بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. هذا هو المجلس الأول من تعليقنا على كتاب البرهان في تناسب سور القرآن للإمام ابن الزبير الغرناطي رحمه الله تعالى عليه.
وهذا الكتاب كتاب نافع تدبري مناسب لشهر رمضان، حيث يسلط الضوء على وجه التناسب بين السور القرآنية، فتعرف المناسبة بين سورة البقرة والسورة التي سبقتها وهي سورة الفاتحة، والسورة التي تليها وهي سورة آل عمران، وهكذا تعرف مناسبة آل عمران للتي تليها، ثم مناسبة سورة النساء للمائدة، إلى أن تأتي إلى آخر المصحف، بحيث يصبح الطالب بعد أن يدرس هذا الكتاب ويطلع على ما ذكره ابن الزبير رحمه الله تعالى عليه، على فهم وعلى دراية لماذا ألف القرآن ووضع ترتيب السور على هذا النمط، ويفهم وجه المناسبة في السورة الواحدة بين مواضيعها، ووجه مناسبة الموضوع الكلي للسورة مع موضوع السورة السابقة والسورة اللاحقة.
وهو كتاب مختصر ليس فيه كثير تكلف؛ وحرص ابن الزبير الغرناطي رحمه الله تعالى عليه على أن يأتي بأوجه المناسبة من دون تكلف، أوجه المناسبة العلمية بلغه علمية صحيحة، بعيداً عن التكلف ومحاولة إيجاد أوجه مناسبة قد لا يكون السياق يدل عليها. فنبتدئ رحلتنا مع هذا الكتاب مستعينين بالله، بعد أن ذكر ابن الزبير خطبة الكتاب، قال: وبعد، فاني اعتباراً لقوله صلى الله عليه وسلم: ما من نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحياً، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة.
هذا الحديث مر معنا في كتاب فضائل القرآن لابن كثير، وعرفنا معناه الجملي، لكن هنا ابن الزبير الغرناطي يتحدث عن جزئية في هذا الحديث، فيقول: وتأملت ما أيد به عليه الصلاة والسلام أي النبي محمد صلى الله عليه وسلم من المعجزات سوى القرآن، فإذا بضروب لا يحصيها العد ولا تكاد تنحصر بالحد، وقد قال صلى الله عليه وسلم: وإنما كان الذي أوتيت وحياً يشير إلى دليل القرآن وما خص به صلى الله عليه وسلم من ساطع ذاك البيان، وما ذاك إلا لكون معجزته أي معجزة القرآن، إلا لكون معجزته أوضح وأحكم وأهدى وأقوم.
إذاً، ابن الزبير رضي الله تعالى عنه رحمه يقول: إنه تأمل في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم المختلفة سوى القرآن، فالنبي عليه الصلاة والسلام أيد بكثير من المعجزات بالعشرات، فهو نظر في هذه المعجزات ثم نظر في معجزة القرآن لوحدها، فوجد أن معجزة القرآن تربو في الوضوح والاحكام والهدايه والأقوام كما قال على كل تلك المعجزات، أي هي أعظم المعجزات، هذا الذي يريد أن يقوله: ما سوى القرآن هي معجزات كنبوع الماء من بين أصابعه، وما حدثه من الشجر والحجر، هذه كلها معجزات صحيحة نافعة، لكنه يقول إن أعظم معجزات النبي صلى الله عليه وسلم أجل هذه المعجزات هي معجزة القرآن.
فإنما، لماذا يراها هي المعجزة الاعظم؟ قال: فانما ضمنت إلى الدلالة والشهادة إيضاح الطريق، وأعلم بحال كل فريق؛ أي معجزة القرآن بحد ذاتها جمعت بين كونها معجزه تدل وتشهد على صدق النبي صلى الله عليه وسلم، وفي نفس الوقت هذه المعجزة اوضحت الطريقة إلى الله سبحانه وتعالى.
يعني أحبابي الكرام، لو أننا تأملنا في معجزات الانبياء السابقين، هي المعجزة كانت تدل في حقهم على صدق هذا النبي، هي دليل على صدقه وشاهد على ذلك، كان أمرها يقتصر على هذا الحد. معجزة القرآن بالتحديد من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم هي دليل وشاهد على صدقه، ثم تضيف إلى ذلك أن هذه المعجزة بحد ذاتها أوضحت الطريقه إلى الله سبحانه وتعالى، وأعلم بحال كل فريق، فريق الجنة وفريق النار، ما مواصفات المؤمنين وما مواصفات الكافرين، ثم زادت بنقائها للمعتبرين.
الذي دل عليه الحديث السابق كما ذكرنا في شرح ابن كثير: وإنما كان الذي أتيت وحياً، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً، أن معجزة القرآن معجزه مشاهدة إلى قيام الساعة، ليست خاصة بالجيل الذي كان عند النبي صلى الله عليه وسلم، بخلاف سائر المعجزات الأخرى. سائر المعجزات التي اعطاها الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم إنما شهدها الجيل الاول، جيل الصحابه، ثم من بعدهم إنما نسمعها بالخبر ولم نراها، بخلاف هذه المعجزة فإن معجزة القرآن معجزة ما زلنا نشهدها ونتلوها وهي بين أيدينا، ونعتبر من خلالها، تدلنا على صدق النبي صلى الله عليه وسلم وعلى صدق مبعثه، وفي نفس الوقت توضح لنا الطريق إلى الله عز وجل وتعلمنا بحال كل فريق كما اخبر ابن زبير رحمه الله عليه.
ثم يقول: وقد اضطر من تاخر فيما سواها للخبر، أي ما سوى معجزة القرآن. المتاخرون عن عصر النبي صلى الله عليه وسلم احتاجوا حتى يعرفوا تلك المعجزات الأخرى إلى الانتظار الاخبار أن تصل إليهم بالاسانيد الصحيحة، ولكن ليس الخبر كالعيان، فلله ما أعظمها معجزة باقيه مدى الدهور والازمان، وللمشاهدة من رد الخبر؛ إذاً ولمشاهدة، أي للحس حال لا ينكر، وتعريف لا يتنكر، وفرق بينما عرف بالمشاهده وبينما علم بمجرد الدليل، وحسبك سؤال نبي الله الخليل سيدنا ابراهيم عليه السلام، الم يطلب من ربه سبحانه وتعالى فيقول: ربي أرني كيف تحيي الموتى، وكان جازماً أن الله يحيي الموتى أصلاً، لكنه اراد أن يحصل على عين اليقين، اراد أن يحصل على المشاهده الحسيه، لأن المشاهدة تزيد من الرصيد الايماني وتزيد من مستوى اليقين وإن كان عندك الإيمان الجملي مسبقاً.
ثم قال: فالحمد لله الذي جمع لهذه الأمة الامرين، وخصها بالاعتبار، أي من فضل الله على هذه الأمة أن الله عز وجل اعطى نبيها نوعين من المعجزات، المعجزات البيانية كما سيقول لك. فمن معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم بيان والمشاهد حساً بالعيان؛ أي أن الله سبحانه وتعالى جمع لنبيه عليه الصلاة والسلام بين نوعين من المعجزات، يقول المعجزات البيانية التي مسلكها الاعتبار الذهني، والمعجزات الحسية. والمراد بالحسية هنا التي تشاهد باحدى الحواس الخمس، فمعجزات النبي صلى الله عليه وسلم منها ما يفهم من خلال الاستنباط أو الفهم أو التدبر الذهني دعونا نقول، وهذا الذي قصده، فمن معجزاته المستوية اعتباراً بالبيان، ومنها ما هو المشاهد حساً بالعيان، أي ما يتعلق بالحواس الخمس، وهي السمع والبصر واللسان والشم والذوق.
وكما ال، لاحظوا ماذا عبر الآن ننتقل لفكره اخرى، وكما أن من تعامى في حياته صلى الله عليه وسلم عن نبع الماء من بين اصابعه وغير ذلك من معجزاته فهو ملوم مدحور وماز غير مأجور، فكذلك من تعامى عن آيات الكتاب وكان لم يقرأ أذنه قارع من هذا الباب. يقول: الذي يتغافل عن آيات الله سبحانه وتعالى عن هذه المعجزة العظيمة ولا يتدبرها ولا ينظر في محاسنها ولا تزيده إيماناً، فحاله حال من كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يرى المعجزات الحسية كنبع الماء من تحت أصابعه وكلام الحجر والشجر معه إلى غير ذلك من المعجزات، ويتغافل عنها ويعرض عنها ولا يلتفت إليها، ولذلك الأمر خطير أحبابي الكرام الذي يعرض، يريد أن يقول ابن الزبير الذي يعرض عن تدبر القرآن ولا يتأمل في معجزته وعظيم بيانه وارشاده إلى الله عز وجل، حاله حال من أعرض في زمن النبي صلى الله عليه وسلم عن معجزاته الأخرى.
لهذا يقول: ولهذا نبه الله، ولهذا نبه الله تعالى بقوله: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ، ويقول سبحانه: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَرُوا آيَاتِهِ.
وجهات اعتباره كثيرة، الآن بدا ينتقل لموضوع الكتاب فيقول: وجهات التدبر للقرآن كثيرة، ولسلي هذه الأمة ولفقها مسالك في ذلك شهيرة، فهناك من يهتم مثلاً بتدبر نفس الآيات والدخول في تفسيرها، وهناك من يهتم بتدبر القرآن من خلال معرفة أسباب النزول، وهناك من يتدبر في القرآن من خلال ملاحظة القصص القرآني، وهناك من يتدبر في القرآن من خلال الطريقة التي سلكها ابن الزبير، وهي معرفة وجه التناسب والارتباط بين سور القرآن.
لذلك قال: وجهات اعتباره كثيرة، أي جهات التدبر وطرقه متنوعة، ولسلي هذه الأمة ولفقها مسالك متنوعة في ذلك شهيرة. ثم قال: واني تاملت منها بفضل الله وجوه ارتباطاته وتلاحم سوره وآياته إلى ما يلتحم مع هذا القبيل من عجائب شواهد التنزيل، فعلقت في ذلك ما قدر لي، أي كتب هذا الكتاب، هذا المره أنه علقت، ثم قطعت بقواطع الايام عن تتميم أو ثم قطعت به قواطع الايام عن تتميم رومي من ذلك، ويه اي انه بدا يكتب هذا الكتاب لكن على صورة أوسع، ثم صروف الدهر والحياة كما تمر بنا كان تمر به، فمنعته من إكمال الكتاب ابتداء.
فقال: فاقتصرت بحكم الاضطرار في هذا الاختصار على توجيه ترتور، يعني الذي يظهر لي أن ابن الزبير رحمه الله تعالى عليه كان شرع في تصنيف كبير جمع فيه بين البيان عن تلاحم سور القرآن ووجه تناسبها وتلاحم الآيات بعضها ببعض، وهذا يحتاج إلى جهد كبير وإلى الوقوف على عجائب شواهد التنزيل، وهذا أمر أيضاً عظيم، لكن هذا السفر الكبير لم يقدر أن يتم لأن ابن الزبير انشغل رحمه الله تعالى عليه، فاقتصر بعد ذلك على كتابة كتاب مختصر في ترتيب سور القرآن، وهو هذا الكتاب الذي بين أيدينا. هذا الاختصار على بيان التناسب بين صور القرآن حتى لا يضيع الثواب بالكلية كما قال: وإن لم أرى في هذا وإن لم أرى في هذا الضرب الخاص شيئاً لمن تقدم وغبر.
هو يريد أن يقول إن هذا النوع من التأليف هو أول من سبق إليه من العلماء، ولم يجد مصنفاً خاصاً لأهل العلم سبقه في هذا الميدان، وإنما بدر لبعضهم توجيه ارتباط آيات في مواضع مفترقات، أي أن من سبقه من العلماء إنما كان كلامهم عن توجيه الارتباط والتناسب بين بعض الآيات فقط، وذلك في الباب أوضح ومجال الكلام فيه أفسح. أما تعل، يعني الكلام عن تناسب الآيات داخل السورة الواحدة أسهل، والميدان للكلام فيه فسيح، أما الكلام عن تناسب السور ففي الحقيقه فعلاً يحتاج لجهد عالي، وأن يكون الإنسان يتكلم بعلم بعيداً عن التكلف.
لذلك قال: أما تعلق السور ارتباطها على ما ترتب في الإمام، الإمام هو المصحف الذي جمع في عهد أبي بكر الصديق ثم بعد ذلك نسخه عثمان رضي الله تعالى عنه، وإن كان الأكثر يسمي المصحف الذي نسخه عثمان هو يسمونه مصحف الإمام، فيقول: أما تعلق الور على ما ترتب في الإمام، أي في مصحف عثمان، واتفق عليه الصحابة الاعلام، فمما لم يتعرض له فيما أعلم، فيما يعلم هو لم يجد من تكلم في هذا العلم، ولا قرع أحد هذا الباب ممن تاخر أو تقدم، فإن صلى أحد بعد فهذه الإقامة أو أتم فمرتبة.
ثم هذا الكتاب ختمه بعد أن أنهى الكلام فيه، عرضه على السلطان في زمانه، وهذا من دأب كثير من أهل العلم. ليست طريقة أهل العلم كلهم على هذا المنوال، لكن كثير من أهل العلم كما فعل الجويني في الغياث، وكما فعل ابن الزبير هنا، يعني بعد أن ينهي الكتاب فانه يرفعه إلى السلطان في زمانه رجاء أن يكون ذلك فيه خير، ونشر يعني للمودة وأصرة الخير بين هذا العالم وبين السلطان. وعموماً السلاطين في زمانهم يعني في الجمله كان فيهم خير، كان فيهم خير وإن شاب بعضهم شيء من السوء أو الأخطاء، لكن كان فيهم خير عموماً في نصرة الإسلام والدفع عن حياض المسلمين.
ثم الآن وضع ابن الزبير مقدمة للكتاب، وهذه مقدمة مهمة سيتحدث فيها عن موضوع أساسي، وهو: هل ترتيب السور أصالة في مصحف عثمان، هل ترتيب السور الذي وضع في مصحف عثمان واتفق عليه الصحابة هل هو كان بتوقيف وقفوا عليه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أرشدهم إلى هذا الترتيب، أم كان باجتهاد الصحابة وأجمعوا عليه؟
يقول: اعلم أولاً أن ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه صلى الله عليه وسلم وأمره، هذا لا اشكال فيه قطعا من غير خلاف في هذا بين المسلمين. وإنما اختلف في ترتيب الور على ما هي عليه الآن في مصحف عثمان، وكما ثبت في الامام مصحف عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه الذي بعث بنسخه إلى الآفاق، وأطبقت الصحابة على موافقة عثمان في ترتيب سوره وعمله في.
فالآن هنا موطن الخلاف، هل هو توقيفي ما فعله عثمان بن عفان والصحابة اللجنة المسؤولة عن ترتيب المصحف، هل ما فعلته كان بتوقيف وامر وشيء عندهم من النبي صلى الله عليه وسلم، أم هو مجرد الاجتهاد؟
يقول: ذهب الإمام مالك والقاضي الباقلاني فيما اعتمده واستقر عليه مذهبه من قوليه، والجمهور من العلماء، إلى أن ترتيب السور إنما وقع باجتهاد من الصحابة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم فوض ذلك إلى أمته، هذا هو الراي الا وسيعلو.
وذهبت طائفة أخرى من العلماء إلى أن ذلك إنما وقع بتوقيفه صلى الله عليه وسلم وبأمره هو الذي أعلمهم كيف يرتبون السور، ولكل من الطائفتين جهات تعلق. وكل القولين والحمد لله لا يقدح في الدين ولا يثمر إلا اليقين.
فأقول مستعيناً بالله، الآن سيبين وجهة نظره: اعلم أن الأمر في ذلك كيفما قدر فلا بد من رعي للتناسب والتفات للتواصل والتجاذب، أي سواء قلنا إن ترتيب المصحف كان باجتهاد الصحابة وإجماع، أو بتوقيف النبي صلى الله عليه وسلم، في كلا الحالين لابد أن الذي ألف المصحف على هذه الصورة التي بين أيدينا رعى التناسب بين هذه السور، ورعى التواصل بين المواضيع.
يعني حتى لو كان الصحابه هم الذين اجتهدوا وأجمعوا، هل يعقل أن الصحابه وضعوا هذا الترتيب هكذا ببادئ الراي أو بالمصادفة أو
من دون رأي لمواضيع القرآن الكريم، مواضيع السور، يقول: كلا، حتى لو كان بالاجتهاد لابد أنهم التفتوا إلى هذه القضية. فيقول: فإن كان الأمر بتوقيف منه صلى الله عليه وسلم فبالتالي لا مجال للخصم بعد ذلك التحديد الجليل والرسم، يعني ما في أحد يتكلم بعد كلام النبي صلى الله عليه وسلم. وإن كان على القول الآخر، وإن كان مما فوض فيه الأمر إلى الأمة بعده، فقد أعمل الكل من الصحابه في ذلك جهده، وهم الأعلام بعلمه، المسلم لهم في وعيه وفهمه، هم الأئمة، هم السادة، هم الذين شاهدوا التنزيل ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم، هم العارفون بأسباب نزول الآيات ومواقع الكلمات، وإنما ألف القرآن على ما كانوا يسمعونه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا قول مالك رحمه الله في حكاية بعضهم عنه، مع أن مالك أحد القائلين بأن ترتيب السور اجتهادي من المسلمين.
وكيفما دار الأمر فمنه صلى الله عليه وسلم عرف ترتيب السور، أي مهما دار الأمر، سواء قلنا إن الصحابه اجتهدوا وأجمعوا أو كان الأمر بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم، في كلا الحالتين النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي ألهمهم وأشار بترتيب السور. فإن كان بتوقيف قولي منه فهذا واضح، يكون النبي صلى الله عليه وسلم علمهم ذلك بالقول. وأما إن قلنا إنه كان باجتهاد الصحابه وإجماعهم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ألهمهم هذا الترتيب من خلال الفعل والإشارة. هذه خلاصه ما يريد أن يقوله: النبي صلى الله عليه وسلم يكون ألهمهم هذا الترتيب للصور على من خلال إشاراته، وهذا ما قصده مالك بقوله: وإنما ألفوا القرآن على ما كانوا يسمعون، أي أنهم كانوا ينظرون في إشارات النبي صلى الله عليه وسلم في الكلام الذي كان يقوله، ومن خلال هذه الإشارات فهموا مراده في ترتيب السور، هذا إذا لم يكن كما قلنا هناك توقيف قولي.
فإذاً إنما الخلاف، إذا اختصر الآن ابن زبير الغرناطي كل الحكاية، فيقول: إنما الخلاف هل ذلك بتوقيف قولي، أو بمجرد استناد فعلي بحيث بقي لهم فيه مجال للنظر؟ هل كان هناك قول من النبي صلى الله عليه وسلم صريح؟ أو كان هناك إشارات وإيماءات وأفعال فهموا من خلالها المقصود في الترتيب، وكان الاجتهاد منهم بناء على هذه الإشارات والأفعال؟ فهذا هو مضن الخلاف. فإن قيل: إذا كانوا قد سمعوه منه صلى الله عليه وسلم كما استقر عليه ترتيبه، ففيما إذا أعملوا الأنظار وأي مجال بقي لهم بعد للاختبار؟ فالجواب أن قد روينا في صحيح مسلم عن حذيفة فقال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة، ثم بعد ذلك قرأ النساء، ثم بعد ذلك قرأ آل عمران. أنا اختصرت الحديث، فلما كان صلى الله عليه وسلم ربما فعل هذا للتوسعة على الأمة وبيانا لجليل تلك النعمه كان محلا للتوقف حتى استقر النظر على رعي ما كان من فعله الأكثر، فهذا محل اجتهادهم في المسألة.
أي إذا قلنا إن الصحابة هم الذين اجتهدوا في ترتيب السور بناء على إشارات وتنبيهات من النبي صلى الله عليه وسلم، ما موطن الاجتهاد إذا كان هناك إشارات وتنبيهات؟ فهو يقول موطن الاجتهاد هو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يواظب مثلا على قراءة سورة البقرة ثم سورة آل عمران ثم سورة النساء، هو لا يقول لهم إن هكذا ينبغي أن تكون في المصحف، هو كان يواظب على هذا الترتيب في قراءته في أكثر أموره في أكثر تنبيهاته وإشاراته، ففهم الصحابه ابتداء أن هذا هو الترتيب المقصود لهذه السور، البقرة آل عمران النساء. لكنه في بعض الأحيان كان يخالف هذا الترتيب كما جاء في حديث حذيفة لما قام الليل قرأ البقرة ثم قرأ النساء ثم عاد إلى آل عمران، فهنا سيقع للصحابه شيء من الاجتهاد. أكثر أفعال النبي صلى الله عليه وسلم كانت بتقديم البقرة ثم آل عمران ثم النساء وفي موطن قدم النساء على آل عمران، فهنا يكون مجال الاجتهاد والترجيح من خلال النظر في أكثر أموره وأفعاله.
فمثلاً الصحابه استقروا أكثر أمور النبي صلى الله عليه وسلم، ماذا كان يقدم في أكثر أحواله؟ كان يقدم آل عمران على النساء، ففهموا: آه إذا هو في بعض المواطن صحيح قرأ النساء آل عمران، لكن في أكثر أموره وأحواله وإشاراته نبهنا على أن آل عمران مقدمة على النساء، فبالتالي اجتهد الصحابة بناء على استقرائهم لأفعال النبي صلى الله عليه وسلم وإشاراته. وهذا كله إذا قمنا الأمر بالاجتهاد، فبالتالي أحبابي لما نقول الصحابة اجتهدوا وأجمعوا على ترتيب المصحف، يريد ابن الزبير يقول: إياك أن تظن أنه اجتهاد ببادئ الراي هكذا من دون وجود مستند من إشارات النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتنبيهاته، فبالتالي استرح، لابد أن هناك تناسب بين هذه السور. هذه هي الخلاصة، لأن البعض قد يشوش ويقول: إذا كان الأمر باجتهاد الصحابه وإجماعهم وليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم، إذا لن يكون هناك تناسب بين السور! بل على كلا القولين لابد وأن هناك تناسب بين السور، فالنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أسس لهذا الترتيب أما بقوله الصريح وأما بفعله وإشاراته.
ثم يشهد لما بنينا كتابنا هذا على يشهد للفكره التي بنينا عليها هذا الكتاب ووجود التناسب بين السور القرآنية، ما ورد في مصنف ابن أبي شيبة عن أناس من أهل المدينه قال الحكم، أرى فيهم أبا جعفر أنه أحدهم، أبو جعفر قال: كان صلى الله عليه وسلم يقرا في الجمعة بسورة الجمعة والمنافقون، أي النبي صلى الله عليه وسلم كان في صلاة في يوم الجمعة وفي صلاة الجمعة يقرا بسورتين، في الركعة الأولى من صلاة الجمعة يقرا بسورة الجمعة، وفي الركعة الثانية المنافقون. فقالوا: فأما سورة الجمعة فيبر بها المؤمنين ويحرضهم، وأما سورة المنافقين فييس بها المنافقين. اه هذا فيه إشارة أن هناك ارتباط إذن بين موضوع سورة الجمعة وموضوع سورة المنافقين التي تأتي مباشرة بعدها في ترتيب المصحف، فسورة الجمعة بشارة للمؤمنين وسورة المنافقين هي نذارة وتيس للمنافقين، فلهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس على هذا التناسب.
بالتالي الصحابة الذين كتبوا ونسخ المصحف في زمن عثمان لما وضعوا سورة الجمعة ثم بعدها وضعوا سورة المنافقين، هم التفتوا إلى هذا، نظروا وكيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل بهاتين السورتين، نظروا أنه كان في صلاة الجمعة دائما كان يقرا في الركعة الأولى بسورة الجمعة وفي الركعة الثانية بسورة المنافقين، إذا عرفوا أن هناك تناسب بين موضوع السورتين فهذا فيه إشارة إلى أنهما هكذا ترتب في المصحف. ثم نظروا مثلا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرا أحيانا بسورة الأعلى وسورة الغاشية، في الركعة الأولى بسورة الأعلى وفي الركعة الثانية بسورة الغاشية، فعرفوا أن هناك تناسب بين هاتين السورتين وأن هناك اشاره في ترتيبهما، وهكذا. أي فيريد أن يبين إذا ابن الزبير أن الموضوع الذي سلكه له أصل وليس هو من بنات أفكاره، وهو وجود التناسب بين السور، وهذا كلام صحيح.
لكن إذا كان ذكر هذه التناسبات بعيدا عن التكلف، بعيدا عن التكلف قلت ومن ظن، الآن يقول ابن الزبير: ومن ظن ممن اعتمد القول بأن ترتيب السور اجتهاد من الصحابه، يعني الذي يرى أن ترتيب السور في القرآن هو مجرد اجتهاد، من ظن من هؤلاء أنهم أن الصحابة لم لم يراعوا في ذلك التناسب بين السور والاشتباه بين مواضيعها، فقد سقطت مخاطبته، هذا لا تخاطبه، دع كمين. وإلا فما المراع وترتيب النزول غير ملحوظ في ذلك بالقطع؟ كلام علمي يقول ابن الزبير الآن.
الصحابة لما كتبوا المصحف في زمن عثمان بن عفان هل كتبوه بناء على وقت النزول، على حسب ترتيب نزوله؟ قطعا لا، لم يكتبوا القرآن على حسب ترتيب نزوله. طيب إذا كانوا لم يكتبوه على حسب ترتيب النزول، إذا ما هو الأساس الذي بنوا عليه هذا الترتيب؟ هذا هو السؤال العلمي المطروح. إذا كان الصحابة لم يكتب القرآن من أوله إلى نهايته على أساس وقت النزول، طيب إذا لابد وأن يكون هناك معيار وضعوا عليه هذا التأليف. لا يمكن أحبابي أن يكون هذا التأليف مجرد مصادفة ويجمع كل الصحابة عليه، لا يمكن، غير منطقي هذا الكلام. فبالتالي لابد وأن هناك ارتباط وتناسب بين السور عقلة الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم وبناء عليه كان ترتيب هذه السور بهذه الطريقة.
يقول ابن الزبير بعد ذلك: ألا ترى أن سورة البقرة وهي سورة مدنية أي نزلت في المدينة بعد الهجره تقدمت سور القرآن جميعها بتوقيفه صلى الله عليه وسلم في الصحيح المقطوع به. انظروا إلى الحديث الذي في هامش سبعة: كان صلى الله عليه وسلم يقول: يؤتى بالقران يوم القيامه وأهله الذين كانوا يعملون به تقدموا سورة البقرة وآل عمران. اليس هذا إشارة من النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن سورة البقرة وآل عمران تكون في بداية المصحف وأن سورة آل عمران بعد سورة البقرة؟ لاحظوا هذه هذا هو المقصود بالإشارات التي فهم الصحابة من خلالها كيف يرتبون المصحف، أو كيف يريد النبي صلى الله عليه وسلم منهم أن يرتبوا المصحف.
ثم يقول: وتقدم المدني على المكي في ترتيب السور وتقدم المدني أي تقدم السور المدنية وتقدم المدنية على المكي في ترتيب السور والآية كثير جدا. فاذا سقط تعلق المكان بترتيب النزول يعني إذا كان القرآن لم يرتبه الصحابة بناء على وقت بناء على وقت نزوله لم يبق إذن أساس لترتيب المصحف إلا رعي التناسب والاشتباه وارتباط النظائر والأشباه، يعني وجه التناسب بين مواضيع السور هو الذي حكم هذا الترتيب. وتدبر بعقلك وضوح ذلك في عدة سور، كالانفجار ببراءه واضح، وارتباط موضوع سورة الطلاق بالتحريم واضح، وارتباط موضوع سورة التكوير بالإنفطار واضح، وارتباط موضوع سورة الضحى بسورة الشرح واضح، وكذلك الفيل وقريش وكذلك المعوذتين، إلى غير هذه السور مما لا يتوقف في وضوحه من له أدنى نظر.
وقد مال القاضي أبو محمد ابن عطية رحمه الله عليه في ترتيب السور، الآن سيذكر قولا ثالثا، هو ذكر ابتدا ان هناك من يرى أن ترتيب السور كله بالاجتهاد اجتهاد الصحابه وأجمعوا عليه وكان هذا الاجتهاد مبنيا على إشارات النبي صلى الله عليه وسلم وتنبيهاته. القول الثاني لا، أن ترتيب السور هو بتوقيف النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة وبقول صريح منه. الآن سيذكر قولا ثالثا، وهذا مرمنا أظن في كتاب ابن كثير هذا قول ابن عطية رحمه الله عليه المفسر المشهور يقول في ترتيب السور: وقد مال القاضي أبو محمد عبد الحق بن عطية في ترتيب السور إلى القول بالتفصيل، وأن كثيرا من سور القرآن قد كان علم ترتيبها في أيامه صلى الله عليه وسلم كالسبع الطوال والحواميم والمفصل، وأشار كلامه إلى أنما سوى ذلك يمكن أن يكون صلى الله عليه وسلم فوض الأمر فيه إلى الأمة بعده، ولم يقطع القاضي أبو محمد في هذا القسم بشيء.
يعني يريد أن يقول أن القرآن على قسمين، هناك قسم ترتيب السور فيه بتوقيف صريح من النبي صلى الله عليه وسلم، وهناك قسم آخر كان الترتيب فيه بناء على اجتهاد الصحابة وعلى إجماعهم عليه، وهذا الاجتهاد والإجماع اعتمد على الإشارات والإيماءات ولم يكن هناك صريح قول من النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا القول قول إذا جاء بين القولين السابقين، أن هناك جزء من صرح النبي صلى الله عليه وسلم بترتيبه وجزء منه أعطى له إشارات وتنبيهات والصحابة بنوا اجتهادهم على هذه الإشارات والتنبيهات. ثم يقول ابن الزبير: وظواهر القرآن شاهده بصحه ما ذهب إليه في أكثر مما نص عليه ويبقى قليل من السور يمكن فيها جري الخلاف أو يكون وقع. المهم يريد يقول ابن كثير عفوا ابن الزبير يريد أن يقول إن كلام ابن عطية في الحقيقة قد يكون هو أعدل الاقوال وأقربها إلى الصواب لو أننا استقر كلام النبي صلى الله عليه وسلم. طيب الآن وذكر بعض الشواهد، بعد ذلك بدأ يذكر بعض الشواهد على كلامه، أنا لا أطيل عليكم أختم بالفكرة الأخيرة هنا.
فإن قيل: فقد كان يجب على ما أشرت إليه أن يكون القول بتوقيف أكثر بالتوقيف أكثر وأشهر والأمر على خلاف ذلك، فان مالكا والقاضي، يعني بناء على كل هذا الكلام السابق يعني ختم فيقول: فان قيل: فقد كان يجب بناء على ما قدمت يا ابن الزبير أن يكون القول بالتوقيف أكثر العلماء عليه وأشهر بين أهل العلم، مع أن الأمر على خلاف ذلك، أكثر أهل العلم و على أن ترتيب المصحف اجتهادي، فان مالكا والقاضي أبا بكر من المتكلمين واكثر اهل العلم قائلون بأن ترتيب السور اجتهاد من الصحابه.
وقد مر، فالجواب عن ذلك يعني باختصار يعني لماذا أكثر أهل العلم ذهبوا إلى أن القرآن ترتيبه بالاجتهاد من الصحابة؟ طبعا الاجتهاد اللي اتفقنا المبني على الإشارات والتنبيهات، لماذا أكثر أهل العلم لم يذهبوا إلى أن القرآن توقيفي كله في ترتيبه؟ أو لم يختاروا قول ابن عطية؟ لماذا أكثر أهل العلم ذهبوا إلى القول أن أن ترتيب جميع سور القرآن كان بالاجتهاد؟ فيريد أن يقول هنا ابن الزبير: فالجواب أن الآثار المستفيضة والمقطوع به منها إنما ورد ذلك في الأكثر ولم يرد فيها بين كل سورتين سورتين. ولا شك أنه إذا بقي بعض ذلك لاجتهادهم ولو فيما بين سورتين جرى القول المشهور عليه وصح اعتماده، إذا يعني وأن هنا أجاب بجواب.
قد نتفق مع ابن الزبير على هذه الإجابة، وقد نختلف معه؛ هو يقول إنه لأنه لم يأتِ نص صريح عن النبي صلى الله عليه وسلم ببيان وجه المناسبة، أو عفواً، لم يأتِ نص صريح عن النبي صلى الله عليه وسلم ببيان الترتيب بين كل سورتين سورتين سورة، وإنما كان كلامه صلى الله عليه وسلم جملة في هذا الباب.
ذهب أكثر أهل العلم إلى أن ترتيب السور اجتهادي، وهكذا يقول الآثار المستفيدة، والمقطوع به منها إنما ورد ذلك في الأكثر، ولم يرد فيما بين كل سورتين سورتين، ولا شك أنه إذا بقي بعض ذلك لاجتهادهم، ولو فيما بين سورتين، جرى القول المشهور عليه. يعني، ويقول إن كثير من السور النبي صلى الله عليه وسلم نص على ترتيبها، وبقي هناك أيضاً عدد لا بأس به من السور لم ينص النبي صلى الله عليه وسلم على ترتيبها، فبالتالي قول جمهور أهل العلم أن ترتيب المصحف اجتهادي بناء على هذا العدد الذي لم يبين النبي صلى الله عليه وسلم فيه بالتصريح الترتيب فيه.
لكن أي يعني التوجيه بهذه القضية أشعر أن فيه شيئاً من التكلف، يعني ليس هذا هو موطن النظر، وإنما القضية قضية أدلة؛ جماهير أهل العلم ذهبوا إلى أن الادله تشير أن ترتيب سور المصحف في جلها في أغلبها اجتهادي، نعم اجتهادي بناء على الإشارات والتنبيهات، لكنه اجتهادي، وطائفة أخرى ذهبت إلى أنه توقيفي، وطائفة مثل طائفة ابن عطية ذهبت إلى التفصيل، فلا يعني فلا داعي أن ندخل في هذه التحكمات ما دمنا خلاص اتفقنا على الأصل أنه مهما كان القول في طبيعة ترتيب السور فلا بد وأن هناك مستنداً، وأن هناك معياراً لهذا الترتيب، وبناء على هذا المعيار أو ملاحظة هذا المعيار سنمضي في كتاب البرهان في ملاحظة ما علاقة سور بعضها ببعض.
حتى لا أطيل في هذا الموضوع؛ نبدأ بسورة الفاتحة أم القرآن، سنتكلم باختصار عن موضوع السورة الجملة، ثم السورة التي تليه وهي سورة البقره، ونلحظ هذه الارتباطات. وهنا أنا أنصح أحبائي الطلبة بأن يرسموا مخططاً لمواضيع سورة البقرة كما سيذكره ابن الزبير، ويعرف هذه المواضيع كيف ارتبطت بالموضوع العام لسورة الفاتحة، حتى يكون هناك وعي في أثناء قراءة القرآن.
سنبدأ بسورة الفاتحة مستعينين بالله، يقول: قد ذكر الناس كيفية تضمنها مجملاً لما تفصل في الكتاب العزيز بجملته، أي ما ورد تفصيله في كل المصحف من سورة البقرة إلى سورة الناس ورد مجملاً في سورة الفاتحة. تصوروا! ما ورد تفصيله من سورة البقرة إلى سورة الناس ورد مجملاً في سورة الفاتحة، كيف ذلك؟
الآن أحبابي الكرام يقولون: القرآن من سورة البقرة إلى سورة الناس ما هدفه؟ أن يرسم للناس طريق الهدايه إلى الله سبحانه وتعالى من خلال القصص، من خلال الأمثال التي ضربها الله، من خلال الأحكام التكليفية والأحكام الوضعية. القرآن من أوله إلى من سورة البقرة إلى سورة الناس إنما أتى ليبين تفاصيل الهدايه، ليبين تفاصيل الهدايه، وسورة الفاتحة أجملت موضوع الهداية في قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ.
لما قال الله عز وجل في سورة الفاتحة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، الآن أنت تطلب من الله أن يهديك الصراط المستقيم، هذا الصراط المستقيم الذي طلبت من الله الهداية له، بل تطلب في كل ركعة من صلاتك أن يهديك الله إليه، جاء تفصيله من سورة البقرة إلى سورة الناس، كل المصحف إنما هو لتفصيل الصراط المستقيم وبيان أصحابه وضوابطه، وما نهاية السعداء وما نهاية الأشقياء.
ثم سورة الفاتحة تكلمت عن هذا الصراط المستقيم أن هناك من التزمه وهم الذين أنعم الله عليهم: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ. وهناك من ابتعد عنه وهم صنفان: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ. هذه هي الحكاية؛ هناك صراط مستقيم نسأل الله الهداية إليه، وهو الصراط الذي سلكه الأنبياء والصالحون وأتباعهم، وهناك من تنكب عن هذا الصراط وذهب به ذات اليمين وذات الشمال، وهم المغضوب عليهم والضالون، اليهود والنصارى ومن كان على شاكلتهم من الكفرة.
إذاً، ذكر الناس كيفية تضمنها مجملاً لما تفصل في الكتاب العزيز بجملته، وهو أوضح وجه في تقدمها سورة المكرمة. يعني لو سألك سائل: لماذا ابتدا ترتيب المصحف بسورة الفاتحة؟ ماذا تكون الإجابة؟ تكون الإجابة أن سورة الفاتحة اختصرت كل مواضيع السور التي تليها، لذلك تقدمت على جميع سورة المكرمة. كل السور من البقرة إلى الناس إنما تذكر تفاصيل الصراط المستقيم، وسورة الفاتحة تذكره جملة في قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ. حكاية المصحف إلى نهايته هي في هذه الجمله، انتبهوا لهذا المعنى الشريف.
ثم هي مما يلزم المسلم حفظه، وبالتالي لابد للمصلي من قراءتها، ثم افتتاحها بحمد الله سبحانه وتعالى، وقد شرع في ابتداء الأمور أيضاً. إذا عرفنا السبب الأول لتقديم سورة الفاتحة أنها مجمل لما ورد تفصيله في القرآن، ثانياً أنه لا بد لكل مسلم أن يحفظها فالصهايب القرآن، ثالثاً أنها ابتدئت بالحمد لله سبحانه وتعالى، وقد شرع في ابتداء الأمور، أي أن حمد الله سبحانه وتعالى مشروع في ابتداء الأمور، فبالتالي وضعوها في ابتداء المصحف ليبدا الإنسان قراءة القرآن وقراءة المصحف من الحمد لله.
لكن هذا الوجه قد لا يكون قوياً، هذا الوجه؛ لأنه هناك أكثر من سورة ابتدات بالحمد مثل سورة الكهف: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ. لماذا إذاً لم توضع سورة الكهف في بداية المصحف؟ فلذلك الوجه الأول الذي ذكره والتعليل الاول هو والله تعالى أعلم هو الأحكام في هذا الأمر، وليس لمجرد أنها ابتدئت بحمد الله، لأن هناك عدة صور بدات بحمد الله.
ثم قال: وأوضح إذا وقد شرع في ابتداء الأمور، وأوضح الشرع فضل ذلك، أي فضل الحمد، وأخذ به كل خطيب ومتكلم، فكل خطيب يبدأ بالحمد وكل متكلم يبدأ بالحمد. ثم فيها تعقيب الحمد له سبحانه بذكر صفاته الحسنى: الرحمن الرحيم، والاشارة بعد ذلك إلى ارسال الرسل في قوله: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ. لو نظرت في قوله اهْدِنَا مع قوله صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، ثم نظرت في سورة الأنعام في قوله تعالى عن الأنبياء: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ، أنت تعرف إذاً: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، أول ناس أنعم الله عليهم من هم؟ هم الرسل، أنعم الله عليهم بالهداية وبالارشاد، فصراط الذين أنعم الله عليهم وهم الرسل، وفيه إشارة إلى ارسال الرسل.
وهذه مسألة عقدية كبرى، وذكر افتراق الخلق بعد ذلك بذكر المهتدين الذين أنعم الله عليهم، وذكر المغضوب عليهم والضالين. ثم إن ملاك الهدى بي سبحانه، أن سورة الفاتحة أشارت إلى أن ملاك الهدى من الذي يملك لك الهداية؟ هو الله سبحانه وتعالى، لذلك عليك أن تطلبها منه فتقول دائماً في سورة الفاتحة: إِيَّاكَ نَعْبُدُ، العبادة طلب للهدايه إليه، وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فانت تستعين بالله سبحانه وتعالى على الوصول إلى الهداية، لذلك أنت تقول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. فانت قلت: إيَّاكَ نَسْتَعِينُ نستعين على سلوك درب الهداية والوصول إليها، وهذا كله أشفى شيء في بيان وجه التقديم.
انتهى الأمر، لاحظوا كيف أن الكلام مختصر مبسط، لكنه في الحقيقه فيه إشارات عالية، لو أنك في كل صلاة وكلما قرات المصحف انتبهت إلى هذه القضية في سورة الفاتحة، ثم بعد ذلك ربطها بما في سورة البقرة كما سياتي معنا، ستجد أن الأمور أصبح فيها لذة، وأصبحت تفهم لماذا سورة البقرة بمعالجتها وردت بعد سورة الفاتحة.
إذاً، انتهينا هكذا من سورة الفاتحة، وعرفنا مختصر ما فيها من المسائل، أن سورة الفاتحة تدل على أن المسلم عليه أن يطلب الهداية للصراط المستقيم، وهذا الطريق، طريق الصراط المستقيم، هو طريق الرسل، وهذا فيه إشارة إلى بعث الرسل وطريق اتباع الرسل، وأن هناك من انصرف عن هذا الصراط من المغضوب عليهم والضالين، فعليك أن تحذر منهم، وعليك أن تعرف أن الذي يهديك إلى هذا الصراط المستقيم هو الله، فاطلب الاستعانه منه. هذه باختصار الأفكار.
ثم قال: سورة البقرة. لما قال العبد -لاحظوا كيف يربط الان بين السورتين- لما قال العبد بتوفيق في ربه: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، الله عز وجل -ها أنت قلت في سورة الفاتحة: يا رب اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ- فأجاب الله عز وجل في سورة البقرة وفي مطلعها: ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ. تريد الصراط المستقيم؟ إذاً ها هو هذا الكتاب بين يديك لا ريب ولا شك ولا مرية فيه، هو الذي يقودك إلى الصراط المستقيم، وهو مطلوبك وفيه أربك وفيه حاجتك الوصول إلى الهداية، وهو الصراط المستقيم، لذلك قال: الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ. تطلب الهداية اهْدِنَا؟ إذاً هذا الكتاب هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الذين يقولون اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، والذين يخافون من حال الفريقين المغضوب عليهم والضالين فاتخذوا وقاية من، فاتخذوا هؤلاء المتقون اتخذوا وقاية من العذاب من العذاب خوف ربهم وتقواه، اتخذوا وقاية من العذاب خوف ربهم وتقواه بامتثال أمره ونهيه.
نعم، ثم أشير من الأعمال إلى ما يستجر سائرها من قبيل البدنيات والماليات بياناً للصراط المستقيم. إذاً أنت تريد الصراط المستقيم، هذا الكتاب لا ريب فيه، فيه هدى لهذا الصراط المستقيم، ثم هذا الصراط المستقيم لابد حتى تلزمه أن يكون هناك أمور تلتزم ونواهي تبتعد عنها، فابتدا بذكر الأمور التي عليك أن تلتزم واقتصر على أمرين ابتداء: الصلاة وهي راس العبادات البدنية، والزكاة وهي راس العبادات المالية.
لذلك قال: ثم اشير في مطلع سورة البقرة من الأعمال إلى ما يستجر سائرها؛ فمن حافظ على الصلاة حافظ على غيرها عموماً، ومن حافظ على الزكاة والانفاق جره ذلك إلى غيرها. إذاً ما يستجر سائرها من قبيل البدنيات والماليات، وهذا كله بياناً للصراط المستقيم ما زلنا نبينه، فقيل في وصف المتقين: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، وحصل من هذا حصر الفعل والترك الضابطين لجميع الأعمال كيف ما تشعبت، كما مهد في التفسير عند ضم ما ورد هنا إلى قوله تعالى: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ.
يعني هنا ابن كثير دخل في مسألة دقيقة، وهي أن الأمر في بداية سوره البقرة بالصلاة والزكاة هو ليس فقط مجرد الأمر بذات الصلاة وبذات الزكاة، بل هو أمر براس العبادات البدنية وراس العبادات المالية، وفي ظنه وفي ضمنه نهي عن الفحشاء والمنكر. كيف ذلك؟ يقول: لو أنك جمعت هذه الآية مع آية سورة العنكبوت: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، ستجد أن الأمر بالصلاة -وهذا من دقيق الملاحظ في الحقيقه يعني أشكر ابن الزبير على هذه الفائدة الجليلة- يقول لك: إذا أمرك الله بالصلاة فهو فعلياً يامرك بالصلاة ويصرف عن جميع المناهي، إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، فالامر بالصلاة ليس مجرد أمر بالصلاة، بل هو يقودك إلى سائر العبادات البدنية وينهاك ويصرف عن الفحشاء والمنكر، والامر بالزكاة يقودك إلى سائر العبادات المالية.
طيب قال: ثم ثم بين لهم قدر النعمة عليهم في طلب الهدى من الله في قولهم اهدنا. يعني ما زال الله عز وجل يبين لهم في مطلع سورة البقرة قدر نعمة الله سبحانه وتعالى عليهم لما هدانا وهداكم أحبائي الكرام للصراط المستقيم اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. بين سبحانه وتعالى من الذين لم يَهدهم إلى هذا الصراط، فقال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ، ليعلموا أن الهدى من عنده سبحانه وتعالى فليلحظ ويتب من الدعاء حو أو قوة الله سبحانه وتعالى.
ماذا قال؟ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ. هنا الله سبحانه وتعالى صور حال الكافرين، كيف أن الله سبحانه وتعالى ختم على قلوبهم وأسمائهم وجعل على أبصارهم غشاوة فلا يبصرون الهداية إلى الصراط المستقيم. فانت يا من طلبت الهداية إلى الصراط المستقيم، انظر في حال هؤلاء الكافرين كيف أن الله صرفهم عن هذا الصراط، فعليك دائماً أن تستعين بالله، وأن تستعيذ بالله من أن يختم على قلبك، وأن يطمس على بصيرتك.
ثم نبهوا على الإخلاص أيضاً، وأن يكون قولهم اهدنا الصراط المستقيم صادراً عن يقين وإخلاص بعيداً عن النفاق، فذكر أحوال المنافقين بالتفصيل حتى لا يشبهوا من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين، وبسط لهم من حال هؤلاء المنافقين في 13 عشر آية من يوضح لهم طريق الهدى الواضح، إذاً حذروا من شكوك هؤلاء وحيرتهم، فقالوا اهدنا عن يقين وإخلاص.
فعندما تقول أنت اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، أنت تريد أن تتبرا أيضاً من طريق المنافقين، فلذلك فصل الله سبحانه وتعالى حال أهل النفاق. ثم بعد ذلك ذكر أحوال بني إسرائيل، ذكر أحوال بني إسرائيل وإمهالهم على مرتكبه. يعني لماذا سورة البقرة عالجت موضوع بني إسرائيل بهذا التفصيل؟ هل عمرك فكرت في هذه القضية؟ الآن ابن الزبير يربط لك هذا الموضوع بالمواضيع السابقة.
فيقول: ثم ذكر أحوال بني إسرائيل وإمهالهم على مرتكبه ومعاملتهم بالعفو، والله سبحانه يمهلهم ويعفو عنهم يصفح، ومع ذلك أصروا على تنكب طريق الهداية، وذلك مبين لسعه رحمته، لما قلت الرحمن الرحيم في سورة الفاتحه تذكر هنا رحمه الله في بني إسرائيل ابتداء، كيف انه شملهم بها، ثم بعد ذلك لما أغضبوا الله عز وجل حل عليهم السخط، وذلك مبين لسعة رحمته.
وأعلم تعالى أن أفعالهم تلك مما أعقبه أن ضربت عليهم الذلة أو ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله، وهذا كله ورد في سورة البقرة تحذيراً لمن طلب سلوك الطريق المستقيم من حالهم، وأعلا لعباده أن.
المتقين المستجاب لهم عند قوله إهدنا الصراط المستقيم ليسوا في شيء من ذلك، لأنهم قالوا إهدنا عن يقين وإخلاص متبرين من الدعاوى. يعني لما تقول إهدنا الصراط المستقيم بدك تتعرف على كل قصة بني إسرائيل، حتى تعرف حال هؤلاء القوم الذين أعرضوا عن الصراط المستقيم، وكيف أن الله عفا عنهم مرة ومرتين وثلاث وتجاوز عنهم، وأنعم عليهم بالنعم العظيمة، ومع ذلك كانوا يجادلون ويحاورون وينصرفون ويمارون ويقتلون الأنبياء.
فيا من يقول إهدنا الصراط المستقيم، ليس طريق هؤلاء هو الطريق المستقيم. ثم أعقب تعالى تفصيل أحوال هؤلاء بقوله: وَإِذْ ابْتَلَى. يعني بعد أن ذكر الله قصة بني إسرائيل وأحوالهم في نهاية الجزء الأول من البقرة تقريباً آخر صفحتين ونصف، من يقول الله سبحانه: وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ، ليبين أحوال المصطفين من أهل الصراط المستقيم. يبين سبحانه وتعالى أحوال أهل الصراط المستقيم، فأثنى تعالى بحال إراهيم واتمامه ما ابتلاه به من غير توقف ولا بحث عن علة.
أي كيف أن إبراهيم عليه السلام قال وهي أسنى أحوال العباد. يعني هنا وقعت مقارنة، مقارنة بين إبراهيم عليه السلام وبين من قبله من بني إسرائيل. من قبله طبعا في الذكر، وإن كان بنو إسرائيل في الزمن بعده. إبراهيم عليه السلام لما ابتلاه الله سبحانه وتعالى، لما ابتلاه الله سبحانه وتعالى، هل جادل؟ هل مارى؟ هل تعنت؟ هل بدأ يسال التفاصيل كما كان بنو إسرائيل يسألون موسى عن تفاصيل البقرة؟ كلا، الله يقول عن حال أنبيائه الذين اصطفاهم: وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ. الله ابتلى إبراهيم وإبراهيم انصاع لهذا البلاء ولم يجادل ولم يناقش ولم يعترض على الله.
وهذه أسنى أحوال العباد، يفعلون العبادات من دون لماذا يا رب؟ ولعلك قصرت؟ ولعلك يا رب خففت عنا؟ ولعلك رخصت لنا؟ وهذا بخلاف حال بني إسرائيل، فأنت إذا نظرت إلى سيرة بني إسرائيل، هي سيرة المجادله والنقاش مع الأنبياء والمماراة، يسارعون للأمر، لا لا يسيرون على أقوال الأنبياء إلا بعد تعنت ومشقة، بخلاف الذين اصطفاهم الله للصراط المستقيم كإبراهيم ومن سار على نهج إبراهيم، فإنهم يسيرون على أوامر الله من غير توقف ولا بحث عن علة.
إيش يعني ولا بحث عن علة؟ يعني ما بقولوا ليش ربنا فرض علينا خمس صلوات؟ طيب لماذا الظهر أربعة مش خمسة؟ ما ببحث عن هذه التفاصيل، ينصاع. لكن حال الاسرائيليين وأشباه الإسرائيليين من بني جلدتنا، كثرة الدخول في هذه الأمور، ما بيصاع لأمر الله لحضرته، حتى دايما يناقش وينازع في كل مسألة. فنسأل الله السلامة من هذا الطريق، فانه ليس طريق الصراط المستقيم.
لذلك يقول: وفي طرف من حال من تقدم من بني إسرائيل وهذا الموضع مما يعضد ما ظهر في قصة أمر بني إسرائيل بذبح البقرة من وجوه الحكمة، فتوقفوا وشددوا بعد إساءتهم الأدب مع نبيهم. اه جميل، هذا الآن سورة البقرة إنما سميت سورة البقرة لأن فيها قصة موسى مع بني إسرائيل في موضوع ذبح البقرة، وأبرز سمة في هذه القصة هي أن بني إسرائيل كانوا يماحكون ويجادلون وسألوا موسى: ادع لنا، اسأل لنا ربك، اسأل لنا ربك، ما أوصافها؟ ما لونها؟ ما علامتها؟ فبقوا يعثرون ويبحثون ويناقشون، وليس هذا حال المسلم.
آها، إذا سورة البقرة إذا أنت ركزت من بدايتها حتى نهاية الجزء الأول ومطلع الجزء الثاني كانت تحذر من حال بني إسرائيل في طريقة تعاملهم مع الشرائع الإلهية؛ كثرة الاعتراض، كثرة السؤال، سؤال ليس سؤال المتعلم بل سؤال المتعنت، سؤال الذي يشدد على نفسه. يخبرنا الله سبحانه: يا من قلتم إهدنا الصراط المستقيم، أحذروا من حال بني إسرائيل في تعنتهم ومجادلتهم.
يخبر الله عز وجل: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا. واضح فعلا في ارتباط بين هذه المواضيع، فابراهيم وذريته الذين ذكرهم الله في نهاية الجزء الأول هم مثال من سلك الصراط المستقيم بدون تعنت ومجادلات جديدة على أنفسهم. ومن ذكرهم الله من بني إسرائيل فهم مثال على من تعنت وشدد وشق على نفسه فشق الله سبحانه وتعالى عليه، فهذا كله تبصير بمعالم الصراط المستقيم.
طيب، طبعا هناك بعض الأمور يعني أتركها لكم، ثم يعني أعقب ذلك بما نسبوا لإبراهيم وبنيه بعد أن بين حاله: أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ. فبين فساد اليهودية والنصرانية وبرأ نبيه إبراهيم والأنبياء منهم، لأن بني إسرائيل كانوا ينسبون إبراهيم إلى طريقتهم ويقولون: إبراهيم كان منا. وكذلك ينسبون، فالله بين أن إبراهيم وأبنائه لم يكونوا أبدا على طريقة بني إسرائيل: أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ. هذه في آخر الجزء الأول.
ثم ذكرهم بوحدانيته فقال: أَتُحَاجُونَنَا فِي اللَّهِ. وبين سوء حال المشركين وأنهم لاحقون باليهود والنصارى في انحرافهم عن الصراط المستقيم وحيدتهم أي بعدهم عن الجادة. ووقع تنبيه هؤلاء بدون ما تضمنه تنبيه بني إسرائيل من التقريع والتوبيخ لفرق ما بينهم. لاحظوا هذه الجزئيه التي لاحظها ابن الزبير الغرناطي؛ أن تأنيب الله سبحانه وتعالى لبني إسرائيل في القرآن الآن أشد من تأنيبه لمشركي العرب، وتأنيب سبحانه وتعالى للنصارى أشد من تأنيبه أيضا أخف عفوا من تأنيبه لبني إسرائيل.
يعني أكثر ناس أنبهم الله سبحانه وتعالى في القرآن هم اليهود، وتأنيبه لمشركي العرب وللنصارى أقل من تأنيبه لليهود، مع أنه أنبهم لكن أقل من تأنيبه لليهود، وذلك لطبيعة اليهودية التي ما زلنا نعايشها في يومنا هذا للاسف في مقارعتها. مع بني إسرائيل خلص الله سبحانه وتعالى الأمة منهم ومن شرهم. إذا ووقع تنبيه هؤلاء أي مشركي العرب بدون ما تضمنه تنبيه بني إسرائيل من التقريع والتوبيخ. لماذا قال؟ لفرق ما بينهم، أي لبعد ما بين الطائفتين، فكفر اليهود وتعنتهم واعتدائهم على المقام الإلهي أشد والعياذ بالله، لأن كفر أولئك كفر اليهود كفر تعنت بعد مشاهدة الآيات الكثيرة والمعجزات الباهرة، لكن الله قال: وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً.
ومتى بين شيء في الكتاب العزيز من أحوال النصارى أيضا فليس على ما ورد من مثله في بني إسرائيل لنفس لما ذكر أي لنفس العلة. النصارى أنبهم الله وذمهم وبين أحوالهم، لكن ليس بالدرجة التي بين فيها حال بني إسرائيل، لأن بني إسرائيل جاءهم من الآيات والبينات والإنعام الإلهي، لكنهم سبحان الله إلى يومنا هذا قوم بهت.
لذلك قال: وخطاب مشركي العرب فيما أشير إليه دون خطاب الفريقين. إذا لو اردت أنك ترتب في المصحف أي الفرق الله عز وجل شدد في خطابه هي أكثر شيء اليهود، ثم بعد ذلك النصارى، ثم بعد ذلك مشركو العرب. طيب لماذا مشركو العرب أقل من النصارى؟ لأن النصارى في النهاية كانوا أصحاب كتاب عندهم الإنجيل لكنهم حرفوه ولعبوا به، أما مشركو العرب فلم يكن عندهم أصلاً كتاب، لم يكن عندهم كتاب وإنما هم كانوا أتباع يسمعون من هنا ومن هنا. فلما كانوا ما عندهم كتاب، الله سبحانه وتعالى لم يعاتبهم بنفس الدرجة التي عاتب فيها النصارى، ولم يعاتب النصارى بنفس الدرجة التي عاتب فيها اليهود لكثره الآيات التي وصلت اليهود، لكثره الآيات التي وصلت اليهود.
إذا وضم مفترق أصناف الزائغين في أصناف ثلاثة، إذا وهم اليهود والنصارى وأهل الشرك، وبهم يلحق سائر من تنكب عن هذا الطريق. فيلحق باليهود منافقو أمتنا ممن ارتاب بعد إظهار إيمانه وفعل أفاعيل لهم من المكر والخديعة والاستهزاء، اقرؤوا هذا الكلام بتمعن. ويلحق بالنصارى من اتصف باحوالهم ممن كان عنده جهل وإعراض عن تعلم أمور الدين، فانحرف عن عبادة الله سبحانه وتعالى بسبب الجهل والابتعاد عن العلم.
وكذلك ومشركو كل من جعل لله ندّاً، ويلتحق بالمشركين كل من جعل لله ندّاً فعبد صنماً أو عبد بهيمة أو عبد ديناراً وما شابه ذلك، واعتقد فعلاً لغيره تعالى على غير طريقة الكسب. هذه الجملة أقفز عنها في الحقيقة عليها عندي فيها نظر. ثم قال: والمجوس لاحقون بأهل الشرك. إذا والشرك أكثر هذه الطرق السيئة تشعباً، يعني الشرك تفاصيله كثيرة ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: الشرك أخفى من دبيب النمل.
ومن فعل أفعال من ذكر ولم ينته به الأمر إلى مفارقة دينه والخروج في شيء من اعتقاده خيف عليه أن يكون ذلك وسيلة إلى اللحوق بمن تشبه به. وإلى هذا أشار النبي صلى الله عليه وسلم في قوله. يعني هنا يشير أنه الإنسان فعلا قد يكون مثلا هو ما زال تحت دائرة الإسلام، لكن فيه خصلة من خصال المنافقين، أو فيه خصلة من خصال المشركين، أو فيه خصلة من خصال اليهود، أو فيه خصلة من خصال النصارى.
فأنت عندما تقرأ قصة اليهود والنصارى والمشركين الذين ضمهم الله في سورة الفاتحة وهم الذين ابتعدوا عن الصراط المستقيم، عليك أن تحذر من أن تكون فيك خصلة من خصالهم، لأنه مع الوقت إذا بقيت هذه الخصلة تنمو فيك شيئا فشيئا ورويدا رويدا قد يصبح حالك كحالهم وتخرج من دائرة الإسلام والعياذ بالله.
ثم ذكر تعالى في أول آية: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ. بعد أن انتهى هذا التفصيل لأحوال الكفار بأصنافهم الثلاثة يهود ونصارى والمشركين، وحذر الله من هذه الطرق وبين صفات أيضا المنافقين بالتفصيل في بداية السورة، كل هذا من أجل بيان إهدنا الصراط المستقيم عليك أن تنتبه لهذا الملحظ. ثم ذكر تعالى في أول آية: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ، ما لزم المتقين. لما بين لهم ما هو خروج عن الصراط المستقيم وحذروا منه، أعقب بذكر ما يلزمهم، فابتدا من هنا بذكر الأحكام الشرعية.
تبدأ من هنا ذكر الأحكام الشرعية؛ أحكام القصاص، أحكام الصيام، أحكام الجهاد، أحكام الحج، أحكام الدين، أحكام الطلاق. لاحظوا من هنا من عند ليس البر حتى نهاية السورة إلى قوله: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ، كلها أحكام متنوعة في الصيام والحج والجهاد والنفقة والطلاق والإيلاء إلى غير ذلك والرضاع. طيب، كل هذه الأحكام ما علاقتها بسورة البقرة وبسورة إهدنا الصراط المستقيم؟
فبين الله لك في بداية سورة البقرة أن الصراط المستقيم الدلالة عليه في هذا الكتاب فقال: ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ. فما بين لك رأس العبادات البدنية ورأس العبادات المالية، ثم بعد ذلك شرع القرآن في تفصيل طويل لأحوال الذين خرجوا عن الصراط المستقيم وصفاتهم حتى لا تتشبه بهم. ثم بعد ذلك بين الله سبحانه وتعالى ما هي الأمور التي يجب أن يلتزمها من يريد أن يسلك الصراط المستقيم، وما هي الأحكام مطلوب منهم أن يفعلوا.
فبقي على هذا المنوال من عند: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ، يفصل الأحكام التي تلزم أهل الصراط المستقيم حكماً بعد حكم، حكماً بعد حكم، إلى أن وصلنا إلى: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ. طبعا أثناء سرد الأحكام هناك أيضا تنبيهات إلهية وإرشادات وقرع وزجر، لكن في الجل كان أحكام تفصيلية فقهية إلى قوله: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ.
والسؤال الآن، حتى لا أطيل عليكم، لماذا ختمت السورة بـ: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ؟ لنبین وليبين سبحانه وتعالى بعد ذكر كل هذه الأحكام أنكم أيها المؤمنون المتقون يا من تطلبون الهداية للصراط المستقيم، أعطيتكم هذه الأحكام المتنوعة وعليكم أن تقبلوها بالتسليم والخضوع والانقياد، وتقولوا: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلُّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ، وتؤمنوا أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، وقولوا: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا إلى آخر السورة.
عليكم أن تستقبلوا هذه الأحكام التي علمتكم إياها في هذه السورة استقبال الموقن الذي لا يعترض على ربه ولا يشدد على نفسه ولا يتعنت، ولا يكون حالكم كحال بني إسرائيل الذين قصصهم عليكم في بداية السورة. انظروا فعلا هذا التناسق العجيب وهذا الفهم من ابن الزبير الغرناطي لمواضيع سورة البقرة، كيف أنها أولا أرشدت لطريق الهداية وهو القرآن الكريم، ثم بينت أحوال الذين تنكبوا عن هذا الصراط وأعرضوا عنه بالتفصيل، ثم بينت قصة إبراهيم وأنه مثال لمن سلم لأحكام الله سبحانه وقبلها من دون نزاع.
ثم بعد ذلك شرعت في بيان الأحكام المطلوبة منا نحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالتفاصيل، يعني مرت على مجموعة كبيرة من الأحكام الأساسية، ثم ختمت ببيان حال المؤمنين وهم يتلقون هذه الأحكام: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ. فهذا تفصيل يبين لنا علاقة ارتباط مواضيع سورة البقرة بعضها ببعض، وما ارتباطها بموضوع سورة الفاتحة.
أنا كنت أتمنى أن أشرح لكم كلمة كلمة، لكن يعني أظن أنني سجلت ساعة كاملة، وإن كنت لم أخطط لهذا، لكن حتى يتم الأمر بفهم ووعي، وإن شاء الله السور الأخرى سيكون الموضوع فيها أقصير باذن الله. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. تقبل الله مني ومنكم الصيام والقيام، وأعاننا على استغلال ساعات رمضان، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل