الآخرة.

هنا الدعاه الى الله سبحانه وتعالى قبل أن يختاروا سلوك هذا الطريق يكونون على بينة أن هذا الطريق الذي سنسلكه سلكه الأنبياء وسلكه الأولياء في الأمم السابقة؛ فهذه قصة نوح وهذه قصة هود وهذه قصة صالح وهذه قصة لوط وهذه قصة شعيب وهذه قصة موسى وهذه قصة يعقوب وقصة يوسف، الكل ابتلي، الكل تعرض للامتحان، الكل تعرض للسياط في هذه الحياة الدنيا، وكيف تجاوز هؤلاء الأنبياء وهؤلاء الأولياء هذه المحن على ما فيها من جراحات على ما فيها من أتعب، لكنهم اختاروا رضا الله سبحانه وتعالى وهذا الذي كان يخفف عنهم حرارة الطريق وهذا الذي كان يجعلهم يقبضون على جمرها فلما وصلوا إلى نهاية الأمر انتصروا وأعقبهم الله سبحانه وتعالى بالظفر.

وهكذا حال المؤمنين في كل زمان ومكان، فعلينا أيها الدعاة إلى الله أن نقرأ هذه القصص بوعي حتى يتثبت الفؤاد وحتى لا تتزعزع النفوس؛ فإن الإنسان الداعي إلى الله عز وجل عندما يرى طول الطريق وعندما يرى كثرة أهل الباطل وائتلاف قلوبهم على -حتى لا نقول ائتلاف قلوبهم لأن قلوبهم متفرقة لكن نقول اجتماع كلمتهم في الظاهر على محاربة أهل الحق- يصيبهم كثير من الضعف والهوان، فالله سبحانه وتعالى يخبر: وَلَا تَهِنُوا، وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيِّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا.

وأما بالنسبة للآية الثالثة التي وردت في ختام سورة هود وهي قوله: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، ما علاقتها بسوره يوسف؟ يقول: ولا أعجب؛ انظروا كلام الجميل من ابن الزبير الغرناطي، يقول: ولا أعجب من حال إخوة فضلاء لأب واحد من أنبياء الله وصالحي عباده جرى بينهم من التشتت ما جعله الله عبرة لأولي الألباب؛ يعني قصة اختلاف أبناء يعقوب عليه السلام مع أن أباهم يعقوب نبي من أنبياء الله ومع أنهم من الصالحين الأفاضل ومع ذلك وقع الاختلاف بينهم.

هذا في الحقيقة يقرر هذه السنة الإلهية وهي وقوع الاختلاف بين البشر؛ قال سبحانه في ختام سورة هود: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً -أي على قلب رجل واحد- لكن السنة الإلهية لم ترد ذلك، وإنما أرادت: وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ؛ الاختلاف سنة قائمة ستبقى في هذه الأرض أو في هذا العالم إلى قيام الساعة.

وخذوا هذا المثال: إذا كان أبناء النبي الصالح يعقوب وهم من خيرة الخلق وهم أفاضل وصالح وقع بينهم هذا الخلاف وهذا النزاع وما آلت إليه الأمر أن فكروا في قتل يوسف أن فكروا في طرحه ثم طرحوه في البئر، ثم كيف حدث ليوسف وتقلبت به الامور، ثم ظهر يوسف، ثم اجتمع الشمل من جديد؛ فسنة الاختلاف سنة قائمة، لكن النجاح هو كيف نتعامل مع هذا الاختلاف؟ كيف نهذبه؟ كيف نوجهه؟ كيف نحسن الخلاص منه والعودة إلى الائتلاف؟

أما أن يظن الناس أن الأمة ستجتمع على قلب رجل واحد، وما يظنه البعض من المثالية الزائدة وهي أننا نريد أن نصل دائماً لمرحلة الوفاق المطلق، أظن هذا الأمر فرغ منه في قدر الله سبحانه؛ لأن الاختلاف سيبقى، لكن طيب ما وظيفتي أنا كمسلم؟ وظيفتي أن أتعلم كيف أعالج هذا الاختلاف، كيف أقلل من آثاره، كيف أسعى إلى طيه، كيف أسعى إلى علاجه، وأن أُوصل رسائل واضحة للأجيال اللاحقة في هذه الآداب وفي هذه الأخلاقيات وفي هذه الممارسات وفي الذي يريده الله سبحانه وتعالى منا أن نقف عنده عند وقوع مثل هذا الاختلاف.

وأما بالنسبة للآية الرابعة: وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ؛ فيقول ابن الزبير: وأما بالنسبة لآية التهديد وهي الآية التي سردتها الآن فعلاقتها بسورة يوسف بينه، وكان الكلام في قولي: اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ وَانتَظِرُوا فلن نصبر عليكم مدة صبر يعقوب ويوسف عليهم السلام في بلائهم.

وهنا يعني أشعر في هذه العبارة أنه قد يكون فيها شيء من التكلف، قد يكون فيها شيء من التكلف في هذا الربط بالنسبة لهذه الآية؛ يعني لا يظهر لي علاقة بين هذه الآية وبين ما فهمه ابن الزبير الغرناطي من قضية يعني أن أن الله عز وجل يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: قل للمشركين لمشركي العرب لمشركي قريش ومن حولهم: اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ، فإننا لن.

نصبر عليكم مدة صبر يعقوب ويوسف على ما وقع بهم. هل فعلا هذا هو الربط بين هذه الآية وهذه الآية؟ أقول: هذا يحتاج إلى نظر، والله تعالى أعلم.

بعد أن انتهت قصة يوسف عليه السلام وسورة يوسف، ننتقل بعدها إلى سورة الرعد. يقول ابن الزبير: وهذه السورة، سورة الرعد، هي تفصيل لمجمل قوله سبحانه وتعالى في خاتمة سورة يوسف، في الصفحة الأخيرة من سورة يوسف؛ يقول سبحانه: وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ؛ يعني: كم من آية موجودة أودعها الله في السماوات والأرض يمر عليها الناس، تنظر إليها وتمر عليها وهم عنها معرضون، أي: لا ينظرون في دلالتها على الخالق سبحانه وتعالى، وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ. هذه وقعت في نهاية سورة يوسف، فبدأت سورة الرعد تفصل هذه الآيات التي أودعها الله في السماوات والأرض، والتي يمر عنها الناس وهم معرضون.

فقال: فبيان آيات السماوات. فالآن الله سبحانه وتعالى في مطلع سورة الرعد بين الآيات التي أودعها في السماوات والتي تدل على الخالق، فقال عز وجل: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى. ثم بين الآيات التي أودعها في الأرض، فقال: وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ. ثم في الآية التي تليها: وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ. فكل هذه الآيات التي أودعها الله في السماوات والأرض فصلها سبحانه وتعالى في سورة الرعد بعد أن أجملها في ختام سورة يوسف.

فهذه الدلائل وهذه الآيات تقودك إلى معرفة الله سبحانه وتعالى وإلى الشهادة له بالوحدانية في الربوبية والألوهية. ثم لما بين كيف أنه سبحانه وتعالى يخرج من الأرض النباتات المختلفة بألوانها وأشكالها مع أنها تسقى بماء واحد، دلل بعد ذلك وساق الحديث إلى بيان كيف أن الله سبحانه وتعالى يبعث الناس يوم القيامة. إذا كانت هذه الارض تخرج هذه النباتات المختلفة بالألوان المختلفة مع أنها تسقى بماء واحد، فهذا دليل على أنه سبحانه وتعالى قادر على أن ينبت هذه الأجساد وأن يخرج هذه الأجساد من الأرض، أي لتبعث إلى يوم جديد إلى الدار الآخرة.

وهذه القضية، قضية البعث إلى الدار الآخرة، هي القضية التي كانت من القضايا الشائكة -دعنا نقول- بين الكفار وبين المؤمنين، بين أهل الحق وبين أهل الباطل. فقال سبحانه وتعالى: وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ؛ هذا في ختام الصفحة الأولى من سورة الرعد: أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. ثم استمرت الآية بذكر قدرة الله سبحانه وتعالى، استمرت السورة في سورة الرعد بذكر قدرة الله سبحانه وتعالى: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ الَّذِي يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ. استمرت السورة إذاً في بيان هذا -يعني- في بيان قدرة الله سبحانه وتعالى وفي بيان آيات الله عز وجل في الجمله.

ثم في صفحة قبل الأخيرة منها ينبه سبحانه وتعالى على الآية الكبرى وعلى المعجزه العظمى وهي معجزة القرآن، فقال سبحانه: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى؛ لكان هذا القرآن -هذا الجواب محذوف لكنه مقدر في السياق- لكان هذا القرآن، وهذا القرآن لو كان من عند غير الله فعلا لوجد فيه اختلافا كثيرا. والتنبيه بعظيم هذه الآية مناسب لمقتضى السورة من التنبيه بما أودعه سبحانه وتعالى من الآيات في السماوات والأرض. وكانه جل وعلا لما بين لهم من عظيم ما أودع في السماوات والأرض وما بينهما من الآيات وبسط ذلك وأوضحه، اردف ذلك بايه أخرى جامعه للأيات ومتسعة للأعتبارات وهي هذه الآية: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ.

فهو من نحو قوله تعالى: وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ. وفي أنفسكم، أي: لو فكرتم في آيات السماوات والأرض لقلت وكفتكم في بيان الطريق اليه، ولو فكرتم في أنفسكم وما أودع سبحانه وتعالى فيها من العجائب لاكتفيتم؛ من عرف نفسه عرف ربه. فمن قبيل هذين الضربين من الاعتبار هو الواقع في سورة الرعد من بسط آيات السماوات والأرض ثم بعد ذلك ذكر القرآن وما تحمل من الآيات. يعني الله سبحانه وتعالى في مطلع سورة الرعد ذكر الآيات المشاهدة في هذا الكون الداله على الله، ثم في ختام سورة الرعد ذكر الآية العظمى والمعجزة الباهرة وهي معجزة القرآن، وهي أيضا دالة على الله سبحانه وتعالى وهي أعظم نفعاً من خلق السماوات والأرض.

فالله سبحانه وتعالى إذاً في سورة الرعد يدل على نفسه ويخبر العباد كيف يستدلون عليه. هذا هو القرآن الذي من نظر فيه وتامل قاده إلى الله عز وجل. هذا القرآن الذي لو سيرت الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى، لكان هذا القرآن، فكيف لا تستدلون بها على خالقكم؟ وفي مطلعها دل لنا عليه سبحانه وتعالى من خلال النظر في السماء، النظر في الارض، النظر في الزروع، النظر في اخراج الثمار المختلفة والتي تسقى بماء واحد. وهذا كله هو مضمون ما ذكر في ختام سورة يوسف: وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ.

ومن الأمور الملاحظة أحبابي أن الله سبحانه وتعالى كثيرا ما يدلنا عليه من خلال تامل السماوات والأرض. يعني لو انك قرات القرآن تجد ذكر السماوات والأرض والاجرام التي في السماوات والأرض كثير، وهذا يدل على عظمة هذه الأجرام، وهذا يدل على عظمة هذه المخلوقات، كيف أن الله سبحانه وتعالى يطلب منا ونحن نسير في الدنيا أن ننظر دائما في السماوات، أن ننظر دائما في الاراضين، أن ننظر دائما في الأجرام الموجودة في السماوات وفي الأجرام وفي المخلوقات الموجودة في الاراضين. لأن هذا الخلق يدل على الخالق وهذه العناية تدل على مدبر، ولذلك كما ذكر ابن رشد في مناهج الأدلة إن اعظم وأشهر الأدلة المستعملة في القرآن الكريم لتدل على الله سبحانه وتعالى: دليل الخلق ودليل العناية.

فالله سبحانه وتعالى كثيرا ما يامرنا ان ننظر الى المخلوق لنستلهم، أن ننظر إلى العناية والرعاية والتدبير لنستلهم مدبر. وانت لو استقرت نصوص الكتاب العزيز من بدايته إلى نهايته لو وجدت فعلا هذان الطريقان هما المتكرران في مختلف السور؛ طريق الخلق وطريق التدبير، هما اعظم الأدلة الداله على وجود صانع خالق مدبر لهذا الكون، وانه لا يمكن ان يكون هذا الكون وجد صدفه او عبثا او اوجد نفسه بنفسه كما يقول الملاحده وغيرهم.

ثم بعد ذلك في ختام سورة الرعد جاءت آيات تعالج أيضا نفس النبي صلى الله عليه وسلم ونفس الدعاة. لذلك الله سبحانه وتعالى يقول في ختام سورة الرعد: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً. يعني يا محمد صلى الله عليه وسلم إن عيرك المشركون انك تنكح وان لك ابناء، فقل لهم: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً ۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ. هذا يدل أحبابي أن النبي صلى الله عليه وسلم فعليا كان يعاني مع كفار قريش، كانوا يتهمونه ويقصون عليه بالكلام، وكان صلى الله عليه وسلم يدخل في قلبه الحزن، فتاتيه الآيات المثبتات من الله سبحانه وتعالى وتاتيها الأجوبة الواضحات لترفع هذا الحزن ولتأتي التسلية، وليثبت الله سبحانه وتعالى من خلاله أن يعتبر حاله بحال الأنبياء والرسل السابقين.

وهذه رسالة لنا بأننا في مسيرنا إلى الله سبحانه، عندما يهجم علينا الكفار وعندما يسبون ويشتمون ويعيروننا بما يستطيعون انزاله علينا، أن ننظر ونعتبر بحال السابقين وما حل بهم من الأمور التي هي أفضى وأشد مما يحل بنا في الحقيقة. فهذا الاعتبار هو من أكثر الأمور التي تعين الإنسان على الصبر، والداعية خصوصا، على الصبر في مسيره إلى الله سبحانه وتعالى.

ثم تاتي سوره إبراهيم بعد ذلك، تاتي سوره إبراهيم يقول في مطلعها ابن زبير الغرناطي لما كانت سورة الرعد على ما تمهد، قال سبحانه وتعالى: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ. ولاحظوا ان الله سبحانه وتعالى أحبابي الكرام في مطالع السور يركز على ان القرآن الكريم كتاب هداية؛ يعني في مطلع سورة الرعد: الَمۡرٓ ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ ۗ وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ. في مطلع سورة الأعراف: الَمَصۡ ۚ كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُونَ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ. في مطلع سورة آل عمران: الم ۞ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ. في سورة يونس -نسيتها-: الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ. في سورة البقرة: الم ۞ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ. لاحظوا مطالع السور كيف تدعو المؤمن القارئ للقرآن أن يجعل الكتاب العزيز كتاب هداية. وكانه يرشدك اذا بدأت في قراءة هذه السورة فهذه السورة هي سورة هداية وسورة بيان وسورة تقودك إلى الله، فعليك أن تقراها وأن تتدبر فيها وأن لا تكون من الغافلين.

فهذه سورة إبراهيم يقول سبحانه وتعالى في مطلعها: الر ۚ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ۞ اللَّهُ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ. فيقول ابن الزبير الغرناطي: لما كانت تلك الآيات والبراهين لا يبقى معها شك لمن اعتبر بها، لعظيم شأنها واتضاح أمرها، قال سبحانه: إن هذا الكتاب كتاب أنزلناه اليك يا محمد لتخرج الناس به من الظلمات إلى النور. أي: لما تضمنت سورة الرعد الآيات الكونية التي تدل على الخالق، وآية القرآن الباهرة التي تدل على المنزل الباعث، فهذا يدل على ان هذا الكتاب العزيز من تدبر في آياته وتبصر بها فإنها ستخرجه من الظلمات إلى النور.

فقال سبحانه وتعالى لنبيه: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ يا محمد لِتُخْرِجَ النَّاسَ به مِنْ الظُلُمَاتِ؛ من ظلمات اليهود، من ظلمات النصارى، من ظلمات المنافقين، من ظلمات المجوس. كل هذه الظلمات التي سردناها في السور السابقة في سورة البقرة وآل عمران والمائدة والأنعام، كل هذه الظلمات هذا القرآن يخرج منها إلى النور، إلى نور الحق، إلى الحقيقه المطلقة. لكن لمن تدبر وتملى واستبصر بهذه البراهين وتلقاها عن الله سبحانه وتعالى.

ثم استمرت سورة إبراهيم في معالجة نفس النبي صلى الله عليه وسلم. سورة الرعد في ختامها عالجت نفس النبي صلى الله عليه وسلم: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً؛ هذه وردت في ختام سورة الرعد. وكذلك في ختام سورة الرعد الآية الأخيرة: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا ۚ قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ. هذه الآية الأخيرة في سورة الرعد تعالج موضوع إرسال النبي صلى الله عليه وسلم، فتأتي سورة إبراهيم في مطلعها لتعالج أيضا هذه القضية، ولتثبت قلب النبي صلى الله عليه وسلم وتخبره: يا محمد وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم، كما ورد في مطلع سورة إبراهيم.

يا محمد، اياك أن تظن وإياك أن تعتقد أن هؤلاء الكفار يستطيعون النيل منك من خلال هذه الشبهات ومن خلال هذه المقولات التي يطرحونها. فإنك يا محمد صلى الله عليه وسلم إنما بعثت بالعربية ومن جنس العرب ومن جنس البشر، كما أن الأنبياء قبلك بعثوا من جنس البشر ومن أجناس اقوامهم وتكلموا بلسان اقوامهم ليبينوا لهم. فمثل هذه المقالات التي يقولها كفار قريش لك هي من جنس المقالات التي يقولها الكفار لأقوامهم في كل زمان وفي كل مكان، فلا تبتئس منها. اعلم يا محمد صلى الله عليه وسلم أننا أرسلناك بلسان قومك لتبين لهم، وأن في النهاية الله سبحانه وتعالى يضل من يشاء ويهدي من يشاء.

ثم استمرت صفحة ونصف من سورة إبراهيم تعالج هذه القضية، وتعالج موقف الأقوام من أنبيائهم، وكيف أنبيائهم يحثونهم على توحيد الله سبحانه وتعالى ويقولون لهم: أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يَدْعُوك لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ. وكيف أن الأقوام قالوا لأنبيائهم -يعني- أنتم بشر مثلنا تدعوننا إلى الله سبحانه وتعالى، لماذا لم يرسل الله سبحانه وتعالى رسولا من الملائكة أو من غير جنسنا؟ فأجابت الرسل عن هذه الشبهة منذ القدم، قالت لهم رسلهم: إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ.

ثم كيف وقع التهديد من الكفرة للمؤمنين وللرسول: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا. وكيف ثبت الله الرسل: فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ۞ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ۚ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ. ثم بين سبحانه وتعالى حال هؤلاء الأقوام المكذبين كيف سيكون المشهد عند الله سبحانه وتعالى عندما يبعثون: وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا في الدار الآخرة. هؤلاء الذين آذوا الرسل واتباع الرسل، ماذا سيفعلون عندما يبرزون لله جميعا؟ فقال الضعفاء للذين استكبروا: إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ. وكيف يكون موقفهم عندما يخرج إبليس خطيبا فيهم فيقول: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي.

بينما كيف سيكون حال الرسل واتباع الرسل الذين ثبتوا في هذه الحياة الدنيا في معركة الحق والباطل، في معركة الإيمان والكفر، عندما يقول سبحانه وتعالى؟

في سورة إبراهيم: وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ۖ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ.

ثم يعقد سبحانه وتعالى مقارنة بين كلمة الإيمان، كلمة التوحيد لا إله إلا الله، بشجرة راسخة الجذور في الأرض رفعت فروعها إلى السماء، وبين كلمة الكفر وهي الشجرة الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض ليس لها قرار ليس لها ثبات، وهذا حال الإيمان والكفر. الكفر يبقى دائما على القشور مهزوز ضعيف، والايمان يبقى متجذرا في قلوب أصحابه، ثم يخبر الله سبحانه وتعالى أنه يثبت المؤمنين بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

وتذكر أيضا سورة إبراهيم قصة... سورة إبراهيم سميت سورة إبراهيم لأن إبراهيم عليه السلام ورد ذكره في هذه السورة في الصفحة قبل الأخيرة منها، لما دعا الله سبحانه وتعالى أن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام، وكيف أن إبراهيم يا محمد صلى الله عليه وسلم ويا أيها الدعاة إبراهيم نموذج للمؤمن الصابر الموحد الذي يتقبل عن الله سبحانه وتعالى أوامره وتعليماته ويعمل بها ويثبت على أقدار الله سبحانه، فقصة إبراهيم أيضا من النماذج المثبتة للنبي صلى الله عليه وسلم وللدعاة من بعده.

ثم ختمت السورة أيضا مرة أخرى بتكرار المشهد بيان حال الكافرين، حال الظالمين الذين ظلموا الدعاة، الذين ظلموا الرسل، الذين ظلموا اتباع الرسل، كيف يكون حالهم يوم القيامة يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار ليجزي الله كل نفس ما كسبت.

فهذا كله وعيد وتخويف وترهيب لهؤلاء الكفرة الذين يصدون عن دعوة الرسل ويؤذون الرسل وأتباع الرسل، فهذه معركة الحق والباطل التي جاء القرآن ليبين في العديد من السور متناسقة هذا التنسيق العجيب. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.