تسجيل الدخول

البرهان في تناسب سور القرآن "للغرناطي" | المجلس الحادي عشر

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. حياكم الله أحبتي الكرام في مجلس جديد من تعليقنا على كتاب البرهان في تناسب سور القرآن للإمام ابن الزبير الغرناطي رحمه الله تعالى عليه، وقد انتهى بنا الحديث إلى سورة الحشر. فيا ترى، ما وجه مناسبة سورة الحشر لسورة المجادلة؟

أحبائي الكرام، يقول ابن الزبير: لا خفاء باتصال آيات سورة الحشر بما تأخر من آية سورة المجادلة، أي بالقسم الأخير من سورة المجادلة. القسم الأخير في سورة المجادلة يقول الله سبحانه وتعالى فيه محذراً من درب المنافقين الذين تولوا اليهود؛ يقول سبحانه: أَمْ تَرَضَى إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ. هذه الآية يقول الله سبحانه وتعالى فيها للنبي صلى الله عليه وسلم ولكل من يقرؤها: انظروا إلى هؤلاء المنافقين الذين يسارعون في موالاة اليهود، مع أنهم ليسوا من جنسهم، مع أن اليهود ليسوا من جنس هؤلاء المنافقين، مَا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ. ومع ذلك، للاسف هذه الطبيعة طبيعة النفاق في كل زمان وفي كل حين تسارع في موالاة أعداء الله سبحانه وتعالى، والتذلل لهم والخضوع لرغباتهم وشهواتهم، طمعاً أو رغبة في حصول لعاعة من لعات الحياة الدنيا.

ثم في نهاية سورة المجادلة يقول الله سبحانه وتعالى مبيناً حال أهل الإيمان في تبرئهم من الكفار وعدم موالاتهم أبداً، وأن حالهم ليس كحال أهل النفاق؛ يقول سبحانه: لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ. هؤلاء الذين يوالون في الله ويعلنون الولاء والبراء لله سبحانه وتعالى وحده أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار إلى آخر السورة. هكذا ختمت سورة المجادلة ببيان حال أهل النفاق في موالاة اليهود، وببيان حال المؤمنين أنهم لا يوادون من حاد الله ورسوله.

فجاءت سورة الحشر في مطلعها قال سبحانه وتعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. بداية سورة الحشر بدأت بالتنزيه بالتسبيح، وابن الزبير يضع لنا قاعدة هنا ويقول: كل سورة بدأت بتسبيح الله سبحانه وتعالى بسبح لله، يكون هناك في السورة التي قبلها ذكر لجريمة من جرائم العباد أو ذكر صنف من أصناف الكفار الذين اعتدوا على مقام العبودية لله سبحانه وتعالى. يقول هو بالاستقراء: كل سورة بدأت بسبح لله ما في السماوات وما في الأرض، تكون السورة التي قبلها ختمت أو ذكر فيها حال قوم ممن أغضبوا الله سبحانه وتعالى واعتدوا على حقوق الله عز وجل.

وهذا فعلاً ما وقع في سورة المجادلة، أنها ختمت بذكر اليهود وذكر المنافقين الذين يوالون اليهود، ثم قال سبحانه وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَّلِينَ. سورة المجادلة ختمت بذكر المنافقين وذكر اليهود والموالاة والصداقة التي تنشأ بينهم، ثم بدأت سورة الحشر بتنزيه الله سبحانه وتعالى عما يفعله المنافقون وعما يفعله اليهود، فقال سبحانه: سبح لله، أي نزه الله سبحانه وتعالى عن كل هؤلاء القوم، سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.

ثم بدأت سورة الحشر تذكر حال هؤلاء اليهود الذين يواليهم المنافقون، كيف أن الله سبحانه وتعالى انزل بهم العقوبات الدنيوية قبل الأخروية؛ فذكر قصة يهود بني النضير وكيف أن الله سبحانه وتعالى شردهم على يد النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه، وكيف آل أمرهم وكيف قسمت أراضيهم فيئاً بين المسلمين وبينت مصارف الفيء. ثم ذكرت في سورة الحشر في الصفحة الثانية منها حال المنافقين الذين واطؤا اليهود. لاحظوا، الانسجام واضح بين سورة المجادلة في ختامها وبين سورة الحشر التي ركزت على ذكر اليهود، وذكرت أيضاً سورة الحشر طبيعة العلاقة بين المنافقين وبين اليهود.

وهذه العلاقة أحبابي لماذا يبينها الله سبحانه وتعالى في القرآن كثيراً؟ لأن هذه العلاقة للأسف ستبقى في هذه الأامة، علاقة المنافقين منافقي هذه الأامة باليهود ليست فقط في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، بل هي متجسدة في كل زمان وفي كل مكان، وحتى في وقتنا المعاصر، انظروا إلى علاقة منافقي هذه الأامة باليهود كيف يوالونهم ويقدمون لهم ما يرغبون به وما يسعدهم على دماء وأشلاء المسلمين المستضعفين على حساب أراضي بلاد الإسلام. كيف أن هؤلاء يحافظون على دنياهم، هؤلاء المنافقون من هذه الأامة يحافظون على دنياهم وعلى لعاعة الحياة الدنيا التي اكتسبوها من ترسانة بني صهيون، كيف يحافظون عليها من خلال هذه الموالاة، من خلال هذه الصداقة، من خلال هذا الإذلال الذي يعيشونه تحت يد بني صهيون؟

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا، أي لا يمكن أن نتخلى عنكم ولا نطيع أحداً يأمرنا بترككم. لاحظوا خطاب النفاق مع بني صهيون: وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. لئن أخرجوا لا يخرجون معهم، ولئن قوتلوا لا ينصرونهم، المنافقون من هذه الأامة جبناء في كل زمان وفي كل مكان، هم يحافظون على علاقتهم مع اليهود يخشون أن تدور الدائرة فقط، فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين.

ثم ختمت سورة الحشر هذه الصفحة ببيان أن اليهود دائماً قلوبهم شتى، تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى، وأخبرت أنهم لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر. ثم ختمت السورة بتنزيه الله سبحانه وتعالى فقال سبحانه وتعالى: هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ۚ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. بدأت بتنزيه الله عما يقوله اليهود وعما يفعله اليهود، عما يفعله المنافقون من موالاة اليهود وعما يقوله المنافقون لليهود، وختمت بتنزيه الله سبحانه وتعالى.

ثم بعد ذلك تأتي سورة الممتحنة لتدعو المؤمنين إلى قطع الموالاة مع جميع أصناف الكفر وملله. سورة المجادلة في ختامها بينت موالاة المنافقين لليهود وركزت الآية الأخيرة أن أهل الإيمان لا يمكن أن يواد من حاد الله ورسوله، ثم جاءت سورة الحشر تبين قصة اليهود وكيف أنزل الله عز وجل بهم سخطه وغضبه في الدنيا قبل الآخرة، وذكرت مرة أخرى طبيعة علاقة المنافقين مع اليهود، ثم تأتي سورة الممتحنة، لاحظوا هذا التناسق العجيب، لتدعو المؤمنين في أول آية منها لقطع الموالاة مع أعداء الدين عموماً يهود وغير يهود إعطاء حكم عام.

يا أيها الذين آمنوا، لاحظوا الآية الأولى في سورة الممتحنة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بالمودّة. نزلت سورة الممتحنة في قصة سيدنا حاطب بن أبي بلتعة الذي أخطأ خطأ فادحاً عندما راسل كفار قريش وأخبرهم بمقدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة فاتحاً لها، وإنما كان خائفاً على عياله، يعني هي لحظة ضعف مر بها سيدنا حاطب بن أبي بلتعة والله سبحانه وتعالى غفر له، لكن الله أنبه تأنيباً شديداً والتأنيب ليس فقط لسيدنا حاطب، سيدنا حاطب بشهاده النبي صلى الله عليه وسلم غفر له، لكن هي رسالة للأمة من بعده: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بالمودّة وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ. فكانت آية حاسمة فيها تأنيب شديد لكل من تسول له نفسه من أهل الإيمان أن يكون على مودة مع أهل الكفر.

وهذه عقائد أحبابي نربيها لأجيالنا، الموالاة تكون لله سبحانه وتعالى، أحذروا من موالاة أعداء الدين يهود، نصارى، وثنيين، بوذيين، الكفر ملة واحدة في هذا الجانب، أهل الإيمان يتوالون على الإيمان يبرءون من أهل الكفر والشرك والطغيان. ثم بعد أن بينت سورة الممتحنة أهمية عقيدة الولاء والبراء، وبينت لنا أن سيدنا إبراهيم كان أسوة في هذه العقide باستثناء قول واحد صدر منه ثم تراجع عنه بعد أن علمه الله سبحانه وتعالى: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُم وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ.

إلا قول إبراهيم لأبيه هذا لا تأتسو به ما هو؟ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، لان الله سبحانه وتعالى علم سيدنا إبراهيم أنه لا يجوز الاستغفار لمشرك، فهذا الاستثناء استثنى الله عز وجل كلمة واحدة صدرت من إبراهيم قالت هذه لا تأتسو بابراهيم عليه السلام فيها، وهي قوله لأبيه: لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، لأنه لا يجوز الاستغفار للمشركين، وترك إبراهيم الاستغفار بعد أن علمه الله سبحانه وتعالى.

لكن لاحظوا الإنصاف في القرآن سبحانه كلام الله عز وجل، بعد أن بينت الآية طبيعة أو السورة عفواً طبيعة العلاقة بين أهل الإيمان وأهل الكفر، علاقة البراء منهم، لا يمنع ذلك من أن يحافظ المسلمون على العهود والمواثيق التي بينهم وبين هؤلاء الكفرة. أحياناً قد تضطر الدولة المسلمة أو المجتمعات المسلمة على إنشاء عهود ومواثيق مع مجتمعات كافرة لمصالح ضمن أطر معينة، فبينت السورة أن أهل الإسلام يحافظون على هذه العهود وعلى هذه المواثيق.

بينت السورة أيضاً أنه مع إعلاننا البراء الكامل من الشرك ومن الكفر، فالله سبحانه وتعالى لا ينهانا أن نظهر علاقة محترمة فيها نوع ما نسميه من الهدوء والتواصل العام مع مجتمعات من المجتمعات الكافرة التي لم تحاربنا ولم تعتدِ علينا ولم تصد عن سبيلنا، فالله سبحانه وتعالى في الصفحة الثانية من سورة الممتحنة بين أن الناس على صنفين، أن الأعداء أن الكفار على صنفين.

يقول سبحانه وتعالى: لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.

إذاً الله عز وجل يقسم الكفار إلى نوعين، الآن البراءة تكون من كلا النوعين، لكن هناك نوع علاقتنا معه علاقة عدل نعدل معه، وإذا كان بينك وبينهم مثلاً رحم أو قرابه أو معشر فبإمكانك أن تكون بينك وبينهم علاقة يعني نسميها العلاقة هادئة ممكن أن يزورك أو تزوره لامر عام خاصة ذوي الرحم، لو كان بيننا وبينهم شيء من التجارات شيء من المعاملات الحياتية من دون أن يؤثر ذلك على ديننا مقبول.

وأما الطائفة الأخرى فهي التي صدت عن سبيل الله وهاجرت المؤمنين وحاربت دين الله وأعلنت الحرب علينا، فهؤلاء لا يجوز مودتهم ولا مصاحبتهم ولا إظهار الود لهم، وإنما علاقتنا معهم علاقة الحرب إلى أن ينصر الله سبحانه وتعالى أهل الإيمان.

ثم ختمت السورة بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَولَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. إعادة تركيز على قضية اليهود؛ لأن الصراع بين هذه الأمة واليهود صراع مصيري، صراع سيستمر إلى أن يشاء الله سبحانه وتعالى أن نهزم بني صهيون على أعتاب بيت المقدس الصراع الطويل. لذلك الله سبحانه وتعالى يدرك أن من هذه الأمة سيكون هناك منافقون عبر الأزمنة والعصور تكون علاقتهم مع بني صهيون هي علاقة المودة والألفة ويخدمونه محافظة على لعاعة دنياهم، فالله سبحانه وتعالى منذ بعث محمد صلى الله عليه وسلم وهو يحذر ويتوعد: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَولَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، يعني سوره الممتحنة في مطلعها التحذير من موالاة المشركين والكفار عموماً، واخرها التحذير من موالاة اليهود خصوصاً: لَا تَتَولَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ.

ثم بعد ذلك تأتي سورة الصف، سورة الصف في مطلعها أيضاً تسبيح: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ. لماذا بدأت السورة بالتسبيح؟ لا بد وأن هناك قوم من أصحاب العناد والكفر قد ختمت بهم سورة الممتحنة، نعم هم اليهود، فالله سبحانه وتعالى ختم سورة الممتحنة فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَولَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. ماذا كانوا يفعلون؟ قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور.

فالله سبحانه وتعالى أخبر عن عظيم جرمهم، ثم نزه نفسه عن أقوالهم فقال: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ. تنزه الله سبحانه وكل ما في السماوات وما في الأرض ينزه سبحانه وتعالى عما نسبه اليهود إلى الله، عما نسبه هؤلاء الأفاكون المجرمون إلى رب الجلال سبحانه وتعالى، سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.

ثم أخبر الله سبحانه وتعالى بعد ذلك فقال في سورة الصف: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ. هذه الصفة أن يقول الإنسان شيئاً ويفعل خلافه ويترك الفعل، هذه صفة من صفات المنافقين وهي صفة أيضاً من صفات اليهود، فالله سبحانه وتعالى حذر أهل الإيمان من أن يأخذوا هذه الصفة، حذر الله سبحانه وتعالى أهل الإيمان أن يكون حالهم كحال المنافقين الذين يظهرون الإسلام والكلام الجميل للنبي صلى الله عليه وسلم للمجتمع، لكن في باطنهم وفي واقعهم العملي يفعلون خلاف ذلك.

فالله سبحانه وتعالى يريد أن ينبه الصف المسلم الصادق: احذروا من أن تأخذوا هذه الخصلة، هذه الخصلة هي التي قسمت ظهر اليهود، هذه الخصلة هي التي قسمت ظهر المنافقين، أن يقولوا شيئاً ويفعلوا بخلافه، أن يظهروا أمراً ويكونوا في الباطل خلاف ذلك: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون.

تعملون، إذا الله سبحانه وتعالى يحذر عباده المؤمنين: أَوْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ، من أن يأخذوا هذه الخصلة، ويبين أن أهل الإيمان الحق هم أهل قول وعمل، أهل قول وتطبيق، عقيدتهم عقيدة حقيقية تنبع من القلب وتترجم عملياً في الحياة. ثم ذكر الله سبحانه وتعالى قصة موسى مع بني إسرائيل: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ. هذا حال كان بني إسرائيل.

ثم ذكر الله عز وجل بشارة سيدنا عيسى بالنبي صلى الله عليه وسلم، وبينت أن المؤمن الذي يحافظ على عهده مع الله سبحانه وتعالى بالجهاد في سبيل الله، والثبات على هذا الدين، ونصرة هذا الدين، والتضحية من أجله، هؤلاء الله سبحانه وتعالى سيعطيهم الثواب: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ۝ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ۝ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ۝ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ. إذا، هذا المقطع من سورة الصف يحث المؤمنين على الثبات على هذا الدين، وعلى الجهاد، وعلى التضحية، وعلى بذل الأنفس والمهج والاموال من أجل نصرة هذا الدين.

هذا حال المؤمن، المؤمن لا يوالي أعداء الدين، لا يداهن، لا يجامل على حساب عقيدته ومبادئ، بل علاقته معهم علاقة الجهاد في سبيل الله، علاقة دحرهم ومنع باطلهم وإظهار الحق وحجة الله سبحانه وتعالى على العباد. المؤمنون الذين يسيرون على هذا الدرب ولا يكونون كالمنافقين الذين يوالون اليهود ويداهنونه، بل شعار المؤمن هو الإيمان والجهاد في سبيل الله. هؤلاء يغفر الله الذنوب لهم ثم يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، وفي الحياة الدنيا يعطيهم الله النصر والظفر على أعدائهم.

ثم يخبر الله سبحانه وتعالى أو يدعو الله سبحانه وتعالى المؤمنين أن يكونوا أنصاراً للدعوة المحمدية، وحالهم كحال الحواريين الذين كانوا أنصاراً لعيسى بن مريم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ. دعوة واضحة من الله سبحانه لكل مؤمن بأن يكون ناصراً للدعوة المحمدية ولهذا الدين عبر الأجيال والقرون: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ.

ثم بعد ذلك جاءت سورة الجمعة. سورة الجمعة أحبابي الكرام بدأت أيضاً بالتسبيح: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ. وهذا التسبيح لابد وأن يكون كما قلنا مسبوقاً بذكر شيء من أفعال المجرمين الكفرة. وقد ورد في سورة الصف ذكر حال موسى مع قومه فقال سبحانه وتعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ. وأيضاً ختمت سورة الصف بقوله: فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ.

ثم قال سبحانه: يسبح بصيغة المضارع: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ. فكل ما في السماوات والأرض ينزه الله عز وجل عما يقوله اليهود وعما يقوله الكفرة عموماً. ثم سورة الجمعة تأتي في نفس السياق، لاحظوا السياق عموماً الحديث عن صفات المنافقين في موالاتهم لليهود من بداية من ختام سورة المجادلة وإلى هذه اللحظة، الحديث عن المنافقين وعن اليهود وعن العلاقة التي تنشأ بينهم.

ثم سورة الحشر تكلمت عن معاقبة اليهود دنيوياً وزيادة بيان عن طبيعة علاقة المنافقين مع اليهود. ثم سورة الممتحنة دعت إلى المفاصلة التامة بين أهل الإيمان وأهل الكفر عموماً، وختمت بدعوة أهل الإيمان بأن لا يتولوا اليهود بالتحديد. ثم جاءت سورة الصف تخبر المؤمنين بأنهم يجب أن يقاتلوا أعداء الدين عموماً: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ، ودعت المؤمنين للجهاد ضد أعداء الدين فقال سبحانه: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ۝ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.

بعد ذلك أتت سورة الجمعة لتبين المنة الكريمة التي من الله عز وجل بها على العرب بأن بعث فيهم رسولاً من أنفسهم، بعث في الأميين، الأميون هم العرب، بعث الله عز وجل فيهم رسولاً يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين. هنا ذكر هذه المنة على العرب هي فيها دعوة من الله سبحانه وتعالى لأهل مكة وللعرب عموماً أن ينصروا النبي صلى الله عليه وسلم، واحد اثنين أن يأخذوا من النبي صلى الله عليه وسلم هذا الكتاب منهج حياة وأن يعملوا به واقعاً عملياً وأن يثمر هذا الكتاب في حياتهم.

لذلك هو قال: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ. ما وظيفة هذا الرسول؟ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ، والحكمة هي السنة، ووظيفه النبي صلى الله عليه وسلم التي بعث بها إلى العرب ابتداءً، ثم هو صلى الله عليه وسلم مرسول إلى الثقلين ليس فقط إلى العرب لكن ابتداءً مبعثه كان إلى العرب، الوظائف التي أمر بها أولاً أن يتلو القرآن وأن يعلم القرآن والسنة.

فالله سبحانه وتعالى لما امتن على العرب بهذه المنة هو في هذا إشارة أن وظيفتكم أيها العرب أن تأخذوا هذا التعليم وتجعلوه منهج حياة وواقع عملي، فلا تقتصروا على مجرد حمل القرآن أو تلاوة القرآن أو الانتساب للقرآن من دون أن يكون هناك عمل، فيكون حالكم كحال اليهود الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً. حال الأمة إذا لم تتلقى هذا الكتاب كمنهج حياة وتعمل به سيكون حالها حال اليهود.

ولاحظ ذكر اليهود ما زال متكرراً، سيكون حالها حال اليهود الذين أعطاهم الله التوراة فكان حالهم مع التوراة كحال الحمار الذي يحمل أسفاره: بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ. ثم حذر الله المؤمنين أن يكون حالهم كحال بني إسرائيل الذين هم حريصون على الحياة الدنيا ولا يتمنون الموت ويخشون من لقاء الله سبحانه وتعالى. أهل الإيمان ليسوا حريصين على الدنيا، وأهل الكفر وأهل النفاق واليهود والنصارى ومن الكفر عموماً هم أحرص الناس على هذه الحياة الدنيا، لأنهم يعلمون أن ما هم قادمون عليه شديد عند الله سبحانه وتعالى.

ثم بعد سورة الجمعة التي فيها هذه الفضائل يأتي ذكر سورة المنافقين. سورة المنافقين لاحظوا أنها أيضاً سورة كاملة، سورة المنافقين بعد ذكر اليهود وكأنها والله يا أحبابي إشارة واضحة إلى طبيعة العلاقة التي تنشأ بين المنافقين وبين اليهود. لو إنسان تأمل، ما هذا السر العجيب في ذكر النفاق واليهود في المجادلة في الحشر في الممتحنة إشارة في الصف ولو لم تكن صريحة لكن في إيماء لما تقولون ما لا تفعلون، وهذه صفة اليهود وصفة المنافقين.

ثم تاتي سورة الحشر عفواً سورة الجمعة تحذر العرب وأهل الإيمان الذين تلقوا القرآن أن يكون حالهم كحال اليهود، ثم تأتي سورة المنافقين بعد ذكر اليهود، هذا يدل أحبابي كما قلت مراراً وتكراراً على طبيعة العلاقة والانسجام بين منافقي هذه الأمة وبين اليهود. هذه العلاقة يجب أن ننتبه لها لأنها في واقعنا المعاصر مؤلمه والله وتتجسد كما لا يخفى عليكم بصور وأشكال مختلفة من التطبيع معهم، من معاونتهم على أهل الإسلام، من إعطائهم المعلومات عن أهل الإيمان والدين، من ملاحقة الذين يقاتلون اليهود وإعطاء المعلومات عنهم، إلى غير ذلك من التصرفات والعياذ بالله التي لا تصدر إلا من أهل النفاق.

الله سبحانه وتعالى ذكر النفاق بقرب اليهود إذاً ليبين هذه العلاقة، وأيضاً هناك علة أخرى وهي أن اليهود فيهم عفى هي أن المنافقين فيهم شبه من اليهود في أن اليهود في سورة الجمعة الله أخبر أنهم حملوا الكتاب وحملوا التوراة لكنهم لم يحملوها حق الحمل، وحالهم معها كحال حمار يحمل كتباً على ظهره لكنه لا ينتفع بها، وهذا أيضاً هو حال أهل النفاق، أن الله عز وجل بعث لهم النبي صلى الله عليه وسلم يتلو عليهم الكتاب والحكمة ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، لكن كيف تلقوا آيات الكتاب وكيف تلقوا العلم بالكتاب والحكمة؟ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ، ما في فائدة منهم، يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ.

ثم سردت الآية عدة مظاهر من مظاهر أهل النفاق في المجتمع المدني، كيف أنهم كانوا يمنعون النفقة عمن يحضر مجالس النبي صلى الله عليه وسلم، كيف كانوا يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، كل هذه مظاهر من مظاهر النفاق أراد الله سبحانه وتعالى أن يطلع عليها الصحابه في المدينة ورسالة للأمم من بعدهم ليكونوا على حذر ووجل أي من خصال النفاق.

بعد كل هذه الرحلة في بيان حال اليهود وحال النفاق وحال العلاقة التي تنشأ بين اليهود وبين المنافقين تأتي سورة التغابن. سورة التغابن أيضاً بدأت بالتسبيح: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ. وهذا الشيء منطقي على القاعدة التي أصلناها وهي أن التسبيح إنما يبدأ به بعد ذكر أفعال شنيعة، وهذا مناسب لما ذكر في سورة المنافقين من الأفعال الشنيعة والأقوال الفظيعة التي صدرت من المنافقين في المدينة تجاه النبي صلى الله عليه وسلم لما قال رأس النفاق عبد الله بن أبي: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.

فنزه الله سبحانه وتعالى نفسه عن أمثال هذه الاقوال ونزه الله سبحانه وتعالى كل ما في السماوات وما في الأرض، يُسَبِّحُ لِلَّهِ الَّذِي يُنزه الله كل ما في السماوات وما في الأرض لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. فتنزه الله تعالى وجل عما يقول المنافقون علواً كبيراً.

ثم ذكر الله سبحانه وتعالى قاعدة في سورة التغابن في مطلعها: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُؤْمِنٌ. يعني بعد هذا السرد لطبيعة النفاق ولطبيعة العلاقة بين اليهود والمنافقين يضع قاعدة كلية وحقيقة بينة منها وهي أن الله قسم الخلق إلى نوعين في الحقيقة: نوع كافر، سواء كافر كفر ظاهر وباطن أو كافر في الباطن وإن أظهر الإسلام كالمنافقين هؤلاء كلهم مع الكفار، وأهل إيمان: فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.

ثم ذكرت السورة بعد ذلك تباعاً مجموعة من القواعد المهمة التي تدل على سعة علم الله سبحانه وتعالى وسعة اطلاعه ومعرفته بما بالسر والعلن وبما يقوله الكفار وأقاويلهم الباطله: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ. ثم أخبر سبحانه وتعالى عن مشهد يوم القيامة هذا المشهد سيجتمع فيه الجميع: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ، يغبن فيه أهل الكفر أهل الإيمان على ما منحهم الله سبحانه وتعالى من الثواب الجزيل.

ثم يخبر الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين ويوجه لهم الرسائل تلو الرسائل بأن يحذروا ممن يكون حولهم من أقاربهم الذين قد لا يودون لهم الخير أو لا يكون لهم في صحبتهم كبير مصلحة، فقال سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ. هنا لاحظوا كيف الآية تخاطب المسلمين وتحذرهم من أحياناً من الأسر، أنه في بعض الأسر تكون فيها الزوجة امرأة طالح وليست صالحة، وكذلك يكون الابناء أبناء فاسدون يصدون الإنسان عن عبادة الله سبحانه وتعالى وعن توحيده.

وسياتي يعني سبحان الله التناسق العجيب، عجيب فعلا هذا القرآن وهذا الترتيب للسور كيف أن الله سبحانه وتعالى في سورة التغابن يقول: إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ، ثم في آخر سورة التحريم سيذكر أمثلة على الأزواج التي تكون عدوة لزوجها، ذكر قصة امرأة نوح وامرأة لوط كما سياتي معنا في سورة التحريم بعد قليل، فكأن كان هذا توطئة لما سياتي في سورة التحريم.

فإذاً الله سبحانه وتعالى في ختام سورة التغابن يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ، أن يتنبه الإنسان أن يكون من أقاربه ممن حوله من الدائرة المقربه له أن هو عدو لله يصده عن سبيل الله سبحانه وتعالى. طيب، إذا ابتلي الإنسان بزوجة فيها هذه الخصلة، زوجة تبعده عن الله سبحانه وتعالى والله سبحانه وتعالى قال: إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ، فكان السؤال متبادراً إلى الذهن: كيف نحذرهم يا الله؟ إذا ابتليت بزوجة تصدني عن ذكر الله وعن الصلاة وتشغلني عن مسيري إلى الله عز وجل، عدو لي في طريق الإيمان، ما هي الطريقة؟

لأحذرها، إذا كانت زوجة عدوة لك ولا تدلك على الله بل تاخذك بعيداً عنه، فطريقة الحذر منها أن تطلقها. فذكرت أحكام الطلاق وبين أن الطلاق ينبني على إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. فأنت عندما تطلق حتى لو كانت امرأة سيئة الطلاق ينبغي أن يكون دائماً بإحسان، تسرح تذهب إلى أهلها من دون مضارة، من دون ظلم، من دون اعوجاج، وتطبق الأحكام.

والإنسان الذي يتقي الله سبحانه وتعالى في هذه الأحكام ويراعي أمر الله عز وجل، الله سبحانه وتعالى سيجعل له من كل ضيق مخرجاً: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ. سيرزقك الله سبحانه وتعالى بزوجة أخرى صالحة لا يمكن أن تخطر أو قد لم تخطر على باله، خلينا نقول لا يمكن بل أقول لم يخطر على بالك أن يوفقك الله سبحانه وتعالى لمثلها إذا تركت زوجتك لأمر من الأمور الشرعية، فالله سبحانه وتعالى يغنيك من فضله بشرط أن تكون عندما طلقتها طلقتها وفق أحكام الشريعة من دون

مضاره من دون أذية. إذا فعلت هذه الأمور وسرت على منهاج الله، الله سبحانه وتعالى يقول: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ، ويقول أيضاً: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا.

أي في سورة الطلاق ركزت كثيراً على هذه النمط من الآيات، وهي تعليق المؤمن أنه إذا اتقى الله سبحانه وتعالى سييسر الله أموره، وسيجد الله سبحانه وتعالى قریباً منه، سيجد الله عز وجل يرشده وينبه ويفتح له أبواب الرزق وأبواب السعادة والتيسير في أموره. فالمراد منك التقوى لله سبحانه، وأن تسير على نهج الله وعلى أحكام الله عز وجل ولا تعتدي عليها.

بعد سورة الطلاق تأتي سورة التحريم. سورة التحريم أيضاً هي حقيقة مناسبة لسورة الطلاق، لأنها تكلمت عن قضية وقعت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أزواجه، وكاد النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلق أزواجه على أثرها، قضية أنه حرم على نفسه العسل أو حرم على نفسه مارية على خلاف سبب التحريم، وكيف أنه كان هناك نوع من يعني الموافقة بين حفصة وعائشة رضي الله عنهما على يعني مكيدة نسائية بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم.

وكيف كان هناك الخطاب الشديد من الله سبحانه وتعالى لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم: إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ۖ وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هو مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ. يعني شدة هذا الوعيد الذي كان مخاطباً به من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم تجعل الإنسان البعيد عن دائرة قرابة النبي صلى الله عليه وسلم يكون أشد فزعاً.

أعيد المعلومة مرة أخرى؛ يعني إذا كانت زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وهم المقربات الجليلات المعظمات أمهات المؤمنين تلقوا هذا الخطاب الشديد من الله سبحانه وتعالى وهذا التهديد وهم زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وأقرب الناس إليه وأمهات المؤمنين، فما بالكم بهؤلاء الذين أي يستهينون بمقام النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعظمونه حق التعظيم، ويقدمون بين يديه ويعترضون على أحاديثه ويرددونها بعقولهم، ويستهين بأمره؟ ما بالكم بمن يشتم المقام الشريف له بأبي وأمه روات وسلام عليه، ما هو الوعيد الذي ينتظره من الله سبحانه وتعالى؟ تمام.

إذاً، سورة التحريم إذا كما قلنا هناك مناسبة بينها وبين سياق سورة الطلاق، وسورة التغابن ختام سورة التغابن: إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَروهُمْ. ثم سورة الطلاق بينت كيف يكون الحذر من خلال الطلاق، ثم سورة التحريم جاء مطلعها ليعالج موقف حدث بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أزواجه، وكاد أن يكون على أثره طلاق، فالله سبحانه وتعالى حذر زوجات المؤمنين زوجات النبي صلى الله عليه وسلم من أن يعيدوا هذا التصرف كرة أخرى.

ثم بعد ذلك تأتي سورة الملك. نبدأ بالجزء التاسع عشر؛ سورة الملك: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهْوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. هنا يلفتنا ابن الزبير رحمه الله تعالى عليه إلى معنى شريف، وهي أن جملة تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهْوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ المباركة خلينا نقول المباركة في القرآن الكريم إنما تاتي بعد أمر عجيب وقصص غريب.

أعيد القاعدة يقول ابن الزبير: المباركة في القرآن الكريم صيغة تبارك ومشتقاتها إنما تأتي بعد ورود أمر عجيب وقصص غريب، فمثلاً في سورة المؤمنون يقول سبحانه وتعالى: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، متى جاءت هذه الصيغة؟ بعد أن بين الله سبحانه وتعالى أطوار خلق الإنسان وما فيها من العجب العجاب، وكيف ينقله الله من نطفة إلى علقة إلى مضغة، ثم بعد ذلك تكس العظام لحماً، هذا الأمر العجيب والحدث الغريب جاء بعده المباركة: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ.

ثم سناتي هنا إلى سورة تبارك. طب سورة تبارك ما هو الحدث العجيب الذي سبقها فاستحقت أن تبتدئ هذه السورة بصيغة: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهْوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؟ ما هو الأمر العجيب الذي سبق ذكره قبلها؟ يقول ابن الزبير: الأمر العجيب هو ما قصه الله سبحانه وتعالى في قصة امرأتين كافرتين تاجرتين كانت تحت عبدين صالحين من أنبياء الله؛ امرأة نوح وامرأة لوط.

في ختام سورة التحريم ذكر الله قصص عجيبة، ولاحظوا اللفتة الجميلة التي انتبه لها ابن الزبير، أن الله سبحانه وتعالى في ختام سورة التحريم ذكر قصص عجيبة. القصة الأولى: قصة امرأتين فاجرتين كانتتا قريبتين جداً جداً من عبدين صالحين من أنبياء الله نوح ولوط. هذان العبدان الصالحان قد بعثهما الله رحمة لعباده، اجتهدا في دعوة الخلق إلى الله، ومع كل هذا الخير الذي منح الله سبحانه وتعالى لنوح ولوط، لكن حرم الاستنارة لهذا النور الذي بين أيديهم أقرب الناس منهم، فعلا شيء عجيب.

حرم من الاستنارة بالنور الذي بعثهم الله سبحانه وتعالى به أقرب الناس إليهم وهم زوجاتهم. يعني نوح نبي يدعو إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاماً وأقرب الناس إليه زوجته لم تستضئ بهذا النور، والله فعلا الإنسان يكون على وجل، شيء مخيف مرعب أنك تجد إنسان أو امرأة زوجة نبي ومع ذلك لا تستضئ بنوره، وامرأة لوط نفس الشيء لم تستضئ بنور لوط فكانت مع الهالكين. أليست هذه آية من آيات الله سبحانه وتعالى؟ كيف أن الناس المتقاربة قد تكون متنافرة، الناس المتباعدة قد تكون مؤتلف القلوب؟ أليس هذا بالله عليكم عجب عجاب؟

إذا فحرم الاستنارة بنوره والعياذ بهداه، ما من لم يكن أحد من جنسه ما أقرب إليهما منه هي الفكره التي قلتها يعني حرم الاستنارة بنور نوح وبنور لوط أقرب الناس إليهم وهم زوجاتهم، ولا أكثر مشاهدة لما مدى به من الآيات وعظيم المعجزات، ومع ذلك فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً. هل انتفعت امرأة نوح وامرأة لوط بأنها كانت زوجة نبي؟ لم تنتفع، لا في الدنيا ولا في الآخرة.

في المقابل قصة أخرى عجيبة، هذه قصة عجيبة في المقابل، تاتي قصة عجيبة بالنقيض، امرأة صالحة تكون زوجة لأفجر أهل الأرض؛ امرأة فرعون آسيا. وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا مثلاً عجيباً وقصة رائعة تاخذ الألباب؛ امرأة في قمة الصلاح والعبوديه تكون تحت رجل من أكثر الناس فجورا وكفرا وعتوا على الله سبحانه وتعالى. أليس هذا من الأمر العجيب؟ كيف إنسان قرين لإنسان؛ هذا في درجات الجنة العليا وذاك في دركات الجحيم السفلى، أليس هذا من العجب؟

ثم ذكر سبحانه قصة عجيبة ختم بها وهي قصة مريم ابنة عمران، أيضاً المرأة الصالحة كيف أن الله سبحانه وتعالى تولاها بولايته، وأخرج منها نبياً صالحاً من دون سببية أصلاً، من دون سببية النكاح، وهذه عرفناها أنها من القصص العجيب؛ خروج عيسى بن مريم من رحم مريم من دون سببية النكاح، وهذا كله من تولي الله لعباده الصالحين.

فلما ختمت سورة التحريم بهذه العبر وبهذه القصص التي تلفت النظر، جاءت سورة تبارك في مطلعها: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ. فعلا جاءت بعد قصص عجيبة وأحوال غريبة، يدل أن الله سبحانه وتعالى هو المتصرف في خلقه وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فليست العبرة أن تكون المرأة زوجة نبي أو زوجة رجل صالح، بل قد تكون المرأة زوجها فاجر عاصي لله بعيد عن درب الاستقامة وهي من الفضليات، في المقابل تكون زوجة، وهذا شيء نشاهده، امرأة لرجل فاضل خلوق طالب علم نشيط مثابر وهي زوجة غير نافعة، زوجة تكيد لزوجها وتد من تحت وعلى علاقات محرمة.

فقض إذا أن تسأل الله التوفيق والهدايه، وأن يرضى الإنسان، لا يبقى الإنسان يقول بعض الناس يا إخواني في الحياة دائماً ما شأنه وما دابه أنه لو كان هكذا تقول بعض النساء: لو كان زوجي صالح لكان وضعي أفضل من هيك وما كنت بهذا الضعف الإيماني. لا تلقي ضعفك في الإيمان على شيء من أمور الدنيا، لا تلقي أسباب ضعف الإيمان لديك على شيء من أمور الدنيا، هذا القرآن بين يديك، ها يكفي أن أنك تملك القرآن، من كان القرآن بين يديه يستطيع أن يصل إلى أعلى درجات الإيمان.

وإاياك أن تظن النكاح أو النكاح الرجل والمراه إذا كنت على علاقة بزوجة أو بزوج صالح أنه هذا خلص هو الذي سيضمن لك التدين والمحافظة على الطريق، فكم من امرأة كانت عند رجل صالح وكم من رجل كانت عنده زوجة صالحة لكنه لم ينتفع ولم يستضئ، وهذه أكثر القصص عجباً، امرأة مع نبي ليست مع رجل صالحة فقط، مع نبي ولم تصطدع بنوره، في المقابل امرأة صالحة مع رجل فاجر كافر ولم تتاثر به وبقيت محافظة على صلاحها، هذا من الأمور التي تستحق أن نقول: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهْوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

ثم تتابعت بعد ذلك سورة تبارك على ذكر دلائل وبراهين ربوبية الإله سبحانه وتعالى ووحدانيته في العديد من الآيات: الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ، ثم أمنتم من في السماء يخس بكم الأرض فإذا هي تمور، أمنتم من في السماء يرسل عليكم حاصباً فستعلمون كيف نذر.

يعني سورة تبارك خاصة الصفحة الأولى منها ركزت على موضوع دلائل وبراهين وحدانية الله سبحانه وتعالى، ثم جاءت في ختامها الوعيد والتهديد بالعق بوقوع العقوبة الإلهية على المعاندين الذين لا يستدلون ولا ينتبهون له هذه البراهين بل يعرضون عنها، وقوع العذاب الشديد عليهم من الله سبحانه وتعالى في الدنيا قبل الآخرة.

أأمنتم من في السماء أن يخس بكم الأرض فإذا هي تمور، أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصباً، ثم الله سبحانه وتعالى يبين كل هذا الوعيد بعد يقابله المشركون ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين، فيقول الله عز وجل لنبي يقول: إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ ۝ فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَٰذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ ۝ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ.

ثم بعد ذلك تأتي سورة القلم. يقول ابن الزبير فيها: لما تضمنت سورة الملك من عظيم البراهين الدالة على ألوهية الله ووحدانيته وربوبيته، ما تعجز العقول عن استيفاء الاعتبار ببعضه فقط، كاعتبار بخلق السماوات في قوله: الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا، وجيء وقوله: مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ. ثم ذكر يعني بعض الفوائد الجميلة في هذا الآيات البلاغية لكن يصعب علي بسطها الآن، وقال: وَلَقَدْ زَيْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ، ألا يعلم من خلق؟

مع كل هذه الدلائل، مع كل هذه البراهين، اي اتبعت سوره يعني بعد كل هذه البراهين وبعد كل هذه الدلائل اتبعت سورة تبارك بسورة القلم، ليخبر الله سبحانه وتعالى نبيه أن هذا الكتاب الذي أعطيتك إياه وفيه هذه الدلائل وفيه في هذه البراهين وفيه هذه الهدايات، هذا كتاب نعمة عظيمة من الله سبحانه وتعالى، ولست بهذه النعمة يا محمد بمجنون كما يزعم الكافرون، أو بك سحر أو مس أو ما شابه ذلك مما يتقونه عليك.

ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ۝ مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجنُونٍ. بهذا الكتاب الذي أنزل عليك، وأن يصح من مجنون أن يتصور تلك البراهين وقد انقطعت دونها أنظار العقلاء؟ هل يعقل يعني هذا خطاب لكفار قريش أن يكون محمد مجنون كما زعمتم صلى الله عليه وسلم وحشا وأمه مما يقول الظالمون؟ هل يعقل أن يكون مجنون يسوق كل هذه البراهين التي هي في غاية الأحكام والدقة والتي يعني ينقطع عندها أنظار العقلاء؟ لا يمكن هذا الكلام أن يكون بكلام مجنون، فكيف ببسط وإيضاح بهذا النسق الموجز، وهذا النظم المعجز، وهذا التلاؤم الذي حير العقول، وهذه الآيات التي تفوق كل قول؟ هذا القرآن لا يستطيع أحد أن يأتي مثله.

فما أنت يا محمد بنعمة ربك بمجنون. وهذا المطلع في سورة القلم ما أنت بنعمة ربك بمجنون، بعد كما قلنا ذكر الدلائل والبراهين بصورة عجيبة ملفته رائقة في سورة تبارك، هذا المطلع ما أنت بنعمة ربك بمجنون هو في الحقيقة جواب جواب لما ورد في آخر سورة القلم، لما قال الله سبحانه وتعالى: وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ.

دعوكم من محمد صلى الله عليه وسلم فهو مجنون، في الحقيقة هنا قدم الجواب على على هذه الجمله، يعني أنت تقول الأصل إذا أن تكون: مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ في ختام سورة القلم، بعد قول المشركين: وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ياتي الجواب من الله: مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، لكن هنا الذي حدث لا المعاكس هو أن الله سبحانه قدم الجواب في مطلع سورة القلم وأخر ما ادعاه المشركون وما فاهت به أفواههم إلى ختام سورة القلم.

ما الحكمة في ذلك؟ يقول: وتقدم الجواب بنفي قولهم والتنزيه عنه على حكاية قولهم؛ لماذا؟ ليكون أبلغ في إجلال النبي صلى الله عليه وسلم واخف وقعاً عليه وأنشط لحاله في تلقي ذلك منهم، أي تحمل ما يقولونه، ولهذا قدم له صلى الله عليه وسلم مدحه بما خصه به من الخلق العظيم. إذا هذا من باب التعظيم والإجلال من الله سبحانه وتعالى لنبيه، ومن مراعاته سبحانه وتعالى لمشاعره وأحاسيسه، فقدم له الجواب: ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ۝ مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، بهذا القرآن هذه النعمة العظيمة، إياك أن تظن أنك مجنون كما يزعمون، وأن لك لأجراً غير ممنون، وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ.

ثم انزل الوعيد: فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ۝ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ. ستعرف يا محمد وسيعرف من هو المجنون، سيعرفون من هو المفتون الذي أضله الله سبحانه وتعالى. ثم ذكر سبحانه وتعالى

لماذا أتى بهذا المطلع، فقال: (مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ)؟ أتى به جواباً عما قاله المشركون في آخر سورة القلم: (وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ)، فأتاهم الجواب في بداية السورة، وعرفنا ما هي الحكمة من ذلك.

واقْرأوها أنتم: (مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) تعظيماً وإجلالاً للنبي الكريم صلوات ربي وسلامه عليه. هذا نهاية تعليقي على هذا المقطع من كتاب البرهان، وإن شاء الله في المجلس القادم نعلق على مقطع آخر. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.