بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
حياكم الله أحبائي في مجلس جديد من تعليقنا على كتاب البرهان في تناسب سور القرآن للإمام ابن الزبير الغرناطي رحمه الله تعالى عليه. وقد انتهى بنا الحديث إلى مناسبة سورة الحجر لسورة إبراهيم عليه السلام.
سورة إبراهيم عليه السلام انتهت بوعيد الكافرين، فقال الله سبحانه وتعالى في خاتمتها: وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ. ثم سردت الصفحة الأخيرة من سورة إبراهيم أهوال يوم القيامة وما الذي سيتعرض له الكفار من العذاب الشديد يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار، وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار.
لما جاء هذا الوعيد الرهيب للكفار، افتتحت سورة الحجر بقوله تعالى: الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ ٭ رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ. عندما يعاين الكفار هذه الأهوال وهذه الشدائد وهذا العذاب الأليم يوم القيامة، حينئذ سيود هؤلاء الكفار لو أنهم أسلموا في هذه الحياة الدنيا واتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين. إذاً المناسبة واضحة فعلياً بين بداية سورة الحجر وختام سورة إبراهيم.
بداية سورة الحجر: رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ. متى سيود الكفار لو أنهم أسلموا وأطاعوا وأنابوا إلى الله سبحانه وتعالى؟ عندما يرون هذه الشدائد وهذه الأهوال يوم القيامة، عافاني الله وإياكم. ثم أعقب هذا ببيان ما جعل له سنة في عباده من ارتباط الثواب والعقاب معجلاً ومؤجلاً بأوقات وأحيان لا انفكاك لها عنها ولا تقدم ولا تأخر، إذ استعجال البطش في الغالب إنما يقع ممن يخاف الفوت، والعالم بجملته في ملكه تعالى وقبضته لا يفوته أحد منهم ولا يعجزه.
لذلك قال بعد ذلك في سورة الحجر: وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ. فيخبر الله سبحانه وتعالى أن إهلاك القرى وأن إنزال العقاب الإلهي بالمكذبين والظالمين والمحادّة إنما هو في أجل معلوم. فالله سبحانه وتعالى ليس مستعجلاً أن يوقع العقوبة؛ لأن الذي يستعجل في إيقاع العقوبات إنما هو الذي يخشى أن يفوته المذنب، والله سبحانه وتعالى لا يخشى أن يفوته المذنبون وأن يهربوا من بين يديه، فهو مالكهم وهو القابض عليهم ولا يخرج أحد عن قبضته سبحانه. فكل شيء بأجل، وكل شيء بحكمة، وكل شيء بموعد.
ثم دندنت سورة الحجر حول هذه الفكرة، وحول وعيد الكافرين، وذكرت قصة إبراهيم عليه السلام، وذكرت قصة لوط، وذكرت آثار السابقين الذين أعرضوا وما أنزل الله سبحانه وتعالى بهم. ثم جاء في آخرها تهديد ووعيد لكفار قريش الذين يستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم، فيقول الله عز وجل لنبيه: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ٭ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ٭ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.
ولَقَدْ نَعْلَمُ يا محمد صلى الله عليه وسلم أنك يضيق صدرك بما يقولون. فالله سبحانه وتعالى إذاً يسلي نبيه صلى الله عليه وسلم، ويخبره أننا يا محمد ندرك -صلى الله عليه وسلم- أننا ندرك ما يقوله الكفار لك وكيف يستهزئون بك، فعليك بالثبات وعليك باتباع أمر الله سبحانه وتعالى ولا تقلق؛ فهؤلاء الكفار سيعذبون في الدنيا كما عُذِّب قوم لوط وكما انتهى إليه حالهم، وسيعذبون في الآخرة، وسيود هؤلاء الكفار لو كانوا مسلمين لو أطاعوك لو اتبعوك. إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ٭ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ٭ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيرُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ٭ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ ٭ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ.
الثبات الثبات أيها الدعاة على ما تواجهون في مسيركم إلى الله سبحانه وتعالى من أذاء، من تعذيب، من اضطهاد، من مقاومة الأشرار. الثبات الثبات إلى أن تلقوا الله سبحانه وتعالى: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ. الذي يعينكم على هذا الثبات هو الالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى، والمحافظة على الصلوات وعلى قيام الليل وعلى إطالة السجود: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ.
بعد ذلك تأتي سورة النحل. هذه السورة في التحامها بسورة الحجر وبسورة إبراهيم، يعني هناك التحام واضح بينهما كما يقول ابن الزبير الغرناطي رحمه الله تعالى عليه. فلما الله سبحانه وتعالى في ختام سورة الحجر يقول: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ٭ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ. هذه وقعت في القسم الأخير من سورة الحجر يقول سبحانه وتعالى وعيداً لهؤلاء الكفرة: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ٭ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ. وقال بعد ذلك في وعيد المستهزئين: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.
أعقب هذا ببيان تعجيل الأمر، فقال في مطلع سورة النحل: أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ. إذاً ختام سورة الحجر كان فيها وعيد: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ٭ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ، وكان فيها وعيد في الآية 96: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ. فبدأت سورة النحل بقوله سبحانه وتعالى: أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ، أي سيأتي أمر الله لا محالة، هذا الموعد الذي أعده الله سبحانه وتعالى ليجزي فيه كل إنسان ما كسب وهؤلاء الكفر سيكون حسابهم عسيراً عند الله سبحانه.
أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ. فنزه سبحانه نفسه في مطلع سورة النحل عما فاه به المستهزئون والمشركون والمكذبون للنبي صلى الله عليه وسلم. ثم أتبع ذلك بقوله: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۚ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ. أكدها مرة أخرى يعني في مطلع سورة النحل في الآية رقم واحد: أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ، وكذلك في الآية ثلاث قال عز وجل: تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ. فتأكيد لتنزه سبحانه وتعالى عما يشرك به الكفار، وما يسمونه به، وما يدعونه من ولد، وما يدعونه من أصنام، وما يدعونه من شركاء عموماً لله سبحانه، ينزه الله عز وجل نفسه عما يقول الكافرون: تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
ثم بعد ذلك أتبع سبحانه وتعالى بذكر النعم. سورة النعم تسمى سورة النعم؛ لأن الله عز وجل ذكر فيها النعم الكثيرة التي أسبغ بها على هذه البشرية: نعمة خلق الإنسان، ونعمة الخيل والبغال والحمير، وأنه سخر السماوات والأرض، وأنه أنزل المطر من السماء، وأنه جعل لنا النجوم لنهتدي بها، وأنه سخر البحر. وفي منتصف السورة أخبر سبحانه وتعالى أنه سخر الليل، ووَأَنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ، وأنه سخر النحل وأنه يخرج من بطونها شراب مختلف، أنه يخرج من بطونها ذاك العسل الطيب اللذيذ.
وأخبر سبحانه وتعالى أيضاً من نعمه العظيمة أنه علمنا كيف نصنع البيوت، وأنه سبحانه وتعالى سخر لنا الوبر والصوف والريش لنستكشف. فعدد الله سبحانه وتعالى في سورة النحل من مطلعها إلى خاتمتها عدد النعم العظيمة التي أسبغ بها على البشرية، ومع ذلك يبقى كثير من البشر يعاندون هذا الإله ويحاربونه. فهؤلاء الذين توعدهم الله سبحانه وتعالى في ختام سورة الحجر: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ٭ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ. هؤلاء هم الذين يخاطبهم الله سبحانه وتعالى ويذكرهم بهذه النعم وهذه الآلاء العظيمة. من الذي منحكم المطر؟ من الذي منحكم الزرع؟ من الذي سخر لكم الشمس والقمر (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا)؟ من الذي منحكم العسل؟ من الذي جعلكم تشربون لبناً خالصاً سائغاً للشاربين؟ من الذي علمكم؟
وقال سبحانه وتعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ ٭ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ. من الذي فعل كل هذا اليس هو الله؟
لذلك في ختام سورة النحل جاءت الآية: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ٭ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ. فبعد أن عدّد الله النعم ختم بهذا المثل، مثل القرية التي ظلمت بعد أن أنعم الله عز وجل عليها بكل هذه النعم وأسبغ عليهم بكل هذه الآلاء واللطف، عصت رسول الله سبحانه وتعالى وتحدت رب العالمين، فالله سبحانه وتعالى يتوعدهم.
وهذه رسائل للكفر عبر الأجيال وفي وقتنا الحاضر، هؤلاء الكفر الذين متعهم الله سبحانه وتعالى بالتكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة وكل هذه الرفاهية التي يعيشون فيها ومع ذلك يحاربون الله ويشركون به، وبعضهم يلحد، وبعضهم يغزو بلاد الإسلام والمسلمين ويحارب هذا الدين ويريدها عوجاً، فهؤلاء نوجه إليهم مثل هذه الآيات ونسقطها على واقعنا المعاصر: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ.
بعد ذلك ننتقل إلى سورة الإسراء. سورة الإسراء، ما وجه مناسبتها لسورة النحل؟ لما اختتمت سورة النحل بقوله تعالى في الصفحة الأخيرة: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ من الْمُشْرِكِينَ. وبقوله أيضاً: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ يَا محمد أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا. أعل الله سبحانه وتعالى من شأن إبراهيم، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يتبع ملة إبراهيم. وكان مهاجر إبراهيم، وهذه فكرة أنا أذكرها لم يذكرها ابن الزبير، وكان مهاجر إبراهيم إلى بيت المقدس إلى بلاد الشام.
فبدأت سورة الإسراء ببيان قصة الإسراء التي وقعت إلى بيت المقدس في بلاد الشام، فقال سبحانه: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى. المسجد الأقصى بلاد الشام هي مهاجر إبراهيم الذي أمر الله سبحانه وتعالى نبيه في ختام سورة النحل أن يتبعه، فقال في ختام سورة النحل: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. أين كان مهاجر إبراهيم؟ في بلاد الشام إلى فلسطين. فقال في مطلع سورة الإسراء: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى.
ثانياً من المناسبات أيضاً بيان الالتحام بين ملة محمد صلى الله عليه وسلم وطريقته وبين ملة إبراهيم، فهو امتداد امتداد النبوة من إبراهيم إلى محمد صلى الله عليه وسلم، تلك السلسلة الطاهرة الشريفة من إبراهيم إلى أبنائه إلى أحفاده إلى الأنبياء الذين أتوا من نسله حتى وصلت إلى محمد صلى الله عليه وسلم. لكن الله عز وجل شرف محمداً واختصه حتى على كل الأنبياء، فهو الذي أمّ في ليلة الإسراء في المسجد الأقصى، وقيل إنه أمهم في السماء. فهنا بيان امتداد واتصال نبوي بين شجرة إبراهيم عليه السلام التي أنبتت وأثمرت العديد من الأنبياء الصالحين ووصلت إلى ختام الأنبياء وأشرف وأطهر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
فكان ابتداء سورة الإسراء بذكر تشريف الله للنبي صلى الله عليه وسلم: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا. فآيات الاختصاص والاجتباء والاصطفاء من الله سبحانه وتعالى لنبيه.
طبعاً هنا ذكر ضمن تعليقه ابن الزبير ذكر حديثاً طويلاً وقع في ليلة الإسراء، لكن ما ذكره ليس مشهوراً في كتب السنة، الحديث المذكور عليه يعني إشكاليات وليس هو الحديث المشهور في البخاري ومسلم، وإنما أخذه ابن الزبير الغرناطي من بعض التفاسير، فلذلك ساضرب عنه الذكر صفحاً؛ لما فيه من إشكالية في السند ولانه ليس ثابتاً، والله تعالى أعلم بهذه الطريقه التي ساقها ابن الزبير.
إذاً سورة الإسراء كان حديثها عن النبي صلى الله عليه وسلم في العديد من المواطن في بدايتها وفي منتصفها وفي ختامها، ونحن يهمنا فقط بيان التناسب بين السور، وإلا فذكر التناسب بين آيات السور هذا موطن آخر في الحقيقة يحتاج إلى تفسير طويل مثل تفسير البقاعي لكن هنا نحن فقط نركز على قضية التحام بداية السورة بنهاية السورة السابقة.
لذلك سننتقل إلى سورة الكهف. ابن الزبير من الثابت المشهور أن قريش بعثت إلى يهود المدينة يسألونه في أمر النبي صلى الله عليه وسلم ويستشيرونه عن صدقه؛ لأن قريشاً كانوا يعرفون أن اليهود أصحاب كتب سماوية، فأجابتهم يهود بسؤاله، أي اليهود قالت لكفار قريش: اسألوا محمداً صلى الله عليه وسلم عن ثلاثة أشياء، فإن جاءكم بجوابها فهو نبي، وإن عجز عن جوابكم فالرجل متقول أي مفتر على الله سبحانه.
فما هي هذه الأسئلة؟ سالوه عن الروح، ما طبيعة الروح؟ وسالوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول وهم أصحاب الكهف، وسالوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض بلغ مشارق الأرض ومغاربها وهو ذو القرنين. فانزل الله سبحانه وتعالى على نبيه جواب ما سالوه.
الإجابة عن السؤال الأول، سؤال الروح في الحقيقة لم تأتي في سورة الكهف، وإنما في سورة الإسراء، لذلك جاء في سورة الإسراء: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي. وأما سورة الكهف فتضمنت الإجابة عن قضية الفتية الذين ذهبوا في الدهر الأول وهم أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين في ختام سورة الكهف، لذلك قال وافتتح الله سبحانه وتعالى سورة الكهف بحمده: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا. وذكر نعمة الكتاب، وهذه أحبائي انتبهوا لها، قضية أنه كثير من السور افتتحت بذكر نعمة الكتاب، أن هذا الكتاب نعمة عظيمة من الله، أن هذا الكتاب كتاب هدايه وتبصير، أن هذا الكتاب فيه الدلائل والبينات الواضحات.
لماذا الله سبحانه وتعالى في مطالع عديد من السور يشير إلى الكتاب ويركز على الكتاب؟ لأن الكتاب الذي بين أيدينا والذي ندندن حوله والذي نعقد فيه الدورات والمجالس ونحاول أن نَفَسِّرَهُ ونقف على كنوزه وذخائره، هذا الكتاب هو كتاب الهداية، هذا الكتاب كلام الله تكلم به حقيقة من فوق سبع سماوات وأعطاه لجبريل لينزل هذا الكتاب من فوق سبع سماوات في رحلة ملائكية إلى الأرض ليتلقى محمد صلى الله عليه وسلم من في.
جبريل، ثم ليعطينا محمد صلى الله عليه وسلم كلام رب العالمين. هذا كلام الله، فهو مليء بالكنوز، كنوزه لا تنفد، ذخائره عظيمة. الحمد لله نعمة عظيمة أن بين أيدينا هذا الكتاب، ومحروم غاية الحرمان من ينصرف عن هذا الكتاب ولا يتدبر ولا يعيش معه ولا يقرأه، محروم من لم يرزق حلاوة الأنس واللذة في قراءته.
الحمد لله، الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيماً، أي كتاباً مستقيماً، قيماً لينذر باسّاً شديداً. الكتاب من أهم مقاصده إنذار الذين يعصون الله ويشركون بالله ويدعون الولد لله، ويبشر في المقابل المؤمنين المتقين الذين ساروا على درب الهداية. فهذه من أهم رسائل الكتاب، هذا الكلام العظيم التي جاءت مبثوثة في ثنايا السور.
فإذا سورة الكهف باختصار هي سورة أجابت عن هذا السؤال، أجابت عن هذا السؤال الذي وجهه اليهود من خلال كفار قريش أو هاي الأسئلة التي وجهها اليهود من خلال كفار قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فلاحظ أن قسماً من هذه الإجابة ورد في سورة الإسراء، ثم بعد ذلك القسم الثاني والثالث ورد في سورة الكهف. فكان من المناسب أن تذكر سورة الكهف بعد سورة الإسراء.
سورة الإسراء أجابت عن موضوع الروح: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي، فكانت سورة الكهف من المناسب أن تقع بعد سورة الإسراء؛ لأن فيها الإجابة عن قصة أصحاب الكهف وعن قصة ذي القرنين، تمام، فضلا عن القصص الأخرى يعني التي وردت في هذه الصورة.
حتى لا أطيل في هذه الفكرة؛ لأن هناك أيضاً أكار أخرى ذكرها أي ابن الزبير، أرجو أن تقرؤوها. دعوني أنتقل إلى سورة مريم، ما مناسبة سورة مريم لسورة الكهف؟ لما قال الله تعالى في سورة الكهف: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا، أي أتظن يا محمد صلى الله عليه وسلم أن قصة أصحاب الكهف مع الرقيم هي أعجب القصص التي سنسرد عليك؟ فهناك ما هو أعجب منها.
فبعد أن ذكر قصة أصحاب الكهف، أراد الله سبحانه وتعالى في سورة مريم أن يبين للنبي صلى الله عليه وسلم ما هو أعجب من قصة أصحاب الكهف، وذكر له قصة زكريا وكيف أن الله سبحانه وتعالى رزقه الذرية بعد أن كانت امرأته عاقراً وبلغ من الكبر عتياً. ثم ذكر ما هو أعجب وأعجب، فذكر قصة مريم وكيف أنها أنجبت عيسى من دون أن يكون له أب.
فكان هناك تسلسل في ذكر القصص العجيبة: من قصة أصحاب الكهف، إلى قصة ذي القرنين، إلى قصة إنجاب يحيى لزكريا مع امرأته العاقر، إلى قصة عيسى عليه السلام. كل هذا من الأمور العجيبة التي تدل على عظمة هذا الإله، وفي طيات ذلك تصحيح للمعتقدات وتبييت وتبكيت للكافرين الذين يحاولون الطعن في علم النبي صلى الله عليه وسلم وفي رسالته.
ثم بعد ذلك تأتي سورة طه لما ذكر سبحانه وتعالى، أي يعني هو ذكر عدة أوجه في الحقيقة سورة طه، لا أريد أن أذكر الوجه الأول، أنتقل للوجه الثاني في مناسبة سورة طه. الآن سورة مريم أحبابي الكرام، سورة مريم بماذا انتهت؟ انتهت سورة مريم يخبر الله سبحانه وتعالى في خاتمتها، أي أن هذا الكتاب العزيز وأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أرسله الله عز وجل لينذر به أي بالوحي قوماً لُدّاً، أي قوماً كثيري الجدل والمخاصمة.
واللدد هم الخصوم الأشدّاء في الخصومة، فبينما كان الكتاب ليُنذر هؤلاء اللدّ وليكون بشارة للمؤمنين، أرسله الله سبحانه ليكون بشارة للمؤمنين ولينذر لُدّاً. النبي صلى الله عليه وسلم كان ياخذه الحزن على قومه، هؤلاء القوم اللد الذين يجادلون ويناقشون ويستهزئون به ويواجهونه، كان بأبيه وأمه صلوات ربي وسلامه عليه، كان أولاً مشفقاً عليهم، ثانياً النبي صلى الله عليه وسلم كان منزعجاً من كثرة ذاك الأذى ومن كثرة ما وقع لأصحابه من الاضطهاد على يد كفار قريش.
فهنا بدات سورة طه تقول للنبي صلى الله عليه وسلم: طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى. لا تظن يا محمد صلى الله عليه وسلم أنا أنزلنا عليك هذا الكتاب وأرسلناك بهذه الرساله لتكون حياتك في شقاء، كلا، ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، فأنت مبعوث لتهدي هؤلاء القوم اللد ولتهدي البشرية جمعاء من بعدهم. طه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى.
هنا يقول ابن الزبير الغرناطي: وقد راى صلى الله عليه وسلم من تأخر قريش عن الإسلام ولدد أي نقاشها ومنازعاتها ومحاربتها ومجادلتها، فبشره الله سبحانه وتعالى بأنه ما أنزل عليه هذا القرآن ليكون شقاء عليه، فلا عليك من لدد هؤلاء وتوقفهم، فسيستجيب لهم، فسيستجيب الله سبحانه وتعالى لكثير منهم، بل أراخ لكيف انقلب حال سحرة فرعون، أن الله سبحانه وتعالى ابتداء بعد أن كانوا معارضين لموسى يتحدون كيف انقلب حالهم إلى استجابة وخضوع لله سبحانه وتعالى.
وأيضاً أخبره عن قصة بني إسرائيل الذين اتبعوا موسى وأطاعوه في بادئ أمرهم وكيف أن الله سبحانه وتعالى أنقذهم وجعلهم أئمة في الأرض بعد أن كانوا أذلاء على يد فرعون. وهذه كلها رسائل للنبي صلى الله عليه وسلم أن قومك يمكن أن يستجيبوا لك فلا تياس ولا يصيبك الحزن، فهؤلاء سحرة فرعون بعد أن كانوا من أفجر الفجرة وبعد أن كانوا من السحرة المتغطرسين في ساعة واحدة وفي لحظة الإيمان انقلب حالهم ليقولوا لفرعون: لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي خَلَقَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ۖ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ.
عقيدة تتجلى في نفوسهم بعد أن كانوا سحرة متغطرسين، فلا تياس يا محمد صلى الله عليه وسلم، نعم أرسلناك لتنذر به قوماً لدّاً، وهؤلاء القوم جادلوك ونازعوك وحاربوك، لكن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يهديهم، وهذا فعلا ما وقع لكثير من هؤلاء المشركين لما أسلموا عبر مراحل دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، وكثير منهم أسلم يوم الفتح، فها هو أبو سفيان وها هو صفوان بن أمية وهو عكرمه بن أبي جهل وهذا عمرو بن العاص وهذا خالد بن الوليد وغيرهم ممن كانوا من القوم اللد، إذا بهم يصبحون من أئمة الإسلام وفرسان هذه الدعوة المباركة.
فاتت إذا سورة طه من خلال القصص التي سردتها: قصة موسى مع فرعون مع السحرة، مع نجاة بني إسرائيل من الاستضعاف، لتعلم النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والاجيال اللاحقة أن هذا الدين منتصر، وأننا أصحاب الوحي، أصحاب هذا الكتاب، لم ينزل الله عز وجل علينا هذا الكتاب لنشقى به، فمن استمسك بهذا الكتاب واعتصم به وجعله دستورا ومنهجا وهداية، لابد وأن يظهر ولو بعد حين.
بعد كل هذا السرد، تأتي سورة الأنبياء. سورة الأنبياء لما تقدم قوله سبحانه وتعالى في ختام سورة طه لنبيه صلى الله عليه وسلم، ماذا قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم في ختام سورة طه؟ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَالْعَاقِبَةُ لِتَّقْوَىٰ إلى آخر السورة.
لما قال سبحانه وتعالى فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى، جاء مطلع سورة الأنبياء: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ. وكان هذا الالتحام يريد أن يقول لنا: لا تمدن عينيك يا محمد صلى الله عليه وسلم إلى لذة الدنيا التي مُنحت هؤلاء الكفرة، فإني جعلت هذه اللذة التي منحتها إياهم فتنة لهم وسيسألون عنها عما قريب، فقد اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون، الأمر قريب يا محمد صلى الله عليه وسلم، فالثبات الثبات أيها السائرون إلى الله سبحانه وتعالى.
ثم قصة الأنبياء، عفواً سورة الأنبياء، أتت لتكمل ذاك العقد الذي بدأته سورة طه في بيان كيف أن الله سبحانه وتعالى ينجي أنبيائه ورسله. يا محمد صلى الله عليه وسلم، لا تخف من هؤلاء المشركين، لا تقلق من تحديهم لك ومحاربتهم لك، فهذه قصة إبراهيم وكيف نجاه الله عز وجل من قومه بعد أن كسر أصنامهم، هذه قصة لوط وكيف نجاه الله من قومه، هذه قصة نوح وكيف نجاه الله من قومه، هذه قصة أيوب وكيف شفاه الله من البلاء، وهذه قصة ذي النون وكيف خرج من بطن الحوت، وهذه قصة زكريا وكيف الله عز وجل منحه ذرية.
وذكرت قصة سورة الأنبياء قصص متعددة لأنبياء امتحنوا بامتحانات مختلفه وكيف أن الله اجتباهم واختارهم ومنحهم ووهبهم. فيا محمد صلى الله عليه وسلم ستكونان من هذا العقد الفريد. يا محمد صلى الله عليه وسلم، لا تقلق، لا تحزن، هذه المثبتات كلها لك وللدعاة من بعدك، هذه المثبتات كلها أتت لك وللدعاة من بعدك.
فسورة الأنبياء من قصة إبراهيم إلى قصة لوط إلى قصة نوح إلى قصة أيوب إلى قصة ذي النون إلى قصة زكريا إلى كل ما سردته من هذه المشاهد المتتابعة، هي تثبيت وتعزيز لقلب النبي صلى الله عليه وسلم وقلب الدعاة إلى الله، وبيان كيف أن الله سبحانه وتعالى ينجي عباده المؤمنين، كما أن سورة طه أيضا تكلمت عن هذه الفكرة لما بينت كيف نجى موسى وبني إسرائيل من قوم فرعون، وكيف أن الله سبحانه وتعالى أظهر بني إسرائيل بعد أن تعرضوا للاضطهاد والذل على يد فرعون.
ثم لما ختمت سورة الأنبياء بذكر مشاهد اليوم الآخر، أي يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعُيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ، جاءت سورة الحج في مطلعها لبيان طبيعة هذا اليوم الآخر، وكذلك سورة الأنبياء. سورة الأنبياء أحبابي في مطلعها وفي ختامها تحدثت عن اليوم الآخر كما مر معنا في بداية سورة الأنبياء: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ، وفي نهايتها: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ، وذكر الجنة والنار، فناسب هذا أن تبدأ سورة الحج بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، وذكر أهوال يوم القيامة ثم ذكر دلائل البعث: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم.
فبينت مطلع سورة الحج بين دلائل البعث، وأن الذي خلق الخلق أول مرة قادر على أن يخلقهم مرة أخرى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
ثم نختم بالسورة الأخيرة، سورة المؤمنون. قال فصل في افتتاحها، ما أجمل في ختام سورة الحج؟ سورة الحج الآية قبل الأخيرة منها كانت قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. يا من تطلبون الفلاح اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير، كلمة الخير جاءت مجملة، ولكن الطريق، هذا طريق الركوع والسجود وفعل الخير إلى ما يقود إلى الفلاح، هذا الإجمال جاء ليفصل في مطلع سورة المؤمنون: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ.
يا من ذكرناكم بالفلاح في ختام سورة الحج تريدون الفلاح مفصلاً؟ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، من هم يا الله؟ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ، أُولَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ.
فذكر سبع خصال، هذه الخصال السبع هي طريق الفلاح الذي أجمله في سوره الحج وبسطه في مطلع سورة المؤمنين، ليعرف عباد الله سبحانه وتعالى طريق الفلاح الذي يوصلهم إلى السعادة الأبدية والراحة السرمدية. ونلاحظ أن الله سبحانه وتعالى ذكر سبعة أبواب من العبادات، ثم بعد ذلك ذكر خلق الإنسان مباشره بعد هذه السبع أبواب: أُولَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ، الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ.
ذكر سبع مراحل يمر بها الإنسان في أطوار نشأته، ثم بعد أن ذكر المراحل السبع التي يمر بها الإنسان في أطوار نشأته قال سبحانه: وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ، ذكر السماوات السبع، وهذا من عجيب التناسب في صفحة واحدة نجد الله ذكر سبع أنواع من العبادات تقود إلى الفلاح، ثم ذكر سبع مراحل يمر بها الإنسان في بطن أمه، ثم ذكر سبع سماوات خلقها الله عز وجل فوق هذا الإنسان. فالرقم سبعة له سر، والسر عجيب، وهذا نهاية المجد.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل