تسجيل الدخول

الاستهداء بالقرآن | فإنكم غالبون | المجلس الرابع

عبد الرحمن أبو غيث
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا.

أسأل الله العلي العظيم أن يبارك لنا في هذا المجلس، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يزيدنا علما ويرزقنا العمل بهذا العلم.

حياكم الله في مجلس الاستهداء بالقرآن الأسبوعي، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه المجالس بإذن الله نافعة، نراجع فيها بعض المعاني الإيمانية في كل أسبوع التي يحتاجها الإنسان المصلح في هذا الزمن، والتي هي مملوءة في هذه الحقائق في كتاب الله عز وجل.

ونحن إذ نجلس هنا بين يدي الوحي نحن ضمني نقر ونعترف بحاجتنا وفقرنا إلى ما في هذا الوحي؛ مجالس الاستهداء بالقرآن فيها هذا المعنى الشريف، معنى أنك أنت تشعر أنك ضال لولا هداية الله سبحانه وتعالى، وأنك محتاج إلى مزيد هدايه دائما.

بالنسبة لقائنا اليوم سيكون تحت عنوان: فانكم غالبون، وسيتناول هذا المقطع بإذن الله عز وجل الذي فيه قصة موسى عليه السلام مع بني إسرائيل حين قال لهم: ادخلوا الأرض المقدسة، وهذا الموقف من المواقف العظيمة ومن المواقف التي اختار الله سبحانه وتعالى أن يقصها لنا، وساق لنا فيها من الفوائد ما فيه الشيء الكثير من الفوائد التي يحتاجها الإنسان حقيقة.

وسنرى الآن بإذن الله بتدارسنا هذا كيف أن هناك كثيرا من المعاني التي يحتاجها الإنسان اليوم، لا سيما تحت عنوان موجبات الثبات والعمل في الزمن الصعب، لأن هذا كان موقفا صعبا على بني إسرائيل؛ قال لهم موسى عليه السلام: ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله.

وهذا الأمر من موسى عليه السلام كان يستدعي منهم عملا، ويستدعي منهم جهادا، ويستدعي منهم قتالا، وفي نفس الوقت كان الأمر ليس بالسهل بالنسبة لهم من الناحية المادية بالمعيار الدنيوي؛ لأن هذه البلدة التي أرادوا أن يدخلوها كان فيها قوما جبارين كما وصفوهم، وكانوا يخشونهم، لذلك كان الأمر ليس بالسهل.

فمن هذا الباب نقول إن في هذه الآيات من الفوائد ما يستفيده الإنسان من موجبات الثبات والعمل وطاعة الله سبحانه وتعالى ونصره الدين في هذا الزمن الصعب، الذي اختلت فيه الموازين المادية ونحو ذلك، وزاد ضعف المسلمين وتمسكهم بدينهم، فهنالك بعض المعاني المبثوثة في هذا المقطع حقيقة التي تستوجب من الإنسان عناية ورعايه بهذا الأمر.

طيب، في البداية قال موسى لقومه، كما قال الله سبحانه وتعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ.

موسى عليه السلام لم يبدأ بالامر مباشرة، ما قال يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم، الله سبحانه وتعالى أبرز لنا هذا الأمر، أبرز لنا هذه المقدمة التي دخل منها موسى عليه السلام إلى أمر بني اسرائيل بالعمل والنهوض ودخول هذه الأرض.

فماذا قال لهم في المقدمة؟ ذكرهم بنعمه الله سبحانه وتعالى عليهم؛ هناك نعمة منّها الله عليكم: يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ.

فبالتالي من أهم موجبات العمل، ومن أهم موجبات الائتمار بالأمر وطاعة الله ورسوله في هذا الزمن الصعب، هو تذكر نعمة الله سبحانه وتعالى؛ تذكر نعمة الله سبحانه وتعالى هي المقدمة التي إذا تذكرها الإنسان فإنها تستوجب له عملا.

فنعمة الله سبحانه وتعالى بمجردها إذا ما عمل الإنسان بمقتضاها هي حجة على الإنسان، إذا تذكرها وعمل بمقتضاها وشكرها هنا الله سبحانه وتعالى يزيده نعمة فوق نعمة، ويكون قد شكر النعمة فكانت النعمة بالنسبة له منّة من الله سبحانه وتعالى عليه لا حجة ضده.

فأول شيء يتذكره الإنسان دائما كي يحفز نفسه على العمل، كي يقوم لدين الله، كي ينصر دين الله سبحانه وتعالى، هي قضية تذكر نعمة الله سبحانه وتعالى؛ وتذكر نعمة الله سبحانه وتعالى يدخل فيها الجانبين: النعم الدنيوية وكذلك النعمة الدينية.

النعمة الدنيوية والنعمة الدينية، فالله سبحانه وتعالى أمتن علينا بنعم كثيرة، فمن النعمة الدنيوية قال: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، وهنا قال كثير من المفسرين ونقل عن ابن عباس رضي الله عنه قال: جعلكم ملوكا، أي قالوا هذا من كان لديه خادما ومسكنا ومفردا هذا ملك، فجعلكم ملوكا أي اعطاكم هذه.

فهذه النعم التي اعتادها الإنسان؛ المسكن والمركب، هذه النعم التي أمتن الله سبحانه وتعالى بها علينا، الأشياء العادية التي نعيشها فيما يدخل في باب العلاقات وباب المساكن وباب المركبات ونحو ذلك، هذه أمور اعتادها الناس، هي عند الله سبحانه وتعالى موجبات للعمل، موجبات للشكر، موجبات لأن تقوم بمقتضاها.

وأيضا يدخل فيها النعمة الدينية، قال الله سبحانه وتعالى: إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ. والحقيقة أن من أكبر وأوجب من يخص ويتوجب عليهم العمل في كل الأزمنة هم من منّ الله عليهم بنعمة الدينية، مثل أن يكون قد عرف الحق، مثل أن يكون قد أخذ منهاج الأنبياء وسار على هديهم ويرغب أن يسير على هداهم.

هذه النعمة، نعمة القرب من هدي الأنبياء والقرب من الوحي ومعانيه وحقائقه، هذه من أهم ما يستوجب على الإنسان عملا بعد ذلك، من أكثر ما يستوجب على الإنسان عملا بعد ذلك.

فتذكر نعمة الله سبحانه وتعالى في هذا السياق حقيقة من أكثر ما يجعل الإنسان ينهض ليقوم بأداء الواجب المتعين عليه، وكلما زاد نصيب الإنسان من الحق ومن الأخذ بحقائق الوحي، وكلما زاد نصيب الإنسان منهاج النبي صلى الله عليه وسلم وعلما بالاحاديث ونحو ذلك، كلما زاد عليه الواجب، وكان أولى الناس القيام بأعلى الأعمال.

وهنا نتذكر بعد تذكر النعمة، بعد أن نتذكر النعمة نتذكر الميثاق؛ الميثاق هو شكر هذه النعمة، نعمة الميثاق هو شكر النعمة التي أعطاك الله سبحانه وتعالى إياها.

هذا الميثاق هو مبثوث في هذه السورة تحديدا، كما سمى الله من أسماء سورة المائدة: سورة العقود. وحقيقة العقود والمواثيق مذكورة كثيرا في هذه السورة، مثلا في قول الله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ.

هنا قرن بين ذكرى النعمة والميثاق كي يحفزهم للعمل؛ الله سبحانه وتعالى قال: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ.

ثم بعدها قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ، ثم ذكر ذكر بقصص الأنبياء: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وذكر نقضهم لميثاقهم فبما نقضهم ميثاقهم. ثم ذكر النصارى: وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ.

فهذا المعنى، معنى الميثاق وشكر النعمة والصدق مع الله سبحانه وتعالى في الوفاء بالميثاق، هذا معنى مهم ومعنى شريف. لذلك إلى آخر السورة قال الله سبحانه وتعالى: هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ، فأتى بلفظ الصادقين.

كما قال الله سبحانه وتعالى في سورة الأحزاب: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ. فالقصد أن الفكرة الأولى والنقطة الأولى هي تذكر نعمة الله على العبد، وأن هذا يستوجب منه عملا.

ثم بعد ذلك قال موسى عليه السلام: يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ.

النقطة الثانية؛ النقطة الثانية هي التبشير والتذكير بوعد الله سبحانه وتعالى، هنا موسى عليه السلام.

أمرهم أمراً مباشراً: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ. هناك وعد، هناك وعد أنتم تملكونه، وعدكم الله سبحانه وتعالى كتب الله لكم هذه الأرض، كتب الله لكم هذه الأرض، فبالتالي هذا التذكير وهذا التبشير هي من صفات الأنبياء، وهي مما إذا تسلح به الإنسان، وإذا تذكر الإنسان هذه الوعود، وعد الله سبحانه وتعالى، وأن الله سبحانه وتعالى وعد في القرآن وعوداً كثيرة، إذا تذكرها الإنسان فإن هذا من أكثر ما يحفزه على العمل والثبات.

في هذا الزمن كما قال الله سبحانه وتعالى: وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ. وقال الله سبحانه وتعالى: إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ. فهذه من وعود الله سبحانه وتعالى للفئة المؤمنة، الفئة العاملة، الفئة التي تنصر الدين، هي معها مواعيد، معها وعود من الله سبحانه وتعالى تملكها بين يديها، وهذا ما يحدوها للعمل.

فمن أكبر الموجبات التي تحفز على العمل التصديق بوعد الله. التصديق بوعد الله ومعرفة أن هناك وعوداً، وتريد أن تتحقق هذه الوعود على يديك، فهناك وعود مثلاً وعد، هناك وعود حتى متعلقة ببعض الأماكن مثلاً كمتعلقة ببيت المقدس ونحو ذلك، هناك مبشرات، هناك نصوص من النبي صلى الله عليه وسلم، هذه مما يستبشر بها الإنسان، ومما يحاول أن يكون محفزة له على العمل وعلى الثبات في هذا الزمن، وعلى أن يكون من كوكبة الناس الذين يسيرون في هذا الطريق الذي تتحقق عليه على أيديهم الوعود بإذن الله عز وجل.

الأمر الثاني: أنهم قال إنه قال لهم -طبعاً من الوعود، من أهم الوعود هو الوعود الأخروية كذلك-. الوعود الأخروية فمن أكبر ما يحض الإنسان على العمل أيضاً التصديق بالجنة والرغبة فيها، والله سبحانه وتعالى كثيراً ما يربط بين ذكر الجنة وذكر أنها وعد، أنها وعد من الله سبحانه وتعالى: تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أَوْرَثْتُمُوهَا، أو كما قال الله سبحانه وتعالى: وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ. الجنة التي وعد المتقون دائماً، الله سبحانه وتعالى يقول إن الجنة هي وعد من الله، والمطلوب من الإنسان أن يصدق وعد الله، وأن يتذكر هذا الوعد، ويسير ويعمل بمقتضاه.

الأمر الثالث هو الإنذار. الإنذار الإنذار أنه: وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ. إذا ترك الإنسان الواجب، لا سيما ما كان متعلقاً بواجبات الوقت والفروض، الفروض المتعينة والفروض الكفائية، هذه إذا تركها الإنسان وما قام بحق النعمة التي أنعم الله سبحانه وتعالى بها عليه، هنا يخاف أن يكون من الخاسرين. والخسارة تشمل الخسارة الدنيوية بما يفوت من النصر، والخسارة الأخروية بما يفوت من الثواب وما يستوجب على الإنسان من العقاب إذا ما عمل بمقتضى أمر الله سبحانه وتعالى وأمر رسوله.

والنقطة الثانية أن الأمر بالثبات: وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ، الأمر بالثبات أمر باخذ أسبابه. فهنا يستوجب على الإنسان أن يرى كيف يثبت، وما هي الأشياء التي تجعل القدم تزل في هذا الزمن، كيف أتجنب السقوط والانتكاس وموجبات الثبات ونحو ذلك؟ هذا الباب من الأبواب الشريفة التي يعتني بها الإنسان حتى لا يكون ممن يدخلون في هذا الأمر ويكون من الخاسرين.

النقطة الثالثة، الآية الثالثة: قال موسى، قالوا، ردوا على موسى قالوا: يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ. هذا الرد حقيقة، الرد المليء بالخذلان من بني إسرائيل، أنهم خذلوا موسى وما استجابوا لأمره وما أطاعوه فيما أمرهم، وما قاموا بشكر النعمة. هذا الرد فيه فوائد كثيرة يستفيدها الإنسان حتى ما يقع في مثل ما وقعوا فيه، من أهمها ومن أهم أسباب الخذلان، إذا قلنا هناك أسباب للثبات فهناك أسباب للخذلان، من أهم أسباب الخذلان هنا التعلق بالمعايير المادية وحدها، ثم تعليق العمل عليها، تعليق العمل عليها طالما أن هناك قوماً جبارين، طالما أن هناك قوماً جبارين وأنهم أكثر منا عتاداً وعدة فنحن لن ندخلها، فنحن لن ندخلها.

فهم اتخذوا موقفهم العملي بناءً على المعيار المادي وحده، وتركوا نقاطاً كثيرة؛ أن هناك وعداً من الله سبحانه وتعالى لهم، وأن هناك نعمة من الله سبحانه وتعالى عليهم تستوجب عملاً، وأن معهم رسول الله، معهم موسى كذلك هو الذي يخبرهم أن هذا واجبهم الآن. فهم تركوا كل ذلك وتعلقوا بالظرف المادي وبالفارق المادي الذي كانوا عليه بينهم وبين القوم الجبارين أو العمالقة الذين كانوا في بيت المقدس. فهذا التعلق بالمعايير المادية هو من أكبر أسباب الخذلان، التعلق بالمعايير المادية وحدها، طبعاً الاكتفاء بالمعيار المادي وحده تعليق العمل عليه هذا من أسباب الخذلان. وحقيقة هذا من الاسباب التي قد تزل قدم الإنسان بها وهو لا يشعر، وهو لا يشعر، لذلك هم قالوا: لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ. فكأنهم يقولون لموسى عليه السلام: نحن ما خذلناك، نحن معك وسنعمل معك ولن نتراجع، لكن فقط ليخرجوا منها، فقط إذا خرجوا فنحن معك وأول من سنسير في فرقتك وأول من كذا.

فهذا حقيقة مما يخدع به الإنسان نفسه، أنه يعلق عمله على الشرط المادي وحده، ثم بعد ذلك يقول: إذا حصل هذا التوازن في الناحية المادية أنا وقتها ساكون أول العاملين، وقتها سأكون أول الثابتين، وقتها سأكون، وهذا أمر ذمه الله سبحانه وتعالى لنا، كما قال الله سبحانه وتعالى في أصحاب طالوت لما أيضاً قالوا: لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ. أيضاً تعلقوا بالسبب المادي، قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله: كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ. فهناك التصديق بوعد الله، وهناك التصديق بسنن الله سبحانه وتعالى، هي ما تجعل الإنسان يتجاوز هذا الأمر ولا يجعله سبباً وحيداً لتعليق العمل عليه، فعدم التعلق بالميزان المادي وحده، التعلق بوعد الله سبحانه وتعالى وبالأمور الأخرى.

الامر التالي: قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهم: ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. الحقيقة هذه الآية عظيمة جداً جداً، هذه الآية مليئة بالفوائد ومليئة بالعبر، وسبحان الله يعني الإنسان اللي يقرأ الآيات وحدها، يعني لو كان الواحد سيقص القصة من الناحية البشرية، لو أراد رجل أن يحكي قصة دخول أو أمر موسى عليه السلام بقومه بأن يدخلوا البيت المقدس لربما قال: يعني أتى بهذه القصة أنه قال لهم: ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم، ثم بعد ذلك قالوا: يا موسى إن فيها قوماً جبارين وإنا لن ندخلها، ثم بعد ذلك يأتي بالموقف التالي: أن ربي لا أملك إلا نفسي وأخي ففرق بيننا وبين القوم الفاسقين، أمرهم فرفضوا.

لكن هنا ننتبه لنقطه أن الله أبرز لنا موقف، أبرز لنا موقف أناس من داخل هذا الصف، وأبرز لنا كلماتهم وسجل لنا موقفهم حتى نستفيد منه. هذا الابراز، هذا الموقف حقيقة يستدعي من الإنسان أن ينتبه ويسْتَرعي منه انتباهاً خاصاً. لماذا ساق لنا قصه هذين الرجلين رغم أنهما مجهولان؟ لأن في هذه الآية فوائد كثيرة حقيقة. وقبل أن ندخل في تفاصيل هذه الآية، أولاً بمجرد أن الله سبحانه وتعالى يمتدح أناساً في كتاب الله، في كتابه الله سبحانه وتعالى، إذا ذكر قوماً على وجه الامتداح، إذا ذكر قوماً على وجه الامتداح في كتابه فهؤلاء قد نالوا أعلى أوسمة الشرف، وهم هؤلاء هم أولى الناس بالاقتداء، أولى الناس بأن نعرف سيرتهم وأن نعرف موقفهم ثم نقتدي بهم. لماذا؟ لأن الله امتدحهم في كتابه، وهؤلاء قوم ليسوا انبياء، هؤلاء اتباع الأنبياء، ومواقف اتباع الأنبياء حقيقة في كتاب الله سبحانه وتعالى عجيبة فعلاً، تسترعي من القارئ انتباهاً خاصاً. فهؤلاء قال رجلان، من هم الرجلان؟ نعم قد يكون في الإسرائيليات ذكر بعض الأسماء كذا، لكن نحن لا نعلمها في القرآن.

ما ذكر ذكرهما على الصفة المجهولة، قال: رجلان من الذين يخافون.

وكذلك أحياناً يذكر الله سبحانه وتعالى لنا مواقف، مثل موقف مؤمن آل فرعون، قال: رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه، وتقتلون رجلاً أيضاً. قال رجل مؤمن، قال رجل مؤمن يعني لا نعلم من هو، لكن الله سبحانه وتعالى سجل موقفه. وكذلك في صاحب آل ياسين، الرجل الذي قال: يا قوم اتبعوا المرسلين، اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون إلى آخر الآيات. فالله سبحانه وتعالى يسجل لنا مواقف بعض الرجال المجهولين بالنسبة لنا، والذين خلد الله سبحانه وتعالى مواقفهم كي نعتني بها وكي نرى ماذا حصل منه.

الأمر الثاني، ماذا فعل الرجلان؟ ماذا فعل الرجلان هنا كي يخلد الله سبحانه وتعالى موقفهم؟ يعني ما خلاصة موقفهم؟ خلاصة موقفهم ليس عملاً، يعني هؤلاء الرجلان لم يذهبوا ويدخلوا الأرض المقدسة، وإنما ما حصل منهم هو قول الله سبحانه وتعالى سجل قولهم. وهذا حقيقة يعني فعلاً شيء عجيب، كان الله سبحانه وتعالى أحب منهم هذه الكلمات التي نطقوا بها في ذلك الموقف الذي تولى فيه الناس، فكانوا هم ممن يريدون تثبيت الناس.

هذا هو شرف هذا الموقف، قبل أن ندخل في ماذا قالوا وما هي المعاني التي أبرزوها، نتذكر أن هذا موقف تولي، موقف إدبار من الناس، وهناك من صدح بالحق. هناك من قال كلمة الحق وكان يرجو فيها إحقاق الحق وإبطال الباطل، وكان يرجو فيها تثبيت الناس. فهذا معنى شريف ناخذه من هذه الآية، أن تثبيت الناس في مواقف الالتباس، تثبيت الناس في مواقف الانتكاس، في المواقف الصعبة في الزمن الصعب، أن تثبت الناس، أن تقول لهم كذا، الله سبحانه وتعالى يحب منكم كذا، أن تحفزهم على العمل لهذا الدين، هذا شيء شريف الله سبحانه وتعالى سجله لنا، كما ذكرنا في قصة أصحاب طالوت، نفس الشيء أنه لما قال أناس: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده، فتزعزعوا وأرادوا الرجوع والنكوص، أظهر الله سبحانه وتعالى موقف الفئة الثابتة التي تثبت إخوانها.

فهم ليسوا فقط ثابتين، الموقف هنا تثبيت، تثبيت الآخرين، فهذا حقيقة من أعلى درجات الاقتداء بالأنبياء وأصحابهم، وهي أن تقول كلمة الحق في زمن يقل فيه قائل هذه الكلمه، وأن تثبت الناس في وقت لا يكونون فيه ثابتين. وبالمناسبه الله سبحانه وتعالى يعني حتى في هذا الموقف، هل الناس سمعوا وأطاعوا لهؤلاء الرجلين؟ ما سمعوا وأطاعوا، يعني ما حصلت ثمرة من قولهم، يعني ما كانت القصة أنه قال رجلان: ادخلوا عليهم الباب وكذا، ثم بعد ذلك فتثبتوا بهذا الموقف كما حصل لأصحاب طالوت مثلاً، لا، هنا حتى ما أجدى قولهم في بني إسرائيل، ما أجدى قولهم، ومع ذلك سجل الله لنا الموقف، ومع ذلك كتب الله لنا موقفهم، وكتب الله لنا كلماتهم، وكأنه يقول: إن المطلوب منك هو أن تتكلم، أن تقول كلمة الحق، أن تثبت الناس، أن ترفع صوتك بالحق والتثبيت وكلمات التحفيز على العمل ونصرة الدين، حتى لو لم يستمع إليك أحد، حتى لو كان الموقف في النهاية موقفا ممن تثبتهم، موقفا فيه خذلان وكذا. مع ذلك يريد الله سبحانه وتعالى منك أن تقوم هذا الموقف كما قامه هذان الرجلان.

فماذا قال هذان الرجلان؟ قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهم.

طيب، هنا أول شيء قبل أن يذكر قولهم، وصفهم بوصف، وهذا الوصف الذي وصفهم به كأنه يقول لنا: إنه هذا الوصف هو الذي استوجب منهم هذا العمل، لأنه وصفهم به، فهذه الصفة هي التي تميزوا بها، هي التي أقامَتْهم هذه المقامات العظيمة الشريفة. ما هي هذه الصفة؟ أنهم يخافون.

والخوف من الله سبحانه وتعالى حقيقة من أعظم أبواب الثبات، ومن أعظم أسسباب الثبات أمام كل أحد، أن تثبت عندما تعلم أن هذا الموقف يستدعي منك ثباتاً، وأنه حتى لو كان بالنسبة للمعايير الدنيوية والمادية من أمامك هو أعلى وأعتى وأكثر عدة وعتاداً، فهنا أنت تخاف الله سبحانه وتعالى، أنت تخاف الله سبحانه وتعالى ولا تخاف الخلق أجمعين.

لذلك الله سبحانه وتعالى يذكر لنا هذا الأمر كثيراً مما يذكره في كتابه. قال يا أيها على سبيل المثال أيضاً في سورة المائدة: يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، بعدين قال: يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم. فكانهم جاهدوا لأنهم لا يخافون في الله لومة لائم ولا يخافون من أمامهم. وقال أيضاً في سورة التوبة: ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم وهموا باخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين. كما ختمت هذه الآية التي أمامنا بأن كنتم مؤمنين، فالايمان يستدعي منك أن تخاف الله سبحانه وتعالى ولا تخاف أحداً سواه. وكما قال الله سبحانه وتعالى في سورة الأحزاب: الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وكفى بالله حسيساً.

وأيضاً ذكر الله سبحانه وتعالى في موقف في آية عجيبة، إذ قال نوح لقومه، واتل عليهم نبأ نوح، لاحظوا نبأ نوح، أمر نوح العظيم، ماذا قال؟ إذ قال لقومه: يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بايات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمَّةً ثم اقضوا إليَّ ولا تنظرون. هنا يأتي خوف الله سبحانه وتعالى وعدم الخوف ممن سواه، هذا أمر مهم جداً.

هنا يأتي الخوف من الله سبحانه وتعالى. الأمر الثاني أنه قال: أنعم الله عليهما، وقيل كما قال المفسرون: إن الخوف من الله سبحانه وتعالى هذا من نعمة الله عليه، هذه الخشية، خشية الله وعدم خشية الأعداء، هذه ليست أمراً يحققه الإنسان بنفسه، نعم يطلب أسبابها ثم يمن الله سبحانه وتعالى بها على من طلب أسبابها، هي نعمه من الله، ولها أسباب، من أهم أسبابها معرفة الله عز وجل. إذا عرف الإنسان قدر الله عز وجل وعرف قوته وعزته وملكه وعظُمته، هنا يخاف، وهنا تاتي أهمية العلم بالله سبحانه وتعالى. وإذا علمت البشر وعلمت ضعفهم وعلمت عجزهم، هنا يسقط من عينك هؤلاء البشر.

فهذه النقطه الأولى، نقطة الخوف من الله سبحانه وتعالى. النقطة الثانية، قالوا: قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين.

هنا يأتي مرة أخرى التذكير بوعد الله سبحانه وتعالى: فإنكم غالبون. هنا تتذكر: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون. هذا وعد من الله سبحانه وتعالى، فهذا التذكر لوعود الله سبحانه وتعالى كما ذكرناها في صفة موسى عليه السلام الآية السابقة، هنا أبرزها في صفة اتباع الأنبياء، وهي من أكبر ما يحفز الإنسان، من أكبر ما تثبت به الناس أن تذكرهم بوعد الله سبحانه وتعالى.

فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين. حقيقة التوكل هو أيضاً من أعظم موجبات الثبات والعمل في هذا الزمن الصعب، والتوكل هو زاد وهو السلاح الذي يتسلح الإنسان به أمام الأعداء، التوكل سلاح يتسلح به المؤمن اليوم، ونحن أحوج ما نكون اليوم للتوكل الذي ينقصنا حقيقة، الذي ينقصنا حقيقة في المقام الأول ليس هو العدة المادية والدنيوية، نعم هذه يسعى الإنسان لها بما يستطيع، لكن ما يحتاجه الإنسان حقيقة اليوم أن يكون الله معه.

وأن يكون الله يكفيه، وهذا لا يكون إلا للمتوكلين. كما قال الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَطُسُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ. دائماً يأتي التوكل في القرآن مع الأعداء. وفي سورة الأحزاب قال: وَدَعْ أَذَاهُمْ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ، الأعداء، وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا. وقال: وَإِن يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَحَسْبُكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ.

لذلك اليقين بأن الله معك، وأنك تتوكل عليه وأنه يكفيك؛ كما قال موسى لما قال له أصحابه: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ. قال: كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ. وقال النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الغار: لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا. هذا أمر مهم جداً، أمر الثقة بالله سبحانه وتعالى والتوكل عليه، فهذه الصفة السادسة.

الأمر الثاني أن قال: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. إن كنتم مؤمنين، من أهم ما يدفعك للتوكل على الله سبحانه وتعالى أن تعلم أن هذا مقتضى الإيمان. هذا الإيمان الذي ندعيه من مقتضياته أن تكتفي بالله سبحانه وتعالى، أن تعلم بأن الله قوي، قادر، عزيز، صادق الوعد، أن تعلم أن الله ولي ينصر أولياءه الذين ينصرونه. هذه المفردات التي يجب أن يتربى عليها الإنسان المؤمن، وهذه إذا عدمت فلا يمكن أن تقول إن الإنسان توكل على الله أمام القدرة المادية الكبيرة للأعداء. لا يمكن أن تقول إن الإنسان توكل على الله وهو في مكوناته الداخلية لا يحمل هذا الإيمان، الإيمان بأن الله هو القوي، هو العزيز، هو القدير، وأن الله صادق الوعد حقاً، وأنه ينصر أولياءه حقاً. فهنا نأتي نقول: يجب أن نزداد علماً بالله، ونزداد العلم بالله وصفاته وسننه ونحو ذلك. هذه مجالس زيادة الإيمان، العلم بالله سبحانه وتعالى، قراءة القرآن على وجه التعلم، هذه من أعظم ما تجعلك تثبت بعد ذلك في المواقف الصعبة بإذن الله عز وجل.

ثم بعد ذلك قالوا: ماذا كان موقفهم بعد كل هذا؟ قال: أمرهم موسى عليه السلام ثم قام الرجلان فأمروهم أن يدخلوا أيضاً. حقيقة أن موقفهم موقف عجيب، أصروا على النكوص والتولي، فقالوا كما قال الله سبحانه وتعالى: قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَادَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ. لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَادَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ.

هنا علم موسى أنه لا يملك حقاً إلا نفسه وأخاه، حتى إنه ذكر في بعض الإسرائيليات ونحو ذلك ما نقله المفسرون أن هؤلاء الرجلين قد قتلهم أقوام بني اسرائيل، قتلوهم وحصل أمر عظيم بعد أن أمروهم بهذا الأمر. فهنا قال موسى: رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ. قال: فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ.

الحقيقة هناك أشياء تستفاد من هذه القصة. أولاً: أن عدم قيام الأمة بواجبها، عدم القيام بحق المرحلة هنا الأمة كلها تدفع الثمن، وكل الأمة تدفع الثمن ويتاخر النصر. يتاخر النصر لماذا؟ ليس لقوة الأعداء وإنما لتأخر من يستطيع شيئاً ثم لا يبذله، تأخر لاسيما الفئة المؤمنة التي أنعم الله سبحانه وتعالى بالنعم الدينية، بمعرفة الحق، بمعرفة منهاج الأنبياء، ثم عدم القيام بمقتضى كل ذلك. هنا يتاخر النصر للأمة كلها، وهذا أمر حقيقه أمر عظيم، وامر يلقي بالمسؤولية على من بيده أن ينصر هذا الدين ثم لا ينصره للتعلق مثلاً بالموازين المادية ونحو ذلك.

والامر الثاني الذي يستفاد كذلك أنه حتى لو تأخر النصر وحتى لو ما قامت الأمة بواجبها، هنا الله سبحانه وتعالى لا ينسى المصلحين، لا ينسى الذين أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، لا ينسى الذين قاموا بواجبهم. نعم، قد لا يقوم الأكثر بواجبهم وتقوم قلة بواجبهم ثم لا يظهر لهذا العمل أثر، لكن الله لا ينسى مواقفهم ويسوقها كما ساق موقف هؤلاء الرجلين. ساق لنا موقفهم وساق لنا ثباتهم ونقل لنا كلماتهم. الله لا ينسى عملك في الزمن الصعب، حتى ولو لم ترَ له أثراً، حتى ولو تأخر النصر بالنسبة للأمة.

الفائدة الثالثة: أن النصر يأتي للأمة العاملة، النصر لا ينزل على من يقولون لن ندخلها أبداً ماداموا فيها أو لندخلها حتى يخرج منها، حتى يخرجوا منها، إذا رأينا بوادر النصر، إذا رأينا أن هؤلاء بدأوا يخرجوا فنحن مستعدون للعمل، مستعدون للعمل في هذا الزمن الصعب ونحو ذلك. هذه الأمور لا تتحقق هكذا، لا يأتي النصر للناس في بيوتهم، النصر ينزل على الناس العاملة. النصر يأتي للناس الذين يصدقون بوعد الله بالغيب أولاً فيتحركون، ثم يكتب لهم النصر بعد ذلك. لا يأتي للناس الذي ينتظر من العدو أن يتحرك من مكانه ويتراجع ثم بعد ذلك هو يتقدم. لا، أنت تتقدم أولاً ثم بعد ذلك هو يتراجع وينصرك الله سبحانه وتعالى.

الفائدة الأخيرة بالنسبة لموجبات الثبات والعمل. قيل من الفوائد التي يستانس بها: لماذا حرمها الله سبحانه وتعالى؟ طبعا هم لما رفضوا أدخلهم الله سبحانه وتعالى في التيه، كتب الله عليهم التيه، قال الله سبحانه وتعالى: قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ. مما يستانس به قيل: لماذا أربعون سنة؟ قيل: حتى يظهر جيل جديد، هذا الجيل الجديد يستبدل هذا الجيل، ويظهر جيل جديد وهذا الجيل الجديد يحمل الصفات التي تؤهل للعمل، تؤهل لأن يدخل الأرض المقدسة، يكون مستحقاً لأن تتحقق فيه سنة الله سبحانه وتعالى بالنصر، ويتحلى بهذه الصفات: الخوف من الله، تذكر نعمة الله، الصفات المذكورة هنا. هذا الجيل القادم إنه يتحلى بهذه الصفات، وهنا نقول من النقاط من الأشياء المهمة في هذا الزمن هي تربية النفوس على هذه الحقائق المذكورة.

حقائق اللي هي موجبات الثبات والعمل، تربية النفوس عليها، صناعة النفوس المؤمنة لأنها هي الفارقة في المعادلة اليوم. الأشياء التي نحتاجها اليوم بالنسبة للناس العاملة لدين الله سبحانه وتعالى هي هذه النقاط: تذكر الله، عدم التعلق بالميزان المادي، الخوف من الله، التوكل. هذه الصفات لا تتحقق بين يوم وليلة، هذه تصنع وتربى عليها النفوس. لذلك من أهم ما نحتاجه هي أن نربي النفوس على هذه الحقائق الإيمانية، حقائق الوحي. فلذلك كل مجلس يجلسه الإنسان، مجلس إيماني، مجلس تزكوي، مجلس تدارس للقران، استهداء بهداياته، هذه من أوجب الواجبات اليوم. لماذا؟ لأنها تصنع النفوس، هذه المجالس هي التي تصنع النفوس المؤمنة. فبالتالي هي من أوجب الواجبات علينا اليوم، وهي من أكثر ما يثبت الإنسان ويعينه على الثبات والعمل في هذا الزمن، في هذا الزمن الصعب.

طيب، ختاماً، نقول: إن هناك موقفا عجيباً حصل من الصحابة رضوان الله عليهم الذين قرأوا هذه الآيات فلم تمر عليهم مروراً عادياً. علاقتهم بهذه الآيات كانت علاقة محركة، هم يعني اخذوا هذه الآيات بطريقة الاستهداء الحقيقي والتدارس الحقيقي، فاستقرت في أنفسهم هذه المعاني يعني. فلما كان يوم بدر، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه قال: شهدت من المقداد بن الأسود مشهداً لأن أكون صاحبه أحب إليَّ مما عدل به. قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين فقال: لا نقول كما قال قوم موسى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا، ولكننا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك. قال: فرايت النبي صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه وسره يعني قوله.

حقيقة هذا حديث نتوقف معه أيضاً ورد في أحاديث ثانية أنه قال سعد بن معاذ: كأنك تعرض بنا يا رسول الله؟ فهو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته

لخذناه معك وما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر به. فهذه المواقف التي وقفها الصحابة وقالوا لا نقول كما قال قوم موسى: اذهب أنت وربك فقاتلا.

هذا يدل على ماذا؟ يدل على أنهم استفادوا من آيات القرآن وأورثتهم ثباتاً في ميادين العمل. حقاً، ما مرت عليهم آيات القرآن مروراً، ما كانت علاقتهم علاقة حفظ، على سبيل المثال علاقتهم بسورة المائدة بمثل هذه الآيات ما كانت مجرد أنهم يقرأوها قراءة وحفظاً، لا، هذه كانت حقائق مستقرة في نفوسهم. لما جاء الموقف الصعب، لما جاء الموقف الصعب يوم بدر وحصلت المواجهة، وكادت أن تستاصل الفئة المؤمنة، هنا في هذا الموقف الصعب الشديد وقف هؤلاء الصحابة، ظهرت حقائق القرآن يومئذ، ظهرت تمثلاتاتها، وتذكروا هذا الموقف من بني إسرائيل فقالوا لا نقول كما قال قوم موسى: اذهب أنت وربك فقاتلا، ولكننا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك. ولذلك أحب النبي صلى الله عليه وسلم منهم هذا الموقف وأشرق وجهه وسره قوله.

لذلك، ما نريد أن نختم به أننا نريد أن تكون علاقتنا بالقران بهذه الطريقة، هي أن تكون علاقة حقائق تستقر في النفوس فتظهر بعد ذلك في، تظهر في ميادين الثبات والعمل في الأزمنة الصعبة. وأيضاً كمان في موقف الأحزاب، أنه: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ. لما رأى المؤمنون الأحزاب، يعني أحزاب بالنسبة لل حتى أحزاب فيها كلمة عظيمة وتفهم منها الاختلاف في موازين القوة يومئذ كما كان يوم بدر، كذلك قالوا: هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا. قال المفسرون: هذا ما وعدنا الله ورسوله، أي تذكروا الآية التي في سورة البقرة: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِيكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَضَّرَاءُ وَزُلْزِلُوا. فكانت هذه الآية مثبته لهم يومئذ، كانت هذه الآية مثبتة.

فلذلك، العلاقة الحقيقية كي نتلقى القرآن على منهاج النبوة أن ناخذ الحقائق، فنتسلح ناخذ الآيات ونتسلح بها وتكون حقاً مكونة لنفوسنا، ومثبتة لنا في مواقف الثبات. وبذلك نكون قد انتهينا من هذا المجلس، سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.