تسجيل الدخول

الاستهداء بالقرآن | (أولئك المقربون) | المجلس السابع

عبد الرحمن أبو غيث
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني، اللهم افتح علينا وبارك لنا في هذا المجلس، واجعلنا ممن يخلص نياته لوجهه الكريم سبحانه وتعالى. حياكم الله في البرامج العلمية في هذا المجلس الاستهدافي الذي نرجو أن يهدينا الله سبحانه وتعالى ويزيدنا هدى وبصيرة بالجلوس بين يدي كتابه سبحانه وتعالى. مجلسنا اليوم بإذن الله سيكون تحت هذا العنوان الذي ترونه أمامكم عن قول الله سبحانه وتعالى: أولئك المقربون.

يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الواقعة، وهذه السورة العظيمة السورة الجليلة التي بدأت في هذا المطلع المهيب إذ يصف تعالى يوم القيامة فيقول: إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً. هنا يصفه تعالى لنا المشهد بصفات يعني عجيبة، وصفات تزلزل النفس وكأنها ترى الأرض ترتج والجبال تنسف وتصبح هباء منبثاً.

ثم بعد ذلك بعد أن وصف الله سبحانه وتعالى لنا الأرض والجبال وحتمية وقوع هذه الأخ وقوع يوم القيامة، ليذكر الله لنا شيئاً من حال أهلها، حال البشر الذين يأتون إلى الله سبحانه وتعالى فيقول في ذلك اليوم: ستكونون أزواجاً ثلاثة. وهذا يفتح لنا بوابة إلى معرفة أقسام الناس في يوم القيامة. أقسام الناس في يوم القيامة الأقسام العامة كما نعلم هما قسمين: القسم الأول قسم أهل اليمين، وقسم أهل الشمال. وكذلك أتت آيات كثيرة في وصف هذين القسمين.

لكن في بعض الآيات كما في هذه الآيات وفي غيرها في بعض السور، يقول الله لنا سبحانه وتعالى، يقول لنا أن حتى أهل الجنة هم في حقيقتهم قسمان وليس قسماً واحداً، فهناك كما قال الله سبحانه وتعالى السابقون، وهناك أهل اليمين، هناك السابقون وهناك أهل اليمين. وهذا يعني هذا التقسيم ليس مجرد تقسيم ليس مجرد خبر، وإنما وصف الله لنا صفة هؤلاء القوم، من هم السابقون ومن هم أهل اليمين، وكيف نعيم هؤلاء وكيف نعيم هؤلاء. وهذا حقيقة يجعل الإنسان يتفكر في أن في أنه يوم القيامة سيأتي إن قدر الله له ونجاه وعافاه وسلمه من النار، فحتى في في أهل في فريق أهل الجنة سيكون هناك انقسامات، وسيكون هناك درجات، وسيكون هناك تفاضل بينهم.

كما وصف الله سبحانه وتعالى فقال: وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. فبدا الله سبحانه وتعالى بذكر أصحاب الميمنة، ثم ذكر أصحاب المشأمة، ثم ذكر السابقين فريق السابقين. وفي كل فريق يذكر الله لنا بصيغة السؤال: ما أصحاب الميمنة؟ ما أصحاب المشأمة؟ وهذا كله يجعل الإنسان يتفكر من هم هؤلاء الفريق ومن هم هؤلاء الفريق. وفي هذه السورة تحديدا سيفصل الله سبحانه وتعالى في ذكر كل فريق، كل فريق من هؤلاء هذه الفرق الثلاثة سيذكر الله لنا سبحانه وتعالى شيئاً من شأنها وشيئاً من مالها ومصيرها ومستقرها.

فيقول الله سبحانه وتعالى في آخر السورة، وسناتي إلى أول السورة، في آخر السورة: إن هذه إنهم حتى عند الموت هذا قبل مشهد يوم القيامة، حتى عند الموت ينقسمون إلى هذه الاقسام الثلاثة. فيصف الله سبحانه وتعالى هذا المشهد العظيم المهيب هو مشهد نزوع الروح، الروح حينما تنتزع وحينما تخرج هذه الروح ويموت الإنسان. فيقول الله سبحانه وتعالى: فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ. هذا مشهد من المشاهد التي يتجلى فيها اسم الله القهار الذي إذا أراد أن يقبض روح عبده فيقبضه ولا يستطيع أحد أن يرجع تلك الروح.

ولكن خروج هذه الروح يتفاوت بين الناس بتفاوت درجاتهم، فيقول سبحانه وتعالى: فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ. فالإنسان وكل واحد منا سيكون في أحد هذه الفرق، نسأل الله أن يجعلنا في علاها، فاما إن كان من المقربين بعدها واما إن كان من اصحاب اليمين وبعدها واما إن كان من المكذبين الضالين فهي ثلاثة اقسام لا رابعة لها سيكون كل انسان في واحد من تلك الفروق.

نعود إلى أول السورة، قال: وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ. فبعد أن ذكر في القسم الثالث السابقون ذكر السابقون قال: والسابقون السابقون، بعدها بدا بهم وبدا بتفصيل حالهم، كما بدا بهم في في آخر السورة فقال: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.

وهنا نريد أن نقف مع كلمة المقربون، هذه الكلمه العظيمة الجميلة المهيجة للانسان والتي تجعل الانسان يتعلق بهذا الفريق أكثر فأكثر، لأن ما معنى المقربون؟ المقربون يعني أي أنهم مقربون من الله سبحانه وتعالى، مقربون من الله. هؤلاء في الجنة يكونون مقربين من الله سبحانه وتعالى، وما أجل وما أعظم هذا القرب من الله سبحانه وتعالى. ولاحظوا لم يقل أولئك قريبون، يعني هم ليسوا ليسوا فقط أنهم قريبون من الله سبحانه وتعالى وفقط لا، هم مقربون، فقربهم الله سبحانه وتعالى ونسب الفعل إليه سبحانه وتعالى، وهذا فيه من الشرف وفيه من الفضل مما فيه أن هؤلاء اختارهم الله سبحانه وتعالى، اختارهم الله سبحانه وتعالى ليكونوا مقربين.

اختارهم الله سبحانه وتعالى لتكون منازلهم بجواره سبحانه وتعالى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث قال سبحانه قال سبحانه وتعالى قال موسى: أي ربي فأي أهل الجنة أرفع منزلة؟ قال موسى: أي ربي فأي أهل الجنة أرفع منزلة؟ قال: إياها أردت، وسأحدثك عنهم: إني قد غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. قال: ومصداق ذلك في كتاب الله عز وجل: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِي لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ. وفيها روايات كثيرة، وهذا هذه عجيبة في رواية مسلم قال: أولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها. فهؤلاء الذين أرادهم الله سبحانه وتعالى، وأولئك أولئك الذين اختارهم الله سبحانه وتعالى ليكونوا مقربين.

فكم في هذا المعنى من الجلال وكم في هذا المعنى من الجمال الذي يجعل النفس تهفو ليكون قريبا من الله سبحانه وتعالى ويكون مقربا من الله سبحانه وتعالى في جنة النعيم.

والآيات التالية تصف لنا جنة أولئك المقربون. قال قال سبحانه وتعالى: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ. ثم بدا في وصف جنتهم قال: عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ مَّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مَّخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا.

هذه صفة أهل الجنة الذين هم في الدرجات العلى، وبعدها قال: وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ، وذكر صفة جنتهم التي هي أدنى من الجنة الأعلى، وكلها داخلة في الجنة، ولكن تلاحظ أن لها صفة أخرى مختلفة عن الجنة الأولى. قال: فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَّضُودٍ وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا لِّأَصْحَابِ الْيَمِينِ ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ.

فهذا يعني أن نعيم اهل الجنة يتفاوت، بل صفة الجنة نفسها تتفاوت وكأنها هذه جنة وهذه جنة أخرى، هذه لها صفة وهذه لها صفة، هذه فيها فاكهة وهذه فيها فاكهة من نوع آخر، هذه فيها مفارش وهذه مفارش من نوع آخر وهكذا.

فهذا كما ورد أيضا في سورة الرحمن، قال الله سبحانه وتعالى: وَمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ. ثم ذكر صفة هاتين الجنتين، وبعد أن انتهى منها قال: وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ، وذكر صفة هاتين الجنتين الأخريين.

وتلاحظ أن الصفات مختلفة تماما، فقال في صفة الجنتين الأوليين: ذَوَاتَا أَفْنَانِ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ، بينما في الأخرى قال: فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ. ثم قال: فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ في الأولى، وقال في الأخرى: فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانُ.

وقال: مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانَّ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانِ.

ثم ذكر بعدها صفة الجنتين اللتين هما دون الجنتين الأوليين، وهذا حقيقة هذا التفاوت تفاوت نعيم أهل الجنة، هذا يجعل الإنسان يقرر قرارات مصيرية في حياته.

فإذا كان الإنسان بعمله يقربه الله سبحانه وتعالى ويدخله برحمته إلى الجنة، فهذا يعني أنه بقدر عمل الإنسان وبقدر جده واجتهاده في هذه الدنيا، فهو يختار لنفسه المنزلة في الآخرة.

وإذا استحضر الإنسان أن داره تلك وملكه الذي سيكون في الآخرة هو دار خالدة، فمن منا لا يريد أن يكون خلوده في أعلى الدرجات، ومن منا لا يريد أن يخلد في أعلى الدرجات وارفعها وأقربها إلى الله سبحانه وتعالى.

ونحن نعلم حتى في هذه الدار الفانية في الدنيا، إذا أراد الإنسان أن يبني بيتا، وإذا أراد الإنسان أن يدخر مالا ليشترى به بيتا على سبيل المثال، فإنه لا يرضى أن يعني يشتري أقل شيء، بل يحاول أن يعني يشتري أفضل ما يستطيع بما يتوفر لديه من المال، لأن هذه الدار ستبقى له وسيعيش فيها، فهو يرغب أن تكون أفضل دار ولا يرغب بأن تكون أقل من ذلك.

فكيف بالآخرة، والآخرة خير وأبقى؟ الآخرة هي دار الخلود سيخلد فيها الإنسان، وكل درجة يبلغها الإنسان بعمله فهي التي سيخلد فيها، فليس من الغبن أن يعمل إنسان ويزداد عملا كي يصل إلى ارفع الدرجات واعلاها وأقربها إلى الله سبحانه وتعالى.

هذا التفاوت في نعيم أهل الجنة يجعل الإنسان فعلا يغير من كل حياته كي يبلغ تلك الدرجات، هذا التفاوت وانقسام أهل الجنة إلى درجات هو من أكبر ما يحفز الإنسان، ومن أكبر ما يجعل الإنسان طامعا في فضل الله سبحانه وتعالى، ومن أكبر ما يجعل الإنسان يستزيد من عمل الخيرات كي يبلغ ارفع الدرجات.

لذلك يقول الله سبحانه وتعالى: انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا. هذه الآخرة فيها درجات هي ليست مجرد جنة، الجنة هذه فيها درجات ودرجات.

قال سبحانه وتعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب. تخيل أن يكون شخصان في الجنة وما بينهما كما بين الإنسان وما بين الكوكب الذي يراه في الأفق.

وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيل، وهذا التفاوت يجعلنا نسال السؤال التالي: كيف نصبح من أولئك المتسابقين، كيف نصبح من أولئك المقربين، كيف نبلغ أعلى الجنان، ما هي الصفات التي أتمسك بها وأتشبث بها كي أقترب من الله سبحانه وتعالى وأخلد في أعلى الدرجات في جنان الفردوس؟ نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبلغنا واياكم تلك الجنان.

فالصفة الأولى ناخذها من قوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. فأول صفة لهم هي المسابقة والمسارعة. ما معنى والسابقون السابقون؟ طبعا قيل إن السابقون الثانية هذه أتت للتوكيد، أنه والسابقون السابقون يعني ما أعظم مقامهم ومن باب الترتيد، وقيل إنهم أي السابقون في الدنيا هم السابقون في الآخرة، فالسابقون في الدنيا بعملهم وهم السابقون في الآخرة، فالأولى مبتدأ والثانية خبر.

وكذلك قال أهل العلم، كما نقل المفسرون قول عثمان بن أبي سودة قال: والسابقون السابقون أولهم رواحا إلى المساجد وأسرعهم خفوقا في سبيل الله. ومن يعود إلى التفاسير في هذه الآية يجد أن كثيرا من المعاني تدور حول هذا المعنى، أن تكون من أول العاملين ومن أول المجاهدين، فارتبطت كثيرا بالمساجد وبالجهاد في سبيل الله وبعامة الأعمال.

فمن أراد أن يكون من السابقين فليكن في أول الصفوف دائما. وقال ابن كثير بعد أن ساق عدة أقوال قال: والمراد بالسابقين هم المبادرون إلى فعل الخيرات كما أمروا، كما قال تعالى: وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ. وقال سبحانه وتعالى: سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.

يقول ابن كثير: فمن سابق في هذه الدنيا وسبق إلى الخير كان في الآخرة من السابقين إلى الكرامة، فإن الجزاء من جنس العمل وكما تدين تدان، ولهذا قال تعالى: أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.

وقال الله سبحانه وتعالى في سورة الحديد: لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.

فهذه فيها صفة السبق، وأن من يسبق وأن من يعمل الصالحات أولا، وأن من يسارع إلى الخيرات فهذا عند الله سبحانه وتعالى له مكانة وله اعتبار، فلا يستوي من أنفق من قبل الفتح وقاتل، أولئك اعظم درجه، هي درجات وأعظم أصحاب الدرجات هم الذين حتى في أزمنة الأدبار يكونون مقبلين.

حتى في أزمنة عدم اليقين وعدم التأكد من النصر من جهة الأسباب الدنيوية وكذا وكذا، تجدهم لا يزالون ينفقون ولا يزالون يقاتلون ولا يزالون ثابتين في الأماكن التي يحبها الله سبحانه وتعالى.

فلا يستوي هؤلاء الذين سابقوا والذين سارعوا مع من ينفق من بعد ذلك، من بعد أن ياتي النصر، من بعد أن تتغير الأحوال، من بعد أن يصبح الأمر أكثر رخاء ونحو ذلك: لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.

وقال سبحانه وتعالى في سورة النساء في آيات مشابهة قال: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ، نفس الجملة التي أتت في الآية السابقة: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ، وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا.

فمن سابق في الدنيا ومن جاهد في سبيل الله سبحانه وتعالى بماله ونفسه ومن أنفق وقاتل، هذا لا يستوي. نعم، كلا وعد الله الحسنى، وكل المؤمنين باذن الله الذين كتب الله الجنة يدخلون الجنة، لكن لا يستوون، ففضل الله سبحانه وتعالى بعضهم على بعض درجات.

كما قال الله سبحانه وتعالى: أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ، لهم درجات عند ربهم، فهذه كلها مرتبطه بالعمل، هذه الآيات مرتبطة بالعمل، أن المسابق والمسارع هو الذي يعمل ويلتزم هذا العمل في كل الأحوال في مختلف الظروف.

وكذلك هناك لفته مرتبطة بالعمل، لما ذكر الله سبحانه وتعالى صفة السابق.

السابقين في السورة الأولى في الآيات الأولى، ثم ذكر أصحاب اليمين في الآيات التالية. قال: بعد أن ذكر صفة، يعني صفه جنة السابقين، قال: حَوْرٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. قال: جزاء بما كانوا يعملون. أما في صفة جنة أصحاب اليمين فلم يمتدح لهم عملاً خاصاً.

لم يمتدح لهم عملاً خاصاً، نعم هم هم كانوا من المؤمنين واستحقوا الجنة بعملهم وبرحمة الله سبحانه وتعالى، لكن الذين يمتدح يمتدح الله سبحانه وتعالى أعمالهم هي هو الذي هي تلك الأعمال التي يحبها الله سبحانه وتعالى، من المسابقة ومن المسارعة، من المبادرة والتزام أعلى الدرجات، أولئك الذين يمتدح الله سبحانه وتعالى أعمالهم فقال: جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. وأيضاً في سورة الرحمن التي أتينا بآياتها لما ذكر صفة جنة السابقين أيضاً في آخرها ماذا قال؟ قال: هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ.

وما ذكر مثل هذه العبارة في صفة الجنتين الأخريين، لكن في الجنتين الأوليين قال في آخر في آخر بعد أن ذكر جزاءهم وما استحقوا ما ما أعده لهم سبحانه وتعالى قال: هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ. لان من صفتهم أنهم كانوا محسنين، كانوا عاملين، كانوا مسابقين، كانوا مسارعين. فهنا يأتي السؤال: هل هل تصف عملك، أو تقيم عملك، أو تقدر عملك أنه من أعمال المحسنين؟ هل أنت من المحسنين مع الله سبحانه وتعالى في العمل؟

إذا كنت كذلك فهذه من الصفات التي يرفع يرفع الله سبحانه وتعالى بها أهل الاحسان الى إلى الدرجات العليا. فهذه الصفة الأولى صفة المسابقة والمسارعة. الصفة الثانية ابتغاء القرب من الله سبحانه سبحانه وتعالى، ابتغاء القرب، أولئك أولئك السابقون يبتغون القرب من الله سبحانه وتعالى. نعم هم يبتغون بأعمالهم من هذه الجهة هي مشابهة للصفة السابقة، لكن هناك معنى وجداني في الارتباط بالله سبحانه وتعالى وفي طلب ما عند الله سبحانه وتعالى وفي طلب القرب الخاص من الله سبحانه وتعالى. هم متذكرين لربهم، هم يريدون أن يقتربوا منهم، هم يتقربون إليه بتلك الأعمال.

لذلك يقول الله سبحانه وتعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ. الوسيلة يعني القربة، القربة ما يتقرب به، العمل الذي يتقرب به الى الله سبحانه وتعالى، يبتغون الى ربهم الوسيلة، طبعا وقيل أنها الجنة: يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا. فهؤلاء لما يقدمون العمل ويسارعون ويسابقون به، هم في أنفسهم معنى خاص وجداني في العلاقة مع الله سبحانه وتعالى أنهم الآن يتقربون إلى الله، يتوددون إلى الله سبحانه وتعالى، يسارعون في الخيرات كي يرضى عنهم.

وعجلت إليك ربي لترضى. هنا هنا في معنى ال ال طلب الرضا من الله سبحانه وتعالى، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، يحبهم ويحبونه. هؤلاء هؤلاء قد ذاقوا طعم القرب من الله سبحانه وتعالى ولا يزالون يبتغون هذا هذه المكانة وهذه المرتبة عند الله سبحانه وتعالى في الآخرة. أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ.

أيهم أقرب فيها منافسة، فيها مسابقه، فَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ. أيهم أقرب؟ من أقرب إلى الله سبحانه وتعالى؟ لذلك من أراد تلك المنازل العلى فليسابق في هذا السباق، فليتنافس في هذه المنافسة، ونعم المنافسة أن يتنافس من أقرب إلى الله سبحانه وتعالى ويرجو أن يكون أقرب الناس إلى الله سبحانه وتعالى بعمله وبمسارعته وبمسارعته للعمل الصالح والى التوبة وإلى الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى.

قال السعدي: يتنافسون في القرب من ربهم ويبذلون ما يقدرون عليه من الأعمال الصالحة المقربة إلى الله تعالى وإلى رحمته، يتنافسون في القرب من ربهم. ولله المثل الأعلى، كما ترى اليوم بعض الملوك والذين ملكهم زائل في هذه الدنيا، ترى كيف أعوانهم يتنافسون من يكون أقرب إلى ذلك الملك؟ يقدمون الوسائل ويقدمون كذا ويقدمون الكلمات ويقدمون الأعمال ويتنافسون في في تلك المناصب.

والله سبحانه وتعالى أعظم وأجل وارجى أن يتقرب إليه وأجل سبحانه وتعالى وله المثل الأعلى. وقال الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه. قال: وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه. ولاحظوا: يتقرب إلي، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه. فمن منا عندما يعمل العمل الصالح، نعم هو يبتغي الجنة ويبتغي الرفعة عند الله سبحانه وتعالى، وكذلك يبتغي أنه يتقرب إلى الله، أنه يرجو بهذا العمل أن يكون أقرب إلى الله، أن يحبه الله سبحانه وتعالى، أن يتولاه الله سبحانه وتعالى.

فهذا معنى عظيم ومعنى جليل ومعنى لطيف، كيف يستحضر الانسان الذي يسير إلى الله سبحانه وتعالى ويرجو أن يكون مقربا لديه في الآخرة فلينافس بالتقرب اليه في هذه الدنيا. الصفة الثالثة هي خوف مقام سبحانه وتعالى، الخشية وخوف مقام سبحانه وتعالى. كما ذكرنا في صفة السابقين في سورة الرحمن قال الله سبحانه وتعالى في أول ذكر صفاتهم صفة جنتهم قال: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ.

يعني بهذا بهذه الصفة اختصر الله سبحانه وتعالى صفاتهم واختزلها في هذه الصفة، وكأنها من اعظم وأخص صفاتهم التي جعلتهم يرتفعون عند الله إلى تلك المنازل العالية، وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ. وكم في هذا الخوف من مقام سبحانه وتعالى من المعرفة بالله سبحانه وتعالى، من العلم بالله سبحانه وتعالى وصفاته الجليلة، وكم فيه من معرفة الخوف من عقابه والخوف من عذابه وخشيته سبحانه وتعالى.

وكم فيها من مجاهدة النفس ونهيها عن الهوى، وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى. فمن يخاف مقام سبحانه وتعالى يمتنع عن معصية الله سبحانه وتعالى، مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ، وهي رؤية الله سبحانه وتعالى، وهذه اعظم درجات أولئك المقربين أهل الجنة يرون الله سبحانه وتعالى، لكنهم كما ذكر العلماء يتفاوتون في رؤية الله، يتفاوتون في مقدار رؤية الله سبحانه وتعالى وفي تكرار هذه الرؤية. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يقر أعيننا برؤيته.

فالصفة الثالثة خوف مقام الله سبحانه وتعالى. وقال الله سبحانه وتعالى في سورة المؤمنون: إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةً. أيضاً هنا الخوف من الله سبحانه وتعالى وتذكر اليوم الآخر، وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةً أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ.

هذه هي، إذا سالت: ما هي المسارعة في الخيرات وما هو السبق إلى الله سبحانه وتعالى؟ ما هي المسارعة والمسابقة؟ فهذه صفة المسارعين في الخيرات والمسابقين: إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا، كما فسر النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها قال: يؤتون ما آتوا يعني يقدمون الطاعات، حتى وهم يقدمون الطاعات، يتصدقوا، يصوموا كذا، هم متذكرين، يخافون أن يتقبل الله سبحانه وتعالى منهم، يخافون أن هناك يوم آخر، يتذكرون اليوم الآخر دائماً. وهذا في معنى ال معنى الاستحضار الذي سنتيه في الصفة الرابعة.

الصفة الرابعة اليقين، صفة اليقين. اليقين ودوام الاستحضار، اليقين ودوام الاستحضار هذه من أعظم صفات، ليس فقط صفات أهل الجنة، وإنما صفات المقربين، من أعظم صفات المقربين. كما قلنا في الحديث الذي ذكرناه في البداية قال النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري: إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب، قال: لتفاضل لتفاضل ما بينهم. قالوا يا رسول الله، يعني لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم تفاضل ما بينهم ظن الصحابه أن هذا خاص بالانبياء، قالوا يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، يعني هل هذا خاص بالأنبياء؟ قال في كلمة وجمله عظيمة ومليئة بالرجاء: بلى، والذي نفسي بيده، رجال امنوا بالله وصدقوا المرسلين. وكما

تعلمون أهل الجنة كلهم آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، لكن هنا إيمان خاص، وهنا تصديق خاص، وهنا يقين خاص. فهناك مؤمن دون مؤمن ومصدق دون مصدق، فأعلى من آمن بالله سبحانه وتعالى وأعلى من صدق المرسلين هم أولئك الموقنون بالله سبحانه وتعالى، هم أهل الغرف الذين يتراءونهم أهل الجنة كما يتراءون الكوكب الدري.

وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المعروف: قال: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه. ونحن نعلم أن الإحسان هو أعلى الدرجات. فهذا الإحسان الذي هو حقيقة التصديق بالغيب ودوام استحضار الغيب، فأن تعبد الله عبادة كأنك تراه سبحانه وتعالى وهو غيب وكأنك تراه شهادة، فإن لم تكن تراه فانه يراك.

فهذا الإيمان بالغيب، الإيمان بالله سبحانه وتعالى، والإيمان بالله كأنك تراه، والإيمان بالجنة كأنك تراها، والإيمان بالنار كأنك تراها. هذا كما قال حنظلة لما قال: يا رسول الله، يعني ناتيك فتذكرنا الجنة والنار كأن رأي عينك، حتى كأن رأي عينك.

هذا الارتباط الدائم بالغيبيات ودوام تذكرها، وبطبيعة الحال ما ينعكس عليه أثرا من ناحية العمل والمسارعة والممسابقة، هذا من أكثر ما يقربك من عمل المقربين وصفات المقربين، ومن أجل وأخص ما يجعلك منهم يوم القيامة في الدار الآخرة بإذن الله عز وجل.

طيب، نكتفي بهذا القدر، وهذه الصفات هي شيء من ذكر صفة أولئك المقربين الذين مدحهم الله سبحانه وتعالى في الجنة. فنسأل الله العلي العظيم بمنه وكرمه وجوده وإحسانه وفضله أن يجعلنا من المقربين، أن يجعلنا من السابقين، وأن يجعلنا من المسارعين بالخيرات، وأن يجعلنا من رفقاء النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، وأن يجعلنا من المقربين لربهم في الآخرة. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.