بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. هذا هو المجلس الثاني من تعليقنا على كتاب البرهان في تناسب سور القرآن للإمام ابن الزبير الغرناطي رحمه الله تعالى عليه، ووصلنا إلى ذكر مناسبة سورة آل عمران للسورة التي سبقتها وهي سورة البقرة. فقال عليه رحمه الله: اتصالها بسورة البقرة، والله أعلم، من جهات؛ إحداها –هذا هو الأظهر– أنها، ليس إحداهما إحداها، ما يتبين في صدر السورة، أي في مطلع سورة آل عمران هناك إشارة على ما ضمن في سورة البقرة بأسرها. ثم الإشارة في صدر السورة أيضا إلى أن الصراط المستقيم قد بين شأنه لمن تقدم في كتبهم، وأن هذا جاء مصدقا لها، وأن هذا أي القرآن جاء مصدقا لتلك الكتب. الله سبحانه وتعالى في مطلع سورة آل عمران قال: الم اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ، أي ليبين لأمة محمد عليه الصلاة والسلام أن من تقدمهم قد بين لهم الهدى كما بين لكم، وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا.
يريد أن يقول ابن الزبير رحمه الله عليه إن الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة، كما اخذنا في المجلس السابق، لما بين حال الذين خرجوا عن الصراط المستقيم -نحن في سورة الفاتحة نقول: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، سورة البقرة الله سبحانه وتعالى فصل فيها حال الذين خرجوا عن الصراط المستقيم من الكفرة عموما ثم خص الحديث عن اليهود لانهم اكثر الناس خروجا عن هذا الصراط، وأشار إشارة إلى النصارى وتكلم عن مشركي العرب وتكلم أيضا عن المنافقين- يقول ابن الزبير: جاء مطلع سورة آل عمران، يبين الله سبحانه وتعالى فيه أن الأمم السابقة الذين تنكبوا وخرجوا عن الصراط المستقيم كاليهود والنصارى قد جاءتهم كتب من الله سبحانه وتعالى فيها هداية لهم، لكنهم أعرضوا عن هذه الهداية ولم يلتفتوا لها؛ فلا يكونن حالكم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم كحالهم، وقد جاءكم هذا الكتاب كتاب هداية مصدقا لما ورد في الكتب السابقة من الدعوة إلى توحيد الله سبحانه وتعالى والإيمان به والإيمان باليوم الآخر إلى غير ذلك من العقائد.
وهذا من جميل الانتباه، إذا الله سبحانه وتعالى في مطلع سورة آل عمران ماذا قال؟ ألم يقل: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، أي من الكتب، وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ مِن قَبْلُ، أي من قبل هذا الكتاب لتكون هذه التوراة والإنجيل هدى للناس. فالله عز وجل أنزل التوراة لهداية بني إسرائيل، وأنزل الإنجيل لهداية بني إسرائيل، لكن ماذا كان لهداية النصارى يعني أنصار عيسى عليه السلام؟ الآن ماذا كان موقف اليهود من التوراة؟ ماذا كان موقف أنصار اتباع عيسى من الإنجيل؟ كثير منهم تنكبوا وخرجوا ولم يلتفتوا إلى هذه الهدايات الإلهية. طبعا ما المراد من ذلك؟ أن ننتبه نحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لا يكونن حالكم كحالهم، جاءكم هذا الكتاب المصدق للكتب السابقة في دعوتها إلى التوحيد فحذاري أن تكونوا كحالهم، اتبعوا هذا الهدى الذي ذكره الله في مطلع سورة البقرة؛ ألم يقل في مطلع سورة البقرة: ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ؟
إذا لاحظوا فعلا هناك تشابه في مطلع أو خلينا نسميها تناغم وتناسق بين مطلع سورة البقرة وبين مطلع سورة آل عمران. مطلع سورة البقرة يبين أن هذا الكتاب كتاب هداية، ومطلع سورة آل عمران يخبر الله فيه أن الأمم السابقة كاليهود والنصارى جاءتهم كتب الهداية، ماذا كان موقفهم؟ أعرضوا. فأنتم حذاري أن تكونوا كحالهم، وهذا من جميل الارتباط. ثم قال: والثالثة، يعني هنا هو قال الثالثة، أي وكلمة الثانية أنه قال اتصالها بسوره البقرة من جهات نحن قلنا إحداها، طيب الأصل تأتي والثانية، لكن هنا جاءت والثالثة ولم تمر معي كلمة الثانية، فلعل الثانية هي قوله ثم الاشاره في صدر الصوره أيضا ما ذكره سابقا. المهم دعونا نقرا نحن هذا الذي يهمنا.
والثالثة من وجوه الارتباط: قصة عيسى عليه السلام وابتداء أمره من غير أب، والاعتبار به نظير الاعتبار بآدم عليه السلام. الآن في سورة البقرة الله سبحانه وتعالى ذكر قصة آدم وكيف نشأ من دون أب ولا أم، وفي سورة آل عمران ذكر الله عز وجل قصة عيسى وكيف نشأ من دون أب، ثم في سورة آل عمران الله عز وجل يقول: إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ. فالله عز وجل لما يقول: إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ، طيب ما هو مثل آدم؟ اه، إذا سورة البقرة فعلا كانت هي الأنسب أن تقدم على سورة آل عمران في ترتيب المصحف؛ لأن سورة البقرة هي التي تضمنت قصة آدم عليه السلام وكيف كان خلقه، ثم في سورة آل عمران ذكر الله عز وجل بالاستفاضة قصة عيسى عليه السلام وكيف خلقه الله من غير سبب النكاح في وجوده وخلقه، فكذلك عيسى لم توجد فيه سببية النكاح في وجوده وخلقه. الفرق بينهم فقط أن آدم من دون أب ولا أم وعيسى من دون أب، ولكن في كليهما لم توجد سببية النكاح؛ النكاح لم يكن موجود، وهذا اظهار لقدرة الله سبحانه وتعالى على خلق الأمور من دون أسبابها. فالله عز وجل يخلق أشياء بدون السبب وهو قادر على ذلك، ويخلق أشياء من خلال الأسباب ليس احتياجا للأسباب، وإنما ليعلم البشر كيف يستفيد ويستثمر الأسباب التي ضمنت في هذا الكون.
إذا كما أتبعت قصة آدم بذكر بني إسرائيل لوقوفهم من تلك القصة على ما لم تكن العرب تعرفه وأنذروا وحذروا، وأتبعت أيضا قصة عيسى بذكر الحواريين وامر النصارى إلى آية المباهلة، أي أي بعد أن ذكر الله في سورة البقرة قصة آدم ذكر بني إسرائيل ونبه اليهود الذين كانوا موجودين عند النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة وأفاض الأمر لهم، لأن اليهود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كانوا على دراية بقصة آدم أكثر من غيرهم. فكانت ذكر أحوال اليهود بعد ذكر قصة آدم من الأمور التي فيها من التناسب لمعرفة اليهود بأصل آدم وأصل النبوات بعد آدم إلى غير ذلك، وكذلك قصة عيسى ذكر الله عز وجل قصة عيسى وكيف خلقه سبحانه وتعالى ومن أين أتى ثم بعد ذلك أمر النصارى ودعاهم إلى التوحيد في سورة آل عمران. فهو يريد أن يقول: هناك مناسبة بين ذكر قصة بني إسرائيل بعد قصة آدم لأن بني إسرائيل يعرفون من تفاصيل قصة آدم وخلقه ما لا يعرفه العرب لأنهم لم يكونوا أصحاب كتاب، ثم بعد ذلك في في آل عمران ذكر قصة عيسى ثم أمر النصارى بعد ذلك بان يتبعوا دين محمد صلى الله عليه وسلم وآية المباهلة المشهورة؛ لأنه من عرف سبب نزول سورة آل عمران وهو قدوم وفد من نجران من نصارى نجران إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحدثت المباهلة في أمر عيسى، فكان سبب نزولها إذا قدوم وفد النصراني من نجران إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبر الله عز وجل نبيه عليه الصلاه والسلام ليكون على بينة من أمر عيسى وتفاصيل هذه القصة، ثم أمر النصارى بأن يوحدوا الله عز وجل وأن يتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم وأن يدعوهم من الشرك في المسيح ابن مريم.
ثم الآن سيفصل ابن الزبير أكثر في قضية ارتباط سورة آل عمران بالبقرة، يعني سيفصل ما اختصره فقال: ونبين وجه الاتصال من صدر السورة، فاقول مستعينا بالله إن قوله سبحانه نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ عاد ليبين من جديد لكن بالتفصيل: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بيان لحال الكتاب وهو القرآن الذي هو الذي هو هدى للمتقين كما جاء في مطلع سورة البقرة بيان لحال الكتاب الذي هو هدى للمتقين، لما بين افتراق الأمم بحسب السابقة أي بحسب الور بحسب الس السابقة أي التقدير السابق إلى أصناف ثلاثة: يهود ونصارى ومشركين، وذكر من تعن وذكر من تعنيه بني اسرائيل، يعني عفوا لما قال لما بين افتراق الأمم بحسب السابقة إلى أصناف ثلاثة هو إما أن يريد اليهود والنصارى والمشركين وإما أن يريد المؤمنون أي أو يريد عفوا المؤمنين والكفار والمنافقين. وقد يكون هذا يعني هو الأظهر أنه ما المراد بالاصناف الثلاثة هنا؟ هل يقصد اليهود والنصارى ومشرك العرب؟ لا، والذي يظهر لي أنه يقصد افتراق الأمم تجاه الأنبياء إلى ثلاثة أصناف: أما أهل إيمان وأاما أهل كفر وأما أهل النفاق، وهذا هو الذي ورد في مطلع سورة البقرة. فالذي يظهر لي أن المراد بالاصناف الثلاثة هؤلاء: أهل الايمان واهل الكفر واهل النفاق، ثم بعد ذلك ذكر من تفاصيل أن أهل الكفر اليهود والنصارى ومشرك العرب، فهؤلاء الثلاثة اليهود والنصارى ومشرك العرب كلهم من صنف الكفار، إذا وذكر من تعنيه بني إسرائيل وتوقفهم ما تقدم ذكره في سورة البقرة أي ذكر الله عز وجل في سورة البقرة كيف كان موقف بني إسرائيل من الرسائل الإلهية تعنت أي مشاقة محدة للانبياء.
فالله سبحانه وتعالى إنما ذكر كل هذه التفاصيل حتى لا نكون نحن حالنا كحالهم. أخبر سبحانه وتعالى بالتالي هنا أي في سورة آل عمران أنه أنزل عليهم أي على بني إسرائيل التوراه وأنزل بعده الإنجيل كل ذلك هدى أي لتكون التوراه والإنجيل هداية لمن وفق منهم. ثم أشار قوله: إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ (يعني كما قلت لكم أن الله عز وجل أخبر في سورة آل عمران في مطلعها أن بني إسرائيل تعنت سابقا كما ذكرنا لكم في سورة البقرة وشاقوا وحادوا مع أنا أنزلنا عليهم كتابا ليكون هداية وإرشاد، لكن الذي وفق منهم هو الذي اتبع هذه الهداية ولم يكن متعنتا، واما جل بني إسرائيل فكان التعنت هو السيمة الظاهرة له ولم ينصاعوا لهذا الهدى، وهذا كله تحذير لنا أمة محمد صلى الله عليه وسلم). ثم أشار قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ (الآن الله عز وجل بعد أن قال: مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ، وأنزلت نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ ۗ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتقام)، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ. هذا كل تحليل الصفحة الأولى من سورة آل عمران.
إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ. انظر ارتباط الآيات الذي يركز عليه ابن الزبير أيضا: إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. فيقول ابن الزبير معلقا: ثم أشار قوله: إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ إلى ما تقدم من تفصيل أخبارهم؛ أخبار اليهود وأخبار النصارى وأخبار مشرك العرب. فكان الكلام في قوة أن لو قيل -يعني كان الله عز وجل يريد أن يقول في هذه الآية-: إن الله لا يخفى عليه شيء، أتخفى عليه سبحانه مرتكب العباد؟ هل يخفى على الله ما فعله بنو إسرائيل؟ هل يخفى على الله ما فعله النصارى؟ هل يخفى على الله ما تقوم به أو ما يقوم به مشركو العرب؟ وهو الذي صورهم في الارحام والمطلع عليهم حيث لا يطلع عليهم غيره. يعني إذا كان الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق كل هذه الأمم في الأرحام وهو الذي أنشا في ارحام أمهاتهم طورا بعد طور من نطفة إلى علقة إلى مضغة وكانوا في وهم في أرحام الأمهات لا يطلع أحد عليه، من كان من يطلع عليك عبد الله وانت في رحم أمك إلا هو سبحانه وتعالى؟ من يعرف تطورك داخل أو انتقالك من طور إلى طور داخل رحم الأمهات إلا هو سبحانه؟
فإذا كان الله –لاحظوا الإشارة الجميلة التي التقطها ابن الزبير– إذا كان الله سبحانه وتعالى اطلع على أحوال الأمم وهم في أرحام الأمهات حيث لا يطلع عليهم أحد إلا الله سبحانه وتعالى، فبالله عليكم هل يخفى عليه حالهم بعد أن يخرجوا على هذه الأرض ويرتكبوا كل ما ارتكبوا؟ طبعا هذا فيه تخويف لك أنه: إياك واحذر أن تخرج عن الصراط وتظن أن الله سبحانه وتعالى يخفى عليه فعلك وعملك وما تقوم به من الاعتداء على حرمات الله سبحانه. إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ (يعني انت تقول: ايش علاقة الأرحام هنا؟ وذكرها بين لك ابن الزبير أن ذكر الأرحام هنا إشارة إلى أن الذي اطلع عليك وانت في رحم الأم وصورك وأنشاك طورا بعد طور ونطفة ثم ثم علقة ثم مضغة هو الذي يطلع عليك الآن كيف تفعل وتتصرف بعد أن خرجت إلى هذه الحياة الدنيا).
ثم لما بلغ الكلام هنا ووصل كان هناك سائل يقول: فكيف طرا عليهم مع وجود الكتاب؟ يعني لما الله سبحانه وتعالى أخبر أن اليهود جاءتهم التوراه لتكون هدايه لهم لكنهم ظلوا، وأن النصارى جاءتهم الانجيل لتكون هدايه لهم لكنهم ضلوا. طيب كيف دخل عليهم الضلال مع وجود كتب الهداية بين أيديهم حتى نحذر نحن من هذا الخطا؟ يعني أنت كتباع أمة محمد صلى الله عليه وسلم تريد أن تعرف لماذا اليهود ضلوا مع وجود الكتاب؟ لماذا النصارى ضلوا مع وجود الكتاب؟ ما الذي سبب هذا؟ فكان الآية التي تليها بينت هذا السبب، فأخبر سبحانه وتعالى بشأن الكتاب، الله عز وجل ماذا قال بعد ذلك؟ قال: هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ.
وَيَتْبَعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا. أكانت هذه الآية تعلل سبب وقوع الاختلاف في الأمم السابقة؟ أخبر سبحانه وتعالى أن القرآن الكريم ومثله الكتب السابقة ينقسم إلى آيات محكمات وآيات متشابهات، وكذا غيره من الكتب السابقة والله أعلم. فحال أهل التوفيق، أي أهل الإيمان الذين وفقهم الله للهداية، هو تحكيم المحكم، أي ضبط الآيات المحكمات وجعلها هي العقائد هي الأصول هي الثوابت. وحال أهل الزيغ هو اتباع الآيات المتشابهات والوقوف عندها والتعلق بها. طبعا بيان ما هو المحكم والمراد به وما هو المتشابه ومن المراد به، هذا مما يطول تفصيله، لكن المراد باختصار: هناك آيات جعلها الله سبحانه وتعالى محل للابتلاء، وهناك أناس لا يقنعون بالوقوف عند ظاهرها بل يخوضون فيها محرفين لها عن مواضعها أو باحثين عما وراءها، وهذا مما لا ينبغي لأحد أن يخوض فيه.
فالله سبحانه وتعالى أخبرنا بأنه متصف بصفاته العلى، وأخبرنا بأنه سبحانه وتعالى خلق اليوم الآخر والدار الآخرة والجنة والنار، فبعض الناس يبدأ يبحث عن ما وراء ذلك، فيبدأ يخوض في ذات الله سبحانه وتعالى ويتجاوز المقدار الذي بينه الله سبحانه وتعالى. وبعض الناس يبدأ يخوض في الدار الآخرة ويبدأ دخول في التفاصيل في أشياء أو تحريف أشياء عن مواضعها وتأويل، وهذا كلام طويل يعني ما فعله الفلاسفة وما فعلته الفرق الكلامية وما فعله المنحرفون عن الجادة أمر كبير في العبث بآيات القرآن الكريم. فكان الله سبحانه وتعالى يريد أن يقول: هناك آيات هي محط ابتلاء، يريد الله سبحانه وتعالى أن نقف منها موقفا علميا صحيحا، وهو فهمها والإيمان بها وأخذ ما نحتاجونه منها، وما وراء ذلك نكله إلى عالمه، ونرد هذه الآيات التي فيها التشابه إلى الآيات المحكمة حتى تبقى العقيدة منضبطة. هناك أناس لا يقرون بهذا، بل يبقون عند الآيات المتشابهات ولا يردونها إلى المحكمات، ويحرفونها عن مواضعها ويؤولونها بما لا تقبله من التأويل، ويصرفون آيات الله عز وجل عن معانيها الحقيقية إلى معاني أخرى، فهؤلاء الذين في قلوبهم زيغ.
وهذا هو صنيع اليهود والنصارى في كتبهم، فاليهود ماذا فعلوا في كتبهم؟ حرفوها وحملوها على غير محاملها، والنصارى ماذا فعلوا في الإنجيل؟ حرفوها وحملوها على غير محاملها. فكان هذا فيه إشارة يا أمة محمد: لا يكون حالكم كحالهم، ففي كتابكم هذا أيضا ما هو متشابه ومحكم، فموقفكم أن تؤمنوا بالمحكم وبالمتشابه، وإذا أردتم أن تفهموا المتشابه فينبغي أن يرد إلى المحكم، والذي يقوم بعملية الرد هم الراسخون في العلم. الراسخون في العلم هم الذين يفهمون كيف تجمع الآيات مع بعضها البعض وكيف يفهم النسق بينها، فعليكم باتباع أهل العلم، وعليكم بالعلماء الراسخين، وعليكم أن تنتجوا هؤلاء العلماء حتى يبقى حالكم على استقامة. فإذا سبب دخول الزيغ على اليهود من أهم أسبابه أنهم تلاعبوا بكتابهم ولم يقنعوا بالمحكمات، وسبب ضلال النصارى أنهم حرفوا كتابهم، وهذا كثير ما ورد في كتاب الله عز وجل أنهم يحرفون الكلم عن مواضعه ويكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله. فيا أمة محمد، اياكم أن تعتدوا على كتاب ربكم سبحانه وتعالى، وعليكم أن تسلكوا طريق الراسخين في العلم في فهم المحكم وفي ضم المتشابه إلى المحكم ولا يخوض كل إنسان فيه برأيه.
طيب، ثم بين بعد ذلك قال: وفي أثناء ذلك تنبيه للعباد عن عجزهم وعدم استبدادهم، لئلا يغتر الغفيل فيقول مع هذا البيان ووضوح الامر: إذا لا طريقة إلى تنكب الصراط. الآن ابن زبير كثير ما يركز على هذه الفكرة، وهي أن الهداية إلى الصراط المستقيم والثبات عليه هذه منة وتوفيق من الله سبحانه وتعالى، واياك أن تظن يا عبد الله أنك باختيارك الشخصي فقط من دون توفيق الله سبحانه وتعالى لك تستطيع الثبات على الصراط المستقيم. اياك أن تظن يا عبد الله أنك بقدراتك الشخصية وبإرادتك الشخصية تستطيع أن تسلك الصراط المستقيم ولا تضل عنه، فلذلك عليك دائما أن تطلب من الله عز وجل العون على الهداية إلى هذا الصراط، وهذا جاء واضحا في سورة الفاتحة: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. ثم أيضا في الصفحة الأولى من سورة آل عمران جاءت هذه الفكرة مرة أخرى، وهي أن تطلب العون من الله والثبات منه سبحانه والتوفيق منه.
فهذا معنى قوله: وفي أثناء ذلك تنبيه للعباد على عجزهم وعدم استبدادهم، أي أنت لا تستطيع أن تستبد بنفسك، لست أنت يعني باختصار من يختار طريق الهداية بعيدا عن توفيق الله. نعم، هناك إرادة لك لسلوك هذا الطريق واختيار، لكنك تحت مشيئة الله سبحانه وتعالى في النهاية مفتقر إلى عونه، مفتقر إلى قوته، مفتقر إلى توفيقه، خلينا نقول مرة أخرى فجاءت الآية: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِلسَ لَدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ. إشعار للمؤمن أنه صحيح عندي إرادة لاختيار طريق الحق، لكن هذه الإرادة أيضا محكومة بتوفيق الله سبحانه وتعالى والوقوف منه بقرب، وأن يتولاني وأن يحفظني، فبالتالي أنا أحتاج إلى أن أستمد عونه في كل لحظة وفي كل حين، ولا أستبد بنفسي وأظن أنني أنا المختار تماما بدون توفيق الله يا سبحانه، هذه هي الفكرة.
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة. فالفكرة: هل أنا أمتلك إرادة لسلوك الطريق المستقيم؟ نعم. لكن هل هذه الإرادة منفصلة عن إرادة الله؟ كلا، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ. فلا بد إذا من أن تطلب العون والمدد والتوفيق من الله سبحانه وتعالى حتى تبقى ثابتا على هذا الطريق، وهذه الفكرة يبينها ابن الزبير كثيرا لتعلقها بمسألة عقدية وقع فيها خلاف بين الفرق الإسلامية. فقال المعتزلة، وهذا كثير ما يريد ابن الزبير أن يرد عليهم لكنه لا يصرح بذلك: المعتزلة يقولون الفرقة الاعتزالية إن العبد هو الذي يخلق فعله بفعله، وليس الله هو الذي يخلق أفعالنا. فابن الزبير يريد أن يرد كثيرا عليهم ويبين أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يخلق أفعال العبيد، فاياك أن تظن أنك من تخلق فعلك، لأنك إذا قلت إن العبد يخلق فعله بفعله، إذا أنت جعلت في هذا الكون خالقا سوى الله سبحانه وتعالى.
فيقول ابن الزبير: ثم كرر سبحانه وتعالى تنبيههم لشدة الحاجة ليذكر هذا أبدا، ففيه معظم البيان، ومنه ينشأ الشرك؛ إذ اعتقاد الاستبداد بالأفعال إخراج لنصف الموجودات عن يد بارئها، وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ. الآن الموجودات في هذا الكون إما أعيان إنسان، شجرة، جماد، وإما أفعال تصدر عن هذه الأعيان كذبنا ومجيئنا وأكلنا وشربنا، هيك بده يقول لك ابن الزبير: الموجود في هذا الكون إما أعيان موجودة وإما أفعال تصدر عن هذه الأعيان. فالآن إذا الموجودات انقسمت قسمين، الموجودات انقسمت قسمين: أعيان وأفعال. هذه الأعيان إذا قلنا إن أفعال الأعيان ليس الله هو الذي خلقها، وإنما اقتصر خلقه سبحانه وتعالى على الأعيان فقط، فهذا معناه أننا جعلنا نصف الموجودات في هذا الكون لم يخلقها الله، فالله فقط يخلق الأعيان: الشجرة، الجبل، الإنسان، والأفعال هذه تخلقها هذه الأعيان بنفسها، وهذا كلام خطير جدا.
ولذلك يقول ابن الزبير: ومنه ينشأ الشرك الأكبر، انك تجعل هناك أكثر من مسيطر على هذا العالم وليس الله هو المتفرد بذلك، فاياك أن تقول إن الأعيان يخلقها الله وأفعالها تخلقها الأعيان نفسها، كلا، الله هو الذي خلق الأعيان وهو الذي يخلق أفعال هذه الأعيان، ومنه جاء قوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ، أي خلقكم أنتم كأعيان وخلق أعمالكم التي تعملونها. لذلك يقول: إذا اعتقاد الاستبداد بالأفعال إخراج لنصف الموجودات في هذا الكون عن يد بارئها، وجعل هذا النصف كاملا خلق من دون تدخل الإله سبحانه وتعالى.
قال: فمن التنبيه على هذا الأصل أن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك وقود النار، وقوله تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا، وقوله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ، هذا كله من جلي التنبيه ومحكمه، ومما يرجع إليه ويحجز معناه بعد اعتباره، وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ، وقوله: اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. فمن رأى الفعل أو بعضه لغيره تعالى حقيقة فقد قال بإله غيره، ثم حذروا أشد التحذير لما بين لهم فقال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ. إذا يعني هو يرى رحمه الله عليه أن هناك العديد من الآيات في القرآن يعني في سورة البقرة وفي سورة آل عمران جاءت لتبين هذا الأصل، وهو استقلال الإله الحق سبحانه وتعالى بالخلق، واستقلاله سبحانه وتعالى بالإرادة المطلقة النافذة والمشيئة المطلقة النافذة في هذا الكون، فاياك أن تظن أن هناك ما من يمكن أن ينفرد عن مشيئة الله ويخلق أفعاله باختياره الشخصي تماما من دون تدخل لإرادة الإله.
ثم قال: ثم ارتبطت الآيات إلى آخرها، اذا هكذا انتهى من كلام عن سورة آل عمران لأن سورة آل عمران هي في جلها فعلا جاءت تعالج هذه القضايا، جاءت تعالج هذه القضايا التي بيناها سابقا في مطلع الكلام. دعونا ننتقل إلى سورة النساء، يقول ابن الزبير رحمه الله عليه في فائدة أو تناسب سورة النساء مع السورة السابقة: لما تضمنت سورة البقرة ابتداء الخلق وإيجاد آدم من غير أب ولا أم، ثم أعقبت بسورة آل عمران لتضمنها مع ما ذكر في صدرها من بيان كما قلنا أن الكتب السماوية نزلت للهداية لتضمنها مع ما ذكر في صدره أمر عيسى عليه السلام وانه كمثل آدم في عدم الافتقار إلى أب. وعلم الموقنون من ذلك أنه تعالى لو شاء لكانت في من بعد آدم فكان سائر الحيوان، يعني لو شاء الله لكان كل الحيوانات وكل البشر لا يحتاج إلى أبوين وأن يكون كل الحيوانات وكل البشر كعيسى مثلا فقط يفتقرون إلى أم، لا يتوقف إلا على الأم فقط يعني الله سبحانه وتعالى ابتداء في مطلع سورة البقرة أرانا كيف يخلق من دون الحاجة إلى أسباب أبدا، فكيف خلق آدم من دون أب ولا أم سببية النكاح.
ثم في مطلع سورة أو في قصة آل عمران بين الله سبحانه وتعالى كيف أنه قادر أيضا إلى أن يخلق مثلا ذرية من الأم فقط، ثم جاء بعد ذلك في سورة النساء ليبين ما هو السبب المعتاد الذي جعله طريقا للذرية، فهو سبحانه أرانا قدرته الباهرة حتى لا يعتقد معتقد أن الذرية والنسل يحدث نفسه بنفسه من دون إرادة الله سبحانه وتعالى، أو يعتقد انسان أن الله عز وجل ليس قادرا أن يخلق مخلوقا إلا من خلال النكاح، لا لا لا، الله سبحانه وتعالى قادر أن يخلق المخلوقات مباشرة بكلمة كن فيكون من دون الحاجة إلى وجود النكاح، لكن جاء في مطلع يعني بعد أن بين القدرة الشامله جاء في مطلع سورة النساء ليبين لنا ما هو السبب وما هي الطريقة المعتاد للتناسل والتي أودعها الله سبحانه وتعالى في هذا الكون وهي طريقة النكاح.
فاعلم سبحانه بأن من عدا المذكورين وهم آدم وعيسى من عداهم من ذرية آدم سبيلهم بسبب الابوين أي عن طريق النكاح يأتون، فقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، الآن جاءت سورة النساء تبين هذا الأصل: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً. فطريقة الخلق بعد آدم وعيسى أو في غير آدم وعيسى ستكون عن طريق السببية المعتادة، هذا ما يريد أن يقول ابن الزبير وهي لا بد من أن ينكح رجل امرأة حتى تعمر هذه الأرض وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً.
ثم أعلم تعالى بكيفية النكاح المجعول سببا في التناسل، فالآن لما جاءت سورة النساء لتبيّن أن الأصل في الذرية إنما هو التناكح جاءت سورة النساء لتفصل أحكام النكاح، فأنت من بدايتها إلى نهايتها تقريبا تتكلم عن النكاح وعن أحكام النكاح وأحكام الأرحام وأحكام المواريث، وهذه كلها أحكام الأرحام والمواريث إنما تنشأ بسبب النكاح. فتضمنت السورة ابتداء باختداء الأمر وانتهائه، أي السورة سورة النساء تكلمت عن النكاح ابتداء من عقد النكاح وكم ينكح الرجل وهل يجوز له أن يعدد أو لا يعدد، ثم مشت في قضايا النساء ومن يجوز له أن ينكحها ومن لا يجوز له أن ينكحها، ثم انتهت بانتهائه وهي في حالة وقوع النزاع والخصومة كيف يتم الإصلاح بين الزوجين إلى غير ذلك من الأحكام التي تضمنت هذه الصورة.
لذلك قال: فعلمنا بكيفية التناكح وصورة الاعتصام واحترام بعضنا لبعض، أنه كيف ينبغي أن تكون العشرة بين الزوجين؟ صورة الاعتصام أي صورة العشرة والعلاقة والعصمة بين الزوجين، هذا مراد بالاعتصام، الاعتصام والعصمة أن تكون مبنية العلاقة بينهم على الاحترام والأخلاق الحسنة والعشرة الجميلة، ثم وكيفية تناول الإصلاح فيما بين الزوجين عند وقوع شجار أو شقاق: فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا. وبين لنا ما يصح أن ينكح وما لا يصح أن ينكح: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ، وما أباح من العدد وهذا في مطلعها، وحكم من لم يجد الطول، ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات، وما يتعلق بهذا من المواريث أحكام المواريث كلها التي ذكرت في سورة النساء وفصل ذلك كله إلا الطلاق لم يفصل بالتفصيل، وإنما كان إليه إشارة لأن الطلاق فصل في سوره إيش؟ فصل في سورة البقرة سابقا، فكانت اشاره إليه هنا إشارة سريعة، قال: لأن أحكامه قد تقدمت أي في سورة البقرة، ولان أصل بناء هذه السورة سورة.
النساء على التواصل والائتلاف ورعي حقوق ذوي الأرحام وحفظ ذلك كله إلى حالة الموت المكتوب علينا. وناسب هذا المقصود من التواصل والألفة ما افتتحت به السورة؛ أي سورة النساء إنما تتكلم عن حالة الائتلاف وعن حالة إنشاء عقد النكاح، وليس عن حالة الطلاق والفسخ، فكان الأنسب في سورة النساء ألا يذكر فيه الطلاق والفسخ لأنه يتكلم عن بناء الأسرة وليس عن هدمها، فلم يذكر الهدم وهو الطلاق إلا في آية واحدة في قوله: وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ.
فإذاً، واضح إذاً سورة النساء ارتباطها الأساسي بالسور السابقة؛ كما يرى ابن الزبير أن سورة البقرة لما تكلمت عن خلق آدم بدون سببية الرجل ولا الأم، ثم سورة آل عمران تكلمت عن خلق عيسى بدون سببية الأب، جاءت سورة النساء لتبيّن الحالة الاعتيادية وهي أن الذرية إنما تنشأ من أب وأم، فكان لابد من الكلام عن أحكام النكاح والتفاعل وبيان تفاصيل كل الأحكام التي تتعلق بها، فكانت سورة النساء من بدايتها إلى نهايتها تدور حول هذا الموضوع، وإن كان هناك طبعا في بعض المواطن كلام عن إشارات أخرى، لكن هذه الإشارات إنما تأتي تبعاً للموضوع الأصلي.
هذا الكتاب طبعا مختصر ومقصدة بيان تناسب السور وليس تناسب الآيات، فلذلك لم يتطرق إلى تفاصيل كثيرة، نذهب الآن إلى السورة التي تليها وهي سورة المائدة، فيقول: لما بين الله تعالى حال أهل الصراط المستقيم ومن تنكب -تنكب يعني خرج، خرج عن نهجهم، عن نهج أهل الصراط المستقيم- ومآل الفريقين من المغضوب عليهم والضالين وهم اليهود والنصارى ومن كان على شاكلتهم من بعد ذلك، وبين لعباده المتقين ما فيه هداهم وما به خلاصهم أخذاً وتركاً، أي ما هي الأوامر المطلوبة منهم وما هي النواهي المنهيه عنها.
وحصل في طي ذلك الأسهم الثمانية الواردة في حديث حذيفة، لما قال حذيفة: الإسلام ثمانية أسهم؛ الشهادة سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم، والصوم سهم، والحج سهم، والامر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، وقد خاب من لا سهم له. الآن حديث حذيفة وحديث بني الإسلام على خمس يبين ما هي أركان الإسلام الأساسية، فأركان الإسلام الأساسية الآن الحمد لله تم بيانها في سوره البقرة، ففي سورة البقرة تكلم الله عن الصلاة، تكلم عن الزكاة، تكلم عن الصيام، تكلم عن الحج، وتكلم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأيضا وقعت الإشارة إلى هذه الأسهم في سورة آل عمران وفي سورة النساء لما بينت أصول والسهام الأساسية في الإسلام.
أي وتحصل مما تقدم أن أسوأ حال المخالفين -يعني وقال صص بني الإسلام على خمس وقد تحصلت، يعني هو يريد أن يقول السور السابقة الثلاث أكملت هذه الأسهم في بيانها وفي توضيحها في الجملة-. طيب، وتحصل مما تقدم أيضاً من مواضيع السور السابقة، مما حصلناه من الفوائد، أن أسوأ حال المخالفين هم حال من غضب الله عليهم ولعنهم، وأن ذلك كان ببغيهم وعدوانهم ونقضهم للعهود، وكان النقض يشمل كل مخالفة.
قال الله تعالى لعباده المؤمنين في مطلع سورة المائدة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، لأن اليهود والنصارى إنما أتى عليهم غضب الله والحكم عليهم بأنهم مغضوب عليهم وبأنهم ضالون من عدم الوفاء بالعهود ونقض العهود، فحذر المؤمنون. ولهذا الغرض، والله تعالى أعلم، ذكر هنا العهد المشار إليه في قوله تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي في سورة البقرة.
إذاً، يريد أن يقول الله سبحانه وتعالى في مطلع سورة البقرة وفي مطلع آل عمران وفي مطلع النساء، أو في خلينا نقول في مجمل هذه السور، لما بين أحوال الذين خرجوا عن الصراط المستقيم، ثم بين الأسهم الأساسية التي يجب على أهل الصراط المستقيم من هذه الأمة أن يحرصوا عليها؛ الصلاة والصيام والحج، كان هذه الأسهم هي عبارة عن عقود وعهود مع الله سبحانه وتعالى، فالصلاة عقد، والزكاة عقد، والصيام عقد، والحج عقد، والأمر بالمعروف عقد، والنهي عن المنكر عقد، هذه العقود مع الله سبحانه وتعالى، هذه الطاعات هذه هي العقود التي نتعاقد عليها مع الله سبحانه وتعالى.
الذين خرجوا عن الصراط المستقيم من الأمم السابقة كانوا إذا كان بينهم وبين الله عقد في عبادة من العبادات لا يوفون بهذا العقد ولا يقومون بأمره، بل كما ذكر الله عز وجل قصة بني إسرائيل أنهم يماحكون ويجادلون ويناقشون، وكذلك النصارى كان عندهم هذا الأمر، وكذلك مشركو العرب، وهذه السورة أساساً هي تحذير لمشركي العرب أن يكون حالهم كحال الأمم السابقة، فالله سبحانه وتعالى ماذا قال لعباده المؤمنين في مطلع سورة المائدة -لاحظ الترتيب التسلسلي-: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ في أول آية، لا يكونن حالكم كحال الأمم السابقة الذين نقضوا هذه العهود مع الله.
فانتم إذا لم تصلوا خنتم العهد، إذا لم تزكوا خنتم العهد، إذا لم تصوموا خنتم العهد، إذا لم تحجوا خنتم العهد، إذا لم تأمروا بالمعروف خنتم العهد وهكذا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقودِ، ولا يكونن حالكم حال اليهود والنصارى الذين أخلفوا هذه العقود ونقضوها. ثم بين سبحانه في سورة المائدة كيف كان النقض لهذه العهود وكيف كانت عاقبته وخيمة على اليهود والنصارى، فقال ثم بين نقضهم وبين اللعنة وكل محنة ابتلوا بها عليه أي بسبب نقضهم للعهود، ماذا حال كيف كان حال اليهود والنصارى؟
فقال سبحانه في سورة المائدة: فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ، أي بسبب نقضهم لميثاقهم لعناهم، وقال سبحانه وتعالى في اليهود، عفوا في النصارى: وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظَّ مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أخبر الله سبحانه وتعالى في سورة المائدة أنه القى العداوة والبغضاء بين اليهود، ألقينا بينهم هذه وردت في تقريبا النصف الأخير من سورة المائدة، وكذلك أخبر سبحانه وتعالى عن النصارى أنه أغرى بينهم العداوة والبغضاء.
طيب، ما سبب إلقاء العداوة والبغضاء بين النصارى؟ ما سبب إلقاء العداوة والبغضاء بين اليهود؟ هذا كله من الآثار الوخيمة التي أثمر نقضهم للعهود مع الله سبحانه وتعالى، ثم ذكر سبحانه وتعالى للمؤمنين أفعال الفريقين ليتبين لهم فيما نقضوا، أي الله سبحانه وتعالى في سورة المائدة في الحقيقة فصل جزءاً من قصة بني إسرائيل مع موسى عليه السلام، خاصة قصة الدخول على المدينة الجبارة، وذكر كذلك تفاصيل في أحكام النصارى وكيف اعتقدوا التثليث وما شابه ذلك من العقائد الباطلة في عيسى ومريم.
إذاً، ثم ذكر تعالى للمؤمنين أفعال الفريقين ليتبين لهم أشكال النقض، كيف كانت نقضهم للعهود مع الله سبحانه وتعالى وعدم انصياعهم لأوامر الله عز وجل، ثم بين في نهاية السورة أو قريبا من نهايتها تفاوتهم في البعد عن الاستجابة، وهذا شيء أشرنا إليه مسبقاً، وهو أن الله سبحانه وتعالى يخبر أن اليهود أسوأ حالة من النصارى عموماً، لذلك في سورة المائدة بينت هذه الحقيقة بشكل جلي فقال سبحانه: لَتَجَدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجَدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا.
ثم بعد أن أخذت الصورة الحيز الأكبر في بيان أشكال نقض اليهود للعهود مع الله -يعني حتى هذا الأمور أحبابي أنتم لاحظوا الكتاب خاصة السور الطوال ركزت على قضية الذين نقضوا العهود مع الله، ركزت على موضوع بني إسرائيل وركزت على موضوع النصارى والهدف من ذلك أن نحذر نحن أمة الإسلام من حالهم، الأمم السابقة أرسل الله عز وجل إليها كتب ورسل وأمروا وأخذ عليهم المواثيق، ثم بعد ذلك خانوا هذه المواثيق ونقضوها ولم ينصاعوا لها-.
هذه حقيقة كبرى يجب أن ترسخ في عقد في عقد المسلم وفي قلبه، أنه يجب أن يوفي العقود مع الله سبحانه وتعالى؛ عقد الإيمان، عقد الصلاة، عقد الزكاة، عقد العبادات، هذه العقود كلها يجب أن نوفيها مع الله سبحانه وتعالى لأننا بهذا نكون سلكنا الصراط المستقيم الذي ندعو الله سبحانه وتعالى أن يهدينا إليه في كل صلاة، فنقول: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. بدكم تهدوا إلى الصراط المستقيم عليكم إذاً أن توفوا بالعقود، لاحظوا ارتباط تريدون اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ في مطلع سورة البقرة، أول علامة من علامات الهدايه ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، وفي سورة المائدة في بدايتها أيضاً علامة من علامات الهداية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، وهذه كلها تناسقات جميلة يجب أن ننتبه لها.
قال: ثم نصر عباده وبين لهم أبواباً منها دخول الامتحان وهي سبب في كل ابتلاء، فقال تعالى: لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا، فانكم إذا فعلتم ذلك كنتم شارعين لأنفسكم وظالمين، وأعقب ذلك بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ، ثم قال تعالى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ، فنبه سبحانه في هذه الآيات على سوء العاقبة في تتبع البحث عن التعليل وطلب الوقوف على ما تعليله مما استأثر الله بعلمه، ومن هذا الباب أتى أي ومن هذا الباب أتي على بني إسرائيل في أمر البقرة وغير ذلك، وجعل هذا التنبيه ايماءً ثم أعقب بما يفسره فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ.
يعني يريد أن يقول إن المقطع من قوله تعالى: لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ إلى قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا، هذا المقطع فيه إرشاد للمؤمنين كيف عليهم أن يتعاملوا مع العقود الإلهية ومع أحكام الله سبحانه وتعالى حتى لا يتشبهوا باليهود والنصارى، اليهود والنصارى اخواني عسروا فعسر الله عليهم، خاصة اليهود بالتحديد عسروا فعسر الله عليهم، كانوا دائما في مشاقة في محاد للأنبياء، إذا جاءهم أمر من الله إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ماذا كان موقفهم؟ المنازعة وما لونها وما شكلها وما تفاصيلها.
هذا هو المراد والذي يقصده ابن زبير بقضية البحث عن التعاليل، أي لما يأتيكم أمر من الله سبحانه وتعالى يا أمة الإسلام عليكم أن تقبلوه بالتسليم ولا يكونن حالكم كحال الأمم السابقة في المجادله والمماحكات عن هذه الأمور، لو أنك زدت هذه الأمور لا احذروا يا أمة الإسلام عليكم أن تأخذوا الأوامر الإلهية وتتلقيها بالتسليم والقبول، واعتبار أن الله سبحانه وتعالى فقط هو المشرع، هو صاحب الأمر، هو صاحب الحكم، ليس لكم أيها البشر أن تتدخلوا في التشريع، ليس لكم أيها البشر أن تعترضوا على التشريع.
إياكم أن تسألوا النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً عن أشياء خلص الله سبحانه وتعالى سكت عنها، لأن هذه السؤال وهذه المماحكات وهذه التكلفات كلها سبب في أن يشد الله سبحانه وتعالى عليكم، هذه قضية يجب أن ننتبه لها، أن المؤمن أحبابي الكرام عندما يأتيه حكم من الله ويعلم أنه ثابت بالأحاديث الصحيحة وبالآيات الصريحة، عليه أن يستقبل هذا الحكم بالإذعان والتسليم، ويتعلم كيف يمتثل لله سبحانه وتعالى، هذا من محك العبودية العظيم الذي يريد الله سبحانه وتعالى أن يتجلى في عباده.
أنتم لو نظرتم في أحوال اليهود والنصارى وما قص الله من أمورهم تجدون أن هذه المشكلة الأبرز في حياتهم قضية المماحكات لله وعدم التسليم، أن الله سبحانه وتعالى هو صاحب الأمر، هو المتنفيذ في هذا الكون، وأننا نحن عبيد علينا أن نستقبل فقط وليس لنا أن نناقش الله سبحانه وتعالى وأن نعترض عليه في هذه التفاصيل.
فالله سبحانه وتعالى قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا، ليس لكم أن تنصبوا أنفسكم مشرعين تحرمون ما أحل الله وتحل ما حرم الله، ولا يس لكم أن تعتدوا الخطوط التي وضعها الله سبحانه وتعالى، ثم بين لهم أشياء هو حرمها عليهم فليس لهم أن يطلبوا تحليلها فقال: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
ثم قال: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ، طب من الذي يشرع هذه الأمور؟ من الذي عظم البيت؟ من الذي جعل الأشهر الحرم؟ من الذي حرم الصيد في الحرم؟ من الذي أحل أشياء وحرم أشياء؟ من الذي علينا أن نستقبل أوامره؟ هذا كله من الله سبحانه وتعالى ونحن ننتظر فقط منه أن يعطينا الأوامر لننفذ ولا نكون باحثين سائلين عن أشياء سكت الله عنها.
لذلك ختم الله عز وجل هذا المقطع بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ، طبعا هذه الآية أكثر المفسرين أو كثير المفسرين يقول أنها كانت للصحابه أنه الأشياء التي عفا الله عز وجل عنها ولم يخبركم بامرها هي على أصل الحل، فلا تكونوا حالكم كحال بني إسرائيل كثرة السؤال لأنبيائه والمناقشة والبحث، ولماذا يا رسول الله طب هذا حلال هذا حرام خلص لا تسألو عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها.
يعني في أشياء الله سكت عنها، عفوا يعلم أنها مثلا قد ترب قد تنازع فيها لكنه سكت عنها وجعلها على الحل إيثاراً للرافة بكم، فإياكم أن تبدأوا تناقشوا وتنازعوا فيها، لأنها إذا نقشت إذا ناقشت فيها ونازعتهم فيها فإن الله سبحانه وتعالى يمتحنكم بها إذا نقشتهم ونزعتهم فيها وأصررتم على أن تدخلوا في تفاصيلها والبحث عنها فإن الله سبحانه يمتحنكم بها.
فالانسان يكون كيساً فطناً لا يقحم نفسه في أماكن الله سبحانه وتعالى عفا عنها ولم يتطرق لها -عفوا طبعا لم يتطرق لها ليس جهلاً منه سبحانه جل في علاه وإنما رحمة بالعباد والا هو سبحانه وتعالى عالم بها- فالزوائد الضيقة الانسان لا يقحم
نفسه فيها بل يبقى متبعا مسلما منصاعا لما جاءه من عند الله سبحانه وتعالى. قال، ثم عرف عباده أنهم إذا استقاموا فلن يضرهم خذلان غيرهم. إذا قمت على الصراط المستقيم يا عبد الله، ولم يكن حالك حال اليهود والنصارى المنازع المشاق لله سبحانه وتعالى، وكنت تتلقى أحكام الله سبحانه وتعالى بالتسليم. خلص، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرَّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ.
طبعا هذا ليس دعوة إلى ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كلا. وإنما المراد أنك إذا ثبت على الصراط المستقيم أي فانت على خير، فانت على خير ولا لا يضرك هلاك الأمم الأخرى، عليك بخاصة نفسك أن تثبت على الصراط المستقيم وأن تنصح الناس بعد ذلك. ومن لم ينصع لهذه النصيحة ومن أراد أن يسلك طرق الضالين والمغضوب عليهم، فهذا لن يضرك بإذن الله لن يضرك بإذن الله، عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرَّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ.
إذا أنتم ثبتم على الصراط المستقيم ولم تسلكوا مسالك اليهود والنصارى، فلن يضركم حالهم. لذلك ختم في سورة آل عمران يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أي عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم، وقال سبحانه وتعالى هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ أيضا في ختام السورة.
وكما تلاحظون أنه في ختام السورة أيضا ذكر الله سبحانه وتعالى شيئا من أحوال النصارى وأقاد الله عيسى بن مريم أنت قلت للناس اتخذوني وامي إلهين من دون الله. وهذا جزء من البيان الذي ورد في سورة المائدة لتفاصيل اليهود والنصارى كيف أن اليهود والنصارى خانوا المواثيق والعهود. سورة النصارى بين سورة المائدة عفوا بينت جزء كبير من هذه الخيانة التي وقعت منهم للعهود والمواثيق ولعلها ركزت بشكل كبير أيضا على النصارى، وهذا أمر حبابي علينا أن نلاحظه فعلا في السور.
كما قلت في البقرة وآل عمران والآن النساء ركزت على موضوع القضايا الأسرية خلينا نقول، البقرة وآل عمران والمائدة هذه السور الثلاث ركزت على الكشف التام لأحوال بني إسرائيل والكشف عن أحوال طبعا بني إسرائيل بصنفيه اليهود والنصارى، وكيف كان حالهم مع أنبيائهم وكيف كانت كيف شاقوا الأنبياء وكيف حادوا وكيف تلاعبوا بأحكام الله وماذا فعلوا. كل هذه السلسلة كلها متناسقة لأن المراد منها أن يبين الله سبحانه وتعالى لهذه الأمة أن من سلك مسالك الأمم السابقة في المحاد في المناقشة في المنازعة في التعنت في محاربة الله ورسوله، سيكون حاله كحالهم، وهذا يجب علينا أن ننتبه له وأن نحذر منه.
أظن سورة الأنعام كانت معنا في ورد اليوم، لكن سورة الأنعام في الحقيقة هو أطال النفس فيها وفيها فوائد عظيمة، فأنا ارتايت أن أوقفها أو أن نؤجلها إلى يوم الغد بإذن الله. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين. ونلقاكم في مجلس قادم بإذن الله وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل