تسجيل الدخول

الاستهداء بالقرآن | (وأن إلى ربك المنتهى) | المجلس السادس

عبد الرحمن أبو غيث
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلوة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. حياكم الله وبياكم، أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم أهل البرامج العلمية في هذا المجلس السادس من مجالس الاستهداء. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا في هذه المجالس، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلها، أن يجعل هذه المجالس خالصة لوجهه الكريم، وأن يجعلها مجالس ذكر ومجالس هداية حقيقية ننالها من كتاب الله عز وجل، وبصائر نستبصر بها من أنواره، إنه ولي ذلك والقادر عليه سبحانه وتعالى.

وأحب أن، يعني، أهنئكم على حضوركم مثل هذه المجالس واستقطاعكم شيئاً من اوقاتكم ليجلس الانسان بين يدي كلام ربه عز وجل ويطلب هداياته، ويرجو شيئاً من فضل مجالس الذكر، فهذا يعني، بإذن الله، أنها من علامات الخير بالنسبة للانسان، نسأل الله أن لا يحرمنا جميعاً مثل هذه المجالس بفضله وكرمه.

مجلسنا اليوم، بإذن الله، سيكون حول هذا العنوان، كما ذكرنا، يعني، هذا العنوان عنوان: وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى، كما ذكرنا أنه في كل مجلس من مجالس الاستهداء نركز، يعني، النظر على معنى من المعاني الكبيرة المتكررة في كتاب الله عز وجل. وهذا المعنى، معنى أن منتهى الأشياء ترجع وتعود إلى الله سبحانه وتعالى، وبßعبارة أخرى، معنى الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، هو من المعاني الكبيرة المركزية المحكمة في كتاب الله عز وجل، والتي جاءت كثيراً جداً جداً بمختلف السياق وبمختلف العبارات، وصرفها الله سبحانه وتعالى في مختلف السور يؤكد لنا هذه الحقيقة؛ حقيقة أن الجميع سيود إلى الله سبحانه وتعالى وسيرجع إلى الله سبحانه وتعالى.

فكم مرت بنا آيات مثل هذه الآيات التي ترونها أمامكم؟ هذه الآيات، كم مر بنا قوله تعالى: إِلَيْهِ الْمَصِيرُ، وَإِلَى الْمَصِيرِ، إِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ، وَإِلَيْكُمْ مَرْجِعُكُمْ، وَإِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ، وَإِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ، إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ، إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ، وَإِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ، إلى آخر الآيات، إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ، وَإِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ؟

تكرر هذا المعنى، أن الرجوع والحشر والمصير إلى الله سبحانه وتعالى دائماً ما يأتي في الآيات وفي أواخر الآيات، فهل وقف الانسان، أو هل تدبر الانسان في كثرة ورود هذا المعنى في كتاب الله عز وجل؟ وهكذا كثير من المعاني تمر بنا ربما لا ننتبه لها، تمر لنا ويصرفها الله سبحانه وتعالى ويذكرها الله سبحانه وتعالى في كثير من المواضع. وهذا التكرار دلالة أهمية ودلالة حاجتنا إلى هذا المعنى، حاجتنا إلى تذكر هذا المعنى باستمرار.

والآيات المباشرة التي أتت بمثل هذه المواضع المذكورة أمامكم المباشرة، أي، يعني، باحصاء سريع، وجدت أنها أكثر من 60 موضعاً في كتاب الله عز وجل، أكثر من 60 موضعاً في كتاب الله عز وجل يذكرنا الله سبحانه وتعالى بالنص مباشرة، هذا فضلاً عما جاء بالمعنى وهو أكثر من ذلك بكثير. فقضية التبشير بالرجوع إلى الله سبحانه وتعالى قضية عظيمة، قضية عظيمة.

وأنا اخترت أن يكون العنوان اليوم تحت هذا الشعار، تحت قوله سبحانه وتعالى: وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى، أي إلى الله سبحانه وتعالى منتهى هذا الطريق ومنتهى الأمور ومنتهى هذا السير. الانسان يسير يسير يسير في هذه الدنيا، ثم ستأتي لحظة ويرجع الانسان إلى الله سبحانه وتعالى، يرجع الانسان. وهذا اللفظ الذي كرر كثيراً هو الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى.

فيوم القيامة بالنسبة لنا، يوم القيامة ربما يحمل في أنفسنا عدة تعريفات، لكن من أهمها، مما يطفيه لنا هذا المعنى، من أهمها معنى أن يوم القيامة هو يوم الرجوع إلى الله؛ يوم القيامة يوم أن يرجع كل الخلق ويحشرون إلى الله، يعودون إلى الله سبحانه وتعالى فيحكم بينهم، يعودون إلى الله سبحانه وتعالى فينظر إلى أعمالهم، يعودون إلى الله سبحانه وتعالى كي يقرر مصيرهم سبحانه وتعالى، إما إلى نار وإما إلى جنة. وذلك اليوم الذي تعود إليه الأمور، تعود إليه الأمور كلها، ويستسلم الخلق طوعاً وكرهاً، يستسلمون في ذلك اليوم، في ذلك اليوم، في ذلك اليوم سيقابل الانسان الرب، سيقف الانسان ويقابل الله سبحانه وتعالى، ويكلم الله سبحانه وتعالى.

هذا هو يوم الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، هذا يوم الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى؛ يوم أن يعود الانسان ويتخلى عن كل شيء، وكأنه يسير في طريق، وآخر نقطة في هذا الطريق هي حين يقف بين يدي ربه سبحانه وتعالى يكلمه: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ. فهذه لحظة عظيمة تستحق أن نتفكر فيها، وتستحق أن نرى كيف ذكر الله سبحانه وتعالى هذا المرجع الرجوع وفي أي سياق ورد في كتاب الله سبحانه وتعالى.

فالسياق الأول، السياق الأول هو سياق تقرير المصير والتذكير بحتميته؛ سياق تقرير المصير والتذكير بحتميته، يعني هذا السياق يؤكد للانسان أن آخر هذا الطريق هو الوقوف عند الله سبحانه وتعالى، الملاقاة الله سبحانه وتعالى. لذلك في سورة الجمعة، كما قال الله سبحانه وتعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ.

ثم قال الله سبحانه وتعالى لهم مقرراً هذه الحقيقة ومؤكداً لها: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ، ما في مفر، هذا هو مصيركم شئتم أم أبيتم، قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. إذا كنتم تفرون الآن في الدنيا من الموت ومن تمني الموت وكذا، فاعلموا علم اليقين أنكم ستموتون وستردون وسينبئكم الله سبحانه وتعالى حينئذ عن أعمالكم. هذا تأكيد لمصير الخلق.

الآية الثانية، وهي من آيات العظام حقيقة في هذا المعنى، والتي كأنها تلخص مصير الانسان من أولها إلى آخره، إذ يقول الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ، خطاب للانسان، يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ. هذه خلاصة، هذه خلاصة مسيرة الانسان، الانسان يكدح ويسعى ويعمل ويختار لنفسه أعمالاً، إما خيراً وإما شراً وإما كذا، يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ هذا طريقك، ستسعى وتكدح وكذا، ثم الخط النقطة النهائية وأخر هذا الطريق انك ستلاقي الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ. هذه الآية تستحق أن تكون شعاراً يعلق، تستحق أن تكون ذكرى يتذكرها الانسان إذ تذكره بمصيره المحتوم.

فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ* فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً* وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً* وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ* فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً* وَيَصْلَى سَعِيراً* إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً* إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ. الانسان ظن أنه ما، أنه لن يعود إلى الله سبحانه وتعالى، بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً، بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً، فهذا، هذا، هذه الآيات التي تؤكد، تؤكد هذا المعنى.

كما قال الله سبحانه وتعالى في سورة القيامة: إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ، بعد أن قال: بْلَ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ بعدها قال: إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ. وفي نفس السورة: إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ، إلى الله سبحانه وتعالى المستقر، إلى الله المساق، إلى الله المنتهى، إلى الله السير والوقوف، ثم بعد ذلك بين يدي الله سبحانه وتعالى، هذا هو مصير الانسان.

طيب، في هذا السياق، طبعا الآيات أكثر من ذلك بكثير، لكن هذه، هذا مثال، وستاتي لنا أمثله كلها فيها هذا المعنى الأول، فمعاني متداخلة، ما الآثار العملية إذا تيقن الانسان وتذكر دائماً هذه الآيات التي تقرر له مصيره الحتم الذي لا مفر منه؟

كما قال الله سبحانه وتعالى: وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا، فلم نغادر منهم أحداً، لا يمكن أن، انه أحد يفر يومئذ، ويقول الانسان، يقول الانسان يومئذ: أَيْنَ الْمَفَرُّ؟ يسأل الانسان يومئذ الانسان المفرط، الانسان: أَيْنَ الْمَفَرُّ؟ كَلَّا لَا وَ، عموما دوام تذكر الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى هذا يعين الانسان على الاستحضار، على دوام الاستحضار لحقيقة هذه الدنيا، الاستحضار لمعنى المصير، لمعنى أن هناك دار هي المأوى إما الجنة وإما النار، لمعنى الوقوف بين يدي الله.

سبحانه وتعالى، هذا تذكر المصير الدائم لاسيما بالمؤكدات الموجودة في القرآن تعينه على الاستحضار.

الأمر الثاني: الزهد في الدنيا. الزهد في الدنيا، فإذا تيقن الإنسان كما قال الله سبحانه وتعالى: مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ، وهذه أيضاً كأنها تلخص مسيرة الإنسان، إنه يعني: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ. كل ما تفعلوه في هذه الدنيا هو متاع، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور، ثم بعد ذلك الحقيقة أنكم ستعودون إلى الله سبحانه وتعالى، فهذا يجعلك يجعل النفس تتعلق بالأخرة وتزهد بالدنيا. تذكر أن النهاية الوقوف بين يدي الله يجعلك معلقاً بالأخرة، وهذا معنى عظيم وجليل.

الأمر الثالث من الآثار العملية: الصبر على البلاء، الصبر على البلاء. وهذا له علاقة بالزهد في الدنيا، يعني له علاقة بأن الدنيا تصغر في عينيك. فاذا اصابتك مصيبة، كما قال الله سبحانه وتعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. من هم الصابرون وكيف صبروا؟ الذين إذا أصابتهم مصيبة، انظر ما هو المعنى الذي ثبتهم، انظر ما هو المعنى الذي صبرهم، ما هو المعنى الذي استحضروه عند نزول البلاء؟ المعنى أنهم قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، إنا لله وإنا إليه راجعون.

فكرة تذكر أن كل هذا سينقضي، كل هذا سينقضي؛ البلاء سينقضي والمتعة ستنقضي. كل هذا يجعلك ترفع بصرك عن الدنيا بمصاعبها وبآلامها وبابتلاءاتها، ترفع بصرك وتتذكر حقيقة الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، ذلك اليوم الحق، ذلك اليوم الحق. وليس هذا، هذه الدنيا صغينة وقصيرة، فإذا تذكرت فعلاً ذلك اليوم الذي سيقف الخلق فيه أمام الله سبحانه وتعالى، ذلك اليوم الطويل ذلك اليوم الثقيل، حينها ستصبر على البلاء بإذن الله عز وجل، ستصبر على البلاء وسيهون في نفسك أن تقضي هذه الدنيا صابراً.

إذا أعانك الله سبحانه وتعالى، فهذا المعنى الذي تذكروه: الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. فهذا السياق الأول سياق المصير وتذكر المصير وحتميته.

الأثر العملي الرابع هو الشوق إلى الله سبحانه وتعالى. إذا تذكرت لقاء الله سبحانه وتعالى والوقوف بين يديه، بالنسبة للانسان المؤمن هذا أمر يستبشر به الإنسان. الله سبحانه وتعالى الذي هو أحب شيء إليه، الله سبحانه وتعالى الذي قضى العبد حياته من أجله وفي سبيله، الله سبحانه وتعالى الذي قدم العبد محبوبات ربه على محبوبات نفسه في الدنيا. كل هذا الذي فعله العبد وما التضحيات التي يضحي بها المؤمنون في هذه الدنيا، كلها من أجل تلك اللحظة؛ من لحظة الوقوف بين يدي الله سبحانه وتعالى ولقاء الله سبحانه وتعالى والحديث مع الله سبحانه وتعالى ورؤية الله سبحانه وتعالى. هذه اللحظة التي ضحى بها أولياء الله سبحانه وتعالى بأرواحهم من أجلها، فتذكر لقاء الله سبحانه وتعالى دواماً وتذكر لقاء الله سبحانه وتعالى هذا مدعاة للشوق ومدعاة للرجاء.

قال الله سبحانه وتعالى: مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ، وطوبى لمن كان يرجو لقاء الله، مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ. الله أكبر على هذه العبارة، الله أكبر على هذه الجمله: فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. وانظروا السعدي رحمه الله له تعبير لطيف حول هذه الآية، يقول في تفسيره: قال يعني يا أيها المحب لربه المشتاق لقربه ولقائه المسارع في مرضاته أبشر بقرب لقاء الحبيب فإنه آت وكل ما هو آت قريب.

أبشر بقرب لقاء الحبيب فإنه آت وكل ما هو آت قريب، فتزود للقائه وسر نحوه مستصحبا الرجاء مؤملاً الوصول إليه مؤملاً الوصول إليه. فهذا من اعظم محركات القلب؛ المحبة محبة الله سبحانه وتعالى وطلب الوسيلة إليه، والرجاء رجاء لقائه ورجاء ثوابه.

فهذا المعنى هذا معنى من المعاني الوجدانية المتحققة في النفس عندما تمر كثيراً على هذه الآيات: إلى الله المصير وإلى الله الرجوع وإلى الله المرجع وإلى مآب الإنسان، هذه الآيات التي تدور حول هذه المعاني تزيد من شوق الإنسان إلى ربه سبحانه وتعالى. نسأل الله سبحانه وتعالى أن نلقى الله عز وجل ونحن مؤمنون ونحن على عافية في ديننا.

طيب، هذا كان السياق الأول سياق تقرير المصير.

السياق الثاني هو سياق التذكير بالجزاء والحساب. الله سبحانه وتعالى يذكر بلحظة الرجوع إليه، مبرزاً معنى الحساب والثواب في تلك اللحظة. كما قال الله سبحانه وتعالى في سورة يونس: فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، بعد أن ذكر أولئك الذين يعني أخلفوا ميثاقهم مع الله سبحانه وتعالى وتولوا، لما الله سبحانه وتعالى ردهم إلى السراء قال: فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ. هنا تهديد ووعيد: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ.

إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. وهذا سياق تخويف، هذا سياق تذكير بالجزاء تذكير بالحساب.

وقال الله سبحانه وتعالى في أول سورة نزلت من القرآن ذكر بهذا المعنى فقال: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى. إن إلى ربك الرجع، فَإِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى هنا في هذا السياق لها هيبة. وبالنسبة للإنسان المفرط، بالنسبة للإنسان المذنب المعرض عن الله سبحانه وتعالى، هذه الآية مخيفة في حقه، هذه الآية مخيفة: أنك ستعود إلى الله سبحانه وتعالى، إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى. وحتى بالنسبة للإنسان المؤمن تجعله يحاسب نفسه ويخشى من الخطأ ويخشى أن يكون متلبساً بشيء يحاسب عليه في ذلك الموقف المهيب.

وقال الله سبحانه وتعالى: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ.

وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ. إلى الله المصير، مصيركم إلى الله فاحذروا، مصيركم إلى الله فانتبهوا، هذا سياق تذكير بالحساب وبالجزاء، لأنه الكلام هنا على تولي الكافرين من دون المؤمنين.

وقال الله سبحانه وتعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ. يعني اعملوا ما شئتم، فهناك يوم سيجزى فيه كل نفس بما كسبت، مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا. لماذا؟ لأنكم أنتم الذين ستحاسبون يومئذ. اقْرَأْ كِتَابَكَ، ستقف بين يدي الله ويقال لك: اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا. ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ.

وقال الله سبحانه وتعالى في آخر ما أنزل: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ. احذروا ذلك اليوم، اتقوا ذلك اليوم، حاذروا واعملوا، وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ. هذه الآية في صميم هذا المعنى؛ معنى التقوى والتقوى المتولّدة عن التذكر أنك ستقف بين يدي الله، وتذكر أنه في ذلك اليوم ستوفى كل نفس ما كسبت.

كما قال الله سبحانه وتعالى في سورة النجم: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى. ذلك اليوم ما في مع الإنسان إلا عمل، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى. سيراه الله سبحانه وتعالى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى. ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى.

فهذه الآية أيضاً من الآيات الحقيقة الثقيلة والعظيمة: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ. والآيات كثيرة في هذا السياق، هذا السياق الآيات فيه كثيرة وواسعة.

ومن الآثار العملية، من الآثار العملية بالنسبة لهذا المعنى؛ تذكر الحساب والثواب حينما تقف بين يدي الله سبحانه وتعالى ويكون معك عملك: أولاً الخوف من الذنب وتحقيق التقوى. الخوف من الذنب مما يعينك على تحقيق التقوى، وهذا الأمر من أعظم الآثار، هذا من أعظم الآثار لأن التقوى هي معيار التفاضل عند الله سبحانه وتعالى، التقوى هي كل شيء، هي كل شيء، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ، والتقوى هي التي يعني تكون هي المعيار عند الله سبحانه وتعالى.

الوقوف بين يدي الله سبحانه وتعالى؛ كيف تتحقق التقوى؟ من أعظم ما يحقق التقوى هو تذكر، تذكر ذلك اليوم، تذكر أنك ستعود إلى الله. أنت الآن إذا تقترف ذنباً، تذكر أنك ستعود إلى الله وأنت حامل هذا الذنب بيديك، وأنت حامل هذا الذنب في كتابك. هذا التذكر حقيقة يبث الخوف في النفس من أنك تذنب، ويبعث في النفس التقوى.

التقوى منشأها من أمرين: الأمر الأول هو تذكر، تذكر الله وعظمة الله وصفات الله واطلاع الله سبحانه وتعالى عليه وكذا، والأمر الثاني تذكر الآخرة وتذكر الثواب وتذكر الجزاء وتذكر النار والعقاب، فهذا من أعظم الآثار.

الأثر الثاني: دوام الإنابة والتوبة. من يعلم ويستحضر أنه سيعود ولا بد إلى الله سبحانه وتعالى ويكون هذا اليوم ماثلاً بين عينيه دائماً كأنه يراه، هذا أقرب الناس إلى كثرة الإنابة وكثرة التوبة وكثرة الأوبة إلى الله سبحانه وتعالى، كما وصف الله أنبيائه إذ قال: إِنَّهُمْ أَوَّابُونَ، وقال: إِنَّهُمْ مُنِيبُونَ، وقال: إِنَّهُمْ أَوَّاهُونَ. كثير من صفات الأنبياء الواردة في القرآن تعود إلى هذا المبدأ: الإنابة والتوبة إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا أثر من آثار تحقق التقوى والخوف من الذنب.

الأمر الثاني، أو الأمر الثالث: المسارعة للطاعة والاستكثار منها. فأنت كما أنك إذا تذكرت الوقوف بين يدي الله تخشى أن تذنب، فتذكر الوقوف بين يدي الله باعث لأن تتزود من الطاعات. كل طاعة في ذلك اليوم ستحتاجها حين تقف بين يدي الله؛ كل ركعة، وكل تسبيحة، وكل عمل، وكل صدقة، وكل شيء ستفعله ستحتاجه حينما تقف بين يدي الله. وفي المقابل، كل ذنب فعلته، وكل نظرة، وكل كلمة، وكل خطأ، وكل زلة، كلها ستظهر في ذلك اليوم، ذلك اليوم الذي ستحاسب فيه عليه، ونسأل الله العافية.

لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، ذلك الوقت ما في خلاص، ما في إلا الأمل، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه.

ما أعظم هذه اللحظة! ما أعظم هذه اللحظة! لحظة تنتهي فيها الأمور وتنقطع صلتك بالخلائق، وتقف أنت تكلم الله ليس بينك وبينه ترجمان، ويحدثك بما عملت، وتنظر يمين تنظر شمال ما في أمل، ما في حينئذ أمل وأمامك النار! فما ينقذك من هذه النار التي أمامك إلا ما معك من العمل. فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه.

لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم الرحيم بأمته، الناصح لهم بأبي هو وأمي: اتقوا النار ولو بشق تمرة. في ذلك الوقت وفي ذلك الموقف ستحتاج إلى شق التمرة، ستحتاج إلى التسبيحة، ستحتاج إلى الاستغفار. في ذلك الموقف ستحتاج إلى كل شيء، وهذا مما يعينك حقيقة على المسارعة للطاعات والاستكثار منها ولو كان بشق تمرة، والانتهاء عن المعاصي كما ذكرنا.

هذان سياقان: السياق الأول تقرير المصير كما ذكرنا والتذكير بحتميته، والسياق الثاني التذكير بالجزاء والحساب. هناك سياق ثالث وأخير بالنسبة لنا اليوم، وإلا فهي أكثر من ذلك هذا ليس للحصر. السياق هذا سياق عجيب، وهو سياق التعريف بالله سبحانه وتعالى. ما المقصود بالتعريف بالله سبحانه وتعالى؟ وهذا عجيب، إذا تأمل الإنسان في الآيات سيجد شيئاً عجيباً.

حينما يذكر الله سبحانه وتعالى بأن إليه المصير، وبأن إليه المرجع، وبأن إليه المرد، وبأن إليه المآب، حينما يذكر بذلك، أحياناً يكون الداعي أو يكون السياق سياق التخويف والترهيب للخلق، وأحياناً يكون الداعي داعي الترغيب وأمرهم بالاستكثار من الطاعات، وأحياناً كما في هذا السياق يكون في سياق التعريف بالله سبحانه وتعالى، وإن تداخل مع ما سبق، لكن يكون في سياق التعريف بالله سبحانه وتعالى: أن من شأن الله سبحانه وتعالى أن إليه المصير، أن من ملك الله سبحانه وتعالى أن يعود الخلق إليه فيحكم فيهم، أن من تمام قهر سبحانه وتعالى لخلقه أن يسوقهم إليه.

فبهذا السياق أنت الآن لا تنظر إلى البشر ولا تنظر إلى أنهم الطاعات، ولا تنظر إلى فكرة الترغيب والترهيب، لا؛ في هذا السياق أنت تنظر إلى عظمة الله، إذ أنه سبحانه وتعالى إليه المصير، سبحانه إليه المصير، سبحانه هو الذي ترجع إليه الأمور، ألا إلى الله تصير الأمور. سبحانه وتعالى هو المالك حتى بالنسبة للبشر، ولله المثل الأعلى حينما يكون هناك ملك مثلاً، فيقال إنه يعني يقول مثلاً، يقول ملك من شدة مثلاً بأسه وسلطانه وتمكنه من مثلاً مملوكيه وكذا من مملكته، يقول لهم يعني: اذهبوا حيث شئتم فستعودون إلي، أستطيع أن آتي بكم، أستطيع. فانت تتامل في صفات هذا الملك، ولله المثل الأعلى، الله سبحانه وتعالى اليه المصير الذي لا يستطيع أحد أن يفر منه، اليه المرجع الذي لا يستطيع أحد حينئذ أن يتولى ولا يعرض أو يستطيع أن يخرج بغير أذنه عن طريقه أو يتحدث حتى بغير أذنه يومئذ.

لذلك الملك الله سبحانه وتعالى يؤكد يقول: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ، ويقول الله سبحانه وتعالى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ، ذلك اليوم الذي يرى الناس عياناً ملك الله سبحانه وتعالى وكيف أن اليه المصير، كيف أن الخلق كلهم يساقون إليه، سبحانه هو الملك.

فهذا سياق عظيم، هذا سياق عظيم يجعلك تتعرف على الله سبحانه وتعالى تعرفاً عظيماً كلما مررت بهذه الآيات. لذلك يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الأنعام في سياق كله يتحدث عن الله سبحانه وتعالى، الآية السابقة لهذا المقطع الذي أمامكم، الآية السابقة يقول الله سبحانه وتعالى: وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ، لاحظ الحديث عن الله: وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ.

ثم: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُسَّمًى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ، إليه أي إلى الله سبحانه، ثم ينبئكم بما كنتم تعملون. ولا يزال السياق بالتعريف: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقُّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ.

فاستحضار هذا السياق يجعلك تنظر إلى فكرة الرجوع إلى الله أنها من صفة الله أن الخلق يرجعون إليه، وهو سبحانه الذي إليه المرجع، وهو الذي يرد الخلق إليه لأنه المولى الحق، لأنه له الحكم وهو أسرع الحاسبين سبحانه وتعالى.

وكذلك يقول الله سبحانه وتعالى في سورة يونس في آيات عظيمة في التعريف به سبحانه: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ. وما يزال الحديث عن الله: إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ. الآية التي بعدها: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ.

آيات كلها في التعريف بالله سبحانه وتعالى، وحينها تنظر إلى هذا المعنى: إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا في سياق تعظيم لله سبحانه وتعالى، إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فلا يفر أحد، وأيضاً وعد الله حقاً سبحانه وتعالى لا ريب فيه. ويقول الله سبحانه وتعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا

أن يقول له كن فيكون، طبعا هذا كله تحت سياق تحت عنوان التعريف بالله سبحانه وتعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. هذا هذه خواتيم سورة يس، هذه السورة العظيمة بهذا ختمت؛ الحديث عن الله إِنَّمَا أَمْرُهُ سبحانه وتعالى إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء واليه ترجعون؛ تنزه الله سبحانه وتعالى وعظم، من هو الذي بيده ملكوت كل شيء؟ والذي إليه المرجع واليه ترجعون.

وبهذا ختمت السورة. ويقول الله سبحانه وتعالى في بداية سورة غافر: تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، انظر إلى صفة الله سبحانه وتعالى، انظر إلى أسماء الله سبحانه وتعالى في أول السورة: تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ. هذا السياق الذي كله تعريف بالله، الله العزيز العليم، ثم غافر الذنب قابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو وأيضا إليه المصير، إليه المصير سبحانه وتعالى.

بيده الحكم سبحانه وتعالى، بيده مصائر الخلق كلهم، فهذا من التعرف على الله سبحانه وتعالى؛ فإذا مرت بك بعد ذلك كلمة إليه المصير، إلى الله المصير، الينا المصير، او إليه ترجعون ونحو ذلك، فتفكر وتذكر صفة الله سبحانه وتعالى، واجعل في نفسك هذه الهيبة والتعظيم لله سبحانه وتعالى. وقال سبحانه وتعالى في سورة مريم: وَإِنَّا لَنَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ. أيضا في سياق تعظيم الله سبحانه وتعالى.

طيب، تحت عنوان التعريف بالله، هناك بعض الصفات البارزة نتعرف عليها من هذا المعنى، معنى الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى والانتهاء إليه، ومن هذه الصفات هو القهر والعزة؛ أن الله هو القهار العزيز، وأن من تمام قهره وعزته أنه يقهر كل خلقه بأن يعيدهم إليه شاؤوا أم أبوا، طوعا أو كرها يعودون إليه. من تمام قهره أنه لا يخرج أحد عن هذا المعنى، كل الخلق يعودون إلى الله سبحانه وتعالى ولا يستطيعون أن يختاروا خيارا ثالثا، أما إلى نار واما إلى جنة؛ قهرهم سبحانه وتعالى لأنه الإله القهار سبحانه، والعزيز الذي لا يمتنع عليه أحد.

لذلك يقول الله سبحانه وتعالى: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ، لاحظوا تعريف بالله، وَلَهُ أَسْلَمَ وخضع وتذلل وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، إليه يرجع، كل شيء إليه يرجع، كل الخلق طوعا وكْرها. وكذلك قال الله سبحانه وتعالى: وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، وانظر إلى خاتمة الآية: وَكُلٌّ أَتَوْهُ، ليس مجرد أنه الجميع ياتي، وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ، وكل أتوه صاغرين أي داخرين أي صاغرين متذللين، يأتونه يساقون إليه ثُمَّ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ. وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد يساق سوقا مقهورين إلى الوقوف بين يديه سبحانه وتعالى، وكل أتوه داخرين.

وقال سبحانه وتعالى: اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ، انظر إلى عزة الله سبحانه يفعل ما يشاء، اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. هذه مشيئته ولا أحد يمتنع عليه هذا التصريف وهذا التنويع وهذه المراحل التي يسوق الله سبحانه وتعالى إليها خلقه خطوة خطوة، الخلق الاول ثم الخلق الاخر: اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، ولا يمتنع عليه أحد. وقال الله سبحانه وتعالى: وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا، إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا. إذا انتم تقولون ان هناك لله ولد سبحانه وتعالى عن ذلك، فالله يخبركم انهم سياتونه في ذلك اليوم متذللين عبيد: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا، لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا، وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا. وكلهم لاحظوا، كل دائما تاتي، وجميع دائما تاتي في هذا السياق مما تظهر عزة الله سبحانه وتعالى وانه لا يمتنع عليه احد، وَكُلُّهُمْ آتِيهِ سبحانه وتعالى فَرْدًا.

وايضا من تمام ملكه وتصرفه -احنا قلنا من تمام قهره وعزته ومن تمام ملكه وتصرفه- لذلك يقول الله سبحانه وتعالى ايضا في خواتيم المؤمنون سورة المؤمنون: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ. هل تظنون أنكم الينا لا ترجعون؟ أتظنون انه لا يوجد رجوع؟ تعالى الله، هذا نقص، انتم تنسبون نقصا إلى الله. الان هذا في التعريف بالله سبحانه وتعالى، انتم تنسبون الله، الملك الحق لا يمكن انه تنتهي الامور دون ان ترجع اليه ويحكم فيها سبحانه وتعالى، هذا الملك الحق: فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ. الله سبحانه وتعالى الملك الحق يتعالى عن انه لا يعيد الخلق اليه، من تمام ملكه الحق ان ترجع اليه الامور ويحكم الله سبحانه وتعالى فيها: فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ.

وقال سبحانه وتعالى: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا في سورة الزمر، السورة العظيمة التي تعرف بالله سبحانه وتعالى: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. لاحظوا كيف اقتران الملك بالرجوع إلى الله سبحانه وتعالى يأتي كثيرا في القرآن: لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. وفي سورة الزخرف قال سبحانه وتعالى: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ، وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. تبارك وتعالى وعظم خيره وكثر، من هو الله؟ الذي له ملك السماوات والأرض والله الذي إليه المرجع واليه المصير. الان هنا وتبارك وقبلها وتعالى، فتعالى الله وقبلها فسبحان الذي بيده؛ تنزيه الله سبحانه وتعالى ونسبة البركة والعظمة لله سبحانه وتعالى والزيادة والكثره، لانه سبحانه وتعالى من صفته ملك ملك السماوات والارض والرجوع اليه.

وقال سبحانه وتعالى: وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. وهنا الحمد لله سبحانه وتعالى، والحكم لله سبحانه وتعالى، والمصير الى الله سبحانه وتعالى، الرجوع الى الله سبحانه وتعالى. وايضا في نفس السورة في في اخر السورة: وَلَا تَدْعُ مع اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. أيضا ختمت السورة بهذا المعنى، كما ختمت سورة يس سورة المؤمنون كلها ختمت بهذا المعنى، أن الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى. وفي سورة النور قال الله سبحانه وتعالى: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ. لاحظوا كل هذا السياق يا جماعه، هذا السياق في التعريف بالله سبحانه وتعالى اذا تامله الانسان يزداد معرفة بانه الملك سبحانه وتعالى الذي ترجع اليه الامور.

وقال سبحانه وتعالى في هذا اخر المواضع هذه الايات التي تبرز تصرف الله سبحانه وتعالى انه يقبض ويبسط وانه يحيي ويميت وانه يعذب ويرحم، هذا التصرف ايضا يعقب بانه من تصرفه بالخلق انهم يعيدهم اليه: وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، وَيُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ، يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ. فهذا من تمام تصرف الله سبحانه وتعالى في خلقه؛ الرجوع إلى الله.

طيب، اخيرا الآثار العملية. الآثار العملية من هذا المعنى تحديدا، معنى السياق سياق التعريف بالله، سياق ورود معنى الرجوع إلى الله عند التعريف به. المعنى الأثر الأول: زياده العلم بالله وبصفاته، يعني أنت مثلا صفة الملك لله سبحانه وتعالى لما تتاملها عموما شيء، ولما تتاملها باستحضار هذا المعنى تزداد علما بصفة الملك لله سبحانه وتعالى، تزداد علما بصفه انه هو القهار سبحانه وتعالى، قهر الله لخلقه، تزداد علما بعزه الله، هذا المعنى مما يزيدك علما بالله سبحانه وتعالى وبصفاته. وبطبيعه الحال العلم بالله يورث النفس انواعا من اعمال القلوب والوانا من اعمال القلوب.

من تعظيم الله سبحانه وتعالى، وخشيته ومحبته والتوكل عليه، إذا علمت أنه هو العزيز، وهو المتصرف، وهو المدبر. لكن تحديدا هذا السياق فيه نوع خاص من التعظيم، في نوع خاص من التعظيم لما تعلم أن الله سبحانه وتعالى أنه هو الملك الحق، أنه هو الذي ترجع إليه الخلايق كلهم، ولا يغادر أحد ولا يفر، وأن إليه المصير. هناك نوع من التعظيم ونوع من الخشية لله سبحانه وتعالى.

الأثر الثالث: العبودية والتذلل. إذا علمت أنك عبد ستأتي لله سبحانه وتعالى، وأنك عبد ستساق إلى الله سبحانه وتعالى، وسيقف الخلق بين يديه أذلاء مقهورين غير ممتنعين، أنك ستأتي ذلك اليوم وأنت متلبس لباس العبودية، حينها تشعر بهذا الشعور في هذه الحياة الدنيا؛ أنك عبد ضعيف، وأن الله هو الملك الحق، وأنك فقير إليه سبحانه وتعالى.

بهذا نختم هذا الحديث العظيم عن الله سبحانه وتعالى والجليل، إذ فيه تعريف بأن الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا يعني تذكير بأن هذه المواضع التي أتت في القرآن كثيرا وتكررت جديرة بأن تتدبر وأن تتأمل، لأن ما كررها الله سبحانه وتعالى إلا وفيها ما فيها من الكنوز ومن حاجة الإنسان إليها. وكل ما ذكرنا اليوم هو طرف من ذلك، وسبحان الله الذي أنزل هذا الكتاب المبارك المليء بالبركة وبالخير. وهذا الكتاب الكريم غزير الخير وكثيره.

سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك. جزاكم الله خيرا على حضوركم وعلى استماعكم، ونسأل الله أن يزيدنا علما وعملا بما تعلمناه. جزاكم الله خيرا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.