تسجيل الدخول

الاستهداء بالقرآن | ذكر الله في القرآن | المجلس الثامن والثلاثون

عبد الرحمن أبو غيث
  • مدة الدرس:
  • قراءة

والصلاة والسلام على رسول الله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا في هذا المجلس، وأسأله بمنّه وجوده واحسانه وكرمه أن يجعل هذا من المجالس التي تحفها الملائكة، ويذكر الله سبحانه وتعالى أصحابها فيمن عنده، تتنزل عليهم السكينة وتغشاهم الرحمة.

حياكم الله أيها الكرام في مجلس الاستهداء الثامن من الـ... نسأل الله أن يعني تكون هذه السلسلة سلسلة طيبة ومباركة، وأن يتمها الله سبحانه وتعالى ولا يحرمنا هذا الخير.

طيب يا كرام، اليوم بإذن الله سنقف مع موضوع من أهم المواضيع في كتاب الله عز وجل، الموضوع اليوم من أهم المواضيع في كتاب الله عز وجل. وسترون في الآيات كيف أن هذا الموضوع من المواضيع المركزية، مواضيع متعلقة بالغايات، بل أنها متعلقة بغاية الخلق، بغاية العبادة، وهو ذكر الله، وإقامة ذكر الله، إقامة ذكر الله سبحانه وتعالى في القلب.

سأبدأ مباشرة بدون مقدمات طويلة من هذه الآية التي تلفت الانتباه، فيقول الله سبحانه وتعالى في سورة الأحزاب: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا.

هذه الآية من الآيات الجامعة لصفات المؤمنين، وما فيها من يعني ذكرى الخشوع والصدقة والصيام إلى آخره. الملفت، يعني يلفت الانتباه مباشرة، يلفت انتباه القارئ أن كلمة الذاكرين لم تأتي: والذاكرين الله والذاكرات كما في باقي الصفات، وإنما ذكرت: والذاكرين الله كثيرا والذاكرات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات. فهذا بمجرد رده يلفت الانتباه، ليس كذلك؟ يعني من يقرأ الآية يشعر أن هناك شيئا خاصا متعلقا بالذكر، شيئا خاصا متعلقا بالذكر وهو أن هيئة الذكر أو صفة الذكر تكون على وجه الإكثار، هذا الذي يحبه الله سبحانه وتعالى، يحب الذكر على وجه الإكثار، الذكر على وجه الخصوص.

وكما قال ورد عن ابن عباس بمعناه كلامه أنه ما، يعني لا يوجد شيء أمر الله سبحانه وتعالى بالإكثار منه في كل الحالات إلا الذكر، إلا الذكر. فهذا أول شيء يلفت الانتباه: الذاكرين الله كثيرا.

ومن يتأامل الآيات في كتاب الله سبحانه وتعالى يجد الارتباط بين الذكر وبين الإكثار، الأمر بالإكثار منه وذكر الإكثار من الذكر يجدها كثيرا في كتاب... بل إن الأمر ملفت حقيقه، ملفت إلى أبعد درجة، أنه كيف الله سبحانه وتعالى لا يريد منا فقط أن نذكره بل يريد أن نذكره كثيرا وكثيرا وكثيرا.

يعني هذا الأمر حقيقة أمر يأخذ بالألباب، أن الله سبحانه وتعالى يريد منك الإكثار من شيء، يعني تخيل أن الله سبحانه وتعالى يأمرك بكثير من العبادات، ثم في شيء معين يقول لك: هذا أكثر لي، أكثر منه، يريد الله سبحانه وتعالى منا الإكثار منه.

طيب، فهذا الإكثار، الإكثار بحد ذاته يجعل الأمر محل عناية، يجعل الأمر محل عناية خاصة؛ أنه لماذا أمر الله سبحانه وتعالى بالاكثار من هذا الأمر؟ وكيف أمر به؟ وما هي الآيات؟ فلنتأمل في بعض الآيات في هذا الأمر.

طيب. لاحظوا كيف في هذه الآية: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ الآيات لأولي الألباب: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ -ما قال فقط الذين يذكرون الله- وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.

لاحظوا كيف، يعني لاحظوا يا جماعة هذا التفصيل يذكره رب العزه والجلال من فوق سبع سماوات، يذكر لنا هذه التفاصيل كي ننتبه لها: الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم. يعني هو ما قال لك فقط أكثر، وإنما يمثل لك حتى بالحالات، على كل الهيئات يريد منك الذكر على كل الهيئات، كي تتذكر وأنت قائم أن تذكر الله، وأنت قاعد أن تذكر الله، وأنت على جنب أن تذكر الله سبحانه وتعالى وأنت على جنبك.

فهذا أمر حقيقة ملفت، أمر ملفت؛ الأمر بالإكثار والأمر بالإكثار على كل الهيئات، حيثما كانت هيئتك، حيثما كانت هيئتك فأنت مأمور بالإكثار، ومطلوب منك أن تذكر الله سبحانه وتعالى في كل حالاتك وفي مختلف الأوقات.

نحن قلنا على كل الهيئات، وفي مختلف الأوقات، لاحظوا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا، الأمر بالإكثار، وَسَبِّحُوهُ والتسبيح شيء يعني جزء من الذكر، بُكْرَةً وَأَصِيلًا.

لاحظ كيف الله سبحانه وتعالى كما فصل في الهيئات يفصل في الأوقات، يعني تذكر بكرة وأصيلا، تذكر في أول اليوم وفي آخره: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ -يهيج النفوس على هذا الإكثار- لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا. أي فاذكروه ذكرا كثيرا.

وقال سبحانه وتعالى في سورة طه: فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ. لاحظوا التفصيل في الأوقات: قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ.

يعني سواء كان المامور به هنا هو التسبيح بمجرده، أو حتى المراد به هو الصلاة كما في كثير من ال... كما ذكر كثير المفسرين، لكن أيضا عبر بالصلاة هنا بالتسبيح، أي المراد منه أبراد ذكر الله الذي يقام في الصلاة، وتسبيح الله الذي يقام بالصلاة، والصلاة تسمى بالتسبيح، فانظروا كيف التفصيل: قبل طلوع الشمس قبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار.

ثم قال ماذا؟ لعلك ترضى، لعلك ترضى هذه هي العاقبة، وهذه هي الثمرة، وهذا هو الثواب الذي يرجوه من يكثر من ذكر ذكر الله ومن تسبيح الله سبحانه وتعالى.

في مختلف الهيئات وفي مختلف الأوقات يفسر الله سبحانه وتعالى لنا، وأيضا بمختلف الطرق، كما قال سبحانه وتعالى في سورة الأعراف: وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ.

فالله سبحانه وتعالى يذكر لنا أنه: واذكر ربك في نفسك، ودون الجهر من القول في نفسك ودون الجهر من القول، بطرق، بعدة طرق، وأيضا تضرعا وخيفة، فأبرز المعاني القلبية المتعددة التي تكتنف ذكر الله سبحانه وتعالى: واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول، ثم قال الأوقات: بالغدو والآصال، ولا تكن من الغافلين، ولا تكن من الغافلين.

كل هذا، كل هذه الآيات مما يعني يزيد في النفس أهمية العناية بالذكر، الذي أمر به في كل الأوقات، وفي كل الهيئات، وبمختلف الطرق، وفي مختلف الظروف، كذلك في مختلف الظروف.

ولاحظوا هذه الآية التي نزلت، هذه آية الخوف في سورة النساء، آية الخوف: وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَّرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ.

يعني هذه الآية، آية الخوف، التي ذكر فيها الخوف، مواجهة الأعداء والخوف منهم، حتى صفة الصلاة تتغير وتختصر، ويكون لها هيئة خاصة، صلاة الخوف، ثم قال الله سبحانه وتعالى: فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ.

هذا في حال الخوف، ما زلنا في حال الخوف، حتى الصلاة التي خفف منها أمر بالاكثار من الذكر، لاحظتوا كيف؟ يعني حتى في المقام الذي خفف فيه من هيئة الصلاة، خفف فيه من هيئة الصلاة لأنها تستدعي وقوفا معينا وترتيبا معينا، الذكر ما فيه عذر، في خوف، في مقابله عدو، في كذا، الذكر ما فيه، ما فيها عذر، فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ.

ثم إذا زال الخوف بعد ذلك: فَإِذَا اطْمَأَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ، يعني اقيموها على وجهها بعد ذلك. فلاحظوا كيف هذا مقام عجيب، يعني هذه آية عجيبة، كان من الممكن أنه ما يذكر هذا الأمر، لكن ذكر في هذا الأمر وفي هذا المقام: فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ.

تلحظ منها أن الله يريد منك الإكثار من الذكر في كل الحالات.

وأيضا قال الله سبحانه وتعالى في سياق القتال في سورة الأنفال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً. واللقاء العدو وهو واحد من أهيب المواقف في الحياة التي ممكن يعني تذهل الإنسان، تذهل الإنسان عن كل شيء، إذا لقى، إذا لقي الإنسان فئة، فقد يعني يعذر في أشياء.

كثيره قد ينسى، قد يغفل، قد ينشغل؛ إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله. ليس فقط واذكروا الله، واذكروا الله كثيراً، واذكروا الله كثيراً. لا يعني لا تكون هذه الآية مرت علينا كثيراً فتذهلنا عن التأمل فيها من جديد، والله هذه آية عجيبة، هذا أمر عجيب، هذا أمر عجيب أن نؤمر بذكر الله سبحانه وتعالى، بل بالاكثار من ذكر الله سبحانه وتعالى، حتى في هذا المقام، في مقامات الخوف ومواجهة العدو ونحو ذلك: وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.

طيب، وهناك أيضاً يعني آية لطيفة، يعني سياقها لطيفة؛ أنه زكريا عليه السلام لما بشر فقال، قال رب اجعل لي آية، قال الله سبحانه وتعالى: قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا، لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا. ثم لاحظوا كيف أبرز في هذا المقام، حتى لما كانت هناك معجزة من الله أنه لا يتكلم، الله سبحانه وتعالى جعل له الوصية بالاكثار من الذكر، وكما ترون في قول محمد بن كعب قال: لو كان الله رخص لأحد في ترك الذكر لرخص لزكريا؛ لأنه معجزة آية شيء استثنائي أنه لا تتكلم ثلاث أيام، لا يستطيع الكلام إلا رمزاً، ومع ذلك قال له الله سبحانه وتعالى: وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا، واذكر ربك كثيراً.

هذا شيء ما ينقطع عنه الإنسان، شيء ما ينقطع عنه الإنسان، ما في ما في شيء يقطع يقطع الإنسان عن الذكر إلا ما كان خارج يده من ذهاب العقل أو كذا، أما ما دام الإنسان حياً يتنفس ويعقل لا ينقطع الإنسان عن ذكر الله سبحانه وتعالى، بل بال يعني الاكثار من ذكر الله سبحانه وتعالى، الاكثار من ذكر الله: وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ.

وأيضاً عند أصعب المهمات وأكثرها إشغالاً، ما أظن في مهمة أصعب من مهمة موسى عليه السلام لما كلف بالذهاب إلى فرعون، هذه واحدة من أصعب المهمات وأهي بها لعل أكثرها مما يجعل الإنسان ينشغل، لكنه مع ذلك موسى عليه السلام لما الله سبحانه وتعالى كلفه بهذه المهمة دعا الله سبحانه وتعالى: قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ۝ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ۝ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي ۝ يَفْقَهُوا قَوْلِي ۝ وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّن أَهْلِي ۝ هَارُونَ أَخِي ۝ اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ۝ وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي.

لماذا توسل بماذا علل هذا الدعاء؟ بماذا قال؟ كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ۝ وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا. كما يعني ورد في تفسير السعدي إنه هو علم أن مدار العبادات تدور على ذكر الله، هذه الغاية، هذه غاية الإنسان الذي يسير في هذا الطريق، طريقه الإصلاح والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، أن يجعل كلمة الله هي العليا وأن يذكر الله سبحانه وتعالى.

فهو استعان بالله سبحانه وتعالى أن يهبه وزيراً من أهله يعني يهبه هارون وعلم له هذا الأمر بذكر الله سبحانه وتعالى: إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا. والملفت إيش؟ الملفت في نفس سياق الآيات بعدها بعدة آيات قال له الله سبحانه وتعالى: اذْهَب أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي. يعني أن الله سبحانه ليس فقط أنه موسى عليه السلام هو الذي سأل وهو الذي علل بهذا الدعاء، الله سبحانه وتعالى كلفه كذلك كما كلفه بالذهاب إلى فرعون في هذه المهمة الصعبة الشاقة التي قد تكون مشغلة للإنسان، كذلك قال له ماذا؟ كذلك قال له: ولا تنيا في ذكري، ولا تنيا في ذكري.

فهذا حقيقة أمر أمر عظيم وامر ملفت، وانه الإنسان ليس مرة أخرى ليس معفياً وليس معذورا ولا يأخذ استثناء في أي حالة من حالاته أنه لا يذكر الله سبحانه وتعالى كثيراً، أنه لا يذكر الله سبحانه وتعالى كثيراً. فهذا هذا بالنسبة للإكثار، هذا بالنسبة لماذا؟ بالنسبة للإكثار من ذكر الله عز وجل.

الامر الثاني الملفت أن الله سبحانه وتعالى أمر بالذكر، أمر بالذكر في أول طريق النبي صلى الله عليه وسلم في أول طريق التكليف بهذه الرسالة وفي آخره، يعني ماذا نفهم من هذا الأمر؟ نفهم أن هذا الأمر الجميع معني به في كل المراحل وفي كل الأوقات، ليس الأمر أنه في بداية الطريق فقط تستعين به، وإنما تبدأ به في بداية الطريق كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم وككما كان حال موسى عليه السلام وكما أمر الله سبحانه وتعالى في سورة المزمل، قال الله سبحانه وتعالى: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا، هذا من أوائل ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم، من أوائل ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا ۝ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا.

طيب، هذا من أهم الزاد الذي يستصحبه الإنسان في أول هذا الطريق طريق حمل الرسالة، ناتي إلى أواخر هذا الطريق طريق حمل الرسالة التي كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة، بعد فتح مكة ماذا نزل عليه؟ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ۝ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، بعد ما حصل التمكين وبعد ما حصل الفتح وكذا، بماذا يأمره الله سبحانه وتعالى يا ترى؟ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ، فسبح بحمد ربك واستغفره ذكر الله، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا.

فالإنسان في أول الطريق يتذكر ويؤمر بذكر الله سبحانه وتعالى، وفي آخر الطريق يؤمر ذلك بهذا الأمر، وفي خلال هذا الطريق في خلال هذا الطريق يعني أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالكثير والكثير من الآيات التي أمر بها بذكر الله والتسبيح ونحو ذلك، فيفهم منه أنه في كل المراحل في كل المراحل نحتاج إلى هذا الأمر، نحتاج إلى إلى وليس الأمر متعلقاً بعلم معين ولا الإنسان في مرحلة معينة، الجميع في كل المراحل في كل الأوقات على كل الهيئات.

فالخلاصة من هذه من هذا المحور الأول، الله يريدنا أن نتذكره، الله يريدنا أن نتذكره، من يقرا القرآن يخرج بهذه الخلاصة، الله يريدنا أن نتذكره في كل الأوقات كما مر معنا، على مختلف الهيئات في مختلف الظروف في أصعب المهمات لمختلف الطرق وفي كل المراحل. يعني هل رأيتم عبادة فيها هذا القدر من الشمولية ومن الإحاطة ومن الأمر بها في كل الظروف؟

هنا نعلم أن هناك سر، هناك سر في الذكر، هناك سر وهناك إرادة عند الله سبحانه وتعالى، الله يريدنا أن نتذكره على الدوام، ليس فقط أن نتذكره مثلاً مرة في اليوم ولا فقط لما نصلي، لا، الله يريدنا أن نتذكره دائماً دائماً، وكأن الإنسان إذا مر بالآيات التي مررنا بها يظن أن الله سبحانه وتعالى ما خلقنا إلا لنظل نتذكره سبحانه وتعالى، يعني ما خلق هذا الإنسان الذي يمشي على الأرض إلا ليتذكر الله سبحانه وتعالى، إلا ليتذكر الله سبحانه وتعالى ولا يغفل عن هذا الأمر.

ولماذا نقول نتذكره؟ ما قلنا يعني الله سبحانه وتعالى يريدنا أن نذكره فقط، لأن الذكر يا كرام في حقيقته هو التذكر، الذكر في حقيقته هو التذكر، انظروا هذه الآية: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا، ذكروا الله أي في قلوبهم أي تذكر، ذكروا الله ثم فرع عنها الذكر القولي: فاستغفروا. ذكروا الله أي تذكروا الله، هذا كي يعني اوردت هذه الآية كي أقول إن الذكر في الاساس معناه هو التذكر، التذكر.

وأيضاً ورد: وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ ۝ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبَّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا، تذكروا الأولى يعني تتذكروا نعمة ربكم ثم فرع عنها القول كي تعلم أنها مختلفة. فأنا أقصد الذكر في أساسه هو ذكر القلب أي تذكر القلب، ثم يتفرع عنه كذلك ذكر اللسان، فلما يقول اذكر الله المقصود به الاثنين مع بعض وليس مجرد حركة اللسان، مقصود به الاثنين مع بعض، أي تذكر القلب قلب ثم ذكر اللسان.

فالخلاصة الله يريدنا أن نتذكره أن نذكره ونتذكره، يعني الإنسان تخيلوا انسان يمشي على الأرض.

وما يعني في باله دائما، في فكره دائما يتفكر في أمر الله وفي مخلوقات الله، ويتذكر الله ويتذكر أسماء الله وصفات الله. يعني الله سبحانه وتعالى يريدك أن تكون، أن يكون ذكره حاضرا في نفسك. ذكره حاضرا في نفسك، الله يريدنا أن نتذكره، وهذا أمر عظيم وعلاقة عظيمة وعميقة بين المخلوق وبين الخالق سبحانه وتعالى، بين العبد وبين ربه، أن يظل العبد ما دامت الحياة تدب في أنفاسه يتذكر سيده ومولاه: إن لي ربا، إن لي خالقا، إن لي إلها هو الله سبحانه وتعالى.

سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، يتذكرها ويتذكر أن هناك الله، يتذكر أن هناك إلها. فهذا هو التذكر الذي يريدنا الله سبحانه وتعالى أن نكثر منه في كل الأوقات، على مختلف الهيئات، في مختلف الظروف، بمختلف الطرق، وفي كل المراحل. وهذا وهذا الذكر وهذا التذكر هو الذي يجعل القلب مطمئنا. هذه العلاقة العجيبة بين العبد وبين ربه أن العبد يتذكر مولاه وسيده هي التي تجعل القلب يطمئن، هي وحدها هي وحدها التي تجعل القلب يطمئن: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بذكر الله.

ثم قال سبحانه وتعالى معقبا: أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ. أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ. فقط، لا تطمئن القلوب إلا إذا كانت ممتلئة بذكر الله وبتذكر الله سبحانه وتعالى. هذا سر العلاقة بين العبد وبين ربه. وفي المقابل، ألا بذكر الله تطمئن القلوب، في المقابل ماذا؟ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا. لاحظوا كيف المفارقة. سبب الاطمئنان والشقاء هو هل الإنسان يذكر ربه ويتذكر ربه سبحانه وتعالى، أو يعرض عنه وينساه.

يعني في الحالة الأولى اطمئنان: أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ. في الحالة الثانية معيشة ضنكا، ضيق وضنك. معيشة ضنكا ومن أعرض هذا لمن؟ لمن أعرض عن ذكر الله: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى. طيب، فالله يريدنا أن نتذكره، فاذكروني. فاذكروني الله خلقنا وقال لنا وقال: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ. فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ.

وما أعظم هذه الآية وما أعظم هذا الثواب! والله يعني هذا الثواب يكفي ويغني عن كل ما ذكرناه وعن كل ما سنقوله. تخيل أن رب العزة والجلال من فوق سبع سماوات يذكرك أنت، يذكرك أنت، الله سبحانه وتعالى يذكرك أنت. هذا أمر فوق الوصف، إنه من أنت أيها المخلوق الضعيف الحقير في هذه الأرض، الله سبحانه وتعالى يذكرك. هذا ينال ينال بالذكر وبتذكر الله عز وجل، بتذكر الله عز وجل: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ.

وفي المقابل وفي المقابل: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ. نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ. فلاحظوا كيف المفارقة، من يتذكر الله الله سبحانه وتعالى يذكره، ومن يذكره الله سبحانه وتعالى يتولاه ويحيطه برحمته ويصلي عليه برو ويوصل له رحمته ونحو ذلك. ومن ينسى الله سبحانه وتعالى ويعرض عن الله سبحانه وتعالى ويتولى، الله سبحانه وتعالى ينساه، أي يتركه، يتركه الله سبحانه وتعالى فلا يعطيه ولا يهديه ولا يتولاه. فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ، والأخرى: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ، نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ.

فموضوع الذكر متعلق تماما بمقامك عند الله سبحانه وتعالى وحضور ذكرك في الملأ الأعلى. ومن ذكرني في قوم، ومن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في قوم ذكرته في في، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه أو كما قال. فالله سبحانه وتعالى يذكرك إذا ذكرته، والله سبحانه وتعالى ينساك وتتركك إذا نسيته والعياذ بالله. فالأمر متعلق متعلق بالله سبحانه وتعالى وبالمقام عند الله.

فالله يريدنا أن نتذكره والشيطان يريدنا أن ننساه. الشيطان يريدنا أن ننسى الله سبحانه وتعالى. هذه معركه من أهم معارك الشيطان على وجه الأرض. طالما هذه هي قيمة الذكر، طالما هي هذه قيمة الذكر وأن الله يريدنا أن نذكره ذكرا كثيرا، فالشيطان ساحته الأساسية ومعركته الكبرى أنه يريدك، يريدك أن تنسى، يريد منك الغفلة. حين قلنا الذكر معناه التذكر، اليس كذلك؟ فعكس الذكر ماذا؟ يعني عكس الذكر ليس مجرد السكوت، أنه أنا إما أذكر أو ساكت، عكس الذكر هو النسيان والغفلة. النسيان والغفلة، إذا كان الذكر هو أساسه التذكر فعكس التذكر هو النسيان والغفلة. فالشيطان يريدنا أن ننسى، الشيطان يريدنا أن ننسى، أن ننسى الله عز وجل. ولاحظوا كيف الآيات: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ.

ليست القصة أنه أنساهم أي شيء، أنساهم ذكر الله. اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ، يعني إذا استحوذ الشيطان على المخلوق، إذا تمكن، ماذا يفعل؟ ماذا تكون النتيجة؟ أنه ينسي هذا المخلوق، ينسيه ذكر الله سبحانه وتعالى، فلا يتذكر الله ولا يتذكر أن له إلها عظيما يأمره وينهاه، ولا يتذكر ما يحب الله سبحانه وتعالى، ولا يتذكر صفات الله وعظمته وجلاله وخشيته. فينسيهم ذكر الله، لماذا؟ لأن نسيان ذكر الله وغيابه من القلب هو بوابة، بوابة الغفلة، والغفلة هي بوابة الشرور التي تدخل على القلب: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ.

ولاحظوا كيف نتحدث عن الإرادة، صح؟ الشيطان يريد، لاحظوا كيف هذا أمر واضح وصريح وما فيه تأويل: إنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ هذا واحد، ثانيا: وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ. هذه الآية صدرت بالإرادة، إرادة الشيطان إرادة التي يسعى لها أن يصد الناس، أن يصدنا عن ذكر الله. فكل غفلة يا كرام، وكل غفلة وكل نسيان وكل إعراض قد يكون للشيطان يدا فيه، قد يكون للشيطان يدا فيها، هو يريدك أن تنسى، هو يريدك أن تنسى: إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ إلى أن قال: وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ.

وفي المقابل، طيب كيف أحمي نفسي، يعني كيف أحمي نفسي أنه الشيطان يستحوذ علي فينسيني ذكر الله؟ سبحان الله، يعني غاية ما يريد الشيطان هي نفسها هي الدرع، ذكر الله هو درع الحماية، ذكر الله هو درع الحماية، ذكر الله هو الذي يؤمن به بعون الله عز وجل وقوته كيد الشيطان ومكره: وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ. الاستعاذة بالله تكفيك هم الشيطان، تكفيك كيد الشيطان، تكفيك تسلط الشيطان.

الشيطان يفر من الذكر، يفر من الذاكرين. وتعلمون كثير من الأدعية والأحاديث وردت فيها أنه الذكر الفلاني يكون يكون له حرزا من الشيطان، مثلا: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة، كانت له حرزا من الشيطان. وهناك أيضا بعض الأدعية، إذا دخل الإنسان بيته فذكر الله قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء. إذا أكل فذكر الله الشيطان لا يأكل من طعامه. الذكر الذكر هو صد، هو هو الحصن المكين الذي يصد الشيطان عنك، لذلك الشيطان يريد أن يشغلك عنه كي يجد البوابة إليك، كي يجد البوابة إليك. الشيطان يعلم أنه هذا الذكر هو الحصن، فإذا أشغلك عنه هو قد فاز منك، خلاص تمكن منك: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ.

فالقصد ماذا؟ القصد أن الذكر هو درع الحماية، هو قوتك بعون الله عز وجل، هو حصنك من كيد الشيطان ومن الغفلة التي هي بوابة الشرور. وفي المقابل، إذا كان الذكر هو الحصن والدرع، النسيان في المقابل هو البوابة، كما ذكرنا البوابة التي يدخل منها الشيطان: وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ أنت فتحت البوابة كذا، نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ. كيف كيف قيض الشيطان؟ كيف صار قرينا؟ كيف كذا؟ إذا غفل الإنسان عن ذكر الرحمن: وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ.

خطورة هذا الأمر، خطورة الغفلة عن ذكر ليست الفكرة أنه أنا اليوم ما قلت ذكر معين ولا أنا فقط فوتت الأجر ولا كذا، لا، أنت فتحت الباب للشيطان، تركت الدرع الحصين الذي يعني الله سبحانه وتعالى يحميك به: وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ. وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ، يعني إذا فتحت الباب ودخل الشيطان: وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّمُ هُدُون حَتَّىٰ إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ.

الان عرفنا أنه أهم شيء الذكر، أهم شيء الذكر، أهم شيء الإكثار من الذكر، أهم شيء التحصن بالذكر، أهم شيء يعني أن يكون هذا حصنك وهذا زادك وهذا سيرك إلى الله سبحانه وتعالى والإكثار منه. وأعدى أعدائك يجب أن يكون النسيان والغفلة، النسيان والغفلة.

طيب، ما هي أسباب النسيان؟ أيضاً ذكرت في القرآن أسباب النسيان. أول شيء، الشيطان، كما ذكرنا: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ. إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فاذا هم مبصرون، لاحظوا كيف علاقة الشيطان مع موضوع الذكر، أمر عجيب، أمر عجيب جداً. طيب، تذكروا يعني خرجوا من هذه الحالة، حالة الغفلة والنسيان، حالة الغفلة والنسيان هذه كانت بسبب الشيطان، إذا مسهم طائف من الشيطان أي كانوا في حالة غفلة ونسيان ثم بعدها خرجوا إلى حالة التذكر والذكر: تذكروا فإذا هم مبصرون.

والسبب الثاني، الشيطان يسبب الغفلة، يسبب النسيان والغفلة والخروج من الذكر. السبب الثاني هي المعاصي. المعاصي، المعاصي يا كرام تقسي القلب، تقسي القلب، القلب يصبح قاسياً وبعيداً، وتصبح لا تتذكر أن لك إلهاً يأمرك وينهاك، ويريدك أن تنتهي عما تفعل، وأن لك إلهاً عظيماً جليلاً كبيراً، هذه المعصية تقسي القلب: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ يعني كانوا في حالة غفلة ونسيان ثم بعد ذلك ذكروا الله فخرجوا منها: ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ. فهذه المعاصي، المعاصي يعني المعاصي سبب من أسباب الغفلة ونسيان الله سبحانه وتعالى ونسيان أمر الله.

ثم ندخل في الأشياء الخطيرة، الأشياء الخطيرة التي يغفل عنها ناس كثير. الشيطان والمعاصي ربما يعلمها ناس كثير، في أشياء قد تكون مباحة في أصلها، وقد تكون هذه الأشياء المباحة سبباً لأن الإنسان يلهى عن ذكر الله، يلهى عن ذكر الله، يغفل عن ذكر الله، ينسى، يستغرق في هذه الأشياء، ما هي؟ الأموال والأولاد، الأموال والأولاد. كم ينشغل الإنسان بأمواله وأولاده وحياته ودنياه وذهابه ومجيئه؟ كم ينشغل الإنسان عن ذكر الله سبحانه وتعالى؟ كم كم يستغرق في هذه الأمور أمور الدنيا ويغفل عن إله فوقه سبحانه وتعالى ويغفل عن ذكره؟

فهذا أمر خطير: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاحظوا النداء للمؤمنين، النداء للمؤمنين ليس للكافرين ولا للمنافقين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوكَ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. ذكر الله وهو الخط الأحمر، لا يلهك شيء عن ذكر الله، لا تجعل شيئاً يلهيك عن ذكر الله عز وجل، لا تجعل شيئاً يشغلك عن ذكر الله عز وجل أياً كان هذا الشيء ولو كان مباحاً: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ خساره، خساره. يعني خسارة أن الإنسان كل لحظة تمر عليه في حياته لا يذكر الله فيها ولا يكون يتذكر الله فيها، كله خسارة، كله خسارة.

لذلك، لذلك، لذلك موضوع الالهاء عن ذكر الله نتذكر هنا من؟ نتذكر سليمان عليه السلام: وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ * فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ. انشغل بالخيول وكذا في يوم من الأيام فشغلته عن ذكر الله سبحانه وتعالى، فقال: إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب، ردوها علي. وطبعا يعني الخير يقصد به يقصد به في هذا الموضع يعني مما ذكر أنه يقصد به المال عموماً، وفي هذا الموضع تحديدا هو الخيل، لكن لاحظوا ماذا فعل سليمان؟ ردوها علي فطفق مسحاً بالسوق والأعناق، فطفق مسحاً بالسوق والأعناق أي جعل يعقرها بسيفه، جعل يعقرها بسيفه. لماذا؟ الأمر خطير رغم أن الأمر في أساسه مباح، لكن لما أشغله عن ذكر الله صار الأمر خطير، خطير، فتخلص منه بأشد طريقة.

وهذا يجب أن يكون دأبنا يا كرام مع أي شيء يسلينا عن ذكر الله يشغلنا عن ذكر الله، يجب أن يكون الأمر خطيراً في نفوسنا على الأقل، في نفوسنا على الأقل. طيب، الأموال والأولاد، وأيضاً التجارة والبيع، الأعمال وما أدراك ما الأعمال؟ الأعمال وما أدراك ما الأعمال من أكثر ما يشغل الناس؟ الوظائف، الأعمال، التجارة، الأموال، الاستكثار منها، البيع والشراء، الأسواق، إلى آخره. فانظروا كيف يمتدح الله سبحانه وتعالى رجالا من خلقه اصطفاهم وامتدحهم في كتابه: رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ. لما استقرت في قلوبهم هذه الحقائق، لا تلهيهم تجارة ولا بيع ذكر الله. الدنيا نعم، ممكن يكونوا يعملون في الدنيا ويذهبون ويشترون ويبيعون، لكن قلبهم لا يغفل عن ذكر الله، قلبهم لا يغفل عن ذكر الله، لا تتمكن الدنيا من القلب حتى ينشغل القلب لحظات وساعات طويلة لا يذكر فيها ربه ولا يصلي ولا يقوم ولا يفعل ولا يتذكر مولاه وسيده سبحانه وتعالى: رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ.

أخيراً، أخيراً يا كرام، هناك آيات يجب الوقوف معها، هناك آيات يجب الوقوف معها حقيقة، آيات يمتدح الله سبحانه وتعالى فيها قلوب المؤمنين لما تذكر الله ولما يذكر الله عندها. آيات عجيبة تدل على أن المؤمن، المؤمن إذا استقرت في قلبه حقائق الإيمان، فإنه يكون ذكر الله بالنسبة له ليست مجرد وظيفة، وليس مجرد شيء يريد أن يتخلص منه، وليس عدداً معيناً يريد أن يتمه ثم بعد ذلك يغفل وينسى، وليس مجرد لأنه مأمور، لا، أمر ذكر الله بالنسبة له يصبح أنساً ومحبة وشيئاً يختلط بصميم القلب، بصميم القلب. ذكر الله سبحانه وتعالى ينزل على القلب فيؤنسها ويثمر فيها ويطمئن كما مر معنا، يطمئن القلب بها، ويستغني القلب بذكر الله ويسعد ويسر، كل هذا ليس مبالغة، هذا مذكور في كتاب الله، فانظروا إلى هذه الآيات العجيبة: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ، بأسلوب الحصر: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ.

يعني للانسان أن يتساءل: ما الذي استقر في القلب حتى إذا ذكر الله يكون هذا القلب يجل ويخاف وينتفض؟ هذا ليس مبالغة، وليس هذا كلام الله الذي يعلم بما في القلوب، يقول: هناك خلقاً من خلقه مجرد أن يذكر الله يصيبهم خوف، خوف ووجل داخل قلوبهم، ولو لم ينتبه إليه أحد، ولو لم يلحظه أحد، شيء بينهم وبين الله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ، فهذه الآية تدل على علاقة عظيمة بينهم وبين الله وبين الذكر، علاقة بينهم وبين الذكر. إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ فابرز القلوب هنا على وجه الخصوص.

وفي آية أخرى: الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ، طبعا سماهم ماذا؟ المخبتين، وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ، وصلوا إلى حالة إخبات. من هم المخبتون؟ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ. وأيضاً آية أخرى تتحدث عن الذكر وعن القلوب لحال من أحوال المؤمنين، حال عجيب، قال سبحانه وتعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ، الخشية يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ، ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ، ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ. حقيقة أمر عجيب، أمر عجيب، لو لم يقلْه الله سبحانه وتعالى في كتابه، يعني الإنسان الذي يتعجب من هذه الحالة: كيف تقشعر الجلود وكيف تلين الجلود والقلوب لمجرد شيء يسمعه الإنسان ذكر؟ فهذا حال المؤمنين، هذا حال المؤمنين، قلوبهم لينة، تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ.

وكما قال سبحانه وتعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ، أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ، تخشع قلوبهم لذكر الله. هذا ذكر الله، إنما أنزله الله سبحانه وتعالى الذكر، وإنما شرع الذكر كي تخشع له القلوب، هو ليس مجرد شيء.

في اللسان: أَلَمْ يَأْنِ؟ المياني يعني ما أما إن أنه تخشع القلوب لذكر الله؟ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ. ثم قال ماذا؟ اسمعوا: وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ. لما ابتعدوا عن ذكر الله وعن الوحي قست القلوب.

الذكر هو مادة لين، لين القلب، لين القلب وخشوعه وإخباته ووجله وحركته عموماً. وأيضاً هذه الآية التي أمامنا في سورة الزمر قبلها ماذا؟ الآية السابقة: فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ، فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ. وهذه الآية التي ذكرناها في البداية: الَّذِينَ آمَنُوَ وَتَطْمَئِنُّ، مرة أخرى القلوب تطمئن: قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ، أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ.

طيب، نختم مجلسنا بهذه الآيات، قول الله سبحانه وتعالى، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا، فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ. وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ. إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ، وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ.

الله يجزاكم بالخير يا كرام، رضي الله عنكم وأرضاكم. بهذا نكون قد اختتمنا هذا المجلس الذي يتحدث عن ذكر، عن ذكر الله سبحانه وتعالى، ونتذكر أن هذا الأمر من أعظم الأمور ومن أكبر العبادات التي يفعلها الإنسان في حياته، كما قال الله سبحانه وتعالى: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ. فذكر الله سبحانه وتعالى أكبر الغايات وأعظمها، بل إن الشرائع كلها مرتبطه بالذكر: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي. وورد في الأحاديث: إنما جعل الطواف ونحو ذلك لإقامة ذكر الله.

فنقصد أن الذكر هو غاية الغايات، وهو من يكون في هذه الحياة ويكثر من ذكر الله فهو يحقق غاية وجوده على هذه الأرض، أنه يسير على الأرض ويذكر ربه الذي فوق السماء سبحانه وتعالى. فهذا هو شأن، هذا هو شأن الذكر. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يديم علينا مجالس الذكر، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. جزاكم الله خيراً ورضي الله عنكم وأرضاكم، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.