تسجيل الدخول

الاستهداء بالقرآن | {لم يكن شيئا مذكورا} | المجلس الخامس

عبد الرحمن أبو غيث
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أسأل الله العلي العظيم أن يبارك لنا في هذه المجالس، وأن ينفعنا بها، وأن يزيدنا علماً وعملاً.

نستكمل معكم لقاءات الاستهداء بالقرآن، وهذا التحلق حول كتاب الله سبحانه وتعالى الذي نرجو به أن يزيدنا الله بصيرة وهدى بكتاب الله عز وجل. اليوم سنتناول بإذن الله عز وجل شيئاً من سورة، من بدايات ومطلع سورة الإنسان، وسيكون الحديث حول آية الخلق بإذن الله عز وجل، هذه الآية العظيمة التي ذكر الله سبحانه وتعالى بها في مواضع كثيرة.

بداية، الحديث عن سورة الإنسان، سورة الإنسان من السور العظيمة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يكررها، كان النبي صلى الله عليه وسلم يكررها، وهذا يزيدنا عناية بها لتكرار النبي صلى الله عليه وسلم لها. فقد ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة الم تنزيل السجدة، وهل أتى على الإنسان. وأيضاً ورد عن ابن عباس أنه كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة الم تنزيل السجدة وهل أتى على الإنسان حين من الدهر، فهذه من السور التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يكررها، والسور التي يكررها النبي صلى الله عليه وسلم أو قد ورد عنه أنه يكررها يجب على الإنسان أن يعتني بها مزيد عناية.

والحقيقة إذا تأمل الإنسان في هاتين السورتين، سورتي الإنسان والسجدة، سيجد فيهما من الحقائق العظيمة التي حري بالانسان أن يتذكرها دائماً باستمرار كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنك ستجدها تحلق بالانسان إلى المعاني الغيبية، وإلى صميم عقيدة الإنسان وما يتعلق بشأن الجنة والنار والحقائق الكبرى، والتعريف بالله سبحانه وتعالى، والتوجه لله سبحانه وتعالى والإخبات له. كل هذا موجود في السورتين.

فسورة الإنسان تحديدا التي سنتكلم عنها اليوم من السور التي لها طابع خاص، ولها وقع خاص على الإنسان، وفيها شأن عجيب، لا سيما في ذكر نعيم أهل الجنة. حتى ذكر نعيم أهل الجنة الوارد في هذه السورة يعني له طابع مختلف عن باقي السور، فيه مزيد من إبراز نعمة الله سبحانه وتعالى على عباده المتقين، والملك الكبير الذي يكون لهم يوم القيامة.

في هذه السورة لن نتحدث اليوم عن كامل السورة لعدم كفاية الوقت، لكن سنتحدث عن مطلعها بإذن الله عز وجل. وهذا المطلع مطلع عجيب، هذا المطلع من البداية مطلع عجيب. يقول الله سبحانه وتعالى فيه: هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا. هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا.

هذا المطلع جاء باسلوب السؤال، وأسلوب السؤال من شأنه أن يلفت نظر الإنسان وأن يتفكر في هذا الأمر. وكذلك بعض السور القرآنية تبدا بهذه البداية، بداية تجعل الإنسان يدخل دخول المتسائل، دخول المفكر المتأمل في هذه الحقائق التي افتتحت بها السورة. يعني هناك عدة سور، مثلاً على سبيل المثال سورة الفيل: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ. ألم تر كيف فعل ربك، فأنت تدخل وأنت تحاول أن ترى وأن تتفكر ما الذي فعل ربك بأصحاب الفيل. وكذلك بعض السور الأخرى: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ، عَمَّا يَتَسَاءَلُونَ، وهكذا. هناك سور تاتي بهذا الأسلوب، الأسلوب الحقيقه يشد الإنسان وياخذ بانتباهه من أول آية من المطلع.

وإن كان المراد هنا بهل أي قد أتى على الإنسان، أي مراد به التحقيق، لكن أسلوب الاستفهام يؤدي هذا الدور، دور شد الانتباه بالنسبة للإنسان، فيتفكر ويتأمل في هذه الحقيقة. فهذا بالنسبة للأسلوب.

بالنسبة للمضمون كذلك هو مما يجعل الإنسان يتفكر طويلاً ويتأمل في هذه الحقيقة التي ابتدأ الله سبحانه وتعالى بها السورة. هذه الحقيقة التي تخبرنا عن، يخبرنا الله سبحانه وتعالى عن الزمن الذي كان قبل الإنسان، فتاخذك السورة إلى معاني وجودية كبرى تتفكر فيها، وفي وجود، ليس في وجودك بمجردك، وإنما في وجود الإنسان كجنس. فيقول الله سبحانه وتعالى: هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا.

وهنا يعني يتفكر الإنسان أنه قد أتى على الإنسان، نعم، قد أتى على الإنسان حين من الدهر قبل أن يخلق الإنسان لم يكن هذا الإنسان شيئاً مذكوراً. ما كان يذكره أحد ولا كان يعلم به سوى الله سبحانه وتعالى أحد، ما كان على الألسن، ما كان هناك شيء اسمه انسان، ما كان هذا الكائن على وجه هذه الأرض.

وحقيقة هذه الحقيقة يعني تاخذ الإنسان بعيداً ليتفكر حتى في حاله وفي حال نفسه، أن كل هذا الوجود الذي يشعر به وهذا الخلق الذي هو يتنعم به وهذه الروح التي بين جنبيه وهذه الحياة التي يعيشها وكل ما يراه وكل ما يعيشه، كل هذا بالنسبة للزمن وبالنسبة للدهور السابقة هذا مجرد، إن صح التعبير، مجرد حالة عارضة كان قبلها فناء للإنسان، وسياتي بعدها سيفنى فيه هذا الإنسان. فالإنسان ليس بشيء، ليس بشيء إلا، وجود هذا الإنسان ما هو إلا لحظات يسيرة، ما هو إلا لحظات يسيرة يبتليه الله سبحانه وتعالى فيها، ثم بعد ذلك سيفنى، بعد ذلك كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ۝ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.

فهنا الله سبحانه وتعالى أوجد الإنسان بعد أن لم يكن شيئاً مذكوراً، وسيفنيه بعد ذلك كي يتحقق هذا الابتلاء: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ، الآية التالية. خلقه الله سبحانه وتعالى كي يبتليه، فهنا يعرف الإنسان هذه الآية، حقيقة تري الإنسان حجمه، تري الإنسان حجمه وأنه بالنسبة لهذا الكون وبالنسبة لهذه المخلوقات وبالنسبة، هو لا شيء، هذا الإنسان لا شيء، هو ياتي ويعيش لحظة خاطفة في عمر هذا الكون لا تمثل شيئاً بالنسبة لما كان ولما سيكون.

فهنا يتفكر الإنسان حقيقة في وجوده، وأن وجوده قد حصل بعد أن لم يكن شيئاً مذكوراً. وهذا حقيقة ما يدفع الإنسان بعد أن يدخل بهذا المدخل الوجودي العظيم لينتقل إلى الآية التالية ويتفكر في آية الخلق.

كان الإنسان، يعني لم يكن الإنسان شيئاً مذكوراً ثم خلقه الله سبحانه وتعالى: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا. إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ، هذه هي الحقيقة، بل هذه هي أم الحقائق. الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان بعد أن كان عدماً، لم يك شيئاً، كما قال الله سبحانه وتعالى: وَلَمْ يَكُن شَيْئًا. والله سبحانه وتعالى هو الخالق، الله سبحانه وتعالى هو الخالق الخلاق، هو الذي اوجد هذا الإنسان، فالإنسان ما هو إلا أثر من آثار صفة الخلق لله سبحانه وتعالى. ما أنت إلا أثر من آثار صفة الخلق، الله هو الخالق سبحانه وتعالى وما أنت إلا مخلوق خلقك لأنه هو الخالق الخلاق.

وآية الخلق حقيقة آية عظيمة جداً جداً، هي ستكون محور حديثنا اليوم بإذن الله عز وجل في هذا اللقاء. آية الخلق، آية الخلق هي اعظم الآيات، أعظم الآيات التي يستدل بها الإنسان على خالقه سبحانه وتعالى. وهي أول الآيات وأقرب الآيات، أقرب الآيات للناس باختلاف أفهامهم وباختلاف أعمارهم وباختلاف عقولهم. آية الخلق آية فطرية، وآية عظيمة، وآية حقيقة يعني تجعل الإنسان يخضع ويتذلل ويعبد سيده وخالقه ومولاه.

أن يتفكر الإنسان أنه لم يكن شيئاً ثم خلقه الله سبحانه وتعالى وأوجده، واوجد له روحاً بين جنبيه، واوجد هذه الحياة، واوجد له ذرية وأقرباء، واوجد له هذه المخلوقات، وهذه السماء وهذه الأرض، كل هذا مما يدل على، يدل على صفات كثيرة لله سبحانه وتعالى لا تنحصر في صفة الخلق، بل إذا تفكر الإنسان في الخلق فانه سيصل إلى معرفة الله سبحانه وتعالى بطرق شتى، من ضمنها أنه سبحانه، كما قلنا، إنه هو الخالق، وهو أيضاً هو العليم: أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ، وهو اللطيف الخبير، فالذي خلق كل هذا.

هو العليم، والذي خلق كل هذا بحجمه وعظمه وبدقته واتقانه، هو سبحانه العليم، والذي خلق كل هذا هو العظيم، الذي خلق السماوات والأرض هو سبحانه العظيم، وهو القوي، وهو القدير، وهو العزيز، وهو الحي سبحانه، وهو القيوم. كثير من الصفات يصل لها الإنسان، صفات الله سبحانه وتعالى يتعرف عليها الإنسان إذا تأمل في آية الخلق.

آية الخلق هي آية عظمى تدل على الله سبحانه وتعالى من وجوه كثيرة جداً جداً. وإذا تفكر الإنسان في الخلق، يعني هناك واحدة من مظاهر التفكر في الخلق هي التفكر في الوجود من أساسه، وجود الإنسان؛ أنه لم يكن شيئاً مذكوراً فخلقه الله سبحانه وتعالى، خلقه الله من لا شيء، يعني لم يكن شيء فخلقه الله سبحانه وتعالى من العدم، ولا يخلق من العدم إلا الله سبحانه وتعالى، لا يخلق من العدم إلا الله سبحانه وتعالى.

هذا أولاً، ثم إذا تفكر الإنسان في خلق في في طبيعة خلق جسمه، إذا تفكر في مثلاً إذا نظر في عينه، إذا نظر في يده، إذا نظر في رجله، في تناسق هذه الأعضاء، في تكاملها، ثم في دقتها، إذا رأى ما يسمى اليوم بعد أن علم الإنسان ما يسمى بالخلايا والكروموسومات وما إلى ذلك، كل ما زاد الإنسان علماً زاد انبهاراً بهذا الخلق، زاد انبهاراً بهذا الخلق، وزاد تعظيماً وتسبيحاً لله سبحانه وتعالى.

وهذا من جهة الإنسان، ثم إذا تفكر الإنسان بالمخلوقات، كل مخلوق ينظر له الإنسان يتعرف به على مولاه سبحانه وتعالى. فإذا نظر إلى السماوات والأرض، لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، خلق السماوات والأرض خلق خلق عظيم، خلق عظيم فيه دلائل وفيه آيات وفيه من مظاهر العظمة والجمال والاتقان ما يعجز الإنسان حتى عن التفكر فيه، أو أن أن أن يحصي يعني أن يحصي نعمة الله سبحانه وتعالى الموجودة في هذه المخلوقات: (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ).

لذلك الله سبحانه وتعالى كثيراً ما يشير يشير إلى الخلق، الله سبحانه وتعالى كثيراً ما يشير إلى الخلق ليستدل به إلى الله سبحانه وتعالى. فيقول الله سبحانه وتعالى: أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ، أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء، وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم، فبأي حديث بعده يؤمنون؟

أو لم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج؟ والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب. فكثير ما يشير الله سبحانه وتعالى إلى الخلق، والآيات أكثر من أن يحصيها الإنسان في مثل هذا المجلس. كثيراً ما يشير الله سبحانه وتعالى أن الله هو الخالق سبحانه وتعالى، وأن هذا الخلق سبحانه وتعالى يدل عليه.

لذلك آية الخلق، آية الخلق الله سبحانه وتعالى أوردها في كتابه في عدة سياقات، أوردها في عدة سياقات. السياق الأول: سياق التعريف. السياق الأول: سياق التعريف، كثيراً ما يعرف الله سبحانه وتعالى بنفسه، إذا أردت أن تتعرف على الله كما أشرنا قبل قليل، فإن أقرب الأدلة وأظهرها هو دليل الخلق والإيجاد، دليل الخلق.

لذلك كثيراً ما يذكر الله سبحانه وتعالى في أوائل السور، يذكرنا على سبيل المثال في سورة الأنعام: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظَّلُمَاتِ وَالنُّورَ)، هذه السورة التي تتحدث عن توحيد الله وعن آثار ودلائل وجوده وتوحيده بدأت بآية الخلق: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظَّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ. هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجْلًا ۖ وَأَجْلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ).

وأول نداء، أول نداء جاء في القرآن في سورة البقرة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ)، من هو؟ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ. أول تعريف بالله، أول تعريف بالله أتى هو التعريف بأنه الخالق. ولذلك حتى أول آية نزلت، أول آية نزلت في القرآن: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)، هذه أول ما طرق سمع محمد صلى الله عليه وسلم، أنه قد جاءتك رسالة من خالقك.

فهذا أقرب الأدلة، أن تعرف من هو الله سبحانه وتعالى، تتفكر في أنه الخالق سبحانه وتعالى. وكذلك بداية سورة النساء: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً)، وبدايه سورة الأعلى: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ).

وكثيراً كثيراً ما حتى الأنبياء، الأنبياء صلوات الله عليهم لما يأتون إلى أقوامهم، كثيراً ما يعرف آية الخلق في البداية، يقول لأقوامهم: اعبدوا ربكم الذي خلق، اعبدوا ربكم الذي خلق، كثيراً ما يشار إلى آية الخلق. كما قال إفراهيم: (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ. الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ)، أول آية، (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ. وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ).

لذلك الله سبحانه وتعالى كثيراً يعني يعرف ويستدل بآية الخلق وبالربوبية عموماً على توحيده: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ). في سورة السجدة أيضاً مقطع طويل في التعريف بالله بدأ: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ). وفي سورة الفرقان وغيره، كثير من السور تبدأ في بداياتها تكون الإشارة إلى آية الخلق ودليل الخلق، لأنه حقيقة من أظهر الأدلة.

ومن ينازع في دليل الخلق فقد اختل عقله، حقيقة من من يسمون أنفسهم اليوم بالملحدين، يعني فكرة الإلحاد هي تمثل سفاهة العقل البشري، سفاهة العقل البشري. حتى مشركي قريش لم يكونوا لم يكونوا ملحدين من جهة إنكار أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق، كان الله كثيراً ما يأتي في القرآن: (وَلَئِن سَألتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) سبحانه وتعالى، ما في أحد ينازع، ما في أحد عاقل ينازع في آية الخلق أن الله هو الخالق.

لذلك من يأتي اليوم وينكر حتى أن الخلق له خالق، فهذا قد فقد عقله: (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا)، هؤلاء لا يسمعون ولا يعقلون. فإذا كان هذا الوصف ينطبق على مشركي قريش، فكيف بحال الكفرة اليوم؟!

فهذا سياق التعريف بالله سبحانه وتعالى، وحتى الانسان المؤمن إذا قلب ناظيريه في آية الخلق وتفكر في خلق نفسه، وفي خلق المخلوقات، وفي خلق (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّفِي الْأَرْضِ جَمِيعًا)، وكيف أنها مخلوقة ومسخرة للإنسان. وكل مخلوق يدخله الإنسان، إذا أمسك بزهرة على سبيل المثال، كيف خلقها الله سبحانه وتعالى من العدم، كيف يجد فيها كل هذه الألوان، كيف يجد فيها هذه الرائحة، كيف تكبر، كيف تنمو؟ آية الخلق آية عظيمة عظيمة، إذا تفكر فيها الإنسان وحقيقة تقود الإنسان إلى الله سبحانه وتعالى.

فهذا السياق الأول القراني: سياق التعريف، التعريف بالله الخالق سبحانه وتعالى: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ)، وهذا السياق الثاني.

السياق الثاني الذي يأتي في القرآن، سياق: إذا كان الله سبحانه وتعالى هو الخالق فهو قد منّ عليك، قد امتن عليك بأعظم نعمة، أو بأول نعمة تتمتع بها؛ نعمة الخلق واللي تتبعها باقي النعم. هذه النعمة العظيمة إذا كنت تعلم أن الله سبحانه وتعالى هو المنعم بها، فالله سبحانه وتعالى يسألك دائماً في القرآن أن تشكر هذه النعمة بالتوجه إليه وحده.

فالله يذكر الله سبحانه وتعالى يذكر الخلق في سياق الامتنان بالنعمة، ويأمر بشكرها بتوحيده سبحانه وتعالى. وأعظم شكر لله سبحانه وتعالى، كما يأتي في القرآن، أعظم شكر شكر لله هو توحيد الله سبحانه وتعالى والتوجه إليه وحده.

فهذا سياق النعمة، سياق عظيم. سياق النعمة سياق عظيم، كما قلنا قبل قليل: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ. وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ. وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ)، فكيف بعد ذلك أعبد غيره؟! هو الذي أنعم علي بهذا الخلق، هو الذي خلقني أول مرة، كيف أتوجه لغيره؟ لذلك يسمى.

لذلك يسمى عدم التوجه لله سبحانه وتعالى يسمى كفرا، يسمى كفرا لأنه جحود بنعمة الله سبحانه وتعالى؛ الله هو المنعم، هو الخالق. فكذلك قال صاحب، قال الرجل لصاحب الجنتين، قال له صاحبه وهو يحاوره: أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا لَّاكِنَّ هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا. أَكَفَرْتَ بالذي خلقك؟ أَكَفَرْتَ بالذي خلقك هذه، هذا هو سياق النعمة، الله الخالق حقه الشكر، شكر النعمة لا كفرها، لا كفر وجحود هذه النعم. لذلك يقول الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ، فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ. هذا سياق الامتنان بالنعمة، كيف كيف تكفر، تكفر بالله سبحانه وتعالى وهو الكريم الذي خلقك، وهو الكريم الذي سواك فعدلك، وهو الذي سواك في أحسن صورة وفي أحسن تقويم وجعل لك رأساً ويدين ورجلين وجعل بينهما من التناسق والتكامل، كيف تتوجه لغيره؟

وكذلك يقول الله سبحانه وتعالى في سورة عبس: قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ، ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ، ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ، ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ. يعني ما أكثر الإنسان، وهو الذي كان نطفة فرباه الله سبحانه وتعالى وخلقه طوراً بعد طور. هنا هنا يأتي في سياق ماذا؟ سياق أن الخلق نعمة، وأن المطلوب من الإنسان شكرها لا كفرها. وفي سياق النعمة أيضاً يقول الله سبحانه وتعالى: الرحمن، سورة الرحمن المليئة بذكر نعم الله سبحانه وتعالى ومظاهر رحمته، قال: الرَّحْمَٰنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ. فذكر أعظم النعم وهي تعليم القرآن، ثم ذكر النعمة التي تليها وهي خلق الإنسان. خلق الإنسان هو مظهر من مظاهر رحمة الله سبحانه وتعالى وامتنانه على العبد.

فهذا هذا في هذا السياق العظيم، وأيضاً نختم الحديث عن هذا السياق بذكر سورة النحل. سورة النحل هي سورة النعم، سورة النعم التي ذكر الله سبحانه وتعالى فيها من النعم الشيء الكثير، وامتن بها على العبد الشيء الكثير، هي السورة التي قال فيها سبحانه وتعالى: وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ. هذه السورة التي تكرر فيها معنى ذكر النعم وتكرر فيها معنى الشكر، بدأها الله سبحانه وتعالى قال: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ، يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ. فذكر نعمة الوحي أولاً ثم ذكر نعمة الخلق. فبدا بدا السورة بهذه النعم، نعم نعمة الخلق، خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ، وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ. فثلاث آيات في مطلع هذه السورة، سورة النعم، سورة النحل، كلها تذكر بنعمة الله سبحانه وتعالى بأن خلق لكم السماوات والأرض وخلقكم وخلق لكم الأنعام، ثم ذكر بعد ذلك من أنواع النعم المرتبطة أيضاً بدليل الخلق.

إلى أن قال سبحانه وتعالى قال: وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ. ثم قال: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ. أفمن يخلق كمن لا يخلق؟ يعني كيف تتوجهون إلى غير الله سبحانه وتعالى؟ أهذا حق الله سبحانه وتعالى؟ هذا حق الله، أنكم تنكرون نعمته؟ تنكرون نعمته بأن خلقكم، هو الخالق سبحانه وتعالى، ثم تتوجهون بالعبادة لغيره؟ هذا ليس من شكر الله، أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ. وأتى بعد ذلك كثيراً من من ال من ذكر النعم، وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ، أتى في نفس السورة: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ.

إلى أن قال سبحانه وتعالى إلى أن قال في نهاية مقطع النعم، بعد أن ذكر العديد والعديد من النعم، قال آخر شيء، قال: كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ. كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون؛ أي لكي تكونوا خالصين لله سبحانه وتعالى، تسلمون لله تخضعون له، يتم النعم لكي تخضع لهم. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ، يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ. فهذا سياق النعمة، هذا سياق النعمة وهو سياق عظيم، وهو يقود إلى أهم شيء وهو شكر النعمة بتوحيد الله سبحانه وتعالى. شكر النعمة بتوحيد الله سبحانه وتعالى الخالق، الخالق، وكما ذكرنا، كثيراً ما يستدل الله سبحانه وتعالى بصفات الربوبية وعلى رأسها الخلق إلى توحيد الربوبية، إلى توحيد الألوحية بأن تعبد الله؛ إذا كان الله هو الخالق فاعبد الله الخالق، ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ، لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ. فهذا هذا من أهم سياقات القرآن الاستدلال بالخلق في شكر نعمة الله سبحانه وتعالى بتوحيده.

السياق الثالث الذي يأتي في بالنسبة لآية الخلق هو سياق القدرة. سياق القدرة، الخلق، حقيقة الخلق هي من الآيات التي تدل على قدرة الله سبحانه وتعالى؛ لأنه لا أحد، لا أحد يستطيع أن يخلق شيئاً من عدم. نحن في في يعني نحن كبشر قد نسمي أحياناً تجاوزاً، قد يسمي أحدهم أنه خلق هذا الشيء، أنه هو خلق هذا الشيء أو فطر هذا الشيء أو كذا، قد تستعمل هذه الكلمة حتى بلغات أخرى وكذا، قد يستعمل لفظ خلق. لكن الخلق بالنسبة للإنسان إذا استعمل هذه الكلمة مجازاً فهي لا تقارن ولا تقابل بكونها عند الله سبحانه وتعالى. الإنسان هو غاية ما يفعله أنه يأتي ببعض المكونات فيجعلها على بعضها البعض فيخرج له مكون آخر، الله سبحانه وتعالى يخلق؛ أي يوجد من العدم، إِن لَّمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُورًا، أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا.

فالقدرة، القدرة، يعني صفة الخلق تدل على قدرة الله سبحانه وتعالى، وكثيراً ما يستدل الله سبحانه وتعالى بالخلق على أنه القادر، وتحديداً على أنه القادر على أن يخلق مرة أخرى، على أن يوجد، يستدل بها على إثبات البعث. لأن المشركين وجه من إنكارهم البعث وإنكارهم اليوم الآخر أنهم يقولون: لا يمكن أن هذه العظام تلتئم مرة أخرى ويكون خلقاً آخر، فالله سبحانه وتعالى يقول لهم: أَلَسْتَ، أَلَسْتَ مَنْ مَنْ خلقكم أول مرة ولم تكونوا شيئاً؟ فالأمر الثاني أهون على الله سبحانه وتعالى. وكذلك جاءت الآيات، فيقول الله سبحانه وتعالى: وَيَقُولُ الْإِنسَانُ في سورة مريم: وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا بعد ما تصبح هذه عظام مبعثرة، هل تدب فيها حياة مرة أخرى أخرج من القبر أخرج حياً؟ فانظر ماذا يقول الله سبحانه وتعالى: أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا. إذا تذكر الإنسان آية الخلق فإنه لا يعجزه بعد ذلك الله سبحانه وتعالى، لا يعني حتى الإنسان لا يعجزه أن يتخيل أنه سيخلق الله سبحانه وتعالى مرة أخرى إذا تفكر في هذه الآية. قال: أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا، فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا.

وقال الله سبحانه وتعالى: ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا، نفس التساؤل عند الإنسان، فيقول الله سبحانه وتعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ، هذا سياق القدرة، أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ. وفي سورة يس: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ، وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ، وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه، نسي أنه كان مخلوق، قال: مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهْوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ، أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ. وهذا السياق تكرر سبحان الله كثيراً في في القرآن، أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ، يعني حتى

الخلق الأول ما أعيا الله سبحانه وتعالى، تعالى عن قوله ما أعياه، فكيف يعجزه بعد ذلك أن يحيي الإنسان مرة أخرى؟ أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

وفي سورة القيامة يعني هي السورة التي ختمت، التي ختمت بهذا يعني ختمت ثم بدأت سورة الإنسان ختمت بهذه الآيات، ثم بدأت هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ. بماذا ختمت؟ ختمت أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى، أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَىٰ، ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَىٰ، فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَىٰ، أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ؟ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى سبحانه وتعالى؟ بلى قادر.

فلذلك كثيرا ما يشير الله سبحانه وتعالى لأنه هو الذي خلق أول مرة فهو الذي يعيد، لذلك سبحانه هو المبدئ المعيد، وهو الذي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ، يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه. قُولُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا، أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا؟ فسيقولون من يعيدنا؟ هذا سؤالهم: فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، قل الذي فطركم أول مرة. طيب، هذا سياق القدرة.

ويجدر بالذكر أن هذه الآيات اللي ذكرناها نعم هي في حق اثبات البعث وموجهة للمشركين بالمقام الأول، لكن حتى بالنسبة للإنسان المؤمن، إذا سأل الله سبحانه وتعالى شيئا، إذا تفكر في أفعال الله سبحانه وتعالى، فانه يستدل بصفة الخلق، يستدل بأن الله هو الخلاق على أنه القدير سبحانه وتعالى، على أن يؤتيه سؤله، هو القدير على أن ينصره، هو القدير على أن يهلك الظالمين، هو القدير على كذا، فصفة الخلق هي مدخل للانسان للتفكر في قدرة الله سبحانه وتعالى.

وقد أتى في القرآن مخاطبة غير المسلم، المسلم أو مخاطبة المؤمن عفوًا مخاطبة المؤمن بهذا الدليل تحديدا دليل الخلق لإثبات القدرة. فقال سبحانه وتعالى لما بشر زكريا بالغلام قال يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا. هنا زكريا يعني انظر ماذا قال: قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكَبِيرِ عِتِيًّا. بالنسبة للمعيار الدنيوي للظروف الدنيوية كان الأمر صعبا بالنسبة للبشر، صعب للبشر كيف يحصل هذا وأنا بلغت من الكبر عتيا وامرأتي عاقر؟ كيف يحصل هذا؟ فالله سبحانه وتعالى يذكره بآية الخلق، قال كَذَالِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا، وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا.

لذلك هذا يستفاد منه أن الإنسان لا يستكثر شيئا من الله سبحانه وتعالى، ولا ييأس من عطاء الله ومن رحمة الله ومن نصر الله ومن ولاية الله، لأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق وهو القدير سبحانه وتعالى. فهذا ما يتعلق بآية الخلق، هذا ما يتعلق بآية الخلق في سياق القدرة وأنها أتت في القرآن في سياق القدرة.

السياق الأخير، السياق الأخير سياق الحكمة. سياق الحكمة كثيرا ما تأتي الآيات لأن تذكر أن هذا الخلق إذا تأمل فيه الإنسان ورأى هذه هذا الملكوت وهذه العظمة، سماوات وأرض واتقان وكل شيء مسخر وكل شيء بحسبان وكل شيء بقدر وكل شيء معقد، ليل ونهار وتقلب وفي صيف وشتاء وكذا، ثم إذا تأمل الإنسان في نفسه فيرى ما فيه من من ال من الآيات، وَفِي أَنْفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ.

النفس كلها آيات وكلها تدل على إتقان الله، وتدل على حتى التأمل في هذه الروح التي يحملها الإنسان يعني نفس تسمع وترى وتبصر وتعرف ولديها إدراك تدرك الحقائق، تفرق بين الحق والباطل، تميز الأشياء، فيها فطرة، كل هذا لماذا؟ هل ممكن أن يكون كل هذا مجرد عبث؟ كل هذا الذي أوجده الله سبحانه وتعالى أوجد إنسانا خلقه عظيم جدا وجعل وجعل له، فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، كما في هذه الآية جعله الله سميعا بصيرا وجعل له كل هذا هو الذي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا، كل شيء في هذه الأرض خلقها لنا مسخرة، كل هذا لماذا؟

حقيقة هذه الآية آية الخلق تجعل الإنسان يتفكر في أن كل هذه المظاهر مظاهر الخلق سواء الخارجية أو الداخلية في النفس تدل على أن هناك شيئا، هناك حكمة، هناك غاية من كل ذلك. لذلك من الآيات العظيمة جدا جدا التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يكررها إذا استيقظ من نومه، انظروا هذه الآيات كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا استيقظ ينظر إلى السماء، ينظر إلى السماء ويقرا هذه الآيات من أواخر سوره آل عمران فيقول: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.

هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى السماء ويقول: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. ويتفكرون في خلق السماوات والأرض وانظروا ماذا قالوا بعد أن تفكروا بعد أن تفكروا في الخلق وفي هذا الكون وفي هذا الملكوت، قالوا ماذا؟

ويتفكرون في خلق السماوات والأرض رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا. هذا سياق الحكمة وهؤلاء أولو الألباب إذا نظروا إلى هذا الخلق يعرفون أن هذا ليس بباطل ليس بعبث، رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ، نزه الله سبحانه وتعالى أن يكون كل هذا الوجود مجرد عبث مجرد لعب، رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، فهم تذكروا أن هذا الخلق يدل على أن هناك يوم آخر هناك رجوع إلى الله هناك جنة ونار، وهذا عجيب أن الإنسان يصل بدليل الخلق إلى هذه الحقائق الوجودية.

فهذا التفكر في الخلق نعم يقود الإنسان إلى التفكر في حكمة الله سبحانه وتعالى. وكما ذكرنا أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى، أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى؟ هذا الخلق ليس بسدى، كما قال الله سبحانه وتعالى في أواخر المؤمنون قال: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا، فذكر الخلق وذكر ال هذا الامر أمر الحكمة، أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ، فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ تنزيه الله عن هذا، فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ.

وقال الله سبحانه وتعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ، وما خلقنا السماء والارض وما بينهما لاعبين، لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ. ليس الأمر بلعب وإنما الآية التالية: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ. من يعيش من ينتبه إلى نفسه وينظر إلى هذا الخلق يعلم أن هذا الخلق مراد منه حق وباطل هناك حق وباطل، بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ. ودائما ما يقول الله سبحانه وتعالى وما خلقنا السم السماوات والارض وما بينهما إلا بالحق، إلا بالحق ما خلق الله ذلك إلا بالحق وأجل مسمى، بالحق يعني لغاية شريفة عظيمة وأجل مسمى أي هناك حقيقه أخرى ويوم آخر تكون فيه اكتمال ويكون فيه القضاء في بعد أن قدر الله سبحانه وتعالى هذا الابتلاء.

إذا الخلق مبرز هنا حتى في الآية التي أمامنا: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ. خلقناه ليس عبثا بل خلقناه كي نبتليه، كي يتحقق الابتلاء، الذي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، فكل هذا الخلق سواء خلق نفسك أو خلق السماوات والأرض أو خلق أي شيء مسخر لك أنت كإنسان، هذا غاية أن يتحقق غاية أن تتحقق فيه هذا الابتلاء. الذي خلق الـ كما في سورة خلود خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وكان عرش على الماء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، ليبلوكم أيكم أحسن عملا فيعلم الانسان أن.

كل هذا الخلق، سماوات وأرض وكذا، كل هذا هو ساحة اختبار من صفحة تعبير كي يقام الابتلاء. وأن حركة الإنسان في في هذه الكوكبة من الخلق هو ما يسجله في في صفحة اختباره، وأن كل شيء يكتبه الملكان. هذا اختبار، هذا الخلق وجد كي يتحقق هذا الاختبار، وكله كله يدل على حكمة الله سبحانه وتعالى.

إذا، آية الخلق من أعظم الآيات، ومن أهم ما تعرف الله سبحانه وتعالى به إلى خلقه، إلى خلقه من الصفات، وبه آية الخلق يتعرف الله سبحانه وتعالى على خالقه، وعلى على العديد من صفات الله سبحانه وتعالى. ثم يتذكر نعمة الله سبحانه وتعالى، وأنه هو وحده الخالق، هو وحده الخالق سبحانه وتعالى، وأنه وأنه لا خالق إلا الله سبحانه وتعالى، والذين من دونه لا يخلقون شيئا. والله سبحانه وتعالى دائما يثبت لنفسه الخلق وينفي عمن سواه الخلق، لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أمواتا غير أحياء.

فسياق النعمة أن الله هو الخالق، إذا كان الله هو الخالق فيجب أن أتوجه إليه وحده شكرا له، شكر نعمة بالتوحيد. الأمر الثالث: القدرة، أن تعلم أن الله هو القدير سبحانه وتعالى. والأمر الرابع: الحكمة، وأن تعلم أن هذا الخلق له ما بعده وأنه ما خلق إلا بالحق، وأنه كما بدأ الله سبحانه وتعالى هذا الخلق سيعيده مرة أخرى سبحانه وتعالى سبحانه وتعالى، كي يحكم بين الخلق وكي يصل الإنسان إلى مصيره.

وبهذا نختم يعني الحديث عن بدايات هذه السورة العظيمة، سورة الإنسان، التي تذكر بداية الخلق ثم بعد ذلك تعرج على ذكر المصير، إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا. وبعدها ذكر ثواب أهل الجنة، إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا إلى آخر الآيات. جزاكم الله خيرا على حسن إنصاتكم وعلى متابعتكم وحضوركم، ونسأل الله أن يبارك لنا في هذه الأوقات، ونسأل الله أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا ويرحمنا، وأن يغفر للمؤمنين والمؤمنات، وأن يفرج عن إخواننا المسلمين في غزة وفي كل مكان. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك، السلام.