تسجيل الدخول

البرهان في تناسب سور القرآن "للغرناطي" | المجلس الثامن

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. حياكم الله أحبتي الكرام في مجلس جديد من تعليقنا على كتاب البرهان في تناسب سور القرآن للإلامام ابن زبير الغرناطي رحمه الله تعالى عليه، وقد وصل بنا الحديث إلى سورة الصافات.

فياترى، ما وجه مناسبة سورة الصافات لسورة ياسين؟ يقول ابن الزبير رحمه الله عليه: لما تضمنت سورة ياسين من جلي التنبيه وعظيم الإرشاد ما يهتدي به الموفق باعتبار بعضه، ويشتغل المعتبر به في تحصيل مطلوبه وغرضه، ويشهد بأن الملك إنما هو لواحد رغم أنف المعاند والجاحد، أتبعها سبحانه وتعالى بالقسم على وحدانيته في مطلع سورة الصافات فقال جل ذكره: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا ۝ فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا ۝ فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا ۝ إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ.

إذاً أحبابي الكرام، سورة ياسين تضمنت العديد من الآيات الدالة على وحدانية الله سبحانه وتعالى في ربوبيته؛ فهو ملك الملوك لهذا الكون، وهو المدبر لهذا الكون، وهو المربي للمخلوقات في هذا الكون. وتدل أيضاً على وحدانيته في الألوهية؛ فهو الوحيد المستحق للعبادة جل شأنه، فقال سبحانه وتعالى في أكثر من آية في سورة ياسين: وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ۝ وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ.

وذكر أيضاً: وَآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ ۝ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ۝ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ، إلى غير ذلك من الآيات التي بثها سبحانه وتعالى في سورة ياسين، وفي سورة فاطر قبلها، وفي سورة سبأ قبلها. فلما جاء هذا التسلسل: سورة سبأ كما ذكرنا في المجلس السابق دلت على ملك الله سبحانه وتعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، وسورة فاطر دلت على خلق الله سبحانه: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وسورة ياسين دلت على آيات متعدده ومظاهر جلية على وحدانيته سبحانه وتعالى وتفرده بالملك لهذا الكون.

فبعد ذلك تأتي سورة الصافات بالقسم العالي، يقسم الله بملائكته: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا ۝ فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا ۝ فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا ۝ إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ. نعم، الإله الذي يستحق العبادة وأن يتوجه إليه وأن يقصد، واحد لا شريك له، فلا ينبغي لكم يا كفار قريش ويا كل معرض عن هذا الإله، يا كل من أشرك بهذا الإله، لا ينبغي لكم أن تعدلوا إلى غيره أو أن تشركوا معه سواه: إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ، من هو؟ رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق.

ثم بعد ذلك سورة الصافات بدأت تذكر قصص الأنبياء مع أقوامهم، هذا المشهد المتكرر في القرآن الكريم. هذا المشهد؛ مشهد الأنبياء مع أقوامهم، كان يأتي على الصحابة ويتنزل عليهم في كل حين، يتكرر بأسلوب مختلف لكنه يؤكد أن سنة الله سبحانه وتعالى مططردة متكررة في نصرته لعباده المؤمنين، وأن الكلمة ستكون لهم في معركة الحق مع الباطل. فهذه قصة نوح مع قومه وكانت النهاية له: ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ، وهذه قصة إبراهيم مع قومه حينما أرادوا به كيداً كما قال سبحانه في سورة الصافات: فَجَعَلْنَاهُمُ الْاسْفَلِينَ، وهذه قصة موسى وهارون مع قومهما. وفي كل قصة، في ختام كل قصة في سورة الصافات يقول سبحانه: إِنَّ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ۝ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ.

هذه ملاحظة أن كل قصة نبي مع قومه في سورة الصافات انتهت بنصر النبي، ختمت بهاتين الآيتين: إِنَّ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ۝ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ. والمراد بهذه النهاية بيان سنة الله المتكررة كما قلت لكم؛ أن الله سبحانه وتعالى سيجزي المحسن على إحسانه، سيجزي الثابت على ثباته، سيجزي الأنبياء وأتباع الأنبياء وطلبة العلم والدعاة إلى الله مهما أصابهم، مهما حل بهم من نكبات: إِنَّ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. والسبب أنه من عبادنا المؤمنين؛ من عبد الله وآمن بالله وكان موقناً بنصر الله سبحانه وتعالى، من كان الإيمان هو الشيء الأبرز في حياته، الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يتركه لسياط الظالمين.

إذاً هذه قصة سورة الصافات، ثم بعد ذلك تأتي بعدها قصة ص. لما الله سبحانه وتعالى ذكر في سورة الصافات حال الأنبياء مع أقوامهم، ناسب هذا أن تبتدئ سورة ص ببيان حال كفار قريش مع النبي صلى الله عليه وسلم. يعني النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة يقرأون سورة الصافات، هكذا أن تتخيل نفسك تقرأ سورة الصافات: نوح مع قومه، إبراهيم مع قومه، موسى وهارون مع قومهما، إلياس مع قومه، يونس. ثم بعد ذلك انتهيت من سورة الصافات، يأتيك مطلع سورة ص ليتحدث لك عن كفار قريش، هذا الواقع الذي عاشه الصحابة ونعيشه اليوم لكن بأسمائها جديدة للكفار.

يقول ابن الزبير رحمه الله عليه: لما ذكر سبحانه وتعالى حال الأمم السالفة مع أنبيائهم في العتو والتكذيب وأن ذلك أعقبهم أي الويل الطويل، كان هذا مظنة لذكر حال مشركي العرب وبيان سوء مرتكبهم وأنهم قد سبقوا إلى هذا الارتكاب. يعني يا كفار قريش يا من قلتم هذا الكلام؛ ص والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق كم أهلكنا من قبلهم من قرن. لاحظوا البداية في سورة ص: كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ. الأقوام الذين ذكرهم الله في سورة الصافات قبلها: كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ.

ثم أنتم يا كفار قريش تعودون فترتكبون نفس الحمق، كما قالوا: عدتم لتخطوا خطا الأمم السابقة في معاندتهم لأنبيائهم. يا كفار قريش هذا القرآن بين أيديكم يتلى عليكم، يخبركم سنن السابقين، كيف فعل الله بمحاربي الأنبياء بمكتبي الأنبياء؟ لماذا تعيدون الكرة؟ لماذا تريدون أن يحل بكم ما حل بالامم السابقة قبلكم؟ ثم ذكر سبحانه وتعالى جملة من كلام كفار قريش، كيف كانوا يكذبون بالقران ويتهمونه بأنه كذب، وأن حال النبي صلى الله عليه وسلم حال عجاب، وأن النبي صلى الله عليه وسلم يعيب آلهتهم، وكيف تجمعوا على باطلهم وكيف استهزؤوا بعذاب الله سبحانه وطالبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعجل لهم نصيبهم من العذاب في الحياة الدنيا.

كل هذه الأقوال لن تفيدكم يا كفار قريش، فها أنا في سورة الصافات قد قصصت لكم حال السابقين وانظروا إلى مآلاتهم. ثم يصبر الله عز وجل نبيه تجاه هذه الحماقات التي كان يرتكبها كفار قريش معه، ويخبره أن يأتسي بدود عليه السلام صاحب الصبر، ويأتسي أيضاً بأيوب عليه السلام صاحب الصبر، ويأتسي بإبراهيم وإسحاق ويعقوب: إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةِ ذِكْرَى الدَّارِ.

ثم النهاية المتكررة التي يشير إليها القرآن دائماً؛ نهاية قصة الحياة الدنيا، وأن الناس يوم القيامة سيكونون فريقين؛ فريق في الجنة فيصف الله سبحانه وتعالى الجنة وكيف حال فريقها في نهاية سورة الصافات، ويصف حال جهنم وكيف سيكون حال فريقها. ثم بعد ذلك يتكلم القرآن أو تتكلم سورة ص عن نبأ عظيم حدث في السماوات العلى؛ عندما أراد الله سبحانه وتعالى أن يخلق الخلق في هذه الأرض وكيف سبحانه وتعالى ذكر ذلك للملائكة، والنقاش الذي حدث بين الملائكة وبين الخالق سبحانه وتعالى، وكيف أن الله عز وجل أمر إبليس بالسجود لآدم فعتى إبليس ورفض وكيف كانت نهايته.

فهذا طبعا كله باعتبار أن رأس الكفر في هذه الأرض في تاريخ البشرية هو إبليس؛ عصى الله سبحانه وتعالى، استكبر، حسد، جحد، كذب. فكيف كانت النتيجة له في النهاية؟ الله سبحانه وتعالى أنزل به عقابه وطرده من رحمته. وهذا كله من الاعتبار لكفار قريش أن رأسكم الأكبر الذي يقودكم في معركة الباطل هو إبليس؛ إبليس الذي خاض المعركة ضد آدم عليه السلام، وأنتم يا كفار قريش أتباع وأفراخ إبليس تقودون المعركة ضد النبي صلى الله عليه وسلم.

بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى وختم سورة ص بهذه الختام، دعونا نقول: جاءت سورة الزمر. يقول ابن الزبير: لما بنيت سورة ص على ذكر حال المشركين وعلى عنادهم وعلى سوء ارتكابهم واتخاذهم الأنداد والشركاء من دون الله، ناسب ذلك ما افتتحت به سورة الزمر من الدعوة إلى الإخلاص الذي هو نقيض حال من تقدم. إذاً سورة ص بينت حال المشركين وأقوالهم، سورة الزمر تاتي لبيان أهمية الإخلاص والتوحيد لله سبحانه وتعالى: تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ۝ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ ۝ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۝ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.

وبينت سورة الزمر في مطلعها أن الله سبحانه وتعالى لا يرضى لعباده الكفر، الله سبحانه وتعالى لا يرضى لعباده الكفر، لا يرضى لعباده أن يشركوا به وأن يحيطوا أمره وأن يستهينوا به: إِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ. ثم بينت حال المؤمنين أيضاً القانتين لله: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْخَذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ. هل يستوي هذا مع من حاله حال المشركين المكذبين المعارضين لله عز وجل؟

ثم عادت الآية يا محمد قل للبشرية: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ ۝ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ۝ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ۝ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي ۝ فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ. هذه معركة الحق والباطل، معركة التوحيد مع الشرك، معركة الإسلام والكفر؛ هي المعركة المتكررة منذ بداية خلق آدم ثم إبليس، معركتهم بعد ذلك معارك نوح مع قومه ومعارك الأنبياء والصالحين مع أقوامهم.

هي قصة أحبابي والله تتكرر، هذه القصة يجب أن يكون أهل الإيمان اليوم على استيقاظ منها ومعرفة لماذا الله سبحانه وتعالى يكرر قصة معركة الإيمان والكفر في العديد من مواطن كتابه، وكل مرة يطرح هذه القصة بشكل وبصورة وبأسلوب لأنها المعركة التي نحياها اليوم. معركتنا في الثبات على مبادئنا، الثبات على عقيدتنا، في مواجهه الكفر العالمي اليوم؛ العلمانية، الليبرالية، الإلحاد، الشكوك، الشيوعية، أشكال الكفر متعدده والكفر متنوع والكل يحارب هذا الدين العظيم. كيف يجب الثبات وما هي سنة الله سبحانه وتعالى المتكررة في ابتلاء أهل الإيمان في اختبار أمرهم؟ من هم أصحاب الجهود؟ من هم أصحاب البصمات في هذه المعركة من أهل الإيمان؟ وأصحاب البصمات سيؤذون، سيعذبون، سيحل بهم النكبات والسجن والدماء، ثم بعد ذلك سيكون الاصطفاء.

إذاً هذه المعركة المتكررة الله سبحانه وتعالى يجليها في كتابه في مواطن مختلفة. فأعود الآن لسورة الزمر، إذاً هي بناء على ما ورد في سورة ص من ذكر حال المشركين، جاءت سورة الزمر لتبين أهمية الإخلاص لله سبحانه وتعالى وتخويف المشركين من الشرك وعاقبته. وأيضاً سورة الزمر في الحقيقة وصفت حال المشركين: وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ، وصفت حال المشركين: أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ.

وبينت أن المؤمن عليه أن يتكل على الله سبحانه وتعالى ولا يخضع لترهيب الكافرين: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ، ويخوفونك بالذين من دونه، ويقول سبحانه في الزمر: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ. فسورة الزمر إذاً ركزت على بيان أحوال الكفرة عموماً وأشكال الكفر، وخصوصاً الكفر الذي كان سائداً في مجتمع مكة وفي جزيرة العرب وهو كفر الأصنام واتخاذ آلهة من دون الله. ثم بينت في ختامها كما بينت سورة ص في ختامها أحوال الفريقين.

لاحظوا يعني هذه ملاحظة أدعها بين أيديكم؛ كيف الله سبحانه وتعالى يختم السور كثيراً بذكر الفريقين، فنهاية فريق أهل الإيمان في جنات النعيم ونهاية فريق الكفار في دركات الجحيم. فلاحظوا سورة ص وغيرها من السور السابقة، كثيراً ما يكون الختام متعلق بهذه القضية، وكان هذا يتناسب مع ختام قصة الحياة الدنيا. لاحظوا ختام السور بذكر كيف دخول أهل الجنة للجنة ودخول أهل النار للنار يتناسب مع قصة الحياة الدنيا؛ أن نهايتها هي الدار الآخرة وسيدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. ففي ختام سورة الزمر يقول سبحانه وتعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا، ثم ذكر حال الكفار في هذا السوق، ثم ختم سبحانه وتعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا.

هذه القصة؛ قصة مدافعة، ملاحم، بطولات يخوضها أهل الإيمان في مواجهة الكفر، هذه الطريق فيها أشلاء، فيها دماء، فيها تضحيات، فيها بذل، تحتاج للصبر، تحتاج لتضحيه، تحتاج لتبصر وثبات. ثم في النهاية، في النهاية ستكون هناك فريق سيق إلى الجنة وهناك فريق سيق إلى السعير.

ولما ذكر الله سبحانه وتعالى ذلك في ختام سورة الزمر، تاتي سورة غافر والتي تسمى سورة المؤمن لأنها وردت فيها قصة مؤمن آل فرعون. لما افتتحت سورة الزمر بذكر الإخلاص لله سبحانه وتعالى وذكر سببه والحامل بإذن الله عليه وهو الكتاب، وهذه فكره جميلة يريد يبينها ابن الزبير أن سورة الزمر هي أمرت بالاخلاص وبينت أن السبب الذي يعين على الإخلاص ويحملك عليه ويقودك إليه هو هذا الكتاب، لأن الله عز وجل قال: تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ۝ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ.

فكانت هذه الفاء؛ فاعبد الله مخلصا له الدين، فاء السببية؛ فعبادة الله مخلصا له الدين هي ثمره انزال الكتاب بالحق ليجلي حقائق الوجود. من قرا الكتاب بحق فعرف حقائق الوجود، عرف سر وجوده وعرف إلهه وتبصر بنفسه وتبصر بالخلق، فهذه القراءة الواعية لابد وأن تقودك إلى الإخلاص لله سبحانه وتعالى. لذلك ابن الزبير الغرناطي يقول: سورة الزمر افتتحت بالامر بالإخلاص وذكرت السبب المعين والموصل إليه وهو هذا الكتاب العظيم، وأعقب ذلك بالتعريض.

بذكر أيمن بنيت على قصصهم سورة ص، وهم المشركون. وعرفنا أن سورة الزمر تكلمت عن المشركين من حيث صور شركهم، وكيف أنهم كانوا يتخذون هذه الآلهة وسطاء بينهم وبين الله سبحانه وتعالى، يعبدونهم بحجة أنهم يقربونه إلى الله زلفى. وأخبرت كيف أن الله سبحانه وتعالى لا يقبل ولا يرضى بهذا الكفر بشكل من الأشكال، وكيف الله سبحانه وتعالى ضرب لهم الأمثال في سورة الزمر، فقال سبحانه: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا. وهذه كلها من الأمثال التي يقصد بها إله الدلالة على أن الإله يجب أن يكون واحد، وأن المعبود والمقصود يجب أن يكون واحد، ثم أتبع ذلك بذكر حال.

المهم يعني هو لاحظ عاد ليتكلم عن سورة الزمر، يقول: فلما انطوت هذه الآية من آثار عزته وقهره على ما أشير إلى بعضه، أعقب سبحانه وتعالى بمطلع سورة غافر: حَامِمَ، تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. فذكر من أسمائه سبحان هذين الاسمين العظيمين تنبيهاً على انفراده بموجبهما، وأنه العزيز الحق القاهر؛ لعلمه سبحانه وتعالى بأوجه الحكمة التي خفيت عن الخلق، فأخر الجزاء الحتم إلى الدار الآخرة وجعل الدنيا دار ابتلاء واختبار مع قهر للكل في الدارين معاً. ثم قال سبحانه بعد أن قال: تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، قال: غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ، مَ يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ.

في سورة غافر أحبابي الكرام عاد الموضوع ليتكرر في بيان ماذا؟ في بيان أن الله سبحانه وتعالى كيف يمهل للكافرين ويفتح لهم باب التوبة إن أرادوا الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى قبل أن تنتهي الحكاية. فقال عز وجل -لاحظوا حتى اسمها سورة غافر اسمها سورة غافر- الله سبحانه وتعالى يغفر الذنب ويقبل التوب، لكنه في نفس الوقت شديد العقاب ذو الطول ذو القدرة: لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ، مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا. فيا محمد صلى الله عليه وسلم عليك أن تتبرم إمهال الكافرين ولا يغرك تقلبهم في البلاد، فالنهاية ستكون كئيبة محزنة، لكن الله سبحانه وتعالى يمهلهم لعله أن يتوب منهم من يتوب.

الله سبحانه وتعالى يحب الأعذار، يحب الأعذار للخلق حتى لا يأتي شخص يوم القيامة يقول: يا رب ما أعطيتني فرصة أتوب. الله سبحانه وتعالى يمهل ويعطي، مع أنه يرى بطش الكافرين بالمؤمنين، كان ينظر ويبصر ما الذي كان يقع كفار قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم وصحبه، لكنه سبحانه وتعالى يحب الأعذار، يعطيهم الفرص ليعودوا إليه سبحانه وتعالى: غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ، لكنه ينزل بعذابه أيضاً صحيح، غافر الذنب قابل التوب، لكنه أيضاً شديد العقاب ذو الطول. ثم يخبر سبحانه وتعالى بدعاوى المشركين مرة أخرى، وكيف أنهم يجادلون بالباطل، كيف أنهم يصرون على عبادة الأصنام: ذَلِكَ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ۚ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ، هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا ۚ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ، فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.

ثم يخبر عن مشهد عظيم من مشاهد اليوم الآخر لينذر يوم التلاق: يَوْمَ هُم بَارِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٍ ۚ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ. ثم يخبر سبحانه وتعالى كفار قريش عن حال فرعون، فرعون رمز الجبروت في الأرض، كيف كان حاله فرعون وهامان وقارون، كيف أنهم كادوا لموسى وقومه، ثم كيف كانت النهاية: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا. هذه النهاية ذكرها في سورة غافر في منتصفها: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ. وفي طيات ذلك ذكر سبحانه وتعالى قصة الرجل الصالح مؤمن آل فرعون، ذاك الرجل الذي لم يكن نبيا من الأنبياء، لكنه رجل بمعنى الكلمة، إنسان مؤمن صادق جهر بالحق، ثبت عليه جهر بالحق وثبت عليه، وواجه فرعون وغطرسته، وواجه هامان وجنوده، وأعلنها لله: يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ، يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ، يَا قَوْمِ مَالِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ.

الداعي الصادق يعني كلماته والله أحبابي الكرام من يقراها يجد فيها الشفقة والرحمة وحب إنقاذ قومه من النار، هكذا حال الإنسان المسلم في مجتمعه، يكون عنده شفقة على المخلوقين، يكون عنده شفقة على الناس، لا يتعامل معهم بكبر أي الالتزام أو ما شابه ذلك. لا اخي الكريم أنت هدفك تدعو الناس إلى الله سبحانه وأن تنقذهم من هذه الظلمات، فهم مساكين والله حتى لو كانوا يعني بصور الفواحش يتظاهرون وبالأفعال المحرمة يجارون، لكنهم في النهاية والله مساكين ابتعدوا عن خالقهم وعن ربهم وعن فاطرهم وعن من يحتاجون إليه. فوضيفتي ووظيفَتُكَ أن نقودهم إلى هذا الإاله ونقول لهم: يا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار، تدعونني لأكفر بالله وأشرك به.

ثم إذا أبى هؤلاء القوم أن يؤمنوا وأرادوا أن ينزلوا بك كيدهم ومكرهم، فتاتيك سورة غافر فتقول: فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا. كيف أن الله حمى مؤمن آل فرعون: فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ، وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ أَشَدُّ الْعَذَابِ. ثم في نهاية سورة غافر أيضاً ختمت بما يشابه مطلعها، يخبر سبحانه وتعالى عن حال الكافرين لما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم. كيف أن الكفار والامم عموماً عندما تاتيها رسلها بالبينات تدعوها إلى الله سبحانه وتعالى إلى إظهار الافتقار لهذا الإاله والعبودية له، يتقطر سوا بما أوتوا من العلم في الحياة الدنيا. وانظروا إلى الغرب الكافر اليوم كيف أنهم يجحدون الله سبحانه ويلحدون، يفرحون بنعمة بما عندهم من العلم، يظنون أنهم بقوانين الفيزياء والكيمياء وقوانين الفضاء إلى غير ذلك من القوانين التي هي بين أيديهم أنهم استطاعوا أن يقهروا الدنيا، ويستهزئون بكلام الرسل والأنبياء ويعتبرونه مجرد هرطقات وفلسفات ليس لها أي وجود، ويعتبرون الدين والتدين خرافة يجب الانتهاء منها.

فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ، فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَكُ ينفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا. للاسف عندما تأتي لحظة البأس والغضب بالإاله ليحل بهم لن ينفعهم الإيمان حينئذ، هذه سنة الله المتكررة أنه يمهل، لاحظوا في بداية سورة غافر: فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ يا محمد صلى الله عليه وسلم نحن نمهل لهم، وفي نهاية سورة غافر إذا جاء البأس الإالهي وأرادوا أن يتوبوا يقول سبحانه وتعالى لهم: وَلَمْ يَكُ ينفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا.

تمام، بعد ذلك تاتي أحبابي الكرام سورة فصلت والتي تسمى سورة السجدة لورود سجدة التلاوة فيها: حَامِمَ، تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ، كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ، وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّ تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَل إِنَّنَا عَامِلُونَ، قُل إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ. إذاً لما تضمنت سورة غافر بيان حال المعاندين الكافرين وجاحد الآيات وذكرت قصة فرعون كرمزية لهذه القصة قصة العناد والجحود للرسل، وأن ذلك ثمرة تكذيبهم وأن ذلك أي ثمرة تكذيبهم وجدالهم، وكان بناء السورة على هذا الغرض بدليل افتتاحها وختمها بذلك كما بينا في سورة غافر. ألا ترى قوله سبحانه وتعالى: مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكيف قال سبحانه أيضاً: فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ.

أنا ألاحظ قضية هو أن ابن الزبير الغرناطي رحمه الله عليه يعني عند يتكلم عن مناسبة السورة ووجه ارتباطها أو وجه ارتباط آياتها بعضها ببعض في السورة التي تليها، يعني لاحظوا كيف فهنا وهو يتكلم عن سورة فصلت عاد ليتكلم عن سورة غافر وعن ارتباط آياتها بعضها ببعض. وهذا أرجو أن تنتبهوا إليه وأنتم تقرؤون هذا الكتاب وتتعامل معه، وأن ابن الزبير كثيراً ما يذكر ارتباط آيات السورة بعضها ببعض وارتباط مواضيعها موضوع تلو موضوع يذكره في السورة التي تليها ولا يذكره في موطنه، وهذا من الأمور التي قد تؤخذ على هذا الكتاب. جيد، المهم عاد ابن الزبير ليتكلم عن سورة غافر لكنه فصل فيها بشكل كبير، ثم يقول إلى أن ختم السورة في صفحة 159: ولم يقع من هذا التنبيه الذي دارت عليه آية هذه السورة في سورة الزمر شيء، ولا من تكرار التحذير من تكذيب الآيات.

المهم لما بنيت سورة غافر على هذا الغرض، أعقبت بذكر الآية العظمة التي تحديت بها العرب وقامت بها حجة الله بعد الخلق، وكانه قد قيل لهم: احذروا ما قدم لكم، فقد جاءكم محمد صلى الله عليه وسلم بأوضح آية وأعظم برهان: تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ، كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، بَشِيرًا وَنَذِيرًا. إذاً سورة فصلت يقولون: تحدثت هذه السورة عن القرآن كثيراً باعتباره المعجزة العظمى التي نزلت من الله سبحانه وتعالى ليتحدى بها العرب جمعاء، يتحدى بها البشرية. بعد ذلك سورة فصلت بينت عظم هذا الكتاب في أكثر من موطن، من بدايتها وفي منتصفها أو قريبا من نهايتها لما قال سبحانه وتعالى: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ.

وفي ضمن ذلك وفي طيات ذلك يعني سورة فصلت صحيح اتت لتبين معجزة القرآن، لكن هناك مواضيع أخرى تطرقت لها، فحذرت كفار قريش من أن يكون مالهم مال المكذبين للرسل مرة أخرى من حال عاد، فبينت عاد وكيف أن الله أرسل عليهم ريحاً صرصراً عاتية، وبينت أيضاً حال ثمود: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ. وبينت مشهد اليوم الآخر عندما تشهد الأيادي والأرجل والجلود وينطقها الله سبحانه وتعالى، وحينئذ الكفرة يناقشون جنودهم لماذا تفضحوننا، لماذا تتكلمون عنا. وأخبرت أيضاً سورة فصلت عن حال أولياء الله المتقين: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. ثم ذكرت مشاهد من مشاهد قدرة الله سبحانه وتعالى في خلق السماوات والأرض، وأنه كيف يحيي الأرض سبحانه وتعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ.

إذاً نلاحظ أن هناك شيء متكرر خاصة في السور المكية، هناك شيء متكرر في مواضيع السور، وهي مشاهد الخلق والعناية للدلالة على وحدانية الله، بيان حال الرسل مع أقوامهم لبيان سنة الله المتكررة، بيان حال أهل الإيمان في الدنيا وفي الآخرة، وبيان حال أهل الشرك في الدنيا وفي الآخرة. هذه المواضيع هي مواضيع متكررة أقول، لكنها تطرح بسياقات مختلفة، وفي كل موطن طرحت فيه هناك فائدة، هناك تنبيه، هناك دفع للإصلاح، هناك دفع للتغيير، دفع للتنبه قبل أن يفوت الأوان. فالله سبحانه وتعالى في طيات هذا الكتاب يبين سننه، ويكثر من ذكر قصص الانبياء، ويكثر من التحذير، ويكثر من ذكر الجنة والنار، ويكثر من ذكر أحوال الفريقين، لأنه هذه هي قصة الحياة أحبابي الكرام.

لا تملوا من هذه المواضيع لأنها قصة الحياة كلها قائمة عليها، نحن مشغولون في الحياة الدنيا بطعامنا، بشرابنا، بدينار، بدرهم، لكن والله الأمر عظيم جداً، الأمر جنة أو نار. هذه الحياة نحن لم نوجد عليها لنبقى، وإنما وجدنا لنذهب، هذه الحياة هي معركة الحق والباطل، وهذا يجعل الإنسان المؤمن عندما يعرف سر وجوده أنني وجدت لأخوض معركة الحق مع الباطل، معركة الإسلام مع الكفر، يجعل هذه الحمية تنغرس في نفسه لنصرة هذا الدين. ولا الصحابه الكرام والتابِعُون الأشاوس ومن بعدهم كيف حملوا هم هذا الدين للآفاق أحبابي، وجاهدوا وبذلوا الغالي والنفيس، أنهم قرأوا هذه الآيات وعرفوا أن الله إنما أوجدهم في الدنيا ليستعملهم في الطاعة، أنه خلقهم في هذه الحياة ليكونوا مشاريع شهادة ومشاريع دعاة ومشاريع علماء ومشاريع طلبة علم.

هذا هو وقود المعركة، من أين حصلوه بالله عليكم أليس من هذا الكتاب العظيم؟ لذلك ابن الزبير لما ذكر لك أن الإخلاص لله والعمل لدين الله وتوحيد الله سبحانه الحامل عليه والباعث عليه وقراءة هذا الكتاب، فعلا يتكلم عن أمر مهم جداً مفصلي لكل شاب ولكل فتاه يريد أن يقدم، يريد أن يختم، يريد أن يكون له بصمة، بداية طريقك يجب أن تكون من القرآن ومن معالجة هذه المواضيع القرآنية، وفهم لماذا تتكرر بأشكال وأنواع مختلفة، وما الغرض العام من كل هذه المواضيع، عليك أن تفهمه وهو أن الله سبحانه يريد أن يعرفك في هذا الكتاب العظيم بقصه الوجود وسر الحياة التي أنت عليها.

ثم تاتي سورة الشورى فيقول ابن الزبير: لما ضمنت سورة غافر ما تقدم من بيان حال المعاندين والجاحدين، أعقبت بسورة السجدة سورة فصلت بياناً أن حال كفار العرب في ذلك كحال من تقدمهم، وإيضاحاً لآية الكتاب العزيز أي لمعجزة القرآن الكريم ولعظيم برهانه. ومع ذلك فلم يجد على من قضى عليه تعالى فلم يجد على من قضى عليه تعالى بالكفر، لم يجد أي يعني كثير من الناس مع أنها رأت معجزة القرآن الكريم بين يديها وسمعت، ومع ذلك لم يجد معها هذا الكتاب العظيم فلم يهتدوا إلى طريق الله سبحانه، وبقي هؤلاء الكافرون على عنادهم، اتبعت هاتان السورتان بما أجملت عليه سورة.

الشورى من أن ذلك كله إنما جرى على ما سبق في علمه تعالى بحكم المشيئة الأزليّة. يعني يريد أن يقول باختصار: إن الله سبحانه وتعالى بعد أن ذكر ما ذكر في سورة الصّافات من معجزة القرآن ومن بيان حال الكافرين والمؤمنين، وكذلك ما ذكر في سورة غافر، وكل هذا التأكيد والتجديد الإلهي والدعوة إلى توحيد الله والتحذير من طريق الكافرين وبيان حالة السُّعداء وحال الأشقياء، كل ما وردت به السُّور السابقة، تأتي سورة الشُّورى لتركز على قضيّة وهي في النهاية: أن الأمر في النهاية في هذا الكون إنما يسير بمشيئة الله سبحانه وتعالى.

لذلك سورة الشُّورى ركزت على إبراز المشيئة الإلهية، فقال سبحانه: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ في آية سبعة، ويقول في آية ستّة: وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ، ويقول في آية ثمانية: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً، وفي آية خمسة عشر: لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ، وفي آية أربعة عشر: وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ، وفي آية واحد وثلاثين: وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ، وفي آية ستة وأربعين: وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ، وفي آية ثمانية وأربعين: إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ، وفي آية اثنين وخسين: أَي نَهْدِي بِهِمَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا.

قضيّة المشيئة الإلهية، والمراد بذكر المشيئة الإلهية أحبابي الكرام: ليس أن يتكئ الكافر على المشيئة الإلهية فيقول خلص أنا كفرت لأن الله شاء لي ذلك، لا، إنما هو يعني نوع من تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيته في دعوته إلى الله سبحانه وتعالى لئلا يصيبه الشعور بياس أو إحباط عندما يرى مواجهة كفار قريش ومعاندتهم له، خاصة في مكة أحبابي الكرام.

كل الذين آمنوا مع النبي صلى الله عليه وسلم لم يتجاوزوا الأربعين الستين السبعين شخصاً، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يحزن، كان يتقطع من ذلك حينما يرى نفور الكفار من دعوته، فكان هناك توجيه للنبي صلى الله عليه وسلم وللدُّعاة من بعده: أن القضيّة ليست بالعدد، الله سبحانه وتعالى يجعل ركب هذه الدعوة يسير بعنايته ورعايته، المراد ليس تكثير العدد، المراد النّوع، فيا محمد صلى الله عليه وسلم عليك أن تعلم أن هناك مشيئة إلهية نافذة، إن عليك إلا البلاغ، أنت مُبلّغ، وهناك أناس شاء الله سبحانه وتعالى لهم أن يلحقوا بركبك فيلحقوا، وهناك أناس إن شاء الله سبحانه وتعالى أن يكونوا محاربين لك فهؤلاء ستكون نهايتهم وخيمة، فلا تبقَ يا محمد حزيناً كئيباً مما حدث من هذه المعاندة، من هذا الجحود، إن عليك إلا البلاغ، وفي النهاية المشيئة الإلهية هي المتنفّذة، ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة كما ذكر في سورة هود، ولا يزالون مختلفين.

لابد من وجود أهل الإيمان وأهل الكفر، لابد من الاختبار، لابد من الاصطفاء، وهذا فيه حقيقة تسلية لقلوب الدعاة إلى الله سبحانه، كثير من الدعاة اليوم إذا كان صاحب منهج حق ويتبع ما يستطيع أن يتبعه من أسلوب صحيح رشيد في الدعوة إلى الله، ثم يرى أن الناس لا يعجبها هذا الاسلوب وإنما تبحث عن يعني داعية متفلت أو داعية مميّع أو إنسان يستعمل أساليب لا ترضي الله سبحانه وتعالى في الدعوة، ويجد ذاك يعني المتفلت المميّع أو ما شابه ذلك عنده جماهير كثيرة، الناس ترغب هذا النمط من الدعوة، وعندما يأتيها هذا الشاب الصادق مع ربه سبحانه وتعالى ليقول لها قال الله وقال الرسول صلى الله عليه وسلم، ويسعى أن يكون أسلوبه حكيماً ويسعى أن يكون كلامه معتدلاً، ومع ذلك لا تقبل الناس عليه.

بعض الناس يدخلها الياس، يدخلها الملل، يدخلها الإحباط: أن هؤلاء الناس يا شيخ ما فيهم خير، ياما قلت لهم كذا وكذا، انظر حالهم، يعجبهم هذا المميّع وهذا المنفلت وهذا الضائع وهذا التائب، ولا يقبلون الحق من معين الكتاب والسنة، أقول لك يا اخي الكريم: هذا الكون يسير وفق مشيئة الله سبحانه، سورة غافر، عفواً، سورة الشُّورى تركز على هذا المبدأ، أن تلاحظ قضيّة مشيئة الله سبحانه وتعالى، هناك أناس شاء الله لهم أن يهتدوا إلى طريق الصواب كما هداك الله إليه، وهناك أناس لم يكتب الله سبحانه وتعالى لهم ذلك، فأنت كداعية عليك البلاغ، عليك أن تثبت على الطريق، وليس الذي عليك هو أن تُميّع وأن تصبح حالك حال المتفسخين المنقطعين حتى بعد ذلك يصبح لك جمهور، وإلا فأنت خرجت عن درب الإخلاص، خرجت عن السكّة التي يريدها الله سبحانه وتعالى منك.

إذاً، هذا الكون يسير وفق مشيئة الله، وانقسام الناس فيه إلى أشقياء وسعداء يسير وفق مشيئة الله سبحانه وتعالى، فنحن علينا الدعوة، علينا البلاغ، علينا أن نتبع ما يريده القرآن، ما ورد في السنة، ولا نعدل عن هذا المنهج ولو قلّ السالكون، فالعبرة بالنوع وليس بالعدد.

ثم تأتي سورة الزُّخرف، فيقول ابن الزُّبير: لما أخبر سبحانه وتعالى بامتحان، أي بامتحان خلف بني إسرائيل في شكّهم في كتابهم، بقوله سبحانه وتعالى في سورة الشُّورى: وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مُّرِيبٍ. الله سبحانه وتعالى أخبر في سورة الشُّورى في آية أربعة عشر، يعني في الصفحة الثانية منها: أن هناك خلفاً من بني إسرائيل، يعني أجيال متأخرة من بني إسرائيل شكّوا في كتب الله سبحانه وتعالى التي أنزلها على أنبيائهم، لذلك قال: وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مُّرِيبٍ، أي هم في شكّ من كتبهم التي أنزلها الله سبحانه وتعالى على أنبيائهم.

ووصى نبيه صلى الله عليه وسلم بالتّبَرّي من سيّء حالهم والتنزه عن سوء محالهم فقال تعالى: وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ، يعني يا محمد صلى الله عليه وسلم ويا أنصار محمد: لا يكون حالكم كحال هذا الخلف من بني إسرائيل، المتأخرون من بني إسرائيل كانوا يشككون في الكتب التي أنزلها الله على أنبيائهم، كانوا في شك منها مريب، مش مصدقين أنها كتب من الله سبحانه وتعالى، ما كانوا مصدقين أنها أوامر إلهية أنزلت على أنبيائهم فكانوا يتلاعبون بها ويحرفونها ويمتهنونها.

وأما أنت يا محمد فالله سبحانه وتعالى قال: وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ، لا يكن حالك كحالهم وقل بكل وضوح: آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ، أنا أؤمن بكتب الله سبحانه وأنها رسائل الإله عز وجل لهذه البشرية، فلما أوضح سبحانه عظيم حال الكتاب وجليل نعمته، أردف ذلك، بذكر، ربما قفز إلى موطن آخر، المهم لما بين الله سبحانه وتعالى إذاً أهمية أن نؤمن بأن هذا الكتاب هو الحق المبين من الله ولا يكون حالنا كحال ذاك الصنف من بني إسرائيل الذين هم في شك مريب من كتبهم، جاء مطلع سورة الزُّخرف ليؤكد على أهمية هذه الفكرة في قوله: حَامِمَ. وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ. إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ. إذاً هذا الكتاب الله هو الذي أنزله قرآناً عربياً لتعقل مراده منا من خلاله، وانه كتاب عالي، وانه كتاب عليّ عند الله سبحانه وتعالى، وانه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم، أي هذا الكتاب لدينا عليّ محكم محفوظ عند المولى عز وجل، فهو بين أيدينا في الأرض نقرأه نتلوه، وهو أيضاً في رعاية الله سبحانه وتعالى وفي مقام عظيم عنده.

ولما أوضح سبحانه عظيم حد الكتاب وجليل نعمته به أردف ذلك بذكر سعة عفوه وجميل إحسانه إلى عباده ورحمتهم بهذا الكتاب مع إسرافهم وقبح مرتكبهم فقال: أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ، معذرة على الانقطاع، إذاً بداية سورة الزُّخرف هي تعزيز لذلك الكتاب وبيان أن هذا الكتاب جعله الله قرآناً عربياً ليعقلوا، سبحانه وتعالى رفع شأن هذا الكتاب لئلا يكون المؤمنون في ريب وفي شكّ ولئلا يدخل عليه ما دخل على بني إسرائيل.

ثم بعد ذلك تأتي سورة الدُّخان أيضاً ليكون مطلعها: حَامِمَ. وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ. إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ. فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ. ففي سورة الدُّخان اهتمت بذكر إنزال الكتاب وقت النزول: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ. فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ. أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ. رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. إذاً سورة الدُّخان أيضاً عالجت في مطلعها قضيّة متى نزل القرآن وفخّم نزوله، فقال سبحانه وتعالى: إنا أنزلناه في ليلة مباركة، وفي الليالي المباركة لا ينزل إلا الشيء العظيم، وليلة مباركة فيها يفرق كل أمر حكيم أمراً من عندنا.

ثم بين سبحانه وتعالى أيضاً في سورة الدُّخان حال المعاندين للرسل الذين يرفضون هدايات الكتاب، الذين يرفضون رسالات القرآن ولا يهتمون بها ولا يعبؤون بها، فذكر إشارة سريعة إلى قصة موسى مع فرعون وذكر أيضاً قصة قوم تُبَّع، ثم ختمت بذكر الفريقين كالمعتاد، ذكر الذين في مقام أمين في جنات وعيون يلبسون من سندس واستبرق متقابلين، وذكرت أيضاً قصة المعاندين الذين هم سياكلون الزَّقّوم، والذين الله سبحانه وتعالى يستهزئ بهم وهم في النار فيقال لهم: ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ.

هذه القصة أحياناً تكون مطوَّلة كما ورد في سورة الأعراف وغيرها، ذكر المعاندين والمكذبين وذكر المؤمنين الأطهار الثابتين ومال كل فريق في الجنة وفي النار، أحياناً تذكر مفصلة في الكتاب كما ورد في سورة الأعراف، وأحياناً تذكر باختصار كما ورد في سورة الدُّخان، وهذا بحسب الدرس المراد إلقاؤه والوقت الذي نزلت فيه هذه السُّور.

إذاً أحبابي الكرام، يعني أنا أُحاول أن أجمل سريعم أهم الأفكار لكن أرجو أن تقرأوا، وإذا أُشكل عليكم شيء أو كلمة أو سطر أرجو أن تعودوا وتسألوا لأن السؤال هو الذي ينتج الأفكار وينتج الثمار المرادَة من قراءَة هذه الكتب، لكن كما بينت لكم، هناك، كما تلاحظون، خطوط عريضة تصل بين مواضيع السُّور، هناك خطوط عريضة تصل بين مواضيع السُّور يجب أن نكون على بيّنة وانتباه منها، وهذا هو التناسب بين السُّور، عليك أن تنظر في ذاك الخط الذي تسير عليه السُّور، كيف أن سورة تبين على ملك الله وسورة تركز على خلق الله، وسورة تركز على آيات الله، ثم تاتي سُور تنبه حال الأمم السابقة الذين لم يستفيدوا من هذه الدلائل، ثم تأتي سور لتركز على أحوال المكذبين في الدار الآخرة.

وهكذا تتكرر هذه السُّور وتتكرر هذه الدائرة لتبقى هذه المعاني حيّة في الأمم، ليكون الله سبحانه وتعالى قد أقام الحجة بهذا الكتاب لئلا يأتي الناس يوم القيامة فيقولوا يا رب ما وصلنا شيء، ويقيم الله سبحانه وتعالى كما قلنا في النهاية الميزان الحق والميزان العدل الذي لا مريّة فيه ولا شكّ، وسنشهد نحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين قرأنا هذا الكتاب وعشنا معه ليالينا ونهارنا سنشهد أن هذا الكتاب يا رب الذي أنزلته فعلاً كان حجة قاطعة، بينت فيه كل ما يحتاجه البشر، بينت فيه كل ما يحتاجه البشر من الأمور التي توصلهم إلى السعادة وتحذرهم من الشقاء، وهؤلاء الاقوام الذين كفروا بك بعد أن قرأنا عليهم هذا الكتاب أوصلنا إليهم هذه الآيات بقوا على جحودهم فاستحقوا النار والعياذ بالله.

نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يهدينا إلى الصراط المستقيم، وأن يجعلنا ممن فهم رسالات القرآن وتعقل هداية الله سبحانه وتعالى فيه، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.