تسجيل الدخول

الاستهداء بالقرآن | (ربِّ إني دعوتُ قومي) | المجلس الثاني عشر

عبد الرحمن أبو غيث
  • مدة الدرس:
  • قراءة

نستعين بالله ونستفتح لقاءنا هذا اليوم، لقاء الاستهداء في هذه الليلة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا فيها، وأن يغفر لنا ذنوبنا، وأن يتجاوز عنا، وأن يجعل هذه الجلسات جلسات الاستهداء جلسات تنعكس على حياتنا ونزداد بها بصيرة وهداية وقرباً من الله سبحانه وتعالى.

اليوم بإذن الله سنتناول الحديث عن سورة نوح، سنتناول الحديث بإذن الله عن سورة نوح، وهذه السورة سورة عظيمة، فيها من الفوائد الشيء الكثير الذي لا نستطيع أن نحيط به في هذا المجلس، لكننا سنشير إلى بعض النواحي المتعلقة بنوح عليه السلام.

هذه السورة فيها خاصية مختلفة عن باقي السورة التي تناولت قصة نوح، ومن أهم ما فيها أن هذه السورة أولاً هي خالصة في شأن نوح عليه السلام، هذه السورة خالصة في شأن نوح، يعني من أولها إلى آخرها حديث عن إرسال نوح عليه السلام إلى قومه، ثم عن دعوته، ثم عن الأدلة التي استدل بها على قومه، وكيف بذل لهم حياته في سبيل إبلاغ هذه الرسالة، ثم بعد ذلك ذكر العاقبة وذكر المآل.

فهذه السورة تتحدث عن نوح عليه السلام، لكن ليس هذا هو أميز ما في هذه السورة، وإنما أميز ما في هذه السورة أنه هذه السورة الذي يحكي، الذي يحكي قصة نوح هو نوح عليه السلام بنفسه، نوح عليه السلام بنفسه هو يحكي قصته في هذه السورة، هو الذي يقول: إني فعلت كذا وفعلت كذا وقلت كذا.

وهذا المعنى معنى عظيم ومعنى جليل، وفيه معنى قلبي وجداني يلمس النفس حقيقة، وسنأتي على هذا المعنى بإذن الله بعد قليل.

قبل ذلك، أريد أن أقول إن سورة نوح هي من السور التي أتت مناسبة للظرف الذي نزلت فيه، يعني بمجرد أن تتأمل ما هي مضامين هذه السورة، ما هي مضامين هذه السورة وما الذي أتى فيها، فلك أن تتخيل، فلك أن تتخيل كيف كان ظرف تنزيلها، يعني الآن نحن ليس لدينا نص معين في التنزيل، لكن دائماً السور لما تنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم تتنزل على قلبه وتتنزل على المؤمنين والكافرين في ذلك الوقت فيسمعوها، هي تكون مضامينها تكون مناسبة لهم وتكون في أفضل الأوقات الذي أنزلت فيه كي يسمعوها في ذلك الوقت، تكون فيها رسائل للمؤمنين، وتكون فيها رسائل للكافرين، وتكون فيها رسائل كثيرة للنبي صلى الله عليه وسلم.

يعني أنتم تعلمون أن القصص القرآني عموماً، القصص القرآني ولا سيما قصص الأنبياء، إنما ينزلها الله سبحانه وتعالى كما قال في سورة هود، في آخر سورة هود: وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ، يعني الله سبحانه وتعالى كان ينزل هذه القصص القرآنیة للرسل ليس لمجرد الثقافة العامة لمعرفة من كان النبي كذا وماذا فعل، وإنما الغاية العظمى بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم أن يتثبت فؤاده، أن يتثبت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم.

فكان الله سبحانه وتعالى يثبت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم بالقران، وقالوا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلاً، وكذلك لا سيما بالقصص، قصص الرسل: وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ.

فهذه واحدة من القصص، الآن سنتناول قصة من القصص، قصة نوح عليه السلام، فلك أن تتخيل كم فيها من المثبتات للنبي صلى الله عليه وسلم، يعني مجرد أن تقرأ، أن تقرأ كيف أن نوحاً عليه السلام قال: رب إنِّي دعوت قومي ليلاً ونهاراً فلم يزدهم دعائي إلا فراراً، بعدها: ثم إنِّي دعوتهم جهاراً ثم إنِّي أعلنت لهم وأسررت لهم إسراراً، لك أن تتخيل كيف كان، كيف كانت هذه الكلمات وقعها على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يرى نبياً من الأنبياء، وهو يسمع كيف يحكي له سبحانه وتعالى نبياً من الأنبياء فعل كل ذلك في سبيل بلاغ الدعوة، وصبر على كل هذا الأذى، وبلغ ونوع في الدلائل ونوع في كل شيء، وبذل كل ما يستطيع أن يبذله في سبيل هذه الدعوة.

فهذه رسالة عظيمة للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم لورثة الأنبياء من بعده، من أراد أن يدعو إلى الله سبحانه وتعالى، ففي مثل هذه السورة دروس عظيمة تثبت القلب وتتعلم أنه فعلاً قد جاءت رسل، يعني قد مر أناس قد عانوا ما عانوا وقد بذلوا ما بذلوا وقد صبروا ما صبروا.

يعني هذه السورة نستطيع أن نقول هي تمثل من تمثلات الآية التي وردت في سورة الأنعام: قَد نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ، ثم قال الله سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ، هذه السورة مثال على: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ.

فهذه من جهة أن هذه السورة محملة بالرسائل للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين وللكافرين، ثانياً هذه السورة تكشف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان محتاجاً إلى هذا، تكشف لنا عن الحال في ذلك الوقت، تكشف لنا كيف وصل الحال بالنبي صلى الله عليه وسلم في دعوته لقومه إلى درجة أنه احتاج إلى أن يثبته الله سبحانه وتعالى بمثل هذه القصة.

فأنت من زاوية عكسية تحاول أن تتخيل ما الذي عليه الحال في زمن النبي صلى الله عليه وسلم حتى تنزل له هذه السورة التي تصبر وتثبت وتبين كيف بذل نوح عليه السلام ونحو ذلك، ثم بعد ذلك هي كذلك فيها رسائل للكافرين في الفريق الآخر، أنه هؤلاء الكافرين الذين كذبوا بالنبي صلى الله عليه وسلم اسمعوا، اسمعوا كيف كان شانهم في زمن نوح، كيف عصوا، كيف أصروا، كيف استكبروا استكباراً، كيف مكروا مكراً كباراً، ثم بعد كل ذلك قال: مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنْصَاراً.

هذه كانت العاقبة، هذه كانت العاقبة بالنسبة للكفار، وأنتم أيها المشركون ستسيرون على طريقهم، ستسيرون إلى تلك العاقبة إذا أصررتم على هذا الشرك، فهذه السورة حقيقه سورة تنزل على الواقع فتعالجه من كل مكوناته، هذا بالنظر إلى ظرف التنزيل.

طيب، سنتناول هذه السورة في عدة مقاطع بإذن الله عز وجل، أولاً كما ذكرنا السورة مباشرة تدخل في القصة، يعني ما في مقدمات زي مثلاً كثير من السور الثانية الحروف المقطعة ونحو ذلك، وإنما مباشرة تنزل أو تدخل على الموضوع مباشرة: إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ.

أول معنى نريد أن نذكره، أول معنى نريد أن نذكره هو معنى الرسالة، معنى الرسالة، ونحن نقول رسول الله ورسل الله وكذا، الله سبحانه وتعالى أرسلهم، لكن يعني نتوقف قليلاً مع هذا المعنى، هذا معنى عظيم، معنى أن هذا البشر الذي أتى كي ينذر الناس كي يحذر الناس كي يبلغ رسالة، هذا ترى هو رسول، وهذه كلمة رسول ترى كانت مستخدمة حتى عند العرب.

يعني كان إذا كان في مثلاً بين أمة وأمة وبين قبيلة وقبيلة أو بين إذا كان بينهم مراسلات أو حرب أو كذا، فكانوا يرسلون بينهم رسلاً، يرسلون بينهم رسلاً، هم يعرفون يعني يعرفوا ما معنى رسول، رسول بالنسبة لنا خلاص رسول كلمة هي تأتيك مقدسة، لكن تدخل في معناه اللغوي هو رسول، يعني هو مثل هذا الذي يحمل الرسالة بين الناس، هذا هو من الناحية اللغوية.

فالرسالة نوح عليه السلام، وثم الرسل من بعده، ما هم إلا رسل، هم مرسولون، يعني أرسلهم أحد، هم تابعون لأحد، تابعون لأحد، وهذا الذي أرسلهم هم مجرد

وما هم إلا عبيد عنده، هم عبيد عند هذا الذي أرسلهم، فهم ما هم إلا عبيد أرسلهم سيدهم وربهم، أرسلهم فهم دورهم أن يأخذوا هذه الرسالة ويحملوها، ثم يخوضوا هذا الطريق ويصلوا إلى المكان الذي أرسلهم ربهم إليه بهذه الرسالة، ثم يبلغوها. هذا كان دورهم أنهم يأخذوا هذه الرسالة ويبلغوها، وكان يجب عليهم أن يبلغوها، ما كان الأمر اختيارياً، ما كان الأمر اختيارياً، هم عبيد وعندهم مهمة، هذه مهمة هم كلفوا بها ترى. يعني الرسل عموماً يعني هم مكلفون، ليس الأمر اختيارياً، ليس الأمر اختيارياً بالنسبة لهم، أو أنه مثلاً إذا أراد أن يبلغ فهي مرتبة عالية، إذا ما أراد أن يبلغ فلا، هم مكلفون من الله سبحانه وتعالى أن يحملوا هذه الرسالة ويبلغوها، يجب أن يبلغوا.

ولذلك هناك آية عظيمة في القرآن حقيقة، ومن الآيات المخيفة، يقول الله سبحانه وتعالى في سورة المائدة، يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ. ثم اسمعوا ماذا يقول: وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ. وكذلك في سورة المائدة: وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ. فالله سبحانه وتعالى يحذر النبي صلى الله عليه وسلم، يحذر النبي صلى الله عليه وسلم أن يركن إليهم ولو شيئاً قليلاً، ولو أنه يترك شيئاً قليلاً من هذه الرسالة، لا، الرسل كانوا مكلفين وكانوا محاسبين، وكان الأمر بالنسبة لهم واجب وفرض أن يكلفوا أن يحملوا هذه الرسالة، فهم رسل لربهم وليس عليهم إلا البلاغ، ليس عليهم إلا البلاغ والإنذار.

هذه نقطة، وهذه نستفيد منها عملياً، أن الإنسان الذي يسير في طريق الأنبياء، قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني، فمن يتبع النبي صلى الله عليه وسلم في طريق الدعوة إلى الله عز وجل، يجب أن يحمل الرسالة ثم يسير بها ويخوض بها الصعاب ويصبر ويكابد حتى يبلغ، ولا يكون الأمر بالنسبة له اختيارياً، ولا يكون الأمر بالنسبة له مرحلة أو عمر، أو يعني ممكن يترك الطريق إذا مثلاً انشغل أو كذا، لا، إذا أراد أن يكون له نصيب من ميراث الرسل وأن يسير على ما ساروا عليه، يجب أن يحملها، يحمل هذه الرسالة ويذهب فيبلغ، يبلغ هذه الرسالة.

هذه النقطة الأولى. النقطة الثانية، يقول الله سبحانه وتعالى: أَنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ، أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم. فهذا أهم مضمون عمله الرسل، واول ما بدأوا به وأول ما كلفوا به، ما هو؟ هذا المضمون هو فكرة أن قومك هؤلاء أيها الرسول قومك ترى سيدخلون إلى النار فأدركهم، أدركهم أدرك هؤلاء بلغهم الرسالة، اهدهم هداية التبليغ وهداية الارشاد إلى الطريق المستقيم.

وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: وأنا آخذ بحجزهكم عن النار وأنتم تفلتون مني. كان هذه وظيفه الرسل أنهم يخافون على قومهم من النار، ينذرونهم من النار، كان أهم دور هو دور الإنذار وأول الأدوار. لذلك لما وقف النبي صلى الله عليه وسلم على الجبل في بداية لما نزلت: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم قال: أرأيتم لو أن خيلاً في هذا الوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما عهدنا عليك كذبا. قال: ماذا؟ قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد.

فدور النذارة هو أول الأدوار، كما قال الله سبحانه وتعالى في مواضع كثيرة، بل أحياناً يعني أحياناً الله سبحانه وتعالى يجمع بين الإنذار والتبشير، وأحياناً يأتي الإنذار وحده، أحياناً يأتي مستقلاً في بعض السياقات: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا. اسمه نذير، اسمه نذير سماها الله سبحانه وتعالى نذير. وقال سبحانه وتعالى في بداية سورة النحل: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ، يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ. يرسل الملائكة بالإنذار، ويرسل الرسل بالإنذار، وانه لتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين.

والمستفاد من هذا، المستفاد من هذا، نحاول دائماً أن ننزل هذا الامر على واقعنا كفوائد عملية، أن أيضاً من يبلغ رسالة الله، من يسير على خطى الأنبياء، يجب أن يكون من أهم أدواره، ومن أهم ما يعرف به نفسه: الإنذار، إنذار الناس لا سيما من كانوا على ضلالة، من كانوا على معاصي، من كانوا على أخطاء، من كانوا على غير هدى، يجب أن ياتيهم بهذا النفس: إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم. هكذا كان يقول الرسل: إنا أخاف عليكم. فما يكون الأمر مجرد إبراز أشياء المتعلقة مثلاً بالرجاء والاشياء المتعلقة بالكذا وأشعار الناس أنكم على خير بس في كذا، لا، تخويف الناس، التخويف مع الترغيب طبعاً، لكن التخويف يجب أن يكون عنصراً حاضراً وأساسياً.

فيجب من كان على معاصي من حقه عليك أن تخوفه، من حقه عليك أن تنذره، من حقه عليك أن تقول له: ترى آخر هذا الطريق هناك نار، هناك نار فاحذر وانتبه. لذلك قال في الآية الثانية قال: يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ، يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.

طيب، الجانب الثاني، وهو الجانب الحقيقة العظيمة في هذه السورة، الجوانب العظيمة في هذه السورة، يعني كان المشهد الأول كان مشهد الإرسال، الله سبحانه وتعالى قال له: اذهب إلى قومك أن أنذر قومك، أنا أرسلنا نوحاً إلى قومه أن أنذر قومك، فقال: يا قومي إني نذير لكم، إني لكم نذير مبين. ثم انتقل المشهد بعد ذلك، كان المشهد انتقل إلى آخر حياة نوح عليه السلام.

وتعلمون نوح من الرسل الذين عاشوا طويلاً في اقوامهم، لا أقول عاشوا ألف سنة إلا خمسين، بل أنذرهم ألف سنة إلا خمسين، يعني عاش فيهم السنوات مئات السنين، ينذر ويبلغ ويصبر ويجاهد، ويَفعل كل ما يستطيعه، ثم بعد ذلك كان الله سبحانه وتعالى ينقل لنا مشهداً من المشاهد التي والله أعلم والله أعلم كان المفهوم منها أنها في آخر دعوته.

أنها في آخر دعوته، كان نوح في ذلك الوقت كان يقول لله سبحانه وتعالى، ويناجي الله سبحانه وتعالى، ويشتكي إلى الله سبحانه وتعالى، ويبث همومه وأحزانه إلى الله سبحانه وتعالى. وهذا الألم الذي كان يعصر قلب الأنبياء لما يعرضوا اقوامهم، وهذا الحزن وهذا الضيق الذي يشعرون به في قلوبهم: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونوَا مُؤْمِنِينَ، وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ.

هذا الحرص والضيق، هذه الدعوة كانت ممتزجة في مشاعرهم، ممتزجة بدمائهم، ممتزجة بأفكارهم وبارواحهم، كانوا يبذلون أنفسهم في طريقها، وكانوا يتألمون، وكانوا تضيق صدورهم بالإعراض، حريصون، حريص عليكم، حريصون على أقوامهم. هذه المشاعر القلبية كانوا يتوجهون بها إلى الله سبحانه وتعالى، وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا. ما في أحد تفر إليه وتسكن إليه وتبث همومك إليه إلا الله سبحانه وتعالى، ما في أحد يعني يكون هو الملجأ الحقيقي إلا الله سبحانه وتعالى. وكذلك كان الرسل متعلقون بالله سبحانه وتعالى، كانوا يدعون الله سبحانه وتعالى، كانوا يبثون همومهم إلى الله سبحانه وتعالى.

وهنا معنى وجداني عميق، أن نوحاً عليه السلام كان يحكي قصته لله سبحانه وتعالى، كان يقول: يا رب أنا فعلت كذا وفعلت كذا وفعلت كذا، دعوتهم في هذا الوقت، ثم دعوتهم في هذا الوقت، ثم قلت لهم كذا، يذكر حتى أقواله، حتى هذه يقولها لله سبحانه وتعالى، حتى هذه كان يقولها الله سبحانه وتعالى، قال: رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم

يَدْعُوهُمْ، رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً، فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَاراً، وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً.

ذحين الله حين نوح عليه السلام يحكي لربه، ويبث همه لربه، ويشتكي إلى ربه، ويعتذر إلى ربه سبحانه وتعالى، أنه يعني يا رب أنا بذلت كل ما ما يمكن، كل ما يمكن أن أفعله بذلته، وهذا يجب أن نقرا هذه الآيات بهذه العين. هذه السورة لا تحكي فقط قصة نوح، بل يجب أن نقراها من جهة أن نوحاً يحكي قصته في هذه السورة، على غير كثير من السور، نوحاً عليه السلام ليس فقط يحكي قصته لنا، يعني لم نجدها مثلاً في، لا هو كان يحكيها لله، كان يحكيها لله وحده، كان يبث همه لله وحده. والله لأنه أحب من نوح هذا المقام، وأحب منه هذه الكلمات، وأحب منه هذه الدعوات وهذه المناجاة، فسجلها وخلدها لنا الله سبحانه وتعالى وأنزلها قرآناً يتلى إلى يوم القيامة، ليقول لنا وليقول للنبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك: انظر إلى شأن نوح، انظر إلى شأن نوح في مناجاته، وفي تعلقه بربه، وفي توكله، وفي بيان قصته كيف أنه فعل ودعا وكذا وكذا.

فهذا معنى حقيقة إذا قرأت السورة من جهته فهو معنى وجداني عميق، يعني معنى وجداني له في النفس وقع، له في النفس وقع. فنوح عليه السلام يبين يقول حتى إنه قال بعد ذلك فقلت لهم كذا، وقلت لهم حتى أورد الأدلة: ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقاً، وجعل القمر فيهن نوراً، إلى أن قال نوح: رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّم يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَاراً، وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً. يا ربي أنا عصوني يا رب، وهذه المناجاة تذكرنا تذكرنا بمناجاة إبراهيم عليه السلام، لأنه لا يمكن أن نتحدث عن مناجاة الأنبياء لربهم وتعلقهم بربهم دون أن نذكر إبراهيم. فإبراهيم عليه السلام في سورة إبراهيم قال: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ، ثم اسمع ماذا يقول: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ.

يشتكي إلى الله ضلال الناس في هذه الأرض، يشتكي إلى الله وجود الأشياء المفسدة، والناس الطغاة، والناس المفسدين، والناس أصحاب الذنوب، والناس المعرضين والمناوئين للدعوات الصالحة: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ. وهذا يذكرنا بقول نوح في هذه السورة، قال ايش؟ قال: وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً، وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً بعد أن قالوا: لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلَا سُوَاعاً وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً. ثم قال بعدها: فَإِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ، انظر كيف يتحدثون مع الله سبحانه وتعالى، وهم مهمومون بما يحب ربهم من صلاح الخلق، ومتألمون بما يبغض ربهم من ضلال الخلق.

هذا هذه يعني هذه المشاهد مشاهد عظيمة، لذلك أيضاً كفائدة عملية: من كان يسير في هذا الطريق، الطريق اللي فيه دعوة إلى الله، وفيه إصلاح، وفيه أمر بالمعروف، وفيه نهي عن المنكر، وهذا الطريق الذي لابد فيه من المصاعب ولا بد فيه من الابتلاءات ولا بد فيه من الآلام ولا، يجب أن يكون لك هذه الصلة، هذه الصلة هي التي تثبتك، أنك ترفع يديك إلى الله سبحانه وتعالى وتشتكي له وتحكي له وتبث همك له، وتفصل لله سبحانه وتعالى، لا سيما فيما يحب الله سبحانه وتعالى، فيما يحب من صلاح الناس، وتشتكي إليه من ممن هم رؤوس الضلال في هذه في هذه الأرض. أنت تشتكي إلى الله سبحانه وتعالى وتقول إنهم فعلوا كذا وفعلوا كذا ومكروا مكراً كباراً، رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي. قال نوح: رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّم يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَاراً، وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً، وَقَالُوا يا رب، قالوا: لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلَا سُوَاعاً وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً.

فهذا حقيقة من أعظم ما نخرج به من هذه السورة هو شدة تعلق الأنبياء بربهم، لا سيما فيما يتعلق بدعوتهم إليه، لا سيما فيما يتعلق بواجبهم الرئيسي الذي كلفهم الله سبحانه وتعالى به. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم، كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بدعاء عظيم، وفيه هذا فيه هذا الأمر: لما النبي صلى الله عليه وسلم أعرض عنه قومه، ولما عرض نفسه على قومه، ولما أصابه ما أصابه من الحزن، وكان في يوم شديد، كان في يوم أعرض فيه الناس، فدعا بالدعاء الطويل المعروف: اللهم إليك أشكُوَ ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، إلى من تكلني؟ إلى عدو يتجهمني، أو إلى قريب ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي.

سبحان الله، شوف الكلمات كيف كلمات عظيمه في هذا الموقف الذي يقفه الأنبياء، هم ما ليس الأمر أنهم مهمومون بأنفسهم، هم مهمومون بأمر الدعوة، مهمومون بأمر الدعوة، مهمومون بأمر صلاح الناس، وبأن يبلغوا هذا الأمر على تمامه، وأن لا يغضب منه ربه. يقول ماذا؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تنزل بغضبك أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله. هذا الدعاء الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج من الطائف، في يوم كان هو من أشَدِّ الأيام على النبي صلى الله عليه وسلم، يعبر لك كيف كان الأنبياء، كيف كانت علاقة الأنبياء على هامش طريق الدعوة إن صح التعبير، يعني هم عندهم دعوة وعندهم اختلاط بالناس وعندهم كذا، وفي هامش ذلك هم لديهم علاقة، هامش لا أقولها من باب التقليل أو أو يعني التهوين، وإنما أقولها من باب أنها متابعة يعني، أشياء تابعة إلى طريق الدعوة هو الدعاء والتعلق والمناجاة والتوجه إلى الله سبحانه وتعالى وبث الهموم.

هذا ما يجعل الأنبياء أنبياء حقيقة، وهذا ما تراه في الأنبياء على أعلى صورة، ثم بعد ذلك من يتبع الأنبياء ويريد أن يستنّ بسننهم فليكن على هذا الأمر: أمر المناجاة، وأمر الدعاء، وأمر التعلق، وأمر بث الهموم، وأمر وأمر أن يكون هناك صلة دائمة بالله سبحانه وتعالى، لا سيما عند نزول البلاء، وعند أعراض الناس، وعند وجود الطغاة، وعند وجود المفسدين.

طيب، هذا المعنى الثاني. المعنى الثالث، المعنى الثالث هو الأدلة. الأدلة يعني نوح عليه السلام، نوح عليه السلام حقيقة حقيقة لما ذهب وبلغ، هي ليست الفكرة أنه كان ما أنا إلا نذير مبين، فالآن خلاص بلغ الرسالة، بلغت الرسالة أياً كان شكلها، استمعوا استمعوا، لم يستمعوا لم يستمعوا، عندي وقت معين مثلاً أخرج فيه من بيتي أبلغهم إذا وجدتهم أبلغهم، أو ما يفعله بعض الناس اليوم في طريق الإصلاح، أنه يكون هناك دوام معين، هناك ساعات معينة خلاص تبذل ما عليك ثم ترجع، لا نوح عليه السلام حمل هذا اللواء وبذل كل ما يمكن أن تتخيله بذله في هذا السبيل.

الأوقات نوع فيها: قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً، فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَاراً، وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ. لاحظوا كلما، يعني هذه واجه نوح إعراض شديد من قومه، كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً. ثم نوع في الأساليب: ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً، ثم إنني أعلنت لهم وأسررت لهم إسراراً: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ. يعني نوع في الأوقات ونوع في الأساليب.

ثم نوع في نفس الأدلة: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً، وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً، مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً. مرة بالترغيب اللي هو المطر والسماء وكذا، ومرة بالترهيب: مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً، ومرة يحببهم بربهم، يحببهم بالله سبحانه وتعالى: أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً، وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ، وجعل القمر فيهن نوراً وجعل الشمس سراجاً، وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً، ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً، وَاللَّهُ جَعَلَ.

لكم أنتم، جعل لكم الأرض بساطاً لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً. يعني هي ليس الأمر كان مجرد بلاغ، يعني بلاغ مجرد، كان بذل كل ما يمكن حتى يؤمنوا، حرص حقيقي على هدايتهم، كما فعل كل الأنبياء، كان حرص حقيقي على هدايتهم.

وحقيقة هناك آية معبرة عن هذا الكلام، يعني معبرة عن إيش؟ معبرة عن كثرة وشدة وحرص نوح عليه السلام على أن يهتدوا، وفي المقابل على شدة الإعراض والتكذيب من قومه. وهذه الآية ماذا؟ في سورة هود. سورة هود بالمناسبه يعني هي أطول سورة ذكرت فيها قصة نوح، ففي هذه السورة ماذا قال لما ذكر شيئاً من قصته؟ قال بعد ذلك: قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا. يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا. كم هي هذه الكلمة معبرة! وكم هي مؤلمة حقيقة بالنسبة لنوح عليه السلام! يعني أنا حريص عليكم، حريص عليكم كي تنجوا، أنتم قومي، أريد لكم النجاة، أريد لكم أن تدخلوا الجنة، أريد لكم النجاة من النار. ثم ماذا؟ ثم قالوا: يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ.

وهذا هذا حقيقة كان من الأمور الصعبة جداً جداً على الأنبياء، ما هو هذا الأمر؟ هو فكرة استعجال العذاب. يعني هم كانوا يقولون: طيب ما آخر هذا الأمر؟ يعني ما آخر ماذا يمكن أن يحصل لنا؟ ماذا يمكن أن يحصل لنا؟ عذاب! ائتِ بهذه العذاب خلاص، انتهى هذا الكلام، ويقول: جادلتنا فأكثرت جدالنا، وريّحنا من هذا وما نبي نسمع في عذاب، جيب العذاب. وهذا الأمر كان يؤلم الأنبياء ويحزنهم. لماذا؟ ليس لحظهم الشخصي، وإنما لأن فيه إعراض قومهم، إعراض قومهم وفيه هلاك قومهم، وهم كانوا حريصون عليه.

لذلك يا جماعة لو تتبع الإنسان الكلمات الكلمات اللي جاء فيها استعجال العذاب للنبي صلى الله عليه وسلم في في السور، لا سيما هي تأتي في السور المكية، تجد الله سبحانه وتعالى يواسي النبي صلى الله عليه وسلم، يواسي النبي صلى الله عليه وسلم في تلك المواطن. كما قال الله سبحانه وتعالى: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ، في سورة المعارج، السورة التي تسبق سورة نوح: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ. سأل سائل يعني أي أنهم استدعوا العذاب، يعني نفس هذه اللي استعجلوا العذاب، متى متى يأتي العذاب؟ يلا آتنا بعذاب إن كان هذا هو الحق حق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. بعدها: لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، ماذا قال له الله سبحانه وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً. فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً. هذا موطن كانوا يحتاجون فيه إلى التصبير من الله سبحانه وتعالى، كان موقفا صعباً، أنه أنهم يجادلوا مثل نوح عليه السلام، يجادلوهم بالحق، يجادلوهم بالحكمة، يبين الأدلة، ثم بعد ذلك: قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ.

لذلك يعني بعد كل هذا الذي فعله نوح وبعد كل هذا الذي بينه، يأتي المقطع الرابع من خمسة: قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي. يعني يا رب رغم كل الذي فعلته، يا رب رغم أني دعوتهم وأعلنت لهم وأسرت لهم ونهاراً وليلهم، وقلت لهم ولا ترجون، وقالون، وبينت لهم، ورغبتهم ورهبتهم، وأتيت لهم في كل مجالسهم، وتحملت الأذى منهم، يعني نوح نوح عليه السلام تحمل من الأذى الشيء العجيب.

قوم نوح، سبحان الله، قوم تقرأ عنهم في في القصة القرآنية تبغضهم بغضاً شديداً من شدة التكذيب، من شدة التكذيب. بعدين هذا ما كانت أيام ولا أشهر ولا سنوات ولا عشرات السنين، ألف سنة إلا خمسين عاماً يتعرض نوح إلى هذا التكذيب والسخرية والاستهزاء، وفوق كل ذلك مكراً كباراً. يعني لا تظن الأمر كان سهلاً ولا كان الأمر مجرد أنه أنه لا يستمع، لا، كان في كيد، كان في مكر، والله هذه الكلمة تقرأها: وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً. لك أن تتخيل كيف الله سبحانه وتعالى يصف بذلك؟ ومكروا مكراً كباراً، يعني ما الذي فعلوه كي يوصف بذلك؟ لعلهم يعني خططوا لأشياء كثيرة فما نجحوا، حاولوا قتله، حاولوا كذا، مكراً كباراً، فمكروا مكراً كباراً، فلك أن تتخيل.

فقال نوح: رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا. وعصوني واتبعوا، واتبعوا هذه توحي توحي لك إلى أن كانت هناك دعوات مناوئة لنوح عليه السلام، كانت هناك كان هناك ملأ كما كما يكون دائماً في في الاقوام الذين يعارضون الأنبياء. كلما جاءهم نذير، كلما جاءهم رسول كذبوه، كلما جاءهم كل الأقوام، كل الأقوام إذا جاءهم رسول يكذب، ويقول: ساحر مجنون، لذلك قال الله سبحانه وتعالى: أَتَوَاصَوْبِهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ. كان كل الرسل فعلوا ذلك. المهم أن هناك كان دعوة مناوئة، كان هناك أصحاب أموال: وَاتَّبَعُوا مَن لَّم يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَاراً. كان هناك أشبه ما يكون بمؤسسات تحارب هذه الدعوات، تحارب دعوة نوح عليه السلام.

وعندها مكر كبار، يعني يا جماعة احنا لا نبسط الأمر، نتخيل قوم نوح، يعني نتخيل الأمر بكل هذه البساطة، يأتي أمرهم ثم يعرضوا، لا، فعلاً كان هناك كان هناك كان هناك رؤوس ضلال ومكر كبار وعمر عظيم. وقالوا: لا تذرن آلهتكم، وعندهم مقولات وعندهم صبر على الآلهة: أن امشوا واصبروا على آلهتكم. وأيضاً كما قال الله سبحانه وتعالى: إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا، هذه قالوها في شان محمد صلى الله عليه وسلم، لذلك هذه السور كانت مناسبة لحال النبي صلى الله عليه وسلم.

هذا النبي صلى الله عليه وسلم لما كان يسمع: أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا، وانطلق الملأ منهم: أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد، ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة، إن هذا إلا اختلاق. لما كان يسمع هذا وكان يسمع: إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا، الآن يقول لك هنا: ترى حتى نوح من أول الرسل، ما ماذا كانوا يقولون؟ نفس الشيء يا محمد، وقالوا: لَا تَذَرُنَّ آلِهَتِكُمْ، لا تتركوا الآلهة الآلهة، تمسكوا: لَا تَذَرُنَّ آلِهَتِكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلَا سُوَاعاً وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً.

ثم يقول نوح: وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً. وقد أضلوا كثيراً، هذه أضلوا سواء كانت عائده للأصنام أو لأولئك الملأ الذين قالوا لا تذرون آلهتكم، في على قولين للمفسرين. فانت تعلم حجم الضلال الذي كان موجوداً على على الأرض في زمن نوح، أجمل ضلال الأرض كان فيها ضلال ضلال كبير، لذلك استدعى من الله سبحانه وتعالى بعد ذلك الإغراق، تطهير الأرض.

وتفهم حينها لماذا دعا عليهم نوح؟ لماذا دعا نوح أنه: رَبِّ إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ، هو خبرهم، هو عارفهم يعني ألف سنة وعارف بطينتهم جيداً، يا رب طهر الأرض منهم وإلا يضل الباقون ويظل تظل الأجيال القادمة. تعلم حجم ما كانوا يواجه نوح عليه السلام: وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً * وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالاً.

وأيضاً بعدها قال: وقال نوح: رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً، خلاص دعا نوح عليهم، وكما قال المفسرون إنه دعا عليهم بعد أن قال له الله سبحانه وتعالى إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، فحينها حينها ما يئس نوح، لكن لما آتاه الخبر انتهى الأمر، فدعا عليهم نوح عليه السلام أنه يا رب إذا ما كان أحد سيؤمن ف يعني الموجودين لا يضلوا، فخذ هؤلاء الذين كتب عليهم الشقاء، خذهم: لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً. يتكاثر سيتكاثر: وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً.

وسبحان الله يعني لك أن تتخيل، نوح عليه السلام الذي صبر على هؤلاء القوم وعرفهم واحداً واحداً، وأسر إليهم أسراراً واحداً واحداً، وجلس المجالس واستحمل الاستهزاء وصبر، وكان يرغب فعلاً أنه كان أنه يهتدوا، لك أن تتخيل بعد ذلك، لك أن تتخيل أنه هو نفسه يدعو عليهم بعد ذلك، وكيف الأمر على نفسه؟ وأن من هؤلاء الكفار كان ترى حتى امرأته وحتى ولده. يعني هذا هذا مما يشرح بما واجه نوح عليه.

السلام، وحقيقة، حقيقة هذه كفائدة جانبية القرآن يجعلك تحب الأنبياء، لاسيما، لاسيما أولو العزم منهم. القرآن يجعلك تحب إبراهيم عليه السلام محبة خاصة، ويجعلك تحب نوح عليه السلام محبة خاصة بما واجه وبما بذل في سبيل الله سبحانه وتعالى، وبما أحب الله سبحانه وتعالى وبلغ رسالته.

فالخلاصه أنه بعد كل ذلك علم أنهم قد كتب عليهم الشقاء، كتب عليهم الهلاك فدعا عليهم، وا يعني سبحان الله هذه الآية عجيبة: مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا. يعني لما بتقرأ هذه الآية تشعر أن الأمر سهل عند الله سبحانه وتعالى، بسيط جداً، والأمر يسير يعني أنه فقط عند الله سبحانه وتعالى كن فيكون، يعني هذه الألف سنة ما كانت إلا يعني لحكمة منها، وإلا لو أراد الله سبحانه وتعالى: مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا، كلمتين فيها عذاب الدنيا والآخرة.

وهذا كحال فرعون، فلما أدركه الغرق أغرق فرعون، فرعون ومملكة، وادعاء ألوهية وقتل وكذا استضعاف الناس، ثم بعد ذلك أغرقه الله سبحانه وتعالى بكلمة، بكلمة منها أغرقه. لذلك ما ييأس الإنسان في مثل هذا الزمن، ما ييأس، عند الله ليس الأمر بعظيم، الأمر يسير، وإنما عليك أن تكون كما كان نوح ولو كان وحده، ولو كان في قلة من قومه؛ لأنه ما ما آمن معه إلا قليل، كما قال الله سبحانه وتعالى: وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ.

لا تظن أنه طالما أنا عشت خمس سنوات ولا عشر سنوات في طريق الدعوة وبلغت فيجب إنه يكثر الناس، ويجب إنه إنه تكون العاقبة كذا وكذا. لا تفترض افتراضات دنيوية، العاقبة المضمونة هي الأخروية، ولست أفضل من نوح عليه السلام، لذلك المطلوب منك أن تبلغ وتصبر، هذا هو المطلوب منك أن تبلغ وتصبر ثم الله يقضي ما يشاء سبحانه وتعالى.

فالله لما أراد أغرقهم فأدخلهم ناراً، وما وجدوا حينئذ أحد ينصرهم. لما جاء الطوفان، لما جاء الطوفان في ذلك الوقت اغرق الناس، اغرق الكفار كلهم، أغرق الكفار كله وبالمناسبه حتى بعد أن قضي الأمر وكتب عليهم الشقاء قبل أن يأتي الطوفان لما كان يعد السفينة ما زال يتعرض للاستهزاء، وكلما مر عليه ملأ من قومه يصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه، يعني تخيل خلاص احنا خلصنا انتهى الأمر عند نوح عليه السلام، ما بقى شيء على على النجاة واقتربت العاقبة، ولا زالوا يمر ويسخروا، يمر ويسخر كلما مر عليه ملأ من قومي سخرون.

أخيراً قال قال الله سبحانه وتعالى: رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا. يعني كلمة معبرة وتصف المشهد كاملاً، وتصف حال نوح عليه السلام وتصف علاقته، كأنها كأن الستارة تسدل بهذه الدعوة، كأن الستارة تسدل على الدعوات الصورة كلها دعاء.

وهذا الختام بالاستغفار له وقع تشعر فيه، تشعر فيه الختام تشعر فيه حسن الخاتمة، تشعر فيه: رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا. تشعر فيها كما جاء في سورة النصر لما قال الله سبحانه وتعالى: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ. هنا يأتي الاستغفار، فكان النبي صلى الله عليه وسلم في آخر عمره يكثر من الاستغفار، ويكثر من التسبيح والاستغفار.

وبذلك ننتهي من هذه السورة. وبالمناسبة سور القرآن دائماً تختم بذكر العاقبة، العاقبة الحسنة للمتقين، دائماً سور القرآن تذكر في آخرها عاقبة المؤمنين ونجاتهم ونصرهم، وعاقبة الكافرين وهلاكهم وخسارتهم. هذه العاقبة دائماً تاتي في النهاية، وهذه هي أنه اغرقهم فأدخلهم ناراً، واما المؤمنون نجاهم الله سبحانه وتعالى.

وبذلك تنتهي هذه السورة العظيمة الجليلة. سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.