تسجيل الدخول

الاستهداء بالقرآن | وأنا اخترتك | المجلس الثاني والثلاثون

عبد الرحمن أبو غيث
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه. رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري. اللهم يا رب بارك لنا في هذا المجلس واغفر لنا ذنوبنا، اللهم اجعل هذا الجمع جمعاً طيباً مباركاً يجتمع على طاعتك ويستبصر ببصائر كتابك الكريم. حياكم الله وبياكم أهل البرامج العلمية في هذا المجلس من مجالس الاستهداء بالقرآن. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يديم علينا هذه النعمة، نعمة هذه المجالس، وأن يجعلها يعني من المقبولة عنده سبحانه وتعالى.

طيب يا كرام، اليوم بإذن الله سبحانه وتعالى سيكون لدينا هذا العنوان: قول الله سبحانه وتعالى (وَإِنَّا اخْتَرْتُكَ)، وهو جزء من بداية سورة طه. بداية سورة طه، سنأخذ بإذن الله عز وجل شيئاً من هذه السورة العظيمة الجليلة التي تتحدث عن العديد من المواضيع الجليلة. طيب نقرا بداية السورة ثم بإذن الله ندخل إلى الهدايات التي ييسر الله سبحانه وتعالى ذكرها في هذا المجلس.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ. طه. مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ. إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَنْ يَخْشَىٰ. تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى. الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ. لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَىٰ. وَإِن تجهر بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى. اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ.

طيب، في هذه السورة وفي هذا المطلع العظيم من سورة طه، يبتدئ الله سبحانه وتعالى قوله يعني بقوله سبحانه وتعالى: طه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ. وحقيقة من اعظم ملامح هذه السورة سورة طه أنها تحدث النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه من الأمور التي يجب الانتباه لها، أو إذا انتبه لها الإنسان فسيرى كثير من الهدايات ربما ما ينتبه إليها قبل ذلك، وهو أن هذه السورة تحدث النبي صلى الله عليه وسلم من أولها. من أولها يقول الله سبحانه وتعالى: ما أنزلنا عليه عليك أنت يا محمد، مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ.

وهكذا تستمر السورة في الحديث للنبي صلى الله عليه وسلم إلى آخرها، حين يقول الله سبحانه وتعالى في آخر السورة بعد أن قص عليه القصص قصه موسى وفرعون والسامري وقصة آدم، بعد كل هذه القصص يقول الله سبحانه وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ. في آخر السورة: فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ، وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ، وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ.

فتلاحظ أن بداية السورة وخواتيم السورة كلها تحدث النبي صلى الله عليه وسلم، وحينها كل ما أتى في قلب السورة أنت انظر له بهذه النظرة، أن هذا الكلام موجه للنبي صلى الله عليه وسلم قبل غيره. فمثلاً على سبيل المثال قصة موسى عليه السلام التي يعني أتت في العديد من صفحات هذه السوره، حقيقه من أهم المعنيين بها هو النبي صلى الله عليه وسلم ومن يسير على خطاه، هذه نظرة حقيقة تجعلك تنتبه؛ لأنه حتى في قصة موسى في أولها ماذا قال سبحانه وتعالى؟ قال: وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ، يعني يا محمد هل أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ؟

فهذا حديث الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم، هذا حديث الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، وكل الرسائل التي أرسلها الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات فإن من أول المعنيين بها هو النبي صلى الله عليه وسلم. طيب، الله سبحانه وتعالى يقول لنبيه: مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَنْ يَخْشَىٰ. هذا القرآن الذي أنزله الله سبحانه وتعالى ما أنزله الله سبحانه وتعالى ليكون سبب شقاء لمن يحمله ويبلغه، وإنما هو مصدر السعادة ومصدر الخير ومصدر الهدى ومصدر القرب من الله سبحانه وتعالى، فهو مصدر كل خير ومصدر كل هداية.

وليس نزول القرآن علامة شقاء، ولا يتبع العلم بالقرآن والعمل به وتبليغ القرآن شقاء من أي وجه، وإنما هو بلاغ الرسالة، وكل ما يصيب العبد الذي يحمل هذه الرسالة ويبلغها إنما هو خير له، إنما هو خير له ورفعة عند ربه عز وجل. إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَنْ يَخْشَىٰ، حقيقة اريد أن أوقف وقفة بسيطة: ما معنى يخشى في هذه الآية؟ يعني من أي شيء ممكن أن يخشى العبد المؤمن؟ ماذا يخشى العبد المؤمن؟ هل يخشى مثلاً عدواً؟ أو يخشى إلى ماذا تشير هذه الآية؟

الحقيقة أن هذه الآية لا تشير إلا إلى أمر غيبي، هي خشية الله عز وجل وخشية العذاب؛ يعني الإنسان يتقي الله سبحانه وتعالى ويتقي النار، يعني يخشى العذاب ويخشى ربه عز وجل. وسواء اريد بهذه الآية خشية الله عز وجل وهي أولى كما ذكر، أو خشية العذاب أو كلاهما، فنحن نتحدث عن أمر غيبي، فإنهم يخشون بالغيب أولئك الذين يخشون بالغيب، أولئك الذين يؤمنون بالغيب.

وهذه نقطة مهمة يا كرام؛ الذي يؤمن بالغيب الله سبحانه وتعالى وملائكته وكتبه ورسله، والذي يؤمن باليوم الآخر والجنة والنار، هذا أقرب الناس إلى أن يتذكر بهذا الكتاب؛ لأن هذا الكتاب ما هو؟ هذا الكتاب في عمومته امور غيبية، امور غيبية تتحدث عن الله سبحانه وتعالى وصفاته وأسمائه، وتتحدث عن الجنة والنار ويوم القيامة، هذه أمور غيبية، لذلك أكثر المنتفعين وأشد المنتفعين بهذا القرآن هم الذين هم الموقنون بالغيب، المؤمنون بالغيب.

لذلك في أول سورة البقرة ماذا قال؟ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، من هم المتقون؟ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. فمن أراد أن تزداد هدايته وتذكرته وانتفاعه بهذه الآيات آيات القرآن، فليزداد يقينه بالآخرة، والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به.

فهناك ارتباط عظيم وجليل بين الإيمان بالآخرة وبين الإيمان بهذا الكتاب، وكلما زاد اليقين بالآخرة وبالغيب وبالله عز وجل كلما زاد الانتفاع بهذا هذه الآيات وهذا القرآن، الذي هو أصلاً يعني أتانا من عالم الغيب، هذا القرآن أتانا من الله سبحانه وتعالى، ما تكلم به أحد أمامنا، نزل علينا من الله سبحانه وتعالى فهو علامة على الغيب، ومن ينتفع به هو من يؤمن بالغيب ويؤمن بالله عز وجل.

طيب، هذا قول الله سبحانه وتعالى: إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَنْ يَخْشَىٰ، ثم ذكر الله سبحانه وتعالى آيات جليلة وعظيمة، آيات جليلة جداً وعظيمة، قال الله سبحانه وتعالى: تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى، الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ، لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَىٰ. تعريف جليل بالله عز وجل، يعني حقيقة مطلع سورة طه من المطالع المهيبة الجليلة التي تتحدث عن صفات الله عز وجل.

طيب، السؤال هو: ما هو المدخل لهذه الصفات لله عز وجل؟ لماذا ذكرها الله سبحانه وتعالى؟ في أي سياق ذكرها؟ ذكرها في التعريف بمن تكلم وبمن نزل هذا القرآن. لاحظوا: تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى، الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ. فهذا الإله الذي خلق الأرض والسماوات العلى، هذا الرحمن الذي على العرش استوى، هذا الملك الذي له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، هذا العليم الذي إن جهرت بالقول فانه يعلم السر وأخفى، هذا الإله اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ، هذا هو الذي نزل هذا القرآن. لاحظوا في الآيات، هذا هو الذي نزل هذا القرآن؛ فهذا الحديث هنا عن مصدرية هذا القرآن، تَنزِيلًا مِّمَّنْ هذه صفته، هذا القرآن الذي نقراه يا جماعة، هذا القرآن الذي نحن ملتفون حوله الآن، هذا القرآن الذي نقرا آياته.

من الذي نزله؟ نزله من هذه صفته العليا وهذه أسماؤه الحسنى، وهذه صفاته الجليلة والعظيمة. هذه صفاته الجليلة والعظيمه وهذا مهم جدا في الربط في الربط ما بين الحديث عن القرآن وتلاوة القرآن وما بين تذكر من الذي تكلم بهذا القرآن. وأنا يعني أقول لكم حقيقة من الحقائق التي أنا مؤمن بها أنا شخصيا، لا أرى وسيلة من وسائل التدبر أنفع ولا أعظم ولا أجل من أن تتذكر أن المتحدث بهذه الآيات هو الله عز وجل الجليل العظيم العليم الحكيم.

ما في شيء يجعلك تتدبر الآيات وتنتفع بالآيات وتعظم الآيات وتعظم الهدايات وتعظم كل حرف تقرأه أعظم من انك تتذكر أن الله سبحانه وتعالى هو الذي تكلم بهذا الكلام. هذه قد يقول البعض إنها معلومة نعرفها جميعا، لكن لا، هذه حقائق يتفاوت الناس في اليقين بها وفي استحضارها. كلما زاد يقينك -إذا مسكت القرآن وقرأت القرآن- أن هذا القرآن تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلا إلى آخر الآيات، كلما زاد يقينك بذلك كلما زاد تعظيمك وانتفاعك بهذا القرآن. فهذا القرآن تنزيل من من هذه صفته.

وحقيقة هذه الآيات سبحان الله تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلا، تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلا. هذه الآيات تربط ما بين الخلق والأمر، وهذا يجعلك متوائما ما بين الآيات الشرعية والآيات الكونية. إذا أنت يعني قرأت القرآن ونظرت إلى السماء ونظرت إلى الجبال ونظرت إلى الأرض ونظرت، فانت الكلام الذي تقراه بتلاوتك للآيات هو خالق هذه الأشياء التي تراها. حقيقة هذا معنى جليل إذا حاولت أنك يعني تزاوج ما بين النظر إلى الآيات الشرعية والتدبر فيها، وما بين النظر إلى الآيات الكونية والتدبر فيها.

لذلك مما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا استيقظ من النوم أنه كان ينظر إلى السماء، كان ينظر إلى السماء ويقرا إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ إلى آخر الآيات. فهذا مما كان النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى السماء ويقرأ الآيات.

ومن من يتيسر له ذلك فليحاول أن يفعل ذلك؛ أنه ينظر إلى مخلوقات الله ويقرأ آيات الله ويتذكر أن هذه الآيات التي يقرأها وهذه المخلوقات التي يراها مصدرهما واحد. مصدرهما واحد، هذا ما يجعلك تعظم الآيات في نفسك. طيب، هذا الحديث عن مصدر الآيات مصدر القرآن.

ثم قال الله سبحانه وتعالى بعد أن قال اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ، قال ماذا؟ وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ. هذا حقيقه من اللطائف العجيبة التي ينتقل الله سبحانه وتعالى فيها من ذكر صفاته وعظمته وجلاله، ثم يدخل إلى ماذا؟ إلى الحديث عن واحدة من القصص القرآنية للأنبياء صلوات الله عليهم.

وهذا يذكرنا بآية من الآيات في سورة الحجر، قول الله سبحانه وتعالى: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ. حديث عن الله عز وجل، نبئ يعني نبئهم يا محمد نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ، وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ. فجمع ما بين الحديث عن الله عز وجل وصفاته الجليلة وما بين الحديث عن قصص الانبياء، وجماعهم كلهم في قوله ونبئ عباده ثم قال ونبئهم، كانها من اعظم الامور الحديث عن قصص الانبياء في القران.

يعني هذا السياق بحد ذاته، في سواء في سورة الحجر أو هنا في سورة طه بعد الحديث عن الله عز وجل اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ، انتقل إلى قصة موسى بهذا المدخل: وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ. فالسياق نفسه حقيقه يشد الانتباه، ثم الآية نفسها تشد الانتباه كذلك: وهل أتاك يا محمد وهل أتاك حديث موسى؟ آية حقيقة تجذب انتباه السامع من جميع أطرافه ليستمع إلى حديث الله. اسمع إلى قصة موسى، من يحكيها لنا؟ الله سبحانه وتعالى. الله جل جلاله هو الذي يحكيها لنا.

وبالمناسبة هذا يذكرنا أنه قصص الأنبياء في القرآن الكريم لا تنفك عن الحديث عن الله سبحانه وتعالى، وموضوعها لا يخرج عن الحديث عن الله سبحانه وتعالى. فكما أن الآيات السابقة كانت تتحدث عن الله وعن صفاته، فالآيات التالية التي تتحدث عن موسى عليه السلام وقصته أيضا تتحدث عن الله. ولذلك نقول يا جماعة إنه قصص الأنبياء في القرآن من أهم مصادر التعرف على الله سبحانه وتعالى، من أهم مصادر التعرف على الله سبحانه وتعالى.

لماذا؟ لأنها تريك كيف يعامل الله سبحانه وتعالى أولياءه، كيف يجلي الله سبحانه وتعالى سننه في أوليائه، وكيف يهلك الله سبحانه وتعالى أعداء رسله، وكيف يحيط رسله بالعناية والرعايه وبماذا يوصيهم، وكذا كل هذا نتعرف فيه على الله سبحانه وتعالى. لذلك لا تدخل لقصص الأنبياء إلا وأنت في نظرك من أهم الفوائد التي تريد أن تخرج بها هي التعرف على الله عز وجل.

وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ. ما هو حديث موسى الجليل العظيم الذي سياتينا في هذه الآيات وهو والله من اعظم الاحاديث ومن اجل مواضع القرآن؟ حديث موسى عليه السلام لاسيما عند إبراز لحظة حديثه مع الله عز وجل. حديثه مع الله عز وجل هذه لحظات جليلة، لحظات عظيمة جدا، قصة مهيبة يذكر الله سبحانه وتعالى فيها كيف يكلم في عليائه عز وجل، كيف يكلم بشرا من البشر الذين خلقهم، كيف يكلم عبدا من عباده بما يحيط ذلك المشهد من الجلال ومن العظمه ومن الهيبه.

وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى. هذا عبد من عبيد الله خلقه الله سبحانه وتعالى، هذا اسمه موسى. كان يسير في هذه الأرض وكان يسير مع أهله ويدبر شؤونه وما كان يتصور من الذي هو مقبل عليه. كان في سفر ويريد أن يجد إما دلالة وهدى وإما أن يجد نورا، فكان الأمر كانت بالنسبة لموسى عليه السلام كان يوما عاديا. كان يوما عاديا وكان يسير مع أهله وما تصور أنه يسير إلى يوم -لا أقول من أعظم أيامه فقط بل من أعظم أيام البشرية على الإطلاق- والله سبحانه وتعالى في عليائه كان يرى موسى ويعلم به وهو الذي قدر له هذا القدر.

لذلك في نفس السورة لما الله سبحانه وتعالى كلمه ماذا قال؟ قال: وَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يَا مُوسَىٰ. بعد أن ذكر من بداية ولادته وما تعرض له وما حصل له قال: ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يَا مُوسَىٰ. هذا اليوم كان يوما مقدرا من الله سبحانه وتعالى وإن لم يشعر به موسى قبل ذلك.

لذلك إذا أردنا أن ندخل إلى باب الهدايات، مما يستانس به في اتباع الأنبياء وفي حملة الرسالة، أنه كثير من الأقدار التي يققدرها الله سبحانه وتعالى لهم إذا أراد بهم خيرا فإنما هي أقدار قد ساقها لهم ممكن من أول ولادتهم، يعني من أول يوم من ولادتهم يسوقهم الله طورا بعد طور إذا أراد لهم الخير وإذا جعلهم من ورثة الأنبياء، يسوقهم إلى أقدارهم وقد يظنون أنه بعض الاحداث إنما حصلت بدون ترتيب وكذا، لكنه القدر، قدر الله سبحانه وتعالى: ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يَا مُوسَىٰ. وكذلك فعل الله سبحانه وتعالى وأجرى الله سبحانه وتعالى هذا الأمر على أنبيائه.

طيب، في تلك الليله جاء موسى يريد من يعني

يعني يستانس بهم أو يجد شيئاً مما يملكونه في هذا الوادي، لكنه لما أتى ذلك الوادي، فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك فاخلعن عليك انك بالوادي المقدس طوى. إني أنا ربك فخلع نعليك انك بالواد المقدس طوى.

حقيقة مهما تكلم الإنسان عن هذا النداء فلا يمكن أن يوفيه حقه، يعني كيف كان ذلك النداء، كيف سمعه موسى عليه السلام، كيف كانت هيبة النداء في ذلك الوادي المقدس، ما الذي حصل فعلا؟ هذه أشياء لا نعلمها، لكن نعلم ما أخبرنا الله سبحانه وتعالى به أنه نادى الله سبحانه وتعالى نادى موسى في ذلك الوادي المقدس.

وليس فقط ناداه، بل قال له: إني أنا ربك، والآية التي بعدها: إِنَّنِي أَنَا اللَّه. فيعني يا ليت شعري كيف يكون وقع هذه الكلمات على العبد الفقير الضعيف الذي يمشي على الأرض فيسمع كلام الله وهو يعلم أنه كلام الله الذي لا يختلط بشيء آخر، كلام الله الذي ليس كمثله شيء، يقول له أنا ربك، ويقول له: إِنَّنِي أَنَا اللَّه لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي.

فهذه لحظة عظيمة ولحظة جليلة لا يمكن أنك تمر عليها في القرآن وتتدبر فيها دون أن تقف عند عظمتها وعند جلالها وعند جلال هذه اللحظة، ثم قال له سبحانه وتعالى بعد أن قال فاخلعن عليك انك بالواد المقدس طوى، قال ماذا؟ وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى.

وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى، حقيقة وأنا اخترتك هذه الكلمة يعني أنا جعلتها عنوان اللقاء؛ لأنها يعني إذا تدبرها الإنسان، هناك أمر خاص بهذه الكلمة وبهذه الجملة، جملة باعتبار أن المتكلم بها هو الله عز وجل. الله سبحانه وتعالى يقول: وأنا اخترتك، ويخبر بها هذا العبد الذي اختاره ويقول له أنا اخترتك، ويسمعها موسى عليه السلام من الله عز وجل في عليائه يقول: وأنا اخترتك وأنا اخترتك.

وهذا باب من أبواب أيضاً التعرف على الله وجلاله وعظمته وعظمة صفاته، أن الله سبحانه وتعالى يخلق ما يشاء ويختار، الله يختار، الله يصطفي، الله يجتبي إليه من يشاء، الله يعني يفضل بعض الناس على بعض، بل حتى يفضل الرسل بعضهم على بعض، لله سبحانه وتعالى علم عظيم وجليل، ولله سبحانه وتعالى حكمه بالغة لها أثر علينا.

هذه الحكمة وهذا العلم وهذا الاختيار وهذا الاصطفاء وهذا الاجتباء من الله عز وجل، هذا ليس مجرد شيء نظري، هذا له أثر على الأرض، الله سبحانه وتعالى يختار من خلقه خلقاً، يختار من خلقه خلقاً يحملهم رسالته، يختار من خلقه خلقاً يجعلهم مبلغين عنه، يختار من خلقه خلقاً يجعلهم يهدون الناس إليه، يعرفون الناس به، يقربون الناس إليه، يذكرون الناس به، هذا اختيار من الله سبحانه وتعالى، هذا ليس صدفة وليس أمراً مجرداً عن حكمة الله سبحانه وتعالى وعلمه، هذه منة من الله سبحانه وتعالى، كما قال سبحانه وتعالى في سورة إبراهيم: قَالُوا إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ الرسل يقولون، قَالُوا إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ.

ولكن الله يمن، ولكن الله يمن، فمنة الله بهذا الاختيار، منة الله بهذا الاصطفاء، الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس، فأنآ أقول معنى الاصطفاء ومعنى الاختيار معنى جليل وعظيم ومهيب.

فكيف لو كان أن الله يخبر عبده بهذا ويقول له أنا اخترتك ما بين من بين الخلق، من بين الخلائق كلها التي تتنفس على وجه الأرض أنا اخترتك، فصلى الله على سيدنا موسى، وسبحان الله الذي اختاره، سبحان الله الذي اجتباه وقربه، وسبحان الله الذي اختصه بهذا القرب وبهذه المناجاة، كما قال سبحانه وتعالى: وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا.

فهذا هو موسى عليه السلام الذي اختاره الله سبحانه وتعالى. المعنى الثاني المهم جداً هو الشق الثاني من الآية: وأنا اخترتك. طيب، ما الذي يترتب على هذا؟ ماذا قال الله بعد ذلك؟ قال: فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى. وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى.

هذان الشقان يبرزان لك العلاقة ما بين الاصطفاء والاختيار والقرب من الله عز وجل وما بين العناية بالرسالة وبالوحي والقرب من الوحي والاستماع للوحي والعناية بالوحي، فكلما كانت عنايتك بالوحي أكثر، نتكلم نحن عن يعني ممن يرجون أن يكونوا من ورثة الأنبياء، كلما كانت العناية بالوحي أكثر، كان لهم نصيب من هذا القرب من الله عز وجل، وكان لهم نصيب من حمل هذه الرسالة التي في هذا الوحي ومن تبليغها.

وأنا أتكلم حمل الرسالة بالمعنى العام، ليس بكون الإنسان رسولاً هذا قد انتهى النبي صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، لكن الرسول بالمعنى اللغوي حامل الرسالة، بلغوا عني ولو آية، فمن يأخذ الوحي وياخذ الآيات ويبلغها عن الله عز وجل، فهذا له نوع من أنواع الاصطفاء والاختيار والقرب من الله.

فكلما زادت عنايتك بالوحي زاد، زاد ممكن نقول آثار رؤية الاختيار والاصطفاء من الله سبحانه وتعالى لك، والعكس صحيح، كلما اصطفاك الله سبحانه وتعالى لبعض المقامات الدينية الشريفة، كلما زاد الواجب في حقك لأن تستمع للوحي: وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى.

فهذه العلاقة علاقة عظيمة وجليلة، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في سورة الأعراف برضه عن موسى عليه السلام قال: يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي.

قال: يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ. يعني أنا اخترتك وأنا اصطفيتك بهذا الوحي، بهذه الرسالة وبهذا الكلام، فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ أي خذ هذا الوحي، خذ هذه الرسالة، وقم بحقها واشكر الله سبحانه وتعالى.

فهذا من أهم المخرجات التي نريد أن نخرج بها، من يريد أن يكون له حظ ونصيب من القرب من الله فلتكن له العناية الكبرى بكلام الله وبالوحي وبتبليغ الوحي بعد ذلك.

ثم قال سبحانه وتعالى: إِنَّنِي أَنَا اللَّه لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى.

الحديث أن الله سبحانه وتعالى لما عرف بنفسه قال: إِنَّنِي أَنَا اللَّه لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وهذا من أهم ما يجب البدء فيه لحامل الرسالة ولمن يسير على خطى الأنبياء، أن يعلم من هو الله ثم يعبد الله على ضوء هذا العلم: فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي.

حقيقة أنا أريد أن أعلّق على موضوع الصلاة، أريد أن أعلّق تعليقاً سريعاً على موضوع الصلاة، من العجيب أن يؤمر موسى عليه السلام من بين كل العبادات بالصلاة على وجه الخصوص، فلما قال على وجه العموم فاعبدني، قال على وجه الخصوص: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي.

فلماذا قال له وأقم الصلاة؟ لماذا لم يأت تشريع الصلاة بعد ذلك في التوراة التي أخذها في الألواح أو في مقام آخر عموماً؟ لماذا ذكرها الله سبحانه وتعالى عندما كلم موسى، ذكر الله الصلاة على وجه الخصوص؟ هذا يدل على أن للصلاة شأناً عند الله خاصاً من بين كل العبادات.

ومن المفارقات ومن العجائب إذا تذكرت أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمر بالصلاة، أين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة؟ إنما أمر بالصلاة لما صعد إلى السماء في رحلة الإسراء والمعراج، لما عرج به إلى السماء ولما كلم الله مثل موسى في تلك اللحظات، فرض الله سبحانه وتعالى عليه الصلاة، فهذا شأن هذا حقيقة يعني هو عندي من أعظم خصائص الصلاة.

نعم، نحن نعلم كثيراً عن فضائل الصلاة وخصائصها، لكن هذا واحد من أعظمها أن الله شرعها لما تحدث بنفسه لموسى عليه السلام وللنبي صلى الله عليه وسلم في مقامات جليلة يتكلم بها الله سبحانه وتعالى بنفسه فيفرض فيها الصلاة، وهذا يدل على أن للصلاة شأناً خاصاً في.

الاتصال بالله سبحانه وتعالى فاعبدني وأقم الصلاة لذكري. فهذا حقيقة أمر عظيم من أمور الصلاة، ويكفي الإنسان أنه يتذكر هذا الامر في تعظيم شأن الصلاة، هذا فضلا عما ورد في غير ذلك.

طيب، ثم قال الله سبحانه وتعالى: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ * قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَىٰ * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ * قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ ۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَىٰ * وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَىٰ * لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَىٰ. كل هذا كان تهيئة لماذا؟ ليقول له بعد ذلك: اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ. اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ. كل هذا الكلام من الله سبحانه وتعالى حتى يقول لموسى عليه السلام: اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ.

وإن شئت قلت إنما تحدث الله سبحانه وتعالى لموسى عليه السلام، إنما تحدث لموسى عليه السلام ونادى موسى عليه السلام ليقول له: اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ. وذلك بنص القرآن في سورة، في سورة أخرى جاء فيها، جاءت فيها هذه القصة بنفس الألفاظ ولكن بصيغة مختصرة، فجاء فيها ماذا؟ في سورة النازعات قال سبحانه وتعالى: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ. نفس المطلع في سورة طه هل أتاك حديث موسى هنا، وهل أتاك حديث موسى في سورة طه؟ جاء تفصيل طويل في النازعات: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ، يعني ناداه ربه بأن اذهب إلى فرعون، يعني كأنها هذه هي خلاصة القصة.

خلاصة القصة أن الله عز وجل نادى موسى عليه السلام بالواد المقدس طوى ليقول له: اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ، ليقول له: اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ. نفس الآية: اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ. وهذا، وهذا بالنسبة لي، وهذا يعني هذا بالنسبة لي من أعظم شواهد وأدلة، من أعظم شواهد وأدلة فضل الإصلاح والدعوة إلى الله وتعبيد الناس لله، وبلاغ الرسالة بلاغ رسالات الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يعني باب الإصلاح عموما والدعوة إلى الله، باب الإصلاح والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى بالنسبة لي هذا من أعظم شواهدها.

أن الله سبحانه وتعالى لما أراد أن يرسل موسى عليه السلام إلى فرعون كلمه بنفسه، أتى به إلى الوادي المقدس فحصل ما حصل من هيبة الحديث من الله سبحانه وتعالى لموسى كي يقول له: اذهب إلى فرعون. فلما أراد الله أن يكلم بشرا من خلقه، ما اختار سبحانه وتعالى الذي يفعل ما يشاء، ما اختار أن يتكلم مع عابد من عباده على قمة جبل مثلا وهو ساجد لله طوال عمره فكلمه الله، وإنما اختار الله سبحانه وتعالى أن يكلم عبدا من عباده كي يجعله رسولا يحمل رسالة الله ويذهب ويبلغ رسالة الله، وينهى عن المنكر الذي يبغضه الله سبحانه وتعالى.

هذا والله يا جماعة شأن عظيم، شأن جليل، شأن جليل أن الله سبحانه وتعالى يكلم الخلق بنفسه، يكلم موسى بنفسه كي يقول له: اذهب إلى فرعون. هنا تعلم ما قيمة كلمة اذهب إلى فرعون عند الله أن الله هيأ لها بكل ذلك. فباب الإصلاح وباب الدعوة إلى الله، هذا من أعظم روافده التي يتذكرها الإنسان الذي يسير على خطى الأنبياء، أن هؤلاء هم الذين اصطفاهم الله واصطفاهم برسالته، أي بحمل الرسالة وتبليغها إلى الناس والذهاب إلى الناس والاختلاط بالناس. لذلك في هذه السورة، كما قلنا في هذه السورة سورة طه في آخرها قال الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ، تصبر يا محمد على ما يقولون. فمحمد صلى الله عليه وسلم حمل الرسالة واختلط بالناس وتعرض لما تعرض له من الأذى، وواجه الكيد كما واجه موسى عليه السلام.

فهؤلاء الذين يحبهم الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ، يجاهدون، يعني هؤلاء الذين يحبهم الله هم الذين إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص. هؤلاء الذين يسيرون ويختلطون بالناس ويرفعون كلمة الله سبحانه وتعالى ويبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله. فأنا أقصده أن كلمة اذهب إلى فرعون تدل على شرف الرسالة وشرف حملها وشرف الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

الأمر الثاني أنه يؤخذ منها أن الله يبغض الطغيان ويبغض العلو في الأرض الاستعلاء في الأرض واستضعاف الناس، لانه قال: اذهب إلى فرعون، ثم بين له الداعي والمبرر والحامل والمبين لحال فرعون: إنه طغى، إنه طغى. يعني أنه طغى فاذهب إليه، اذهب إليه يا موسى. هذا حقيقة يذكرني بقول الله سبحانه وتعالى في سورة الشعراء: وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. هذه الآية أيضا تدل على أن النداء كان هدفه هذه الرسالة: وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، لأنهم ظلموا، ائتهم. ثم قال ماذا في الشعراء: قَوْمَ فِرْعَوْنَ ۚ أَلَا يَتَّقُونَ؟ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ؟

فهذا حقيقة، هذا كله مما يبرز لك أن الله يبغض الظلم ويبغض الطغيان: اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ. لذلك من يسير على خطى الأنبياء، فالله سبحانه وتعالى يحب من يذهب ويحمل رسالة الله ويبلغها ويحرر المستضعفين من ظلمهم كما أرسل موسى إلى بني إسرائيل كي يحررهم، وقبل ذلك أكيد ما يتعلق بتعبيد الناس لله عز وجل، بتعبيد الناس لله عز وجل، لأن هذه كانت رسالة الرسل كلهم: أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، ثم يحرر المستضعفين من ظلم الظالمين الطاغين المتجبرين في الأرض: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ.

طيب، أخيرا نختم هذا المجلس بالحديث عن ردة فعل موسى عليه السلام. ماذا كانت ردة فعل موسى عليه السلام بعد هذا التكليف العظيم الجليل؟ لا يمكن أن يتخيل الإنسان كيف يقال له اذهب إلى فرعون وقل له أنك لست إله، قل له أن هناك إله، يعني رسول من رب العالمين. قال موسى إني، يا فرعون، إني رسول من رب العالمين، يعني أنا أتيك من الله سبحانه وتعالى وأنت لا تملك شيئا، أنت إن أرسل معي بني إسرائيل فلا يمكن أن يذهب أحد إلى فرعون وتكون المهمة، كانت هذه أثقل مهمة ممكن يكلف بها بشر على الإطلاق.

فكيف كانت ردة فعل موسى عليه السلام؟ موسى عليه السلام، انظروا ماذا كانت ردة فعله الأولى. كانت هي الدعاء، الدعوات. وهذا حقيقة من المواضع الجليلة للدعاء، يعني هذا الدعاء ليس دعاء مجردا، وإنما دعاء أتى بعد، وإنما هو دعاء أتى بعد تكليف عظيم وجليل من الله، وبعد الحديث من الله، بل وأثناء الحديث مع الله عز وجل، قال: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي. هذه ردة فعله الأولى: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّن أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا.

فموسى عليه السلام سمع وأطاع وأذعن لأمر ربه، وانقاد لهذه المهمة، يعني أخبت لله سبحانه وتعالى بهذه الدعوات، بهذه الدعوات، يعني هو ما صار الأمر محل تردد، وإنما انطلق ليقول يا رب فقط أنا أريد بعض الأشياء التي تعينني، إني أخاف أن يكذبون وأخاف أن يقتلوني وما أبلغ الرسالة، فكان يعني موسى عليه السلام تأمل الأمر من أوله ما تردد، وإنما كان يريد ما يعينه ليبلغ الرسالة ولا يقطعها شيء، لا يقطعها شيء. قال: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي. وهذه الدعوات دعوات جليلة وعظيمة وشاملة، فانشراح الصدر.

هذه فيها إزالة لكل الموانع الداخلية، وتيسير الأمر، هذه فيها إزالة لكل الموانع الخارجية، إزالة لكل الموانع الخارجية. فهذه دعوات عظيمة وجليلة يتعلمها الإنسان من موسى عليه السلام ويقتدِي به إذا أقبل على مهمة إصلاحية، على طريق الدعوة إلى الله، على أمر بمعروف نهي عن منكر، يخاف فيه ظلم الظالمين، يخاف فيه كذا، فليدع الله، من أعظم ما يستعان به هو الدعاء، دعاء الله عز وجل: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ۝ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي إلى آخر الدعوات.

وايضا هذا يدل على أهمية أهمية انشراح الصدر لمهمة الإصلاح ومهمة الدعوة إلى الله، أن أهمية انشراح صدر المصلح، لأنه بدون أن يشرح صدره، بدون أن يشرح صدره، فهذا الطريق فيه مشاكل وف فيه آلام وفيه متاعب وفيه وفيه أعداء وفيه استهزاء وفيه أقوال. ويعني هناك هناك أثمان يدفعها الإنسان، أثمان دنيوية نعم يصبر عليها الإنسان إذا يسر الله أمره وشرح صدره، لذلك امتن الله سبحانه وتعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ. ألم نشرح لك صدرك يا محمد، فاستطعت من انشراح الصدر أن تحمل هذه الرسالة وتبلغها وتصبر على ما يصيبك في في في طريقها. فهنا أهمية انشراح الصدر وتطلب أسباب انشراح الصدر، وعلى رأسها موضوع الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

ثم توسل موسى عليه السلام، توسل موسى يعني أنظر بماذا توسل موسى! ما توسل فقط بأنه حتى أذهب وحتى نتمكن في الأرض وحتى كذا، ما توسل بهذا في أول الأمر، وإنما توسل بذكر الله، قال: وَاشْرُكْهُ فِي أَمْرِي ۝ كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ۝ وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا. وهذا من فقه موسى عليه السلام؛ لأن هذا أعظم المطالب، هذا هو أعظم المطالب، سواء تحققت غايتك الإصلاحية من الناحية الدنيوية وحصل لك التمكين أم لم يحصل، تحققت الغاية ورايت الثمرة أم لم تراها، تمكنت من بلاغ الرسالة أم لم تتمكن؟ الغاية العظمى التي يجب أن تقيمها في نفسك من أول يوم هو هي ذكر الله وتعظيم الله وتسبيح الله وتنزيه الله، وحينها تكون قد أفلحت، كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ۝ وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ۝ إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا.

قال قد أوْتِيتَ سُؤْلَكَ. قال: قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى. وحقيقة الآيات التي تتبع هذه الايات ايات أيضا جليلة وعظيمة، يعني الله سبحانه وتعالى ذكر فيها: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي. ثم قال: ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى ۝ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي. فآيات فيها ما فيها من الحديث الجليل الذي يمتن الله سبحانه وتعالى في عليائه على هذا العبد الذي يكلفه بالرساله بمن عليه وبحفظه منذ أن كان صغيرا إلى أن أتى لهذه اللحظة، لحظة حمل الرسالة. فهذه كانت هي اللحظات التي اتاه الله سبحانه وتعالى اتاه الله سبحانه وتعالى هذا التكليف وهذا التشريف، وجعله من اوليائه ومن المقربين اليه.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا أن يجعلنا ممن يصطفيهم ويختارهم ويقربهم، ونسأله أن يجعلنا ممن يحملون الرسالة ويبلغونها ويدعون إلى الله سبحانه وتعالى ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويذكرون الله كثيرا ويسبحونه كثيرا. سبحانك اللهم وبحمدك، اشهد ان لا اله الا انت، نستغفرك ونتوب اليك، والسلام عليكم ورحمه الله.