تسجيل الدخول

البرهان في تناسب سور القرآن "للغرناطي" | المجلس السادس

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. حياكم الله أحبائي الكرام في مجلس جديد من تعليقنا على كتاب البرهان في تناسب سور القرآن لابن الزبير الغرناطي رحمه الله تعالى عليه.

وقد وصل بنا الحديث إلى سورة النور. فيا ترى ما وجه مناسبة سورة النور للسورة التي سبقتها، ألا وهي سورة المؤمنون؟ في مطلع سورة المؤمنون، الله سبحانه وتعالى يبين صفات ورثة الفردوس، فذكر مجموعة من الصفات، ومن تلك الصفات السبع قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. من أبرز صفات ورثة الفردوس أنهم يحافظون على فروجهم، فلا يرتكبون المحرمات والفواحش، وإنما يفرغون هذه الشهوات في المجال الذي أذن الله سبحانه وتعالى فيه: إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. هذا المجال الله سبحانه وتعالى أذن فيه.

وما تجاوز ذلك فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون. من تجاوز مواطن الأذن فقد أصبح معتدياً على حكم الله سبحانه، ومن اعتدى على حكم الله لابد وأن تنزل به العقوبة. فجاءت سورة النور لتبين في مطلعها العقوبة التي أمر الله سبحانه وتعالى أن تنزل بمن اقترف جريمة الزنا في الدنيا قبل الآخرة.

فبين سبحانه وتعالى الذين يعتدون على الفروج فيرتكبون الفواحش، ما عقوبتهم التي يجب أن يعاقبوا بها في الدنيا؟ قال سبحانه في مطلع سورة النور: سُورَةٍ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ. فذكر الله سبحانه وتعالى الحد الذي يقع بالزان البكر والزاني البكر الذين لم يحصنا، واما من أحصن فهذا حكمه الرجم وقد بينته السنة المطهرة.

ثم بعد ذلك استطردت سورة النور بذكر الأحكام والآداب والأخلاقيات، التي في المحافظة عليها يكون صيانة للأفراد وللأسرة؛ كحفظ النساء، من عدم استئذان الناس بعضهم على بعض في الدخول إلى المنازل وخروج منها. فجاءت سورة النور من بدايتها إلى نهايتها تدندن حول هذه الأفكار.

فبينت سورة النور آداب دخول المنازل وأهمية الاستئذان. بينت سورة النور أهمية غض البصر للرجال وللنساء: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ... وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ. بينت سورة النور أيضاً أي من هم محارم المرأة الذين يجوز لها أن تتكشف أمامهم، وما عدا ذلك فيجب عليها أن تستتر وأن تضرب الحجاب على نفسها، فقال سبحانه: وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ. فأمر الله سبحانه وتعالى المرأة أن تنزل خمارها، والخمار غطاء الرأس، أن تنزله ليس فقط على رأسها، بل حتى ينزل على جيبها، والمراد بالجيب الصدر. وبينت من هم المحارم الذين يجوز لها أن تبدي الزينة أمامهم، وهذا شيء معلوم بإذن الله.

ثم أيضاً تابعت السورة في بيان آداب استئذان أهل البيت الواحد على بعضهم البعض، قال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ إلى آخر الآيات. ثم بينت الآيات أيضاً الختامية في سورة النور إباحة أن يأكل الانسان من بيت أبيه وأمه وأعمامه وعماته وخواله وخالاته، وذكرت أيضاً أهمية وفضيله أن يأكل الناس جميعاً ولكنها خيرت: فَإِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً... أَوْ أَشْتَاتاً فَلا حُرْجَ، المهم أن يكون الطعام طيباً مباركاً فيه.

إذاً، سورة النور تدندن حول الأخلاقيات والآداب والأحكام التي بها يحافظ على العفة وصيانة المجتمع، وتحذر من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، فقال سبحانه في سورة النور أيضاً: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ. وأشارت إلى أهمية الحذر من خطوات الشيطان وأهمية تزكية النفس وسؤال الله سبحانه وتعالى أن يوفق لذلك، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً.

كذلك حذرت سورة النور من رمي المحصنات الطاهرات العفيفات بالزنا، وأيضاً حرصت على اختيار البنات الطيبات للرجال الطيبين، وبينت أن الأطهار لهم الطاهرات، وأن الخبيثين لهم الخبيثات. فالإنسان يحرص على أن يربّي أبناءه وأن يربّي البنات ليكونوا أجيالاً صالحين لهذه الأمة، لتنشأ منهم نواة المجتمع الذي يغيّر بإذن الله واقع المسلمين اليوم. إذاً، هذه قصة سورة النور باختصار.

وبعدها تأتي سورة الفرقان، فما علاقة سورة الفرقان بسورة النور؟ يقول ابن الزبير: لما تضمنت سورة النور بيان الكثير من الأحكام؛ كبيان حكم الزنا، وحكم رمي النساء العفيفات، وحكم الاستئذان، وحكم الحجاب، وبينت أن مجموعة من الأحكام أيضاً المتعلقة بالمنافقين؛ كيف أنهم إذا دعوا إلى حكم الله سبحانه وتعالى تجدهم مرتابين معرضين، وإذا دعوا إلى أهوائهم وملذاتهم تجدهم مسرعين، ثم أخبر سبحانه وتعالى كيف أن الغلبة ستكون لأهل الإيمان على أهل النفاق والكفر: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ. هذا كله، هذه الآيات وهذه الأحكام فيها بيان للفرقان الذي سيفرق الله سبحانه وتعالى فيه بين الحق والباطل، خاصة المقطع من سورة النور الذي يتحدث عن المنافقين الذين يدعون إلى شرع الله سبحانه وتعالى فيرتابوا ويعرضوا، وكيف أن الله سبحانه وتعالى أخبر عباده المؤمنين في نهاية المطاف أن الغلبة والتمكين سيكون لهم، فقال: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ.

يقول ابن الزبير: فكان مجموع هذه الأحكام وهذه الوعود الإلهية فرقاناً يعتضد به الإيمان، ولا ينكره مقر بالرحمن، يشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بصحه رسالته، ويوضح مضمون قوله تعالى: لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً.

إذاً، فجاء مطلع سورة الفرقان: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ. الفرقان هو القرآن، الفارق بين الحق والباطل، الفارق بين أهل الإيمان وبين أهل النفاق، الفارق بين أهل الإيمان وبين أهل الكفر. فقال سبحانه وتعالى: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً. فهذا فيه -طبعاً- نوع من التحذير للمنافقين والكفار، ولكل من يحارب هذه الدعوة، أن هذا الكتاب العزيز أنزله الله سبحانه وتعالى ليكون فرقاناً بين الحق والباطل، وأن الذين يعتقدون بهذا الفرقان ويتمسكون به ستكون النهاية لهم. فالله سبحانه وتعالى وعدهم في سورة النور: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ.

إذاً، سورة الفرقان كأنها جاءت لتبين ما سبق بيانه في سورة النور من المفارقة بين أهل الحق وأهل الباطل، وأن الغلبة ستكون لأهل الحق. فقال سبحانه: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً. ثم بعد ذلك تتابعت السورة في تقريع الكافرين وتخويفهم وزجرهم، وبيان ما سيتعرضون له في نار جهنم، وما هي الأهوال التي تنتظرهم.

فهذا التخويف وهذا التقريع، وفي نفس الوقت الإجابة وتثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم لكثره التساؤلات والشكوك التي طرحها الكفار حوله؛ عندما سألوا: لماذا لا ينزل إليه ملك؟ وقالوا: مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأسْوَاقِ؟ وقالوا: لماذا لم ينزل عليه القرآن جملة واحدة؟ وقالوا: وَمَا الرَّحْمَنُ؟ كل هذه التساؤلات والشبهات والافتراءات التي أطلقها كفار قريش، والتي كان يحزن النبي صلى الله عليه وسلم من سماعها، جاءت سورة الفرقان لتثبت قلب النبي صلى الله عليه وسلم تجاهها، ولتقدم له الإجابات الشافيه التي تسليه وتزيده ثباتاً في طريقه إلى الله سبحانه.

ثم تاتي سوره الشعراء بعد ذلك، يقول ابن الزبير: لما عرفت سورة الفرقان بشنيع مرتكب الكفرة المعاندين، وختمت بما ذكر من الوعيد -لأنه آخر آية في سورة الفرقان يقول سبحانه وتعالى للكافرين: فَقَدْ كَذَبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً، أي كذبتم برسولي وآياتي فسوف يكون لزاماً لكم لا تفارقكم- وختمت بما ذكر من الوعيد، كان ذلك مظنة لإشفاق صلى الله عليه وسلم وتأسفه على فوت إيمانهم لما جبل عليه من الرحمة والإشفاق. الآن، ختام سورة الفرقان كان وعيداً شديداً لكفار مكة أن العقوبة لزمت خلاص، بعد هذا العناد، بعد هذا الصدود، بعد الأذية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللصحابة، بعد كل هذا الأعراض: فَقَدْ كَذَبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً. الآن، النبي صلى الله عليه وسلم جبلة الله عز وجل على الشفقة والرحمة بقومه، فلما الله سبحانه وتعالى أسمع نبيه هذا الوعيد الشديد الذي سيحل بقومه، النبي صلى الله عليه وسلم -شيء طبيعي بناء على أنه جبل على الشفقة والرحمة- سيحزن عليهم، ويتقطع قلبه، ويتأسف على هؤلاء القوم حسرة أن ينزل بهم العذاب.

لذلك يقول: كان ذلك مظنة لإشفاق صلى الله عليه وسلم وتأسفه على فوت إيمانهم لما جبل عليه من الرحمة والإشفاق. فافتتحت سورة الشعراء بتسلية النبي صلى الله عليه وسلم: طسم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ. أي مهلك نفسك لعدم إيمانهم، هل أنت ستهلك نفسك يا محمد صلى الله عليه وسلم وتتقطع على عدم إيمانهم؟ لا تهلك نفسك. فهذه الآيات جاءتهم وهذه القوارع والزواجر قد أتتهم، لكنهم مصرون على الكفر، وانه سبحانه وتعالى لو شاء لأنزل عليهم آية تبهرهم وتذل جبابرتهم لها خاضعين.

إذاً، هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم حتى يعني يستريح قلبه ويطمئن فؤاده وتنزله عليه السكينة: أنك يا محمد صلى الله عليه وسلم قد بلغت ولم تقصر، وفعلت ما يمكن أن تفعله تجاههم. ثم بعد ذلك ما سيكون من عقوبة الله سبحانه وتعالى لهم، هذه أقدار الله سبحانه وتعالى.

ثم ذكر الله عز وجل قصة موسى مع فرعون، وهذه من القصص التي يكثر الله سبحانه وتعالى من ذكرها في موطن تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يهلك نفسه أسفاً على فوت إيمان قومه. ثم بعد قصة موسى، ذكر الله سبحانه وتعالى قصص الأنبياء. ونلاحظ -أحبابي الكرام- أن هذه القصص التي يذكر الله عن الأنبياء السابقين، هي تفاصيل لسنن الله سبحانه وتعالى في هذه البشرية. يعني قد يقول قائل: لماذا التكرار لقصص الأنبياء في مواطن تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيت الدعاة؟ نقول: لأن هذه القصص هي تفاصيل يتبين من خلالها سنن الله سبحانه وتعالى المتكررة.

فأنت عندما تنظر في سورة الشعراء في قصة موسى مع فرعون وكيف انتصر موسى في النهاية، وفي قصة إبراهيم وكيف انتصر إبراهيم في النهاية، وفي قصة نوح وكيف انتصر نوح، وقصة عاد وكيف انتصر عاد وأهلك ظالمون، وقصة صالح، وقصة لوط، وقصة شعيب، هذه التفاصيل المتكررة على مختلف الأزمنة هي تدل على سنن الله المتكررة؛ أنه سبحانه وتعالى يمتحن أهل الإيمان باهل الكفر، ثم بعد ذلك بعد أن تقوم الحجة القاطعة على أهل الكفر يمهلهم الله سبحانه وتعالى ويطيل لهم في أعمالهم، ومع ذلك يصرون على ذلك، حينئذ يختم الله سبحانه وتعالى عليهم بالعذاب ويظهر عباده المؤمنين.

هذه سنة متكررة، عندما يسمع النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآيات تنزل عليه من الله سبحانه وتعالى، يدرك أن هذه القصص وهذه الآيات المراد منها التثبيت، وأخباره أن السنة ستتكرر يا محمد صلى الله عليه وسلم. وهذا ما وقع فعلاً؛ فقد ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على كفار قريش، النبي صلى الله عليه وسلم الذي خرج مهاجراً من مكة بعد أن آذاه قومه، عاد منتصراً، وكانت الغلبة له ولصحابه، وافتتحت الآفاق والشام والعراق وانتشر الإسلام في أصقاع الأرض. فهذا تصديق من الله سبحانه وتعالى لنبيه أن القصص ستتكرر، لابد من الصبر ابتداء.

ثم ختمت سورة الشعراء ببيان أيضاً قيمة هذا القران وأنه نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين. وأخبر سبحانه وتعالى عن تنزيه هذا القران أن تكون تنزلت به الشياطين: وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ. فهذا كله تعظيم لهذا الكلام المتلو، أنه كلام نزل به الروح الأمين جبريل من الله سبحانه وتعالى على قلب النبي صلى الله عليه وسلم ليكون موعظة وليكون هادياً ودالاً على الله سبحانه وتعالى، ولينذر عشيرتك الأقربين ثم ينذر به البشرية جمعاء.

ثم يخبر سبحانه وتعالى أن الشياطين لا يمكن أن تنزل بمثل هذا الكلام، وإنما الشياطين حالها أن تنزل على من؟ على كل أفاك أثيم: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ. ثم تختم السورة: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ.

بعد ذلك تأتي سورة النمل. لما وضح سبحانه في سورة الشعراء عظيم رحمته بإنزال هذا الكتاب، وبيان ما تضمنه مما فضح به الأعداء، ورحم به الأولياء، وبراءة هذا القرآن من أن تتصور الشياطين عليه، وباهر آياته الداعية من اهتدى بها إليه، فتميز بعظيم آياته كونه فرقاناً قاطعاً ونوراً ساطعاً، أتبع سبحانه وتعالى ذلك مدحاً وثناءً، وذكر ما شملته رحمته بهذا الكتاب، فقال سبحانه وتعالى: طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ.

قضية مدح الكتاب والثناء على القرآن وبيان أنه كتاب هدايه وبشرى وتثبيت، هذا كله مما يعزز في قلوبنا -أحبتي الكرام- الإقبال على هذا الكتاب أن نقراه آية آية، سطراً سطراً، وأن نتفكر في الآيات، وأن نبذل كل ما نستطيع من جهد لنفهم الآيات ولنفهم الارتباط ولندرك الرسائل الإلهية، فهذا الكتاب الله سبحانه وتعالى كثيراً -بل لا تكاد تخلو سورة، خاصة من هذه السور الطويلة إلا فيها إشارة إلى عظيم أثر هذا الكتاب.

في نفوس المؤمنين قاسين. تلك آيات القرآن وكتاب مبين هدى وبشرى للمؤمنين.

ثم أي بعد أن بين سبحانه وتعالى أن هذا الكتاب هو كتاب هداية وبشرى يعني هو في سورة الشعراء في ختامها بين عظيم هذا الكتاب أنه نزل به الروح الأمين على قلبك، وأن هذا الكتاب لا تتنزل به الشياطين، وأن الشياطين إنما تتنزل على كل أفاك أثيم، جاء مطلع سورة النمل تعزيزاً لهذه الفكرة وبيان لعظيم هذا الكتاب أيضاً، وأنه كتاب أنزله الله سبحانه وتعالى ليكون هدى وبشرى للمؤمنين، فوصف هؤلاء المؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالأخرة هم يوقنون، بخلاف الذين أي ختم بهم سورة الشعراء: سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ.

فإن الله سبحانه وتعالى بين أن هؤلاء الذين يتوعدهم الله في نهاية سورة الشعراء إنما هم زينت لهم أعمالهم فهم متخبطون في هذه الحياة الدنيا، إلى أن في مطلع سورة النمل يقول سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ، متخبط لا يبصرون النور، يتخبطون بين النور والظلام، يتخبطون بين اليقين والشك في حيرة، وهذا وصف لهؤلاء الذين توعدهم الله سبحانه وتعالى في ختام سورة الشعراء.

ثم بعد ذلك يأتي قصص جديد في سورة النمل، يقص الله قصة آدم عفواً قصة موسى عليه السلام مع فرعون بنمط جديد، وتركز طبعا سورة النمل على مشهد خروج موسى ليكلم الله سبحانه وتعالى في الطور، وكيف أن الله سبحانه وتعالى منحه الآيات، وذكر فرعون في هذه السورة مقتضباً في قوله تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَهَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا.

ثم أطالت السورة بذكر قصة سليمان مع الهدهد ومع سبأ في ثلاث صفحات متتاليات، كانت قصة سليمان والهدهد وبلقيس ملكة سبأ، وهذه القصة فيها عبر وتثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم جاءت قصة ثمود أيضا مرة أخرى وقصة لوط مرة أخرى، ثم ختم الله سبحانه وتعالى ببيان شيء من أهوال الدار الآخرة، ختم الله سبحانه وتعالى بذكر شيء من أهوال الدار الآخرة.

فكما أنه في مطلع سورة النمل قال: الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالأخرة هم يوقنون، ووصف الكفار: أن الذين لا يؤمنون بالأخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون، ختمت السورة بذكر أهوال يوم القيامة الذي يؤمن به أهل الإيمان ويكذب به أهل الكفر والنفاق والعياذ بالله.

ثم بعد ذلك تأتي سورة القصص، يقول ابن الزبير: لما تضمن قوله تعالى في ختام سورة النمل: إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ الْبَلْدَةِ، هذه البلدة هي مكة، إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ.

لما تضمن هذا المقطع الأخير من سورة النمل إلى آخر السورة من التخويف والترهيب والإنذار والتهديد مع ما فيه من الإشعار بأنه صلى الله عليه وسلم سيملك مكة؛ لأن الله عز وجل ايش قال في آخر سورة النمل: إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها، فالله سبحانه وتعالى حرم هذه البلدة ومن تحريمه لها أنه لا يجعل فيها يداً غالبة للكافرين، وهذا فيه إشارة وتنبيه إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم سيغلب فيها؛ لأن السورة بماذا ختمت؟ سنريهم آياتنا في الآفاق، وقل الحمد لله ختمت السورة: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ، آيات الله سبحانه وتعالى بالنصر والتمكين لعباده المؤمنين وقلع جذور الكافرين من تلك الأرض الطيبة الطاهرة.

إذاً، لما كانت إذاً هذه السورة سورة النمل ختمت بالشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم سيملك مكة وأن الله سيفتحها عليه ويذل عتاة قريش وممرضيهم ويعز اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ومن استضعفت قريش من المؤمنين، أتبع الله سبحانه وتعالى هذا الختام بذكر قصة موسى عليه السلام من بدايتها منذ أن كان طفلاً رضيعاً عند أمه إلى نهايتها، وهذه القصة قصة موسى مع فرعون ومع بني إسرائيل وكيف تقلبت به الحياة.

كل هذه القصص هي فيها تعليم للصحابه الكرام: انظروا كيف كان حال بني إسرائيل في اضطهاد في تعذيب في تنكيل ينزل فرعون بهم، ثم كيف الله سبحانه وتعالى أظهر لهم الغلبة، كيف خرج موسى خائفاً من البلدة من مصر وكيف عاد منتصراً، هذه كله فيه إشارة للنبي صلى الله عليه وسلم الذي خرج من مكة تجاه المدينة بعد أن أجبره الكفار على هذا الخروج وكيف أنه سيعود منتصراً.

ثم في إشارة أيضاً للصحابه الكرام أن ما حدث لبني إسرائيل من الاستضعاف ثم بعد ذلك أهلك الله عدوهم وانتصروا وغلبوا وأصبحت الراية لهم، هذه من سنن الله المتكررة فلا يقلقكم ولا يزعجكم ما يفعله كفار قريش بكم، فالله سبحانه وتعالى يقول في بداية سورة القصص: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ.

هذا المقطع في مطلع سورة القصص هو وإن ورد في قصة موسى مع فرعون وبني إسرائيل لكنه إشارة للصحابة الكرام أنكم وإن استضعفتم الآن في أرض مكة فإن العاقبة ستكون لكم، فانظروا كيف استضعف بنو إسرائيل تحت سياط فرعون ثم انظروا كيف كانت العاقبة لهم.

وفي ختام سورة القصص يقول ابن الزبير قوله تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُكَ إِلَى مَعَادٍ، ابن الزبير يقول المراد بالمعاد في هذه الآية عاد أي العودة إلى مكة المكرمة فاتحاً، وهذا يتناسق مع ختام سورة النمل سورة النمل: إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا فيه إشارة إلى فتح مكة.

ثم تأتي سورة القصص أيضاً في ختامها تؤكد هذه القضية في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ أي انزل عليك القرآن لَرَادُكَ إِلَى مَعَادٍ سترد إلى مكة فاتحاً منتصراً، فلا يصدنك هؤلاء المشركون عن دعوتك، عليك بالثبات، موسى ابتلي منذ طفولته لما ألقته أمه وابتليت أمه معه ثم ابتلي بعد ذلك على مراحل الحياة ثم انتصر وعاد منتصراً ومحق الله سبحانه وتعالى فرعون، فعليكم أن ترفعوا المعنويات والهمم وأن تزدادوا يقيناً بالله، وفي خلال هذه القصص عبرة للمعتبرين.

ثم جاءت سورة العنكبوت لما كانت سورة القصص تتكلم عن أصناف البلاء المختلفة التي يتعرض لها أهل الإيمان، فتكلمت عن ابتلاء أم موسى بابنها كيف أن الله سبحانه وتعالى أمرها أن تلقي ابنها في اليم وهذا شكل من أشكال البلاء حيث تتفطر الأم على ابنها، ثم ذكر الله عز وجل كيف ابتلي بنو إسرائيل عموماً تحت سياط فرعون، ثم ذكر سبحانه وتعالى بلاء موسى لما قتل الرجل وكيف أنه هرب خوفاً من القتل، وبعد ذلك أصبح في مدين وكيف أنه تزوج من بنت ذاك الرجل الصالح، وكيف بعد ذلك كلمه الله سبحانه وتعالى.

فالمهم لما تضمنت سورة القصص العديد من صور البلاء بل حتى في ختامها سورة القصص تكلمت عن قصة قارون، وقارون ممن ابتلي أيضاً، لكنه ابتلي بماذا؟ بزينه الحياة الدنيا، فهذا شكل آخر من أشكال البلاء، فالبلاء ليس دائماً يكون بالعذاب والقتل، بل قد يكون البلاء أيضاً بالرخاء، وهذه لفتة جميلة انتبه لها ابن الزبير الغرناطي.

لما ذكرت كل هذه الأشكال من أشكال البلاء جاء مطلع سورة العنكبوت يقول سبحانه وتعالى فيه ليفهم الناس وليعقلوا الطريق: الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، سنن الله المتكررة أحبابي، وهنا أحبابي أنبهكم إلى قضية القصص القرآني.

حتى سورة العنكبوت بعد أن ذكرت هذه السنة في مطلعها سنة البلاء لأهل الإيمان ليميز الله الخبيث من الطيب، وكيف أن هناك أناساً يعبدون الله على حرف، ومن الناس من يقول آمنا بالله في مطلع سورة العنكبوت في الصفحة الأولى يخبر سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ أي أنه مستعد أن ينقلب على عقبيه وأن يبدل دينه وأن يدخل نار جهنم والعياذ بالله ولا يصاب بأذى في طريقه في الحياة الدنيا، وهذا ليس حال أهل الإيمان.

فيا أهل الإيمان عليكم أن تبصروا طريق الإيمان، طريق محفوف بالشوك طريق فيه آلام يحتاج إلى القبض على الجمر وهذه سنة الله، ثم ذكرت مرة أخرى قصة نوح الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، وقصة إبراهيم مع قومه لما قالوا اقتلوه أو حرقوه، وقصة لوط لما قال إني مهاجر إلى ربي والبعض يقول الذي قاله إبراهيم عليه السلام لكن المهم لوط هاجر إلى ربه، وقصة شعيب، وقصة لوط.

ثم ذكر سبحانه وتعالى أنواع العذاب المتعددة التي أنزلها بالكافرين، فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض، فهذه القصص التي يذكرها الله تباعاً وتتكرر في كل سورة طبعا في كل سورة تتكرر أصل القصة، لكن التفاصيل التي تذكر والالفاظ التي ينبه لها والأسلوب يختلف وكل موطن له حكمة، لكن المهم أن هذه القصص كلما قراها المؤمن وأعادها مرة يقرأها في القصص، مرة يقرأها في الشعراء، مرة يقرأها في النمل، مرة يقرأها في العنكبوت، مرة يقرأها في البقرة، مرة وهكذا.

كلما قرات هذه القصص عليك عبد الله أن تتفكر في السنن المراد الإشارة إليها، هناك سنن إلهية يريد الله سبحانه وتعالى أن تنتبه إليها وأنت تقرا في هذه القصص، وأن تنظر في واقع الأمة اليوم، فتنظر في تسلط الأعداء على المؤمنين وكيف أن عدواً امتلك هذه الترسانة وهذه القوة العسكرية، لكن الله سبحانه وتعالى إذا جاء أمره سينتصر عباده المؤمنون، سينتصر عباده المؤمنون وستكون الدولة لهم، وسينزل الله عز وجل من العذاب ما لا يتصور وما لا يخطر على بال بهؤلاء الكافرين.

لكن ما الذي يجب علينا أن نفعله هو الثبات وأن يققدم كل شخص منا ما يستطيع أن يقدمه في ثغره، أن يعرف الإنسان طاقته وما الذي يحسنه ليخدم هذا الدين، أبذل لهذا الدين وانتظر النتائج المبهرة من الله سبحانه وتعالى، إذاً هذه سورة العنكبوت تاتي ضمن السياق العام في بيان تقلبات أهل الإيمان في مراحل البلاء والنصر، وكيف أنه لا يكون هناك تمكين إلا وقد سبق ببلاء.

ثم تاتي سورة الروم وهي السورة الأخيرة التي نختم بها مجلس اليوم، يقول ابن الزبير الغرناطي: لما عنف سبحانه وتعالى أهل مكة في نهاية سوره العنكبوت، عنف الله سبحانه وتعالى أهل مكة فقال سبحانه: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ، ألا ينظر أهل مكة الكفار الذين جاوروا بيت الله الحرام، ألا ينظرون كيف أن الله جعل منطقة مكة منطقة آمنة تاريخياً والأمم والدول ممن حولهم يتقاتلون وينهب بعضهم بعضاً وتسفك الدماء ولا تمد أيدي إلى بيت الله الحرام؟

هذا أبرهة الأشرم لما حاول أن يهدم الكعبة كيف الله سبحانه وتعالى أنزل بهم الطير الأبابيل، وهؤلاء الروم والفرس ممن حولكم مع أنهم أكثر عتادا منكم يا كفار قريش وأكثر أنفساً وأكثر تقدم حضاري وأمم، لكنهم يتقاتلون ويسفكون دماء بعضهم ويبيد بعضهم بعضاً وأنتم الله سبحانه وتعالى جعلكم في حرم آمن، أليست هذه النعمة كانت تستوجب منكم أن تعظموا أمر الله وأن تنقادوا لشرع الله وأن توحدوا الله وأن لا تعادوا رسل الله سبحانه وتعالى؟

إذاً، جاءت سورة الروم كأنها نوع من التوبيخ والزجر المناسب مع ختام سورة العنكبوت: الم، غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ.

وهذه ينصر من يشأء فيها نوع من التخويف لكفار قريش أنكم إذا بقيتم على هذه الحال معاندين لله مع أنكم في حرم الله فإن الله سبحانه وتعالى سيعطي نصره من يشاء وسيعطي نصره لعباده المؤمنين بالتحديد: يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ.

إذاً، لما عنف سبحانه أهل مكة ونعى عليهم صنيعهم في التغافل عن الاعتبار بحالهم وكونهم مع قلة عددهم قد منع الله بلدهم عن قاصد نهبه وكف أيد العتاة والمتمردين عنهم مع تعاور أيدي المنتهب على من حولهم وتكرر ذلك واطراد صونا منه تعالى لحرمه ولبيته، فقال في آخر سورة العنكبوت: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أي ألم يكفيهم هذا في الاعتبار ليتبينوا أن ذلك ليس عن قوة منهم أي عن قوة من كفار قريش ولا أنهم أحسنوا الدفاع وإنما هو بصون الله إياهم بمجاورة بيته الحرام وملازمة أمنه مع أنهم أقل العرب، أفلا يرون قدر هذه النعمة ويقابلونها بالشكر والاستجابة قبل أن يحل بهم النقم ويسلب سبحانه وتعالى النعم؟

فلما قدم تذكار بهذا أعقب بذكر طائفة هم أكثر منهم وأشد قوة وأوسع بلاداً وقد أيد عليهم غيرهم ولم يغني عنهم انتشارهم وكثرتهم، فقال: غلبت الروم، يعني انظروا الم، غلبت الروم يعني يا كفار قريش غلبت الروم هزمت الروم مع كثرة العدد والعدة وانتشارهم في البلاد، غلبت الروم وسينتصر بعد ذلك وسيغلب الفرس مع كثرة عدد الفرس والعتاد عندهم أيضاً وكثرة انتشارهم.

فما المانع من أن يحل بكم شيء من هذا العقاب الإلهي وأنتم أضعف حالاً من الروم والفرس وأقل عدداً ولا تملكون من الطاقات ما يمتلكون؟ فهذا فيه دفع لهم إلى

أن يوحدوا الله، إلى أن يطيعوا الله عز وجل ورسل الله، ويعلموا أنهم إنما هم مؤيدون من الله إذا استمسكوا بحبل الله سبحانه وتعالى، واتبعوا محمدا صلى الله عليه وسلم.

وأما إذا لم يتبعوه هانوا على الله كما هان الفرس والروم، وسينصر تعالى عباده المؤمنين، وعد الله لا يخلف الله وعده.

ثم تختم سورة الروم للنبي صلى الله عليه وسلم: إذا لم يستجب هؤلاء المشركون لك مع هذا الإنذار ومع هذا التنبيه فاصبر، آخر آية في سورة الروم فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ.

لا تنظر إلى المشككين، لا تسمع لهؤلاء الذين يثبطون ويقولون لك لن تنتصر يا محمد صلى الله عليه وسلم، فقط عليك أن تصبر، فاصبر إن وعد الله حق وستنتصر وسيظهر أمرك، ولا تسمع ولا تصغي للذين لا يوقنون بوعود الله الصادقة.

إذا بداية سورة الروم وعد الله، وختام سورة الروم فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.