تسجيل الدخول

الاستهداء بالقرآن | حال الإنسان في السراء والضراء | المجلس الحادي والثلاثون

عبد الرحمن أبو غيث
  • مدة الدرس:
  • قراءة

طيب الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه. ربي اشرح لي صدري ويسر لي أمري. حياكم الله وبياكم أهل البرامج العلمية في هذا اللقاء الحادي من لقاءات الاستهداء بالقرآن، ونسأل الله سبحانه وتعالى الرحمن الرحيم الولي الحميد أن يبارك لنا في هذه المجالس، نسأله أن يبارك لنا وأن يغفر لنا ويرحمنا، ونجعل هذه المجالس مجالس خير وبركة ومجالس طيبة ونافعة، وأن يزيدنا في كتابه سبحانه وتعالى هدى وهداية وبصيرة.

طيب، أيها الكرام، اليوم بإذن الله سنتحدث عن هذا العنوان الذي ترونه أمامكم، عن حال الإنسان في السراء والضراء. هذا فصل من الفصول المكررة في كتاب الله عز وجل، أليس كذلك؟ كثير من الآيات في كتاب الله عز وجل تناولت حال الإنسان وأبرزت مشهد الإنسان لما يمنّ وتعالى عليه بالسراء ماذا يفعل؟ ولما يبتليه الله سبحانه وتعالى عليه بالضراء ماذا يفعل؟ كثير من الآيات التي سنستعرضها والتي لن نستعرضها كذلك أكثر منها هي من المشاهد المكررة في كتاب الله عز وجل.

لذلك أحببنا في هذا المجلس الذي نتناول فيه المعاني المكررة في كتاب الله عز وجل أن نلقي الضوء عليها وأن نستهدي بهداياتها وأن نرى كيف هذه الآيات فيها من الخير وفيها من الهداية وفيها من البصائر ومن العلم ما فيها. فهذه المشاهد المكررة في كتاب الله هي من أولى ما يجب العناية به لتكررها ولكثرة ذكرها في مختلف السياقات وفي العديد من السور.

طيب، أولاً، هذه الآيات التي تبرز حال الإنسان، حال الإنسان لما يصيبه الضر، لما يدعو الله سبحانه وتعالى وينيب إليه، لما يرفع الله عنه الضر وتصيبه النعماء بعد الضراء، هذه الحال وكثرة ذكر الله سبحانه وتعالى إياها في كتابه عز وجل تدل أولاً -قبل أن ندخل الآيات- تدل على ماذا؟ أو مما يستهدى بهذه الآيات وكثرتها أن نعلم وأن نزيد يقيناً بأن الإنسان في هذه الأرض يسير على عين الله، يسير على عين الله سبحانه وتعالى، الله سبحانه وتعالى يبصره، والله سبحانه وتعالى يسمعه، والله سبحانه وتعالى يراه في كل لحظة، ويرى كيف يتصرف وماذا يقول وماذا يفعل وكيف يتفاعل مع تجدد حوادث القدر التي يقدرها الله سبحانه وتعالى.

فمثلاً يقول الله سبحانه وتعالى: وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا. لاحظوا كيف الله سبحانه وتعالى يذكر دعاء العبد حتى وهو قاعد، حتى وهو على جنبه، يعني أقصد في أحوال خاصة للإنسان، في أحوال خاصة للإنسان يذكر الله سبحانه وتعالى كيف أن العبد يدعو الله سبحانه وتعالى في تلك الحالات، فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ. حتى مروره هذا يسجله الله سبحانه وتعالى لنا.

ويقول سبحانه وتعالى: فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا ما ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ. حتى أقواله الله سبحانه وتعالى يذكرها لنا، فأنا أقصد أنه غير معنى السمع والبصر العام أن الله سبحانه وتعالى سميع لكل شيء وبصير بكل شيء، لا، هذه الأحوال تحدداً الله سبحانه وتعالى يفصل لنا أن يراها منا، وأن الله سبحانه وتعالى يعني يبرزها للعبد كيف يكون تصرفه في السراء وفي الضراء.

فهذا أولاً، أن تعلم أنت أيها العبد أنك في أحوالك وفي مختلف أحوالك الله سبحانه وتعالى يرى قائماً أو قاعداً أو على جنب، ويسمع أقوالك ولها ما بعدها من الثواب أو العقاب. الأمر الثاني: أن الله سبحانه وتعالى كثيراً ما يذكر صفات الانسان في كتابه، ولو تتبع القارئ بكتاب الله سبحانه وتعالى كلمة الإنسان، لو دخلت على تطبيق المصحف مثلاً وكتبت الإنسان، ستجد، وهذا أمر عجيب، أن غالب الآيات التي تتناول لفظ الإنسان وتذكر الصفات يكون فيها صفات ذم وليس صفات مدح، يكون فيها صفات ذم وليس صفات مدح، أن الله سبحانه وتعالى كثيراً ما يذكر بعض الصفات الذميمة الموجودة والمخبوءة داخل النفس البشرية، داخل النفس البشرية.

وهذا يدل على أن الله سبحانه وتعالى خلق هذا الإنسان ببعض الصفات التي يحتاج إلى أن يتخلص منها، كما قال سبحانه وتعالى: إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، وكذلك: خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ. كثير من الآيات: إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا. وقبلها: وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا، الآية الثانية: فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ.

فأولاً المعنى الذي أريد أن أذكره هو أننا لن تجد مصدراً يغوص في أغوار النفس البشرية ويذكر صفاتها على ما هي عليه بحقيقتها، لن تجد مثل القرآن الكريم كلام الله عز وجل، أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ؟ يعني لا يمكن أن يحدثك أحد عن النفس البشرية، لا علماء نفس، ولا علم حديث، ولا علم قديم، لا يوجد أحد ممكن أن يحدثك عن النفس البشرية كما يحدثك خالق هذه النفس سبحانه وتعالى، فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا. الله سبحانه وتعالى هو العليم الخبير سبحانه وتعالى، هو الذي يعلم خلقه ويعلم صفاتهم.

فالله سبحانه وتعالى في كتابه يذكر لنا هذه الحقائق، حقائق مطلق لا تقبل المناقشة، أن الإنسان فيه بعض الصفات الذميمة، وهنا يتعرف الإنسان ويعلم أنه ليس اشرف ما فيه، ليس أشرف ما في الإنسان هو إنسانيته المحضة بدون أن يعمل شيئاً، لا، قد الإنسان إذا سار خلف أهواءه البشرية الطبيعية قد تظل وتزل قدمه، وإنما أشرف ما في الإنسان أن يتزكى، أشرف ما في الإنسان أن يتطهر وأن يتزكى وأن يعمل الصالح وأن يحب ما يحب الله سبحانه وتعالى. فشرف الإنسان شرف الإنسان بتقواه وبعمله وليس بكونه إنساناً لمجرد كونه إنساناً.

هذا مهم جداً، لأنه فينا، يعني هناك من يطرح اليوم أن الإنسانية هي أعلى القيم وهي أعلى المشتركات وهي أعلى كذا، وانه هي القيمة المقدمة على غيرها إذا اختلف التقويم، لا، الإنسان فيه ما فيه من الطباع، سواء كانت طباع كذا أو كذا، لكن فيه طباع ذميمة كذلك، فإذا الإنسان انساق لدواعي نفسه فهو أقرب إلى أن يتبع هواه، ولكن هذه هي طبيعة الدنيا، أن الإنسان الله أوجد الإنسان وابتلاه واختبره بأن يتخلص من بعض صفاته ويخالف هواه، ويخالف هواه.

لذلك قال ماذا؟ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ. يعني أنك بهذه الصلاة تتزكى نفسك وتتخلص، أنت الاستثناء، تستثنى من هذه الصفات بتزكيتك لنفسك. وهذا يفتح لنا بوابة لأن نقول إن هذه الصفات تعلم علمنا أهمية رحلة التزكية، وأن التزكية رحله في الحياة، رحلة في الحياة يبتدئها الإنسان من أول عمره إلى آخر يوم من أيام حياته، يجاهد نفسه، يرى أمراض قلوبه فيتخلص منها، يرى ما خلق فيه من الصفات الذميمة فيتخلص منها، يقدم محبوبات الله على محبوبات نفسه.

ليست النفس ورغباتها وأهواؤها هي المقدمة دائماً، لا، نحن في اختبار، وهذا وجه الاختبار أن الله خلق فيك بعض الأشياء تحتاج أن تتخلص منها. كيف بالتزكية؟ التزكية هي تطهير النفس وتخليصها من دنسها. فيقول الله سبحانه وتعالى: إِلَّا الْمُصَلِّينَ، يعني الذين عملوا وصلوا وكذا، هؤلاء يكونوا أقرب إلى التخلص من صفات النفس الذميمة.

وأيضاً قال في سورة هود: وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ، هذا الإنسان، ثم قال، استثنى كما استثنى في الآية الأولى، استثنى هنا فقال: إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ. هؤلاء الاستثناء، هؤلاء الذين زكوا أنفسهم فصبروا وعملوا الصالحات. صبروا وعملوا الصالحات، فعلوا أشياء فيها مصابرة وفيها مخالفة الهوى وفيها حبس النفس على بعض الأشياء التي قد لا ترغبها فطرة، فهذه رحلة التزكية في التخلص من بعض.

الصفات الذميمة، إذا حال الإنسان في السراء والضراء، إذا انساق الإنسان إلى دواعي نفسه، هو أقرب إلى الزلل منها إلى الإصابة. إذا ساق الإنسان ولم يجاهد نفسه، ما المطلوب؟ المطلوب أن الإنسان إذا أصابته الضراء أو إذا أصابته السراء أن يرى ما هو مراد، ما هو مراد ربه فيأتيه، ويخالف مرادات نفسه في حال السراء والضراء. هذا باب نص الله سبحانه وتعالى على أن الإنسان هذا طبعه، إِلَّا الَّذِينَ صَابِرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ. فهذا باب وهذا من أهمية يعني مثل هذه المدارسات، أن هذا باب يجدر بالانسان أن يعلم مراد ربه منه في حال السراء والضراء حتى يقدمه على مرادات نفسه.

لذلك نحن اليوم نتدارس الآيات ونرى ماذا يريد ربنا منا. ماذا يريد ربنا؟ ماذا يريد مني ربي عندما تنزل بي الضراء أو البأساء؟ ماذا يريد مني ربي أن أفعله عندما يعني يذيقني رحمةً منها أو أكون في حالة سراء؟ ماذا يريد مني ربي؟ طيب، ما هو النموذج السيء الذي يذمه الله سبحانه وتعالى في تلك الحالتين؟ هذا كله موجود في الآيات وسنأتي عليه، لكن الخلاصة هي هناك رحلة تزكية وتخلية وتحليه وتطهير ومخالفة هوى في هذا الباب يحتاج الإنسان أن يبذله حتى ينجو من بعض الصفات الذميمة.

طيب، خلاصة المجلس اليوم سيكون مفرقاً على مشهدين. سيكون مفرقاً على مشهدين ذكرهما الله سبحانه وتعالى في سياق السراء والضراء. ما هما هذان المشهدان؟ ما هما هذان المشهدان؟ المشهد الأول هو في قوله تعالى: لَا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ، وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ. وهذا المشهد الأول وهو سنسميه مشهد الفرح والقنوط. مشهد ماذا؟ الفرح والقنوط، يعني الإنسان في السراء والضراء ما بين فرح وقنوط. هذان الأمران ذكرهما الله سبحانه وتعالى في كتابه كثيراً، وهذه في أول آيتين.

المشهد الثاني، وهذه الآية الأخيرة: وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ. المشهد الثاني هو مشهد مشهد الاقبال والادبار. وعامة الآيات التي تتناول موضوع السراء والضراء وحال الإنسان فيها تدور ما بين هذين المشهدين. هي كلها في ذم الانسان، هي كلها في ذم صفات الانسان الذي يعني الإنسان غير المسلم، الإنسان غير المزكي نفسه، الإنسان الذي أما يكون المشرك أو المشابه للمشركين ويتصرف بتصرفاتهم ويتصف بصفاتهم.

فلاحظتم الفرق؟ الفرق ماذا؟ المشهد الأول مشهد القنوط عند الضراء والفرح عند السراء الفرح والفخر. المشهد الثاني هو الاعراض والنسيان عند السراء، ثم عند الضراء الإقبال والدعاء والإنابة والإخلاص. وهناك فرق بينهما.

الان سنبدأ بالمشهد الثاني. سنبدأ بالمشهد الثاني، وهو مشهد الإقبال والإعراض: كيف الله سبحانه وتعالى يصف النفس البشرية؟ كيف يكون إقبالها على الله وإعراضها عنه سبحانه وتعالى متعلقة بماذا؟ متعلقة بهل هي في سراء أم ضراء؟ طبعا هذا من باب الذم، من باب الذم أن الإنسان يكون إقباله وإدباره عن ربه سبحانه وتعالى متعلقاً بهل هو متلبس بالنعمة أم متلبس بالبأساء والضراء. هذا مشهد الإقبال والإدبار أو نسميه الإخلاص والشرك. الإخلاص والشرك، يعني الآن يا جماعة، إذا وجدتم كلمة مخلصين، أو إذا هم يشركُونَ، إِذَا هُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ، لا تقول هذه الآيات خاصة بالمشركين، هذه الآيات أنت أنا لست معنيا بها، خاصة بالإنسان مشرك انسان لا، أنت عامل نفسك أو حاسب نفسك على ضوء هذه الآيات من جهة إقبالك وإعراضك.

يعني نعم هي تمثل مشهد الإخلاص والشرك، لكن هي في نفس الوقت تتحدث عن الإقبال والإعراض، حتى فيها كلمة أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ، فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ. حتى الإنسان المسلم كيف، الإنسان مثلاً إذا نزل به مرض وإذا كذا يقبل على الله سبحانه وتعالى ويدعو ويصلي ويقوم الليل وكذا، لأنه محتاج، لأنه به مرض، به نازلة، ثم إذا الله سبحانه وتعالى أغناه والله سبحانه وتعالى شفاه والله سبحانه وتعالى كذا، يعرض وينسى، ينسى، مرة كان لم يدعنا إلى ضر مسه، ونسي ما كان يدعو إليه، فهذا مشهد الإعراض، وهو في حالاته القصوى الشرك.

في حالات قصوى الشرك يعني الإنسان يخلص لله سبحانه وتعالى، بعدين لما ينجيه يشرك بالله سبحانه وتعالى، يكفر نعمة الله. فأنا أصدق لنخاطب أنفسنا بهذه الآيات، نعم إن شاء الله أننا إن شاء الله أن الله ينجينا من الشرك الأكبر، وأن الله سبحانه وتعالى ينجينا من أن نشرك به شيئاً، لكن ما زال هناك إقبال وإعراض في النفس قد نشابه بها الكافر عندما تأتينا السراء والضراء، فيكون في إقبال وإعراض، فنستفيد من هذه الآيات بأنه لا ندخل في موضوع الذنب ونشابه الكفار بإقبالنا وإعراضنا بناء على السراء والضراء.

طيب، نأخذ الآية الأولى في هذا المشهد، مشهد الإخلاص والشرك أو الإقبال والإعراض. يقول سبحانه وتعالى: وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ.

الان يا جماعة، لاحظوا هذا الأمر: الله سبحانه وتعالى يذكر حال هذا العبد الذي يسير على الأرض، هذا المخلوق الذي خلقه الله سبحانه وتعالى وقدر عليه الأقدار، لما ياتيه الضر كيف يكون حاله؟ يقول سبحانه وتعالى وهذا عجيب وتكرر في كثير من الآيات: إنه الإنسان قد يصل في هذه الحالات إلى الإنابة، إلى الإنابة وهذا بالمناسبه حتى الكافر، حتى الكافر الإنابة، الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى، دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ، يدعو الله سبحانه وتعالى حال كونه منيبا، حتى يكون منيبا.

ومعنى منيب، يعني هذا سبحان الله من المواطن التي حتى نتفقه ما معنى منيب؟ أنه حتى الكافر وصل إلى حالة الإنابة بمعناها اللي هو تمام التوجه ودوام التوجه إلى الله سبحانه وتعالى وكثرة الدعاء. هذه الإنابة، كثرة الدعاء وتمام التوجه والإقبال على الله سبحانه وتعالى. هذا هذه الإنابة التي يفعلها هذا الإنسان، لكن المشكله المشكله فين؟ المشكله أنه يفعلها فقط عند الحاجة، أو عند الضراء فقط، وإلا في الحاجة دائمة عند الضراء فقط يفعلها، بينما يريد الله سبحانه وتعالى منا دائماً أن نكون منيبين. يريد الله سبحانه وتعالى منا دوام الإنابة في كل الأحوال، فأنا أقصد أنه انظر كيف أن الله سبحانه وتعالى يذكر مشهد الإنابة والتوجه إلى الله سبحانه وتعالى وصل إلى هذه الحالة من من التوجه، ثم تغيرت الأحوال وتبدلت ونجاه الله سبحانه وتعالى، إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ. وسبحان الله شتان، شتان ما بين لفظ الإنابة التي فيها كمال التوجه ودوام التوجه وشده الانقطاع إلى الله، وما بين النسيان، نسيان ما كان يدعو إليه من قبل، وجعل لله أنداداً ليضل عن سبيله. فهذا مشهد يوضح كيف الإنسان ينتقل ما بين شدة الإقبال ثم شدة الإعراض والنسيان.

ونحن كذلك كمسلمين نسأل الله أن يثبتنا على ذلك، قد نقع في مثل هذا، أنه ندعو الله عند الحاجة وندعو الله سبحانه وتعالى بكذا وكذا، ثم تتقلب الأحوال وتفرج الهموم فتجد الإنسان يدخل في لحظات غفلة ونسيان، غفلة ونسيان. لذلك يا جماعة خلوا بالكم، قال سبحانه: قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا. كفرك هنا ليس فقط ليس فقط أي معناها ليس فقط معناها الكفر يعني المقابل للإسلام وإنما فيها معنى الجحود.

وسيتكرر معنا لفظ الكفر في مثل هذه المشهد في مثل هذه المشاهد، سيتكرر معنا لفظ الكفر، أنه ما أكثر من ذلك، هذا أمر يعني قمة الجحود، أن الله سبحانه وتعالى يعطيك سؤالك ويمن عليك بما دعوت، ويمن عليك بالنعمة التي أنت الآن متلبس بها، فيكون هذه النعمة التي أعطاك إياها سبباً للإعراض. أي جحود أكبر من هذا؟ هذه النعمة نفسها، الصحة أو الولد أو العافية أو كذا، النعمة هي سبب الجحود والإعراض. لذلك قال: قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ. فمن يتشبه بالكفار في

هذه الصفة فقد تشبه بهم في صفة الجحود والعياذ بالله، لذلك الموضوع مهم، ما نتكلم عن موضوع جانبي، موضوع مهم لأنه متعلق بموضوع الشكر والكفر.

متعلق بموضوع الشكر والكفر، فهذا موضوع حقيقة مهم جدا من هذه الجهة، لذلك بالمناسبه الآية التي تسبقها الآية التي تسبق هذه الآية ما هي؟ الآية التي تسبقها: أإن تكفروا فإن الله غني عنكم، ولا يرضى لعباده الكفر، وإن تشكروا يرضه لكم، فقابل ما بين الشكر والكفر وليس الكفر والإسلام، أليس كذلك؟ فالكفر فيه معنى الجحود، ثم ذكر النموذج الكافر هنا، قلت: تمتع بكفرك، والآية التالية بعد هذه قال: أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، فعرض النموذج الشاكر، فتكلم عن الشكر والكفر، ثم ذكر النموذج الكافر، ثم النموذج الكافر ثم الشاكر.

طيب، الآية التالية قال سبحانه وتعالى في سورة العنكبوت: فإذا ركبوا في الفلك. وسبحان الله يعني ما أعظم موضوع الفلك والبحر والأمواج في هذا السياق، لأنه هو نموذج لاشتداد الحال بالعبد من جهة الضراء، ثم نموذج في كيف الله سبحانه وتعالى في ثوانٍ كيف يكشف عنك ما نزل بك وينجيك.

يعني أقصد أنه حدث سريع، ليس فيه مثلا أنت تدعو لسنوات ثم الله سبحانه وتعالى يعطيك، لا، تنزل بك مصيبة، وبالمناسبه موضوع البحر والفلك يذكرني اليوم بموضوع الطائرة، يعني موضوع الطائرة لما الإنسان يركب طائرة وتهتز به الطائرة ما بين السماء والأرض، يشعر الإنسان كشعور الإنسان في الفلك وفي السفن أن الأسباب منقطعة، يشعر أن الأسباب منقطعة وأنه ما في أحد ممكن أن ينجيه في مثل هذا الاضطراب، في مثل هذه الحالة، إلا الله سبحانه وتعالى.

دائما الله سبحانه وتعالى هو وحده الذي ينجي، لكن هذه حالة من الحالات التي يريك الله أنه وحده بيده العمل، فحينها سبحان الله تتوجه الأععين والقلوب إلى الله سبحانه وتعالى وحده، ويدخل الإنسان في حالة الإنابة هذه والإخلاص، أنه ما في أحد الآن تستعين به، ما في أحد تقول له: ساعدني، ما في أحد تقول له: توسط لي أو اشفع لي، لا، أنت ما بين السماء والأرض والدنيا تهتز، ما إلا القلب يتوجه إلى الله سبحانه وتعالى ويدعو الله دعاء خالصا.

هذه حالة الضراء، يعني من نعمة الله يا جماعة، من نعمة الله أن يمن على عباده بمثل هذه اللحظات على ما فيها من الشدة، من نعمة الله أن يمن الله سبحانه وتعالى على عباده بهذه اللحظات، يريهم أولا أن الأمر بيده سبحانه وتعالى وحده، يريهم أن الأمر بيده وحده وليس بيد أحد غيره، فتتعلق القلوب به، ثم يذيقهم طعم الإخلاص والدعاء الخالص لله والإنابة، حتى يعلموا ما معنى إنابة، تعلم ما معنى إنابة لما تمر بمثل تلك اللحظات، وتععلم ما معنى الإخلاص: فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين، لاحظوا كلمة مخلصين، الآية السابقة كان فيها: دعا ربه منيبا، هنا: مخلصين، فهذا الإخلاص هنا تتعرف ما معنى الإخلاص، أنه ما في أحد تدعوه إلا الله، ما في أحد تتوجه إليه إلا الله سبحانه وتعالى.

وهذه أيضا المواقف من رحمة الله توقظ الفطرة في نفس الإنسان، إذا كان عنده شكوك، إذا كان عنده إعراض شديد، إذا كان عنده شبهة، فهذه اللحظات التي توقد صميم الفطرة، فتجد حتى من كان ملحدا يتوجه بصره إلى السماء ويتعلق بالله سبحانه وتعالى، إذا كان فيه مثقال ذرة من خير، يعلم أن الأمر بيد الله، فالشدائد هذه توقظ الفطرة في النفس البشرية: فدعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون.

الآية السابقة ماذا قالت؟ قل تمتع بكفرك، قل تمتع بكفرك قليلا، هنا: ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا، لاحظوا كيف يأتي معنى التمتع ومعنى الكفر تحديدا وهو الجحود، فواحدة من أوجه بشاعة الشرك أن فيها معنى الجحود، في الشرك معنى الجحود وما أبشع معنى الجحود، أن الله سبحانه وتعالى هو الذي ينجيك، هو الذي تتوجه إليه وحده، هو الذي يمن عليك بالنعمة ثم تكفر به وتشرك به، بل ويكون سبب كفرك هو ماذا؟ هو النعمة التي أنت متلبس بها، النعمة التي هو الذي أعطاك إياها، لذلك يقول ماذا؟ وليتمتعوا فسوف يعلمون.

طيب، الآية الثالثة يقول سبحانه وتعالى، هذه آية يعني من الآيات العظيمة، يقول سبحانه وتعالى في سورة لقمان: ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته أن في ذلك لآيات لكل صبار شكور، ثم ذكر ايش؟ ذكر هذه الحالة: وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد، وما يجحد باياتنا إلا كل ختار كفور.

طيب، نقف أولا مع مدخل الآية: ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله؟ الله سبحانه وتعالى قبل أن يذكر لحظات قبل أن يذكر لحظات الاضطراب التي قد تصيب الإنسان في هذا البحر، يذكر أولا أن هذا من نعمة الله، هذا البحر وهذه الفلك وهذه الرياح التي تجري تجري يعني هذه الفلك تجري بسببها الذي وضعه الله سبحانه وتعالى، هذا كله من نعمة الله، وهذا يدل على ماذا؟ أن الأصل في هذه الأشياء هي النعمة، الله سخرها لنا، الله سخر لنا الفلك وسخر لنا البحر، فالأصل فيها النعمة، الأصل فيها أن نبتغي من فضل الله سبحانه وتعالى ونأكل منه ونستخرج الحلي إلى آخره، فأقصد أن الأصل هو هذا، الأصل نحن متلبسون بالنعمة، وإنما حالات الاضطراب وحالات الضراء وحالات التي يضطرب فيها الإنسان ويذيق الله سبحانه وتعالى فيها هذا النوع من أهم الاستثناءات وليست هي الأصل، ليست هي الأصل عموما.

يعني عموما الإنسان دائما في نعمة وفي عافية وفي وغارق في النعم، ولحظات الشدة إنما هي إنما هي في مقياس العمر يعني لحظات قليلة، هذا في عامة البشر لحظات قليلة، فالأصل أن هذه الأشياء نعمة، والأصل أنها يعني الله سبحانه وتعالى سخرها لنا، فلذلك الله يذكر أولا النعمة، البدء بذكر النعمة قبل أن يذكر بعض الحالات الخاصة من شدة أو كذا، فقال: ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته، وهذه يعني من باب ذكر النظائر، لاحظوا كيف في أكثر من مقطع يبدأ الله بذات البداية.

ففي سورة يونس: هو الذي يسيركم في البر والبحر، فيذكر نعمته علينا، بعدها ذكر هذه الحالة: حتى إذا كنتم في الفلك وجريين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان ظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين، فهذه الحالة ابتدأت بأول بذكر النعم: هو الذي يسيركم في البر والبحر، فلا تنسى انك أصلا غارق في نعمة الله، ولا تنحصر في لحظة الضراء إذا أصابتك، وتذكر أنك قبل تلك اللحظة وبعدها أنت متلبس بالنعمة.

وأيضا في سورة الإسراء: ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما، هذا هو الأصل، هذا هو الأصل وهذا هو الذي يعني أقصد هذا الذي غارق، الإنسان غارق في نعمة الله سبحانه وتعالى دائما، ثم إذا مسكم يعني في يوم من الأيام: وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا، فلما نجاكم إلى البر أعرضتم، سبحان الله مشهد الإعراض والإقبال عجيب جدا.

طيب، نكمل الآية التي في سورة لقمان، ابتدأ بذكر النعمة ثم قال ماذا؟ ليريكم من آياته إن في ذلك أي في الفلك التي تجري في البحر بنعمة الله وغيرها من آيات الله أن في ذلك لآيات لكل صبار شكور، لكل صبار شكور، الصبار الشكور، الصبار الشكور لها علاقة بموضوعنا ليس كذلك، موضوع السراء والضراء، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، فالله سبحانه وتعالى يريد منا أن نكون في كل أحوالنا نتعبد الله، في السراء شكر، وفي الضراء صبر، وهذا الذي يوفق في كل حالة من الحالات.

للعبودية المناسبة لها، وهو الذي هو الذي ينتفع بآيات الله، هو الذي يرى آيات الله، هو الذي يساعد أقدار الله سبحانه وتعالى. والله، هذه الضراء من الله سبحانه وتعالى، أنا مطلوب مني الصبر، وسبحان الله المقدر وكذا. والله، هذه السراء نعمة من الله سبحانه وتعالى، هذا الذي ينتفع بأقدار الله، هذا الذي يرى الآيات، هذا الذي ينتفع بها. لذلك: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ. من الذي يرى تلك الآيات وينتفع بها؟ الصبار الشكور، الذي يرى أقدار الله وواجبها في نفسه في كل الأحوال، لكل صبار شكور.

طيب، ثم قال: وَإِذَا غَشِيَهُم مُّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ. هذا مشهد الإخلص، فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد. كلمة مقتصد ذكر فيها أقوال متعددة، لكن نريد أن أذكر ذكر لكم يعني قول لطيف ذكره ابن كثير، لأنه المقتصد هذه يعني أتت في في القرآن في مواضع أخرى اليس كذلك؟

في سورة فاطر قال سبحانه وتعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّفَنْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ. فالمقتصد هو المتوسط في العمل في هذه الآية، فقال ابن كثير: قال المقتصد هو المتوسط في العمل، هذه في آية فاطر. ثم قال: ويحتمل أن يكون مرادا هنا أيضا، يعني هذا التوسط في العمل، التوسط في العمل يعني عدم الإكثار من العمل وعدم أداء العمل حق أي يعني الأداء.

قال: ويكون من باب الإنكار على من شاهد تلك الأهوال، يعني اضطراب الموج وكذا، والله ينجيه منها، الأهوال والأمور العظام والآيات الباهرات في البحر. ثم بعد ما أنعم أنعم عليه من الخلاص، كان ينبغي -لاحظوا يا جماعة- كان ينبغي أن يقابل ذلك بالعمل التام والدؤوب في العبادة والمبادرة إلى الخيرات، فمن اقتصد بعد ذلك كان مقصرا والحالة هذه، والله أعلم. هذا حقيقة معنى لطيف.

معنى لطيف، ما هو هذا المعنى؟ معنى أن الله سبحانه وتعالى يريدك إذاقك هذه الحالة، حالة أنك ترى الآيات ويصيبك الاضطراب وتقبل على الله سبحانه وتعالى، ويمن عليك بأن ينجيك من الضراء، بأن ينجيك من الهم، بأن يعافيك بعد المرض، الله يريد منك تمام الإقبال شكرا له على نعمته. حتى الاقتصاد غير مقبول، اقتصاد أقصد تقصير يعني، لا أنت رايت الآيات، أنت ذقت معنى الإخلاص والإنابة والإقبال على الله، أنت رايت كيف أجاب الله دعائك فنجاك، فالله سبحانه وتعالى يريد منك تمام الإقبال، يريد منك تمام الإقبال.

طيب، ثم في قوله سبحانه وتعالى في سورة الإسراء: رَّبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فضله ۚ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا. وَإِذَا مَسَّكُمُ الضَّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ۖ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا. ضل من تدعون، سبحان الله، كما قال يعني كما جاء في التفسير: ضل أي ذهب وغاب عن خواطركم وأذهانكم، ذهب وغاب عن خواطركم وأذهانكم، يعني في تلك الحالة، حتى في الخاطر وفي الذهن ما يأتي في بالك أنك تتوجه لأحد ثاني، هذا سبحان الله شيء عجيب، ما يأتي في بالك أنك تتوجه إلى أحد ثاني، لا، هذا تمام الإنابة وتمام تمام الإقبال، فهذا وصف عجيب لتلك الحال.

وسبحان الله يعني يعني سبحان من يمن على من يمن عليه الله سبحانه وتعالى بأن يكون في تلك الحالة في كل أحواله، هذا هذا أمر عظيم والله وجليل، أنه يكون دائما دائماً منيباً، دائماً الإقبال، دائماً ما في حتى في ذهنه وفي خاطره أن يقبل على أحد غير الله سبحانه وتعالى. طيب، ثم قال: فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا، فربط ما بين الأعراض وما بين الكفر، وهو هنا بمعنى الجحود: أَعْرَضْتُمْ، كَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا، كَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا.

الآية التالية: أفأمنتم؟ طيب، أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا. أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَىٰ فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِّنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا. الآن بعد أن ذكر الله حالة الذنب، بماذا عاتب سبحانه وتعالى؟ بماذا عالج النفس؟ هذا مهم جدا، يقول لهم: هل أمنتم؟ وكانه يقول: سبب أعراضكم أنكم أمنتم، وكأنك إذا وصلت إلى إلى البر خلاص يعني انتهت المشكلة، أنك أمنتم مكر الله سبحانه وتعالى، أمنت أن الله سبحانه وتعالى يهلكك، أمنت أن الله سبحانه وتعالى أن تصيبك الضراء مرة أخرى، وهذا الأمن هو سبب تصرفكم: أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ، يعني حتى البر هذا ليس أمانا، أليس الأمر كله بيد الله؟

طيب، الله سبحانه وتعالى ألا يستطيع كذلك أن يعيدك مرة أخرى إلى إلى البحر؟ ألا يستطيع أن يعيدك مرة أخرى إلى الطائرة؟ ألا يستطيع أن يعيدك مرة أخرى إلى المرض؟ ما في أمن أنه يعني واحد من المعالجات للنفس في هذا الباب أن تعلم أن سلطان الله عليك في كل حالة من حالاتك، وأن قدرته عليك في كل أحوالك، وأنك لست بمأمن عذاب الله ومن قدرة الله ومن سلطان الله في أي حال من أحواله.

فإذا رايت أنك محتاج في قلب البحر، لا تظن أنك آمن في في مكان آخر، وإنما ما هو تقصيرك في رؤية سلطان الله سبحانه وتعالى عليك وقدرته؟ فالمعالجة هي اليقين بقدرة الله وسلطانه عليك، مما يجعلك دائم العبودية لله سبحانه وتعالى، وتخاف من بأسه ومن قدرته عليك، سواء كنت في البر أو البحر، في المرض أو العافية.

طيب، في سورة النحل قال سبحانه وتعالى: وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ. هذه نفس البداية، اليس كذلك؟ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، ذكر الابتداء بذكر النعمة والتلبس بالنعمة، ثم إذا مسكم الضر في حالة الضر، وهي الاستثناء: ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضَّرُّ فَالَيْهِ تَجَارُونَ. سبحان الله، وهذه ايش يعني؟ احنا ذكرنا الإنابة وهي دوام التوجه وقوة التوجه، وذكرنا الإخلاص وهي شدة الإقبال والاعراض عما سوى الله، الآن هذه حالة ثالثة يذكر الله سبحانه وتعالى: تَجَارُونَ، وفي آيات أخرى تتضرعون، وفي آيات وفي آية أخرى: فَدُعَاءٍ عَرِيضٍ، فهذه فيها معنى ماذا أكثر شيء؟ فيها معنى العبودية وشدة الحاجة والافتقار.

يعني هذا غير معنى الإخلاص والإنابة والتوجه على الإعراض عن الآخرين، لا، فيها معنى شدة الحاجة من داخل النفس، أنك عند الضرر أنت يعني قلبك يصرخ قبل لسانك: تَجَارُونَ، كما في التفسير الجؤار هو رفع الصوت بالاستغاثة وطلب الأمر. لاحظ كيف واحد ممكن يرفع صوته لله، هذه ما هي حاجة عادية، هذه حاجة من من صميم القلب: إِذَا مَسَّكُمُ الضَّرُّ فَالَيْهِ تَجَارُونَ، والله سبحانه وتعالى بنعمته يذيق الناس الضر حتى يتذوقوا هذه العبودية وهذه الحاجة إليه سبحانه وتعالى.

ثم إذا كشف الضر عنكم والعياذ بالله، انظر إلى الحالة، حالة الجحود: ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضَّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ، ليكفروا مرة أخرى يجحدوا: لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ، آتَيْنَاهُمْ، هذا في معنى أنه هو الذي من آتاك هذا الشيء تكفر به، تجحد بنعمته عليك: فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ، هذه معنى تكرر معنى كثيرة.

قال سبحانه وتعالى: وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ، ونختم بهذه الآية في هذا المشهد: وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُوَ دُعَاءٍ عَرِيضٍ. لاحظوا أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ، يعني هذا هذه أَعْرَضَ أَعْرَضَ هي متعلقة بالمشهد بهذا المشهد مشهد الإقبال والإعراض، ونأى بجانبه متعلقة بالمشهد التالي، وسنايه الآن وهي ماذا؟ الفرح والفخر والكبرياء وال الاستطالة على الناس والإعراض عن الله سبحانه وتعالى، يعني الإعراض من جهة أنه الاستغناء، يعني الاستغناء عن الله سبحانه وتعالى والعياذ بالله، فهذان الأمران هما هو تصرف الإنسان عند النعمة، الإعراض أعرض، الإعراض والنسيان من جهة وعدم الإقبال بعد الإقبال، والامر الثاني الفرح والفخر والاستكبار.

أعرض ونأى بجانبه، هذه هذا مشهد من مشاهد الاستكبار، تكبر استغناء يعني ماني محتاج أحد، نأى بجانبه: أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُوَ دُعَاءٍ عَرِيضٍ. شوف الإنسان سبحان الله كيف ضعيف ويعني هو بين يدي الله سبحانه وتعالى ما إن

يقلبه من حال إلى حال، حتى يعني ما من أعلى درجات التكبر إلى أعلى درجات الافتقار والعبودية، ذو دعاء عليم.

طيب، من المذموم، خلاصة من المذموم عند نزول النعمة، أولاً: الأعراض والنسيان والغفلة، هذه خلاصة المشهد الأول. والثاني هو التكبر والاستغناء وهذا ما سآتي عليه.

ومن المذموم في الضراء، من المذموم في الضراء: تذكر الله لأجل نيل النعمة فحسب، تذكر الله لماذا؟ فقط حتى أنال مرادي، هذا اللي فقط يقوم الليل، فقط يدعو الله، يعني يصلي فقط حتى ينجح ولا حتى يعافى من المرض ولا حتى كذا، هذا أقرب الناس إلى أن تزل قدمه إذا ابتلي بالسراء. وأنا أقول ابتلي بالسراء لأنها ابتلاء، وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً، كلها ابتلاء.

فالمطلوب ماذا؟ المطلوب هو تعبد الله في السراء والضراء بكل حال، بما يقتضيه صبرا وشكراً، إقبالاً وإنابة في كل الأحوال.

طيب، الآن ننتقل إلى المشهد الثاني وبه نختم، سنختم كما أخذنا عدة آيات في المشهد الأول، سنأخذ عدة آيات في هذا المشهد ونختم بإذن الله عز وجل، مشهد الفرح والقنوط. كما ذكر الله سبحانه وتعالى مشهد الأعراض والإقبال والدعاء العريض ثم النسيان والأعراض في كتابه كثيراً، أيضاً ذكر مشهد الفرح والقنوط. ما المقصود بالفرح والقنوط؟ أنه الإنسان إذا اصابته الضراء ييأس ويقنط، ويظن أن الحياة انتهت، وأنه ما كان في نعمة قبل ذلك قط ولن تأتي نعمة بعدها قط، هذه حالة اليأس. ثم إذا اصابه الفرح، إذا اصابه عفواً السراء، ينسى أنه كان قبل ذلك محتاجاً، كان ذليلاً ضعيفاً كذا، ويستكبر وينسب الخير لنفسه ويجحد نعمة الله عليه.

طيب، هذه ذكرت في عدة آيات. قال سبحانه وتعالى في سورة هود: وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ. هذا الياس والقنوط، أنه ليؤوس قنوط. لاحظ، واحد كانت عنده نعمة، وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا، كان معافى ثم مرض، ييأس ويعني تغلق الدنيا في وجهه ولا يرى شيئاً آخر، ليؤوس كفور.

ثم، وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ. هنا مشهد الفرح والفخر، وكلها ذنب، كلها ذنب. قال الشوكاني: هذا يعني إشارة، إشارة لطيفة بالتعبير عن أذقنا، وفي التعبير بالذوق ما يدل على أنه يكون منه ذلك عند سلب أدنى نعمة ينعم الله بها عليه، لأن الإذاقة والذوق أقل ما يوجد به الطعم.

وفي قوله: ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ، إشارة إلى تعلقه بهذه النعم وحرصه على بقائها معه. هذا سبحان الله يذكرني بماذا؟ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ، وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ، كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ، وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ، وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا، وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا. ايش إشارة إلى شدة تعلقه بالنعم وبالكذا؟ فثم نزعناها منه أنه ليؤوس كفور. هذا تعليق على قد نزعناها.

طيب، هذا فقط تعليق على تعليق يعني لطيف من اللطائف على الألفاظ. ليؤوس كفور، الوصف الأول يؤوس كفور، في التفسير الوسيط: ليؤوس كفور أي شديد اليأس والقنوط من أن يرجع إليه ما سلب منه أو مثله، شديد اليأس والقنوط من أن يرجع إليه ما سلب منه أو مثله، لا يظن أنه تأتيه نعمة بعد ذلك، يقنط وهذا طبع في الإنسان.

ولاِثير الكفران والجحود لما سبق هي متصلة ببعض. هذا القنوط، هذا القنوط هو أصلاً نوع من أنواع الكفر، كفر للنعم، كيف تقنط من رحمة الله وهو الذي أنعم عليك وسينعم عليك بعد ذلك، والآن حتى وقت الضراء أنعم عليك بنعم بنعم أخرى، كيف تصل إلى مرحلة القنوط من رحمة الله عز وجل وهو الذي أنعم عليك بنعم لا تعد ولا تحصى؟

طيب، ولكثير الكفران والجحود لما سبق أن أن أن تقلب فيه من نعم ومنن، فبالتالي هو هذا، هو عايش في لحظته، لا يظن أنه في المستقبل سيتغير عليه، وينسى النعمة السابقة، ينسى النعمة السابقة. لاحظوا كيف صفة ذميمة في الإنسان، كل ما كان من النعمة ينساه، وكل ما يعلم أنه من سنن الله تقلب الأحوال ينسى أيضاً، ينسى أنه سيأتي شيء بعد ذلك.

طيب، ما هي الفائدة من الصفة الأولى هذه؟ صفة الياس والكفر والقنوط، إذا نزع الله منك نعمة، هذه الفائدة العملية، إذا نزع الله منك نعمة فالمطلوب منك حينها أولاً: الصبر وعدم الياس والقنوط. الصبر وعدم الياس والقنوط، لأن أصلاً الآية اللي بعدها ماذا؟ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا، فالمطلوب الصبر وعدم الياس والقنوط، والثقة بالله وبحكمة أقداره وقدرته على ردها مرة أخرى، لا تقنط من رحمة الله إذا اصابك شيء، إذا اصابتك ضراء لا تقنط من رحمة الله. أولاً تثق بحكمة الله وبأقداره، ثانياً تعلم أن الله قادر على أن يردها، ما تياس.

أليس هو الله الغني؟ أليس هو سميع الدعاء؟ فتدعو الله وترجو الله سبحانه وتعالى، ما تياس. والامر الثاني غير الصبر والثقة بالله سبحانه وتعالى والرجاء، هو شكر الله على سابق نعمته، والرضا بحكمه وملاحظة النعم الأخرى الموجودة.

ملاحظة النعم الأخرى الموجودة، يعني أنت تخيل واحد تعطيه تعطيه من النعم، وتحسن إليه، وتغدق عليه، وتجري عليه الرزق وكذا، ثم مجرد ما اخذت منه واحد بالمئة مما تعطيه، يصبح يائساً قانطاً، هذا يعني هذا اجحد الناس، فالله سبحانه وتعالى يريد منك أنك ما تجحد نعمته، تذكر نعمته السابقة ونعمته الحالية والنعمة القادمة كذلك.

طيب، الصفة الثانية: وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ. والفرح: لذة في القلب بنيل المشتهى، كما جاء في التفسير. الفرح: لذة في القلب بنيل المشتهى، الفرح: لذة في القلب بنيل المشتهى لذاته يعني. والفخر هو التطاول على الناس بتعديد المناقب، هذا البغوي.

فائدة نستخرجها من الصفة الثانية: عدم الفرح والفخر بالنعمة إذا اتتك، إذا كشف الله عنك الضر وأذاقك النعمة، فالمطلوب منك حينها أولاً: نسبة الفضل لله. نسبة الفضل فضل الله، هذا ما يجعلك تفرح بالنعمة وتفخر بها لذاتها، لا، هي إنما هو عطاء من الله، إنما هو رزق من الله أجراه عليك، هذا يجعلك تتذلل لله، ما تفخر، تتذلل العكس، تتواضع.

فنسبة الفضل لله، أنه ما هي إلا نعمة من الله وليس لك منها شيء. ثانياً: تذكر أن هذا العطاء الدنيوي لا يستوجب الفرح أصلاً هو ابتلاء، يعني إذا الإنسان عرف أن العطاء الدنيوي سواء مال، عافية، كذا، إنما هو ابتلاء، ابتلاء يعني اختبار، كيف تفخر وتفرح وتزهو بالاختبار؟ إنما ينشغل يعني بأداء حق هذا الابتلاء.

النقطة الثالثة: عدم الطغيان والتطاول والتواضع بتذكر حاله السابق، تذكر كيف كنت قبل ذلك، هذا مما يعين يعني أداء حق النعمة هذه الحالية، كما قال الله سبحانه وتعالى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى، يذكره بحاله السابق، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ، وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ، ثم قال له: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ. هذا ضد ماذا؟ ضد الفرح والفخور، الإنسان يكون يعني لا فرح فخور. فالفرح والفخر هذا ضد حالة أن الإنسان يتواضع للأخرين ويعطي وكذا.

النقطة الرابعة: عدم ضمان دوام النعمة، كما قلنا قبل قليل: أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ؟

الآية التالية: إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ لَهُم مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ، أُولَٰئِكَ لَهُم مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ. فهم جمعوا ما بين الصبر والشكر، الصبار الشكور، كما مر معنا. الصبار الشكور بالمناسبة قد تكون في الموضع الواحد، وليس فقط أنه يعني في السراء يشكر وفي الضراء يصبر، نعم، هذه في بالمعنى العام أقصد، بالمعنى الخاص، لكن هناك معنى عام أنك أنت مطلوب منك الصبر في السراء والضراء.

كما تصبر عن حبس النفس عن داعي الياس في الضراء، فأنت تصبر عن داعي الفرح والبطر في السراء. فالصبر هو مخالفة النفس وحبسها، فتحبس نفسك عن دواعي الدواعي القلبية الفطرية في القلب، أنك لما تاتيك سراء تفرح وتفخر بها وكذا، لا، تخالف هواك فتصبر، حتى في السراء تصبر، وفي الضراء تصبر أنك لا تكون يؤوساً كفوراً.

فالصبر مخالفة طباع النفس الذميمة. الصبر مخالفة طباع النفس الذميمة هذا نوع من أنواع الصبر. طيب، العمل الصالح يعين المرء على الثبات ومخالفة الهوى: إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ. فالصبر عمل الصالحات.

وكما ذكرنا سبحان الله في الآيات ذكرنا قبل قليل أن الإنسان خلق هلوعا، إذا مسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير منوعا، إلا المصلين. وهنا قال: إلا الذين صبروا. إلا المصلين والذين صبروا تذكرنا بأيش؟ الصبر والصلاة: اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ. الصبر والصلاة سبحان الله ماذا؟ ليس فقط هما عبوديتان في ذاتها، هي هما من أكثر ما يستعان به على مخالفة طباع النفس، يستعان به على بعض الأشياء الشاقة في النفس، يستعان به على مخالفة الهوى. هؤلاء إلا المصلين والذين صبروا هم الذين استطاعوا بفضل الله أن يخالفوا عاداتهم الذميمة، فاستعينوا بالصبر والصلاة. الصبر والصلاة من أعظم ما يعين على هذا الأمر.

طيب، وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَقْضِي اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْراً لَّهُ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَّهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْراً لَّهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ. وهذا معنى مهم يا جماعة، يعني بعض الناس يقول لك إذا اصابته ضراء مثلا حادث ما أدري إيش كذا يقول يلا إن خير كلها خيرة، كلها خيرة. لا، هي الخيرة ليست تلقائية.

الخيرة ليست تلقائية أنك تقول خيرة فتكون خيرة، الخيرة أنك أنت تصبر أو تشكر. صبر فكان خيرا له، شكر فكان خيرا لها، يعني أقصد لازم أن تتبع ذلك بالصبر، ما تتذمر وتقول خيرا وما أ يعني تجحد نعمة الله وتقول يعني خيرا، ما تقوم بحق المال وتقول والله خير، لا! الخيرية في أقدار الله أنه أمر المؤمن من كله خير، هذا اللي لمن؟ هذا ليس ذلك لأحد غير المؤمن الذي يصبر ويشكر، هذه نقطة مهمة جدا.

طيب، ناخذ آية كذلك: وَإِنْ أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا. مشهد الفرح: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ. مشهد القنوط. لاحظوا كيف المعنى متكرر، فرح وقنوط فرح وقنوط. أول نقطة: وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم، الآيات تلفت انتباهك إلى ايش؟ تصرف نظرك إلى عملك. بدل ما تكون أنت مستغرق في النعمة إن جاءتني نعمة فأفرح بها وأزهو بها وكذا، وبدل ما إذا أصابتك سيئة أو ضراء أو نزلت بك نازلة فتقول لماذا حصل لي هذا وفلان كذا وأنا ما عندي وكذا؟

انت انظر إلى عملك: وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم. يعلمنا ديننا أن نحاسب أنفسنا أولا، أن ننظر إلى عملنا أولا، أن ننشغل بكسبنا قبل أن يعني نفكر في كم أخذت وكم سلب مني، لا، كم عملت وكم وكم أسرفت على نفسي؟ فصرف النظر إلى العمل.

النقطة الثانية أنه بعد ما ذكر الله مشهد الفرح والقنوط، ماذا قالوا؟ ماذا قالوا؟ قال: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ؟ هذه يا جماعة لا يقراها الإنسان لا يقراها الإنسان منفصلة عن سياقها، لا يقراها الإنسان منفصلة عن سياقها. ما هو سياقها؟ ما هو سياقها؟ سياقها سياقها أنه ذكر مشهد الفرح والقنوط أولا، ثم قال: أو لم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. يعني لو أنهم رأوا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وأيقنوا بهذا الأمر لما كان تصرفهم كذلك. فهذا يصب أيضا يذكرنا يذكر الإنسان بأن يتأمل أقدار الله الحكيم، أقدار الله سبحانه وتعالى الحكيم العليم، أن الله هو الذي يبسط بالرزق لا ليس الأمر أنه أنا أقنط وأفرح وكذا وأظن أنا المحور، هو إنما هي أقدار الله سبحانه وتعالى.

لا، هناك معنى خاص: يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ. لمن يشاء كلمة يشاء سبحان الله هذه ترى هذا أن الله جعل فلانا غنيا وفلانا فقيرا، هذه مشيئة الله، أتريد أن تقابل مشيئة الله العليم الحكيم العلي الكبير أن تقابله بأنك بأنك تقنط من من من أقداره أو أنك تفخر وتزهو وتستكبر وتعرض إذا قدر لك قدرا من أقدار؟ إنما هي مشيئته سبحانه وتعالى، إنما هو اختياره سبحانه وتعالى أن يختار أن يغني فلانا ويفقر فلانا، أن يبسط الرزق على فلان ويقدر الرزق على فلان. فأقصد أنه انظر كيف الآيات تصرف النظر من أن ينحصر الإنسان في في سلوكه بغناه وفقره إلى كم إلى إلى عمله أولا ثم إلى أقدار الله سبحانه وتعالى ومشيئة الله سبحانه وتعالى.

طيب، آيات سورة الفجر التي تلوناها: فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ، وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ. قال السعدي: وانه جاهل ظالم لا علم له بالعواقب، يظن الحالة التي تقع فيه تقع فيه تستمر ولا تزول أو عليه تستمر ولا تزول، ويظن أن إكرام الله في الدنيا وإنعامه عليه يدل على كرامته عنده وقربه منه. ويدل على يدل على كرامته عنده وقربه منه.

طيب، هذا معنى مهم بالمناسبه يا جماعة، كثير من الناس يقعون فيه دون أن ينتبهوا، كثير من الناس يقعون فيه دون أن ينتبهوا: أن الإنسان إذا أصابته‌ ضراء مرض كذا يعني يقول طيب، الست محافظا على الصلاة؟ الست أصلي؟ الست أصوم تطوع ما شاء الله تبارك الله؟ الست كذا أفعل؟ أحب الله ورسوله أحب الله ورسوله ف يعني لست أفعل ذلك، طيب ليش الله سبحانه وتعالى ضيق علي الرزق؟ ليش الله سبحانه وتعالى ما يوسع علي؟ قد يقولها الإنسان في نفسه دون أن يشعر، يظن أن عاقبة هذا العمل الصالح بالضرورة في الدنيا أن يكون ماذا؟ عافية وصحة وتوسيعا في الرزق. فالإنسان بطبيعته يظن يظن أن العافية وأن السراء تعني إكراما عند الله وأن المرض والابتلاء وكذا وقدر الرزق عليه الحال انها أن نوع من أنواع الإهانة والبعد عن الله سبحانه وتعالى.

فالقاعدة هي ماذا؟ العطايا الدنيوية لا تدل على المكانة عند الله، العطايا الدنيوية لا تدل على المكانة عند الله، بل إنه الإنسان كما ذكرنا قد يكون هذه الحالة خير له وهذه الحالة خير له، الله يعلم الله هو الذي يقدر، وهذه لا تدل على كرامة عند الله سبحانه وتعالى ولا على إهانة في ذاتها، وإنما ما يصدر منك بعد ذلك أن ضراء فصبر وإن سراء فشكر هو الذي يدل على مكانتك عند الله.

طيب، وقال سبحانه وتعالى في سورة فصلت: لَا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ. يؤوس قنوط، هذا مشهد القنوط، يؤوس قنوط. كما قال السعدي: أي يياس من رحمة الله ويظن أن هذا البلاء هو القاضي عليه بالهلاك، ويتشوش من إتيان الأسباب على غير ما يحب ويطلب. لاحظوا كيف حالة اليأس، خلاص أنا يعني أنا ساهلك وما يسعى وكذا.

ثم يعني في ثم: وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى. هذا مشهد الفرح. هذا مشهد الفرح هو اللي هو ماذا؟ يعني إذا فصلناه أولا في عدة أمور مذمومة: أولا نسبة الفضل للنفس واعتقاد الاستحقاق، هذا لي، هذا بسعي، إنما أوتيته على علم عندي، هذا مشهد الفرح والفخر والاستغناء.

النقطة الثانية: الطغيان بالنعمة والزهو والتمادي في الكفر، هذا في معنى فخر فخور، طغيان بالنعمة وما أظن الساعة قائمة، ولا وما أظن وما أظن الساعة قائمة، يعني الإنسان يطغى والإنسان يتمادى في الكفر والإنسان يعني يستغرق في لحظته.

ثم اعتقاد الكرامة عند الله مرة أخرى: وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى. لماذا؟ لأنه وسع الله عليه في الدنيا فيظن أنه سيعود في الآخرة إلى الحسنى عند الله سبحانه وتعالى. لكن الله سبحانه وتعالى قال: فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ.

الخلاصه كختام لهذا المجلس: الذين ذمهم الله سبحانه وتعالى طبعا ما خلاصه المشهد هذا مشهد الفرح والقنوط، الذين ذمهم الله سبحانه وتعالى نظرتهم قاصرة من جهتين: أولا هم ينظرون للحظة الآنية.

اللحظة الآنية فقط، اللحظة الآنية فحسب، فيفرحون بالخير ويقنطون من الشر، يفرحون بالخير ويقنطون من الشر ولا يتذكرون ما قبلها.

ما يتذكرون إيش كان قبل ذلك، طب أنت كنت في عافية، كنت في نعمة، إيه يعني كنت في كذا، يتذكرون ما قبلها ولا ما قد يكون بعدها. بعكس المؤمن، هذه حالة الكافر أنه يستغرق في اللحظة الآنية يعني ما ينظر إلا للمرض اللي هو فيه حالياً، إلا للمال اللي هو متلبس بها حالياً، نظرته قاصرة، ما يتذكر كيف كان حاله قبلها ولا حاله بعدها. بعكس المؤمن الذي يتفكر بنعمة الله السابقة في الضراء، وبحال الضر السابق في السراء.

كذلك يعلمون أن لله سنناً وأقداراً حكيمة قد يقدرها عليهم في المستقبل، فيرجون رحمة الله في الضراء ولا يقنطون ولا يضمنون دوام النعمة. يعني باختصار؛ المؤمن ينظر لأنه سابقاً كان في كذا والآن في كذا، يعني ما يجحد النعمة السابقة، وكذلك ما يأمن، ما يضمن وما يقنط، يعرف أنه لسه هو بقى، إذا نهى الله عن القنوط فمعناه أنه يأمرنا بالرجاء وبالدعاء، فهم لا يستغرقون في اللحظة، في هذه اللحظة، وإنما زاويتهم واسعة؛ النظر للسابق وللتالي.

الأمر الثاني من أسباب القصور في النظر عند من ذم الله سبحانه وتعالى سلوكهم، قالوا يعني هم أيضاً ينظرون إلى الأسباب فحسب، هم ينظرون إلى الأسباب ويتصرفون وفقاً لمقدار ما يأتيهم من الرزق، بينما ينظر المؤمنون لمسبب الأسباب وحكمته وقدرته: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ، أوَلَمْ يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. دائماً تأتي هذه بعد هذه الآيات؛ أنه لا، أنظر أن هذا قدر الله، أنظر لحكمة الله في هذا القدر، أنظر لعلم الله، أنظر لعدل الله، أنظر لفضل الله، فيشكرونه ويرجونه ويستغفرونه لععلمهم بأن كل الأمر بيده وحد.

خلاصة؛ أن تنظر للححظة السابقة والتالية والحالية، وأيضاً تنظر لأقدار الله ومشيئة الله سبحانه وتعالى في قدره، ولا تستغرق في لحظتك فيكون تصرفك عبارة عن فرح وقنوط وفخر وإعراض وكذا الصفات الذميمة التي ذكرها الله سبحانه وتعالى.

أختم بهذه الآية، سبحان الله، واحدة من أوجه يعني جمال عبودية أولياء الله سبحانه وتعالى، بأنظر بماذا امتدحهم الله سبحانه وتعالى، قال: الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَضَرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. هؤلاء المحسنين الذين يريدهم الله ويحبهم الله، الذين ينفقون في السراء والضراء، الصابرين في البأساء والضراء، الذين يعني يقومون بحق الله دائماً، ينفقون في كل الأحوال، سراء ينفقون ضراء ينفقون.

شتان ما بين هذا النموذج والنموذج الجاحد، النموذج القانط، النموذج المعرض والنموذج المستكبر والفخور إلى آخره. فحال الإنسان في السراء والضراء من الأحوال التي ذكرها الله سبحانه وتعالى وفصلها لنا، وفيها كثير من الفوائد فيما كيف يريد منا الله سبحانه وتعالى أن نكون في كل أحوالنا التي نتقلب فيها في أقداره سبحانه وتعالى. فهذه من معاني الحقيقة التي تقود الإنسان إلى شكر النعمة وإلى مزيد من العبودية في كل الأحوال، وتبعده عن الجحود والكفر والإعراض عن الله سبحانه وتعالى. نكتفي بهذا القدر، جزاكم الله خيراً، وصلى الله على سيدنا وحبيبنا.