تسجيل الدخول

البرهان في تناسب سور القرآن "للغرناطي" | المجلس التاسع

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

حياكم الله أحبتي الكرام في مجلس جديد من تعليقنا على كتاب البرهان في تناسب سور القرآن للإلامام ابن الزبير الغرناطي رحمه الله تعالى عليه. أحب أن أنبهكم أحبابي الكرام إلى أن هذا التعليق هو مجرد رؤوس أقلام ومحاولة فك الرموز الأساسية في كلام ابن الزبير الغرناطي رحمه الله عليه، وإلا فكلام ابن الزبير فيه نوع من العمق يحتاج إلى طالب علم متمرس ليفهم كل الزوايا والخبايا التي تضمنها كلامه.

ولكن يكفي أنكم في هذا الشهر الفضيل تمرون على كل سور القرآن وتحاولون استشعار الخطوط العريضة لهذه السور في تعلقها ببعضها البعض، وقد ذكر لي كثير من الأحبة الكرام أنهم استفادوا من هذا المنهج في قراءتهم في صلاة التراويح وفي التدبر، حيث أصبحوا يفهمون ما هي المواضيع الأساسية التي تعالجها السور ويحاولون الربط بينها في أثناء التلاوة، بحيث يصبح لقراءة القرآن طعم آخر، ويكون هناك نوع جديد من فهم كلام الله سبحانه وتعالى، وفقني الله وإياكم لكل خير.

وقد انتهى بنا الحديث في تعليقنا إلى سورة الجاثية والتي تسمى أيضاً سورة الشريعة؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم فيها: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا، ومن هنا سميت سورة الشريعة. ما وجه مناسبة سورة الشريعة سورة الجاثية للسورة التي سبقتها سورة الدخان، وكذلك ما قبلها سورة الزخرف والشورى، وهذه كلها في جزء واحد؟

يقول ابن الزبير: لما تضمنت السور الثلاث المتقدمة، وهي الشورى والزخرف والدخان، إيضاح أمر الكتاب، فالله سبحانه وتعالى ختم سورة الشورى بقوله: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا، وبدا سورة الزخرف بقوله: حَامِيمَ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، وكذلك بدا سورة الدخان بتعظيم أمر الكتاب وبيان وقت نزوله فقال: حَامِيمَ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ.

الآن بعد كل هذا الاحتفاء بهذا الكتاب والتدليل على عظيم أمره ومنزلته عند الله سبحانه وتعالى وعلى عظيم بيانه، وانه شاف كاف، وانه هدى ونور، وانه روح تبعث الحياة في القلوب الميتة، ومع كل هذا كان من أمر العرب ما كان من الإعراض عن هذا الكتاب والتكذيب به، مع أنهم لم يستطيعوا أن يعارضوه وتحداهم الله سبحانه وتعالى في كتابه أكثر من مرة، ومع ذلك مع كل هذا الانقطاع ومع كل هذه الآيات الباهرة في هذا الكتاب العظيم أعرضوا ورضي القوم بالقتل والخزي والعار في الدنيا وفي الآخرة مقابل ألا يؤمنوا بهذا الكتاب العظيم، فهنا جاءت سورة الجاثية في مطلعها يقول سبحانه وتعالى: حَامِيمَ تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ.

ما معنى هذا المطلع وما وجه المناسبة بينه وبين ما سبق؟ يقول ابن الزبير: أي لو لم تجئ يا محمد صلى الله عليه وسلم بعظيم آية الكتاب، أي بهذا الكتاب الذي هو معجزة رائعة قاطعة، لو أنك لو لم تأتي بهذا الكتاب لكان في دلائل السماوات والأرض وفي آيات السماوات والأرض ما ينبه على الخالق وعلى وحدانيته وعلى تفرده بالربوبية والألوهية، فكيف وقد جئتم بهذا الكتاب العظيم الذي يقطع حجة كل مجادل؟

إذاً، لو لم تجئهم يا محمد بعظيم آية الكتاب التي تم التنبيه عليها في السور السابقة، فقد كان لهم فيما نصبنا من الأدلة، فقد كان لهم فيما نصبنا من الأدلة أعظم برهان وأوضح تبيان، فلما نبه بخلق السماوات والأرض اتبع ذلك بذكر ما بث في الارض من المخلوقات وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ.

إذاً، أول خمس آيات من سورة الجاثية ينبه الله سبحانه وتعالى على أنه لو لم تجئ معجزة الكتاب العظيم لكان في السماوات وفي الأرض وفي المخلوقات ما ينبه وما يرشد على رب الأكوان سبحانه وتعالى، فكيف وقد جاءهم هذا الكتاب، هذه المعجزه الخالدة التي تحدى بها ومع ذلك لم يستطيعوا أن يأتوا بآية على منوالها؟ ثم نبه سبحانه وتعالى أيضاً على قضية انزال الماء من السماء، وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ، وهذا الماء كيف يحيي به المزروعات التي بها ارزاق الناس، وتصريف الرياح، إلى غير ذلك من الآيات.

ثم بعد أن انتهت هذه الآيات الخست أو الست من سورة الجاثية، أردف سبحانه وتعالى بتقريع الكفرة وتوبيخهم في تصميمهم على الشرك والكفر مع وضوح الأمر، فقال سبحانه في الآية السابعة: وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِمْ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا.

لاحظوا التناسب فعلياً، أن الله سبحانه وتعالى يسجر ويؤنب هؤلاء الكفره كيف كان استقبالهم لهذا الكتاب العظيم، كيف كان استماعهم وإنصاتهم له؟ وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِمْ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا، فمن كان حاله هكذا فبشره بعذاب أليم، وكان هناك تقريع وزجر.

ثم أخبر سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أنك يا محمد أرسلناك على شريعة واضحة من الأمر، أرسلناك على شريعة واضحة من الأمر فاتبعها، عليك بالثبات على هذا الكتاب، على هذه الشريعة التي جاء بها الكتاب، وإياك أن تتبع أهوائهم. وأخبره أن كل ما هم فيه من الضلال ومحاربة دين الله والاقوال الباطلة والانحرافات العقيدية إنما هو ثمره شيء واحد.

يعني لماذا هم يعرضون عن هذا الكتاب ولا يؤمنون به وعن آيات الله في السماوات وفي الأرض ولا يؤمنون بها ولا يتبعون الله سبحانه وتعالى مع كل هذا الوضوح ومع كل هذا الجلاء، ما هي المشكلة التي كانوا يعانون منها؟ المشكلة هي عبادة الهوى، فقال سبحانه وتعالى في الصفحة الثالثة في مطلعها: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ.

إذاً، مشكلة هذا الكفر، مشكلة هذا العناد، مشكلة التحدي للمسلمين، ليست مشكله الجهل أنهم لا يعرفون ما معنى الإسلام، وليس مشكلتهم عدم وجود أدلة مقنعة وعدم وجود الآيات الباهرة، كل شيء موجود قاطع، لكن المشكلة إذاً تكمن في عبادة الهوى.

بعد ذلك تأتي سورة الاحقاف، يقول ابن الزبير رحمه الله عليه: لما قدم سبحانه وتعالى ذكر الكتاب وعظيم الرحمة به وجليل بيانه، وأردف ذلك بما تضمنته سورة الشريعة أي سورة الجاثية من توبيخ من كذب بهذا الكتاب، وقطع تعلقهم، وأنه سبحانه وتعالى قد نصب لهم من دلائل السماوات والأرض إلى ما ذكر في صدر السورة ما كل قسم منها كاف في الدلالة وقائم بالحجه، ومع ذلك فلم يجد عليهم إلا التمادي في ضلالهم.

يعني الله سبحانه وتعالى كما قلنا بين حجية هذا الكتاب وأنه قاطع حق معجز، من تامل فيه هداه إلى الرب سبحانه وتعالى، وفي مطلع سورة الجاثية أيضاً أخبر أنه لو لم يجئ هذا الكتاب لكان في السماوات وفي الأرض وفي المخلوقات وما بث من دابة وما أنزل من المطر وتصريف الرياح لكان في ذلك أيضاً كل الدلائل على هذا الإله.

فالله سبحانه وتعالى أقام دلائل القرآن وأقام دلائل المخلوقات تدل عليه، هناك آلاف مؤلفة من الدلائل تدل على الله سبحانه وتعالى، القضية واضحة بينة، لكن المشكلة مشكلة العناد واتباع الهوى التي ركز عليها في ختام سورة الجاثية.

فجاءت سورة الاحقاف، جاءت سورة الاحقاف لتبين مآل هؤلاء الكفرة الذين لم يسمعوا ولم يصغوا ولم يلتفتوا إلى كل هذه البراهين القاطعة، بل كان حالهم حال المعرضين، فقال سبحانه وتعالى: حَامِيمَ تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَامًى.

لكن أين المشكلة؟ وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ. إذاً هي مشكلة الإعراض عن كل هذه الآيات، الآيات القرآنية والآيات السماوية. ثم اخذ سبحانه في تعنيف المشركين وتقريعهم في عباده ما لا ينفع ولا يضر: قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ، إلى قوله سبحانه وتعالى: وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ.

ثم ذكر لهم مثال قوم عاد الذين مكنهم الله سبحانه وتعالى في الأرض وجعلهم من أصحاب القوة، ولما جاءهم هود وأنذرهم ما استمعوا له وقالوا: أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا، واستهزءوا. ثم لما جاءهم العارض والسحب المسودة ظنوا أنها سحب أتت لترزق المطر وما كانوا يعرفون أنها أتت لتنزل بهم العقوبات الإلهية، وهذا تهديد لمشري العرب وتهديد للمشركين والكفرة في كل زمان ومكان.

لا تتكبروا على الله سبحانه وتعالى، إياكم أن تتغطرسوا بما آتاكم الله سبحانه وتعالى من علم أو من تحضر أو من تقدم، فكل هذا يزول، كل هذا ينتهي، كل هذا يذهب، وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً، وأرسلناه السماء عليهم مدراراً وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم.

ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى. ثم أخبر سبحانه وتعالى في آخر السورة موصياً النبي صلى الله عليه وسلم: فَاصْبِرْ، فاصبر يا محمد صلى الله عليه وسلم، اصبر أيها الداعية، فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ.

لماذا؟ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ. انظر هذا الوعيد الشديد الذي يبين ما هو حال الكفرة الذين أعرضوا عن كل هذه الدلائل وكل هذه البراهين في السماوات وفي الأرض وفي المخلوقات وعن برهان القرآن الأعظم، ماذا سيكون حالهم عندما يقفون بين يدي الله؟ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ.

يقولون: كأننا لم نمكث في هذه الحياة الدنيا إلا ساعة من نهار، سيعدون أصابع الندم، سيعدون أصابع الندم على كل لحظة حاربوا فيها أولياء الله وحاربوا فيها دين الله سبحانه وتعالى بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون.

بعد ذلك تأتي سورة القتال سورة محمد لتبين عاقبة الكافرين في الدنيا، يعني سورة الاحقاف ختمت ببيان عاقبة الكافرين في الآخرة وما هو حالهم عندما يقفون أمام مشهد النار وكيف يعضون أصابع الندم، ثم تأتي سورة القتال سورة محمد صلى الله عليه وسلم لتبين العقوبة التي أنزلها الله عز وجل بهم في الدنيا وهي أنه أوجب على عباده الموحدين أن يحملوا السيوف والسهام والرمال، وأن يحملوا العدة والعتاد من أجل مواجهه هؤلاء الكفار وإنزال القتل بهم في الحياة الدنيا إذا وقفوا في وجه هذه الدعوة المباركة.

فيقول ابن الزبير: لما انبنت سورة الاحقاف على ما ذكر من مآل من كذب وكفر، وافتتحت السورة بإعراضه عن الله، ختمت بما قد تكرر من تقريع وتوبيخهم. إذا هو تكلم الآن أنه سورة الاحقاف ابتدات ببيان إعراض الكافرين عن آيات الله وختمت سورة الاحقاف ببيان هؤلاء الذين أعرضوا عن آيات الله كيف يكون مشهدهم في الدار الآخرة.

فلما ختم بذكر هلاكهم، قال: افتتحت السورة الأخرى، وهي سورة محمد صلى الله عليه وسلم، بالمعاجل ذلك اللاحق لهم في الدنيا، أي بالهلاك المعجل لهم في الدنيا على أيدي عباد الله الموحدين، فقال تعالى: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ.

في الصفحة الأولى من سورة محمد، الله عز وجل حث المؤمنين على القتال وضرب الكفار المحاربين المعاندين لله ورسوله: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ. فسبحانه وتعالى حث على الجهاد وعلى القتال وأخبر أن المؤمنين الموحدين هم الذين يقبلون هذا الحكم الإلهي بجهاد الكافرين.

وأخبر عن حال المنافقين الذين إذا نزلت سورة يذكر فيها الجهاد والقتال تجدهم خائفين مرعوبين: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ، فاذا أنزلت سورة محكمه وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم، طاعة وقول معروف.

ثم ختم الله سبحانه وتعالى سورة محمد ببيان أن الذين يبخلون عن بذل الارواح والمهج والاموال في سبيل الله، الله سبحانه وتعالى يستبدلهم ويأتي بقوم غيرهم: وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ هَا أَنتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ.

فصورة محمد صلى الله عليه وسلم تستنهض الهمم لقتال هؤلاء الكفرة الذين قامت عليهم الحجج تلو الحجج، كأن سورة الشورى والزخرف والدخان والشريعة وسورة الاحقاف كلها تبين هذه الحجج الإلهية التي جاءت تترى، حجة الكتاب وتعظم أمر الكتاب، وكفار قريش كانوا يسمعون القرآن ويسمعون من الصحابة آيات الله تتلى عليهم، خاصة أن هذه السور مكية في أغلبها فكانوا يسمعون الآيات والارشادات والتنبيهات التي تدلهم على الله، وبعد كل هذا كان هناك تصميم على الكفر وتصميم على أذية النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أذية ذاك الجيل الفريد.

فكانت العقوبة الإلهية التي حلت بهم في الدنيا قبل الآخرة أن سلط همم الموحدين على اجتثاث رقاب الكافرين. ثم بعد ذلك جاءت سورة الفتح ليكون مطلعها: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا، أي بعد أن استنهضت سورة محمد صلى الله عليه وسلم الصحابة للجهاد وقتال المعاندين المحاربين، أخبر سبحانه أن هذا الجهاد عاقبته الفتح المبين: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ.

وفي سورة الفتح حض الله سبحانه وتعالى على الجهاد في سبيل الله وبين أحكام المعذورين عن الجهاد، ومن الذي يقبل الله عذره ومن الذي لا يقبل عذره، وأخبر سبحانه أنه ينزل السكينة على عباده المجاهدين. وأخبر سبحانه وتعالى عن أحوال المنافقين أيضاً، وهنا ركزت سورة محمد وسورة الفتح على أحوال المنافقين الذين إذا دعوا إلى الجهاد في سبيل الله بدأوا يعتذرون ويقولون شغلتنا أموالنا وأهلنا فاستغفر لنا، يقولون بألسنتهم ما ليس في.

قلوبهم كما قال سبحانه في سورة الفتح. الفتح إذا جاءت تتمم ما ابتدأته سورة القتال سورة محمد صلى الله عليه وسلم، في قضية الحث على الجهاد وبيان حال أهل النفاق في أمر الجهاد، وكيف أن المنافقين يحبون المعارك السهلة جدا والتي يكون فيها مردود مادي وغنائم كثيرة، واذا عرفوا أن هناك ملحمة من ملاحم الإسلام وأن هناك بذل وتضحية عظيمة فإنهم يتهربون ويبدون الاعتذار ويقولون: يا رسول الله شغلتنا أموالنا وأهلنا وأصابنا ضرر، وما شابه ذلك. فهذا حال المنافقين والعياذ بالله، وإذا وجدوا غنيمة سهلة المنال تجدهم يتسابقون إليها، فالله سبحانه وتعالى توعدهم: سُتَدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ۖ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا ۖ وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا.

ثم ذكر أحكام الذين عذرهم الله سبحانه وتعالى: لَّيْسَ عَلَى الأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى المَرِيضِ حَرَجٌ، وأخبر عن الغنائم، وأخبر عن قضية صلح الحديبية وأحداثه؛ لأن سورة الفتح نزلت في قضية أحداث صلح الحديبية. وأخبر سبحانه وتعالى كيف أنه يثبت المؤمنين على القرار المتزن الهادئ في اللحظات الصعبة، وأنه ينزل السكينة عليهم ليعرفوا كيف يتوجهون وكيف يتصرفون. ثم امتدح الله نبيه وصحبه الذين يجاهدون معه في سبيل الله: مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ، هذه صفات أهل الدين.

ثم بعد ذلك تأتي سورة الحجرات، ما وجه مناسبة سورة الحجرات التي تتحدث عن الآداب والأخلاقيات في تعامل الصحابة والمؤمنين من بعدهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، وآداب وأخلاق تعامل المسلمين مع بعضهم البعض؟ الآن يقول ابن الزبير: لما وصف سبحانه عباده المصطفين بصحبه نبيه صلى الله عليه وسلم والمخصوص بفضيله مشاهدته وكريم عشرته بقوله سبحانه -يعني لما ختمت سورة الفتح بالثناء العظيم على الصحابه الكرام مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ، فأثنى الله عليهم وزكاهم وذكر وصفه تعالى لهم أي بذلك في التوراة والإنجيل، لأن سورة الفتح في ختامها بين سبحانه صفة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في التوراه وصفة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الإنجيل- فجاءت سورة الحجرات لتنبه الصحابه الكرام على مكارم الأخلاق وعظيم الآداب التي يجب عليهم أن ينتهجوها في تعاملاتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم وبعضهم البعض ليكمل لهم هذا المدح وهذا الثناء.

لذلك قال: وشهدت لهم سورة الفتح بعظيم المنزله لديه، ناسب هذا طلبهم بتوفية الشعب الإيمانية والجري قولا وعملا ظاهرا وباطنا على أوضح عمل وأخلص نية، وتنزيهه عما وقع ممن قبلهم في مخاطبة أنبيائهم، يعني كيف كان سوء الأدب من بني إسرائيل مع أنبيائهم. فجاءت سورة الحجرات في مطلعها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وياء أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي، يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة، يا أيها الذين آمنوا وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، إنما المؤمنون إخوة، لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكون خيرا منهن، يا أيها الذين آمنوا اجتناب كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم، يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى.

لاحظوا، كل هذه الآداب وهذه الأخلاقيات أتت لتكمل الصحابة الكرام، ولتكمل كل داعية وكل سالك إلى الله سبحانه وتعالى يريد أن يسير على نهج هؤلاء الكرام رضوان الله تعالى عليهم. فستورة الحجرات هي سورة الآداب التي جاءت تبين الآداب التي يجب أن يرعاها وأن ينتهجها أنصار محمد صلى الله عليه وسلم.

ثم بعد ذلك تأتي سورة ق، سورة ق مطلعها: ق ۚ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ. الآن أحبابي الكرام نلاحظ أن سورة ق عادت للتعجب من أحوال الكافرين كيف أنهم يعرضون عن هذه الدلائل الإلهية التي ضمنها الله سبحانه وتعالى في السماوات والأرض. فلذلك نجد الصفحة الأولى من سورة ق أطالت النفس في الحديث عن آيات الله سبحانه وتعالى في السماوات وفي الأمطار وفي الأرض وفي المزروعات، ثم بعد ذلك ذكرت أحوال الأمم المكذبة المكذب التي حاربت الله ورسوله وحاربت الأنبياء وحاربت الدعوة عبر التاريخ، وكيف لم ينتفعوا بهذه الآيات الإلهية التي أضعها الله في هذا الكون، ثم ماذا كان حالهم؟

وهذه قضية يجب أن ننتبه لها، والله أحبابي قضية أن الله سبحانه وتعالى كثيرا كثيرا كثيرا ما يامرنا وينبهنا ويرشدنا في كتابه العزيز على أهمية الاعتبار بخلق السماوات والأرض، والنظر في المطر، والنظر في المزروعات، والنظر في هذا الخلق المتنوع؛ حتى نزداد يقينا وإيمانا بوجود الخالق سبحانه وتعالى، وبعظيم أمره وعظيم فعله وعظيم قدرته، ولا يبقى الإنسان مهزوز الثقة، متزعزع الأمور، محلا للشك وللشبهات تطر عليه هنا وهناك. هذا الاعتبار، هذا الالتفات من أعظم الأمور التي يرشدنا الله سبحانه وتعالى إليها في كتابه، مع أنها للأسف عبادة والله غائبة عنا، حتى كمحافظ، كطلبة علم، أقول كدعاة، كأناس ملتزمين، نجد عندنا قصور في عبادة التفكر والنظر والاعتبار، مع أنها من أعظم الآيات التي يشير الله سبحانه وتعالى إليها في كتابه.

وأنتم تجدون في هذا الاستقراء السريع لسور القرآن كيف أنني كثيرا ما مررت على هذه الفكرة في سور سابقة وفي سور لاحقة ستأتي معنا أيضا، أهمية الاعتبار، النظر أحبابي في الأجرام السماوية، في السماوات والأرض والنجوم والأنهار والبحار والجبال: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا؛ سيروا وانظروا واعرفوا كيف بدا الخلق كما قال سبحانه وتعالى.

إذا سورة ق هذه قصتها وحكايتها، عودة على التعجب من أحوال الكافرين كيف لم ينتبهوا لهذه الآيات العظيمة، ثم بعد ذلك بينت حال من سبقهم من الكفار المعاندين الذين لم يعتبروا بهذه الآيات وماذا كان أمرهم، ثم ذكرت مشهد اليوم الآخر، كيف هؤلاء الكفار عندما سيدخلون في قبورهم سيستيقظون من حلم الحياة الدنيا: فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ، ثم يخبر كيف أنهم سيصفون بين يدي الله سبحانه وتعالى ويقول قرنائهم: وقال قرينه -قرين الملائكة سيتحدث وقرين الشياطين سيتحدث- ويقول ربنا ما أطغيته -القرين الشيطاني سيقول، يتبرا منك، يقول: ربنا ما أطغيته، لكن كان في ضلال بعيد-. الله سبحانه وتعالى سيقول حينئذ: لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ. يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ.

ثم أخبر سبحانه وتعالى أن هذا الكتاب إنما أنزله ليهتدي به أهل القلوب والأسماع: إِنَّ فِي ذَلِكَ لِذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ. وأخبر نبيه صلى الله عليه وسلم أنه يا محمد انت وظيفتك الإنذار، وظيفتك الإنذار والتبليغ، وما أنت عليهم بجبار، فتبقى ذكر بهذا القرآن: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ. وهذه الآية جميلة تنبه أن وظيفة الدعاة الاستمرار على تلاوه القرآن، فذكر بالقران، علينا أن نحيي تلاوة القرآن التدبرية، علينا أن نحيي مجالس التفسير، هذه المجالس التي تبصر الناس بكلام ربهم فتخوض دائما على حذر وعلى وجل من لقائه: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ.

ثم بعد ذلك تأتي سورة الذاريات. سورة الذاريات هي تتم لموضوع اليوم الآخر الذي اختتمت به سورة ق، سورة ق تحدثت عن اليوم الآخر في صفحة كاملة، فيقول ابن الزبير: لما ذكر سبحانه المواعد الأخراوية في سورة ق وعظيم تلك الأحوال من لدن أي من عند قوله: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ إلى آخر السورة، أتبع سبحانه وتعالى ذلك بالقسم على صحه وقوعه أي اليوم الآخر، وأنه واقع لا محالة، فقال في قسم طويل: وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا. يقسم بالرياح بانواعها وأشكالها: إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ. والمراد بالدين هنا الجزاء والحساب، وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ، أي وبين سبحانه أن الأفاكين، أن الكذابين، أن المعارضين المحاربين لله ورسوله يستهزئون بقضية اليوم الآخر، يسألون: أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ؟ فسبحانه وتعالى يستهزئ بهم: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ذُوقُوا فِتْنَتَكَ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ.

ثم ذكر سبحانه وتعالى شيئا من أحوال الأمم السابقة فذكر قصة كيف نجى الله سبحانه وتعالى لوطا ومن معه، وكيف نجى الله موسى وأهلك فرعون، وكيف نجى الله هود وأهلك عاد، وكيف نجى الله صالح وأهلك ثمود. فذكر العذاب الشديد الذي نزل بالأمم السابقة الذين كانوا يستهزئون كحالكم يا كفار قريش، يستهزئون باليوم الآخر ويقولون متى سياتي ويكذبون أقوامهم، انظروا هذه آثارهم تشهد لمهارته.

ثم بعد ذلك تأتي سورة الطور. لما توعد سبحانه كفار قريش ومن كان على طريقهم من سائر من كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيصيبهم ما أصاب غيرهم من مكذبين الأمم، الآن الله سبحانه وتعالى ختم صفحة كاملة في سورة الذاريات ببيان مصير الأمم السابقة من المكذبين من قوم فرعون وقوم عاد وثمود وقوم نوح من قبل، فكان هذا هو رساله رساله الوعيد لكفار قريش ولكل من سياتي بعدهم، أنكم إذا سرتم على منوال التكذيب والمعارضة والله لن تكونوا أفضل حالا ممن قبلكم: فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ، كما قال سبحانه في ختام سورة الذاريات.

فجاءت سورة الطور بأقسام متتالية: وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَالسَّقْفِ المَرْفُوعِ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ. أقسمت على وقوع هذا العذاب الذي ينتظر كل معاند. ولاحظوا هذه التناسبات الرائعة والانتقالات الفائقة بين السور، في هناك يعني نوع من التسلسلية واضح بين سورة الطور، سورة الذاريات، سورة ق، سورة الحجرات، الفتح، محمد صلى الله عليه وسلم.

ولذلك أطنب سورة الذاريات -عفوا سورة الطور- ببيان مشهد الكفار وهم سيلقون في نار جهنم: يَوْمَ يُدَعُونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ، لما كنتم تسالون أيان يوم الدين هنا نقول لكم هذه النار التي كنتم بها تكذبون: فَأَصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ.

ثم أخبر سبحانه وتعالى عن حال هؤلاء الكفر وهم يستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم وبهذا القرآن، وأحيانا يقولون ساحر، وأحيانا يقولون مجنون، أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ المُتَرَبِّصِينَ. ثم أخبر عن مقولاتهم وعن معتقداتهم وأخبر سبحانه وتعالى واير وكسف من السماء ساقطا يقول سحاب مركوم حالهم حال أي قوم عاد لما جاءهم عاد أرض قالوا هذا ممطرنا، وهؤلاء الكفرا كفار قريش إذا راوا سحابا من السماء ظنوا أن الله سبحانه وتعالى يريد أن ينزل عليهم الخير، لكنه العذاب.

فسبحانه وتعالى يحذر ويامر نبيه صلى الله عليه وسلم في النهايه بالصبر، فهذه سور مكية كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤمر فيها بالصبر: وَاصْبِرْ لِحُقْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا. والذي يعينك على الصبر هو قيام الليل: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ.

ثم تأتي سورة النجم وهي آخر سورة نعلق عليها اليوم بإذن الله. تبين للكفر لكل من استهزا بالنبي صلى الله عليه وسلم وقال عنه في ختام سورة الطور بأنه شاعر أو مجنون أو ساحر يأتي بهذا الكتاب، جاءت سورة النجم لتجيب: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى. هذا الكتاب الذي تزعمون أنه من سحر محمد صلى الله عليه وسلم أو أنه شاعر أتى به، والله ما هو إلا الوحي الإلهي.

ثم أخبر عن قصة عظيمة شرف الله بها نبي صلى الله عليه وسلم، قصة المعراج إلى السماوات العلى، وهذا يدل على أن هذا النبي صلى الله عليه وسلم نبي يوحى إليه من رب السماوات العلى. وقد كان كفار قريش يعلمون أن الله سبحانه وتعالى فوق السماوات العلى، فهنا الله سبحانه وتعالى قرع اسماعهم بهذه السورة، سورة النجم التي كان فيها بيان حال الكافرين، وبيان كيف أنهم يعظمون اللات والعزة: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى؟ يعني هل أنتم تكذبون بمحمد صلى الله عليه وسلم وتتهمونه وتعبدون أصنام وأحجار لم تتبعوها على علم وعلى بينة وعلى براهين، وإنما هو والله إلا اتباع الظن؟

فاخبر سبحانه وتعالى في ختام أي سورة النجم أن إذا كفار بقوا على هذا الأمر فقل لهم يا محمد صلى الله عليه وسلم إذا بقوا على المعاندة على التكذيب بهذا الكتاب وعلى التكذيب بك قل لهم: أَزِفَتِ الْآزِفَةُ، ليس يعني اقترب يوم القيامة لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ. أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ. يعني هذا الحديث ستبقون تتعجبون منه تعجب المستهزئ الذي يضحك ويعبث ويظن أنه سحر وما شابه ذلك، وأنتم سامدون غافلون في لهو الحياة الدنيا.

فاسجدوا لله واعبدوا، أمر إلهي يامرهم فيه سبحانه بالسجود والخضوع قبل أن يفوتهم الأوان فقد أزفت الآزفة. وفعليا يقولون في السير: لما سمعت كفار قريش سورة النجم وما فيها من البراهين الساطعة على عظيم هذا الكتاب وعلى عظيم الاختصاص الإلهي للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم سمعوا الوعيد الشديد في آفة الآزفة وسمعوا الله يختم السورة: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا، سجد كل كفار قريش مع النبي صلى الله عليه وسلم عندما سمعوا هذه الآية تتلى إلا أبي أميه بن خلف المخذول. أمية بن خلف الآن هذه سورة النجم قرات في مكة فسجد الجميع، سجد المسلمون عندما سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يقرأها، وكفار قريش من هول هذه السورة سجدوا خوفا ورعبا، أمية من خلف أخذ حفنة من تراب ووضعها على جبينه وقال: هذا يكفيني عن السجود المباشر. وكل هؤلاء المساكين وجدت مصارعهم في غزوة بدر، فنسأل الله.

العظيم رب العرش العظيم أن يجعلنا ممن يتفهم دلائل هذا الكتاب ودلائل هذا الكون، ومن يتعقل عن الله مراده قبل أن يفوت الأوان.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.