تسجيل الدخول

الاستهداء بالقرآن | (نعم العبد) | المجلس الثامن

عبد الرحمن أبو غيث
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. حياكم الله آل البرامج العلمية، وأهلاً بكم في هذا المجلس الثامن من مجالس الاستهداء بالقرآن، والذي سيكون بعنوان الذي ترونه أمامكم: نعم العبد.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا في هذا المجلس، ونسأله سبحانه أن يغفر لنا ذنوبنا، ونسأله سبحانه أن يخلص نياتنا، وأن لا يكلنا إلى أنفسنا، وأن يفتح علينا من أبواب العلم والمعرفة والفهم والتدبر في كتاب الله سبحانه وتعالى.

سيكون هذا المجلس بإذن الله حول سورة الأنبياء، سيكون هناك استعراض شامل لمعنى معين في سورة الأنبياء في كامل السورة. وأختار أن أدخل بهذا المدخل، أذكر أني سمعت في مرة من المرات لواحد من الذين كانوا يبحثون عن الدين، عن دين الإسلام؛ هو كان غير مسلم، وكان يبحث عن دين الإسلام، فأمسك بالقرآن وأخذ يبحث في سور القرآن: هذه السورة اسمها كذا، وهذه السورة اسمها كذا. فيقول وكان يبكي عن نفسه، يقول: فلما وصلت إلى هذه السورة ونظرت إلى عنوانها كانت بعنوان سورة الأنبياء.

فهو جاي من خلفية غير إسلامية، غير مسلمة أصلاً يعني أظنها كانت خلفية نصرانية، فكان يقول: اريد أن أدخل، أن أرى من هم الأنبياء في هذا الدين. فيقول: اردت أن يعني أقرا هذه السورة وأرى بطولات الأنبياء، ما هي بطولاتهم وما هي أفعالهم العظيمة التي فعلوها، وما هي منجزاتهم، وما هو ملكهم، ما مقدار ملكهم في هذه الدنيا؟ لأنه في بعض الديانات يعني تأتي بهذه الخلفية؛ خلفية أن الأنبياء هم الملوك، وملوك أم الأنبياء. فعلى كل حال هو دخل بهذه النفسية، دخل بنفسية أنه يريد أن يرى البطولات في أفعال الأنبياء.

يقول: لما دخلت إلى هذه السورة وقراتها يقول: تفاجأت، تفاجأت من أني لما تتبعت الآيات المرتبطة بالأنبياء، فوجدت في هذه السورة ضعف الأنبياء وعجز، يعني ضعف الأنبياء لربهم وعجزهم بالنسبة إلى ربهم، وانزالهم حاجاتهم وفقرهم إلى الله سبحانه وتعالى، ودعائهم الله سبحانه وتعالى وعبوديتهم لله سبحانه وتعالى.

فيعني وجدتهم بشراً من البشر، ووجدتهم يعني الناس لديهم حاجات، يسألون الله سبحانه وتعالى وينادون الله سبحانه وتعالى. فكان هذا التعليق -الذي أنقله بالمعنى سمعته قديماً- هذا التعليق يعني فتح لي باباً لتأمل السورة من هذه الجهة؛ جهة تأمل كيف ذكر الله سبحانه وتعالى الأنبياء في هذه السورة، وتأمل أوجه العبودية تحديدا، وكيف أن هذا يعني شرف هؤلاء صفوة الخلق إنما كان بعبوديتهم وفقرهم إلى الله سبحانه وتعالى، وسمعهم وطاعتهم لله سبحانه وتعالى، ورد الأمور إلى الله سبحانه وتعالى والالتجاء بها والتوكل عليه والاستعانه به.

وحين تتأمل هذه السورة من هذا الوجه ترى عجباً، يعني ترى عجباً؛ لأنه هذه السورة تحديدا ذكرت قصص الأنبياء بصورة عجيبة جداً مبرزة لأفعال الله سبحانه وتعالى، ليس بطولات بالبطولات الدنيوية، إن صح التعبير بالنسبة لهؤلاء البشر الذين هم صفوة الخلق. فسنستعرض السورة من هذا الباب، من هذه الجهة، وبهذه العين.

في أول السورة افتتحت السورة بهذا المدخل: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ. مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ، لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا. الآن أنظروا إلى هذه الدعوة التي افتتحت بها السورة والتي اتهم بها الكفار مشركي قريش، اتهموا بها النبي صلى الله عليه وسلم وعابوه عليها وانتقصوه عليها، ظانين أن هذا هو النقص، نقص بشري والذي يسقط من يسقط كونه رسولاً لله سبحانه وتعالى، فقالوا: هَلْ هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ. فكانت دعواهم في رد الحق هو أن هذا بشر، أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر، أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ. قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.

ثم بدا الافتراء وبدت الاتهامات: بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ. الخلاصة؛ السورة بدأت بماذا؟ بدأت بأقوال المكذبين، أقوال المشركين في النبي صلى الله عليه وسلم والاتهامات والدعاوى التي يطرحونها حاجزاً بينهم وبين قبول الحق. فجاء القرآن ليعلم النبي صلى الله عليه وسلم ويعلم الكفار من هم الأنبياء قبل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: وَمَا أَمَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا ۖ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ، وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ. فابرز الله سبحانه وتعالى من أول السورة بشرية الأنبياء، وأنهم إن كانوا يتهمونك بهذا فهذا شأن الرسل، وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ.

ثم ذكر الله سبحانه وتعالى ولاية الله لهم، ولاية الله سبحانه وتعالى لهؤلاء البشر قال: ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُم وَمَن نَّشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ. فالأفعال الحقيقية التي حصلت يعني حتى في هؤلاء الأنبياء هم ما نجوا بأنفسهم، الله هو الذي نجاهم، الله هو الذي صدقهم الوعد، الله هو الذي أهلك عدوه، فالامر في حقيقته هو لله سبحانه وتعالى، والرسول كان دوره هو إبلاغ الرسالة، الرسل كان دورهم إبلاغ الرسالة، ولم يكن دورهم يعني لم يكن من شأنهم أنهم يأتون بشيء خارج نطاق البشر أو يأتون بآية لم يعطهم الله سبحانه وتعالى إياها.

ثم بعد ذلك بعدها بعدة آيات قال الله سبحانه وتعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ. فهذا الوحي الذي أرسل للرسل هو الانشغال بقضية العبودية في أنفسهم ثم في تعبيد الناس لله، وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۚ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ. ما شأن هؤلاء العباد والرسل سواء من الملائكة أو من البشر؟ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ.

لاحظوا كيف هؤلاء هم العباد، هؤلاء هم أشرف خلق من الرسل ومن الملائكة، هؤلاء الذين غاية شرفهم أنهم بأمره يعملون، بأمر الله سبحانه وتعالى يعملون، لا يملكون شيئاً بأنفسهم، لا يسبقونه بالقول، وخاضعين لله سبحانه وتعالى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ. ولاحظوا كيف التهديد من الله سبحانه وتعالى: وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ. فهذا هو شأن، هذا هو شأن العباد.

ثم قال الله سبحانه وتعالى بعد ذلك: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ، كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ.

وبعد ذلك أيضاً مواساة للنبي صلى الله عليه وسلم يقول له: إن هذا الاستهزاء الذي تراه وهذه الاقوال التي يدعونها وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُم بِذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ هُمْ كَافِرُونَ، خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجْلٍ إلى أن قال: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ. هذا هو طريق الأنبياء، الأنبياء لم يكونوا أناساً يعني بعيدين عن هذه الاقوال وعن هذه الابتلاءات وعن هذا التكذيب وعن هذا الأذى، كما قال الله سبحانه وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم في سورة الأنعام: قَد نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ، وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا. وهنا: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ.

يعني يا محمد، يا محمد، هذا هو شأن هذا هو شأن الأنبياء، قد أصابهم قبلك ما أصابك، ما يصيبك اليوم قد أصابهم من قبلك، وأنت بشر سيصيبك هذا وستختلط بالناس ويصيبك من أذاهم، فاصبر كما صبروا، فاصبر كما صبروا واعلم أن هذا هو الطريق، وأنك بشر كما هم بشر قبل ذلك. ثم بعد ذلك توجه الحديث إلى قصص الأنبياء، توجه الحديث إلى قصص الأنبياء.

والتي هذه القصص التي فيها أمر أمر عجب، فيها أمر عجب حقيقة في إبارز يعني أن الأنبياء محتاجون لله سبحانه وتعالى، فقراء راعوا إلى الله سبحانه وتعالى، غاية شرفهم وأعمالهم أنهم يلتجئون إلى الله والله هو الذي يتولاهم ويرعاهم ويعطيهم ويعلمهم ويكفيهم عدوهم. فقال: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ. نحن الذين آتينا هذا موسى وهارون الأنبياء الذين كانوا من قبلك يا محمد، نحن الذين آتيناهم الفرقان وضياء وذكرا للمتقين، إلى أن قالوا: هذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون؟

ثم قال في مطلع قصة إراهيم المطولة التي ستاتي ستاتي تفاصيلها بعد ذلك، قال: وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ. إذ قال لأبيه وقومه، يعني إذ قال، الآن دخل في القصة قصة، بعد ذلك كلها تعود إلى هذه إلى هذه المقدمة، أن الله هو الذي آتاه رشده. نعم إن كان إبراهيم ذهب لقومه، وإن كان إبراهيم دعاهم وحده، وإن كان وقف مواقف عزيزة من مواقف الحق، لكن في الحقيقة هو الذي آتاه رشده: وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ. إلى أن قال بعد ذلك حصلت المحاجزة بين بين إبراهيم عليه السلام وبين قومه، قالوا سمعنا فتى يقال له إبراهيم، قالوا فأتوا به على أعين الناس، إلى أن قالوا ماذا قالوا حرقوه.

وقبلها قال لهم: أف لكم ولما تعبدون من دون الله. هذا ما كان يشغل يشغل الأنبياء، تعبيد الناس لله، هم عباد لله ويعبدون الناس لله. قالوا: حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين. هنا من الذي تولى الأمر؟ من الذي دافع عن إبراهيم؟ هل هو دافع عن نفسه بنفسه؟ هل هو الذي جعل النار برداً وسلاماً؟ بل هو الله سبحانه وتعالى. قلنا يا نار، قلنا أي نحن الله سبحانه وتعالى يتكلم: قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِه كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُم نحن فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ. وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ. لاحظوا كلها أفعال منسوبة إلى الله سبحانه وتعالى. فإبراهيم في حقيقة الأمر هو ما فعله هو أنه كان عبداً لله سمعه وأطاعه وبلغ الرسالة، أما الأمر كله فبيد الله، وهو الذي ينجيه، وهو الذي ين ينصره، وهو الذي يهلك الظالمين، وهو الذي يجعل النار برداً وسلاماً.

ثم قال: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ. لاحظوا حتى هذه الأفعال الذي يفعلها الإنسان المسلم، من فعل الخيرات، من إقام الصلاة، من إتاي الزكاة، هذه كلها بتوفيق الله: وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ. الآن ما هو الفعل الذي فعلوه الأنبياء حقاً؟ أنهم كانوا لنا عابدين: وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ. كانوا لنا عابدين، هم مجرد أنهم عبيد لله مفتقرون إلى الله، ثم بعد ذلك الله هو الذي يدبر كل الأمر.

وانتقلت القصة بعد ذلك، لاحظوا كل القصص قص ستكون بهذا السياق، أن الله سبحانه وتعالى حقيقة حقيقة استعراض القصص القرآنية ليس من جهة إبراز بطولات البطولات الدنيوية للأنبياء، وإنما لإبراز حاجتهم لله سبحانه وتعالى وأفعال الله فيهم، كما قال: وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ. ثم ذهب إلى قصة لوط عليه السلام وقال: وَلُوطًا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ. الآن في قصة لوط هذه، ما ما الذي فعله لوط؟ يعني ما هي الأفعال المنسوبة إلى لوط؟ لا شيء، يعني إلا أنهم كانوا من الصالحين: وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ. والقصة الحقيقية هي إبراز أفعال الله. شرف الأنبياء الحقيقي أنهم كانوا مفتقرين لله، والله هو الذي يتولاه. فهذه حقيقة القصة، أن الله هو الذي آتاه حكماً وعِلماً، ثم الله هو الذي نجاه، ثم الله سبحانه وتعالى هو الذي أدخله في رحمته. هذه خلاصة سيرة سير الأنبياء، أنهم كانوا قريبين من الله والله دبر أمرهم.

قصة نوح بعد ذلك: وَنُوحًا إِذ نَادَىٰ مِن قَبْلُ. لاحظوا لاحظوا كلمة نادى وارتباطها بمعنى العبودية ومعنى الافتقار ومعنى التذلل إلى الله سبحانه وتعالى، ومعنى إبراز الحاجة لله سبحانه وتعالى، هذا قمة العبودية. فماذا فعل نوح؟ ماذا كان من شأن نوح؟ ما ذكر من شانه إلا أنه نادى: وَنُوحًا إِذ نَادَىٰ مِن قَبْلُ. فانظروا بعد أن نادى قال الله سبحانه وتعالى: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ. نحن الذين أغرقناهم، نحن الذين نصرناه، ونحن الذين نجيب الدعاء، وأنت أيها العبد عليك أن تنادي وأن تتضرع وأن تتذلل وأن تلقي بحاجاتك لدى الله سبحانه وتعالى كي يتولاك.

ثم بعد ذلك انتقل إلى قصة داود وسليمان قال: وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذ نَفَشَتْ فِيه غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ، نحن الذين فهمناه مرة أخرى، وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَاسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ. فكادت القصة أن تذهب في ذكر أفعال وليس في أفعال الأنبياء أنفسهم.

هنا تعلم تعلم حقيقة الأمر، وأن الأمر نعم هم الأنبياء هم أشرف الخلق، لكن حقيقة الأمر أن الله سبحانه وتعالى هو الذي بيده الأمر، هو الذي بيده كل الأمر، وأن حمل أحد الرسالة، وأن فعل أحد الخير، وأن بلغ أحد، وأن أمر أحد بالمعروف أو نهى عن المنكر، فإن كل ذلك إنما هو بتوفيق الله سبحانه وتعالى، فهو الذي فهم، وهو الذي علم، وهو الذي سخر، إلى آخر ذلك.

ثم بعد ذلك انتقل إلى قصة أيوب، ولاحظوا كل القصص في هذه السورة تحديدا فيها هذه اللمسة، فيها هذه فيها هذا ال هذا المعنى، معنى إظهار افتقار الأنبياء من جهة، ومن ولاية الله سبحانه وتعالى وأفعاله فيه فقال: وَأَيُّوبَ إِذ نَادَىٰ رَبَّهُ. وَأَيُّوبَ إِذ نَادَىٰ رَبَّهُ. لاحظوا كيف كمية الافتقار في هذه العبارة: أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. هذا أيوب، هذا الذي قال الله سبحانه وتعالى عنه: نِعْمَ الْعَبْدُ، الذي قال عنه نِعْمَ الْعَبْدَ لما قال أنا وزدناه صابراً: نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ. لماذا نِعْمَ الْعَبْدُ؟ لماذا كان نِعْمَ الْعَبْدُ؟ لأنه أواب، يلجأ إلى الله سبحانه وتعالى، يعود إلى الله سبحانه وتعالى، يفتقر إلى الله سبحانه وتعالى، هذه حقيقة شرف مقام الأنبياء، وأن الأنبياء لما يريد الله أن يمتدحهم أعلى امتداح، فإنما يقول له نِعْمَ الْعَبْدُ، يقول له نِعْمَ الْعَبْدُ، يعني هو في النهاية عبد لن يتجاوز هذه المرحلة، وإنما بعكس ذلك، كلما كان أكثر عبودية وافتقار والتجاء كان أحق بالمديح من الله سبحانه وتعالى.

فقال: وَأَيُّوبَ إِذ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. يفتقر إلى الله سبحانه وتعالى ويتضرع إلى الله سبحانه وتعالى، فقال الله سبحانه وتعالى: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِه مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّن عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ. وذكرى للعابدين، لما كانوا عابدين ولما كانوا مفتقرين ومتذللين، كان الله سبحانه وتعالى يتولاهم ويستجيب دعائهم ويكشف ما بهم من ضر ويرحمهم برحمته.

وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ. أفعال الأنبياء هي هذه: أنهم صابرين، أنهم صالحين، أنهم عابدين، كلها تدخل في معنى العبودية ومعنى ال السمع والطاعة ومعنى الصبر والصلاة، وليس ليست القصة أنهم هم الذين يهلكون الأعداء، وهم الذين ينصرون المؤمنين، وهم الذين لديهم كذا لا، ليس في هذه القصة، قصة أنهم عبيد لله حق العبيد، ثم الله سبحانه وتعالى هو الذي يفعل تلك الأفعال.

ثم انتقل إلى قصة يونس عليه السلام: وَذَا النُّونِ إِذ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ. فنادى مرة أخرى، مرة أخرى نادى نوح نادى وأيوب نادى وذا النون نادى، فنادى في الظلمات، في مشهد من اعظم مشاهد العبودية، فنادى في

الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. لا إله العبارة التي سجلها الله سبحانه وتعالى لنا والتي أطلقت من جوف الحوت من الظلمات، لذلك الله سبحانه وتعالى استجاب له قال: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ.

وكذلك ننجي المؤمنين. وبعد ذلك قال الله سبحانه وتعالى: وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ، مرة أخرى، وزكريا إذ نادى، لاحظوا كيف الله يذكر أنبياءه ورسله كيف كل واحد يأتي بحاجته ويلقيها لدى الله سبحانه وتعالى: رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ، فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه، كل هذا من الله سبحانه وتعالى.

ثم ذكر الله سبحانه وتعالى لماذا تولاهم؟ لماذا تولاهم؟ لماذا استجاب دعاءهم؟ لماذا وهبهم وأصلح وأصلحهم وأدخلهم في رحمتهم ليش؟ لأنهم كانوا عبيداً حق العبيد، نعم العبيد، قال: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا. الدعاء هو الدعاء هو متمحفظ فيه معنى العبادة، الدعاء هو العبادة، فالدعاء والنداء، وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ.

كانوا لنا خاشعين، وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ، إلى أن قال في ختام مشهد الأنبياء قصص الأنبياء: إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ.

وأنا ربكم فاعبدون، هذه هي الخلاصة، أن الله سبحانه وتعالى هو الرب الذي يملك كل أحد ويلتجئ إليه كل، فاعبدوه واسمعوا وأطيعوا وتذللوا، لأنه هو الرب سبحانه وتعالى.

ثم بعد ذلك في ختام السورة، في آخر الصفحة، أذكر الله سبحانه وتعالى أيضاً كما تولى الله سبحانه وتعالى أنبياءه وكما نجاهم وكما نصرهم لأنهم كانوا عابدين، وكما أهلك أعداءهم لأنهم خرجوا عن عبوديته، قال: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ.

فهذا أيضاً وعد من الله سبحانه وتعالى لكل أحد أن هذه الأرض يرثها، يرثها من يرثها؟ العباد، العباد الصالحون، العباد الصالحون هم الذين يرثون الأرض، فعطاءات الله إنما هي لعباده، عطاءات الله الدينية، عطاءات الله الخاصة إنما هي للعباد الصالحين، إنما هي للعباد الصالحين.

فكما أنه نجى رسله وأورثهم، كما قال الله سبحانه وتعالى في سورة إبراهيم: فَلَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ۚ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ. فعطاءات الله سبحانه وتعالى الخاصة إنما تكون للعابدين.

ثم قال: إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَاغًا لَّقَوْمٍ عَابِدِينَ. لاحظوا لفظ العبادة تكرر في سورة الأنبياء بشكل عجيب، تكرر بشكل مكثف لفظ العبادة وأبراز معنى العبودية. إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَاغًا لَّقَوْمٍ عَابِدِينَ، هذا القرآن، هذا القرآن الذي أنزله الله سبحانه وتعالى هو إنما ينتفع به العابدون، وإنما يتبلغ به العابدون، وإنما يكتفي به العابدون الصالحون.

إلى أن قال: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ. ثم قال: قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُم مُسْلِمُونَ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدري أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ.

لاحظوا إلى خواتيم السورة، والنبي صلى الله عليه وسلم هو مجرد عبد لله لا يدري، لا يدري هل يعني هل الساعة قريبة أم بعيدة، وأن هل هلاك كل الكفار قريب أم بعيد، وَإِنْ أَدري أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ، إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ. الأمر عند الله، لله الأمر جميعاً، ليس بيدي وليس بيد أحد من الخلق.

ثم قال مرة أخرى: وَإِنْ أَدري لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ، هذا الإمهال من الله سبحانه وتعالى، ما أدري أنا مجرد رسول، فبدأ الأمر ببشرية النبي صلى الله عليه وسلم وانتهى أيضاً بإبراز جوانب بشرية النبي صلى الله عليه وسلم، البشر علمه ناقص ولو كان نبياً، الله هو الذي يعلم، قال: رَبِّ احْكُم بالْحَقِّ. الأمر عند الله، قال: رَبِّ احْكُم بالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَٰنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ.

كما قال السعدي رحمه الله: وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون، قال: أي نسأل ربنا الرحمن ونستعين به على ما تصفون من قولكم سنظهر عليكم وسيضمحل دينكم. فنحن في هذا لا نعجب بأنفسنا، لا نعجب بأنفسنا، ولا نتكل على حولنا وقوتنا، هنا هنا إبراز معنى العبودية والتوكل على الله، التبرؤ من الحول والقوة، وأننا نستعين بالرحمن الذي ناصية كل مخلوق، ناصية كل مخلوق بيده، ونرجو أن يتم ما استأناه به من رحمته، وقد فعل ولله الحمد، وقد فعل ولله الحمد.

فهذه السورة، خلاصة هذه السورة سبحان الله تبرز معنى أن الأنبياء وإن كانوا أنبياء وهم أشرف الخلق وهم أحب الخلق إلى الله سبحانه وتعالى من البشر، إلا أن ما ميزهم ليس بطولاتهم الدنيوية، وليس مجيئهم وذهابهم وسلطانهم واتباعهم ونحو ذلك، أو وليس مجرد ليس كذلك كما في المعايير الغربية اليوم أن لديهم مثلا كما يبرزون الأبطال بأشكال معينة ولا بهيئة معينة ولا بأموال ولا بعتاد، ما يُميز أشرف الخلق أنهم عبيد لله سبحانه وتعالى، وبذلك يمتدح الله سبحانه وتعالى هؤلاء الخلق فيقول، فيقول عنهم: نعم العبد، نعم العبد المتضرع، نعم العبد الداعي، نعم العبد المفتقر، نعم العبد المسارع للخيرات، نعم العبد الصالح الصابر، هذا العبد هو الذي له العطاءات الخاصة، هو الذي ينجيه الله، هو الذي ينصره الله، هو الذي يعينه الله، هو الذي يورثه الله سبحانه وتعالى هذه الارض.

فهذا هذه هذه خلاصة من أهم خلاصات هذه السورة، وإبراز جوانب مهم من جوانب الأنبياء وهو ضعفهم وافتقارهم لله سبحانه وتعالى، والذي يجعل الإنسان بعد ذلك يعلم حقيقة أن يلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى، وأن يعلم ضعفه وأن يبرز ضعفه لله سبحانه وتعالى.

نكتفي بهذا القدر، سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.