تسجيل الدخول

الاستهداء بالقرآن | (عبس وتولى) | المجلس التاسع

عبد الرحمن أبو غيث
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. حياكم الله وبياكم، أهلاً بكم أهل البرامج العلمية في هذا اللقاء التاسع من لقاءات الاستهداء بالقرآن. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا اللقاء خيراً لنا، وأن يبارك لنا فيه، وأن يرحمنا بالاستماع إلى هدايات القرآن، فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون. وهذه المجالس مما نتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بها، ونرجو من الله سبحانه وتعالى أن يزيدنا بها هدى وبصيرة بالهدايات، ورحمة وبركة بمثل هذا الجلوس بين يدي مجالس الذكر.

اليوم بإذن الله سنتناول آيات من سورة عبس، هذه السورة العظيمة التي فيها من الفوائد والعبر الشيء الكثير. وكل ما سنتناوله هو يتعلق فقط بمطلع هذه السورة، وما يتعلق بالسبب الذي سميت لأجله هذه السورة، والموقف الذي حصل مع النبي صلى الله عليه وسلم فاستوجب نزول هذا الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذا حقيقةً، مثل هذه السور ومثل هذه الآيات تعيدنا وكأننا جالسون في ذلك الوقت، كأننا بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم والوحي يتنزل عليه من السماء. هذه الآيات تجدد لنا هذه المواقف وكأننا نرى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتعامل... ومن فضل النبي صلى الله عليه وسلم أن ذكره قد سجل في هذا القرآن الذي يبقى يتلى إلى يوم القيامة.

فهذا من المواقف العظيمة، والتي حقيقةً يعني فيها من الفوائد الشيء الكثير، لا سيما في السياقات التربوية والدعوية؛ لأن هذا كان موقف من مواقف الدعوة للنبي صلى الله عليه وسلم.

وقبل أن ندخل إلى الموقف، نقرا هذه الآيات كما قال الله سبحانه وتعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ، أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَىٰ، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ، أَمَّا منِ اسْتَغْنَىٰ، فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ، وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَىٰ، وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَىٰ، وَهُوَ يَخْشَىٰ، فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ، كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ، فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ، فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ، مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرَامٍ بَرَرَةٍ.

طيب، ناخذ قصة هذه الآيات، وقصة هذه الآيات قد وردت في الأحاديث ووردت بأكثر من لفظ. أسوق منها هذا اللفظ الذي ورد في موطأ مالك، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه أنه قال: أنزلت عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ في عبد الله بن أم مكتوم. وكما تعلمون عبد الله بن أم مكتوم كان أعمى. قال: جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول: يا محمد، استدنيني. وعند النبي صلى الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عنه ويقبل على الآخر، ويقول: يا أبا فلان، هل ترى بما أقول بأسًا؟ فيقول: لا، والدماء، ما أرى بما تقول بأسًا. فأنزلت: عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ.

فهذا موقف يحكي قصة تحكي موقفا للنبي صلى الله عليه وسلم، في يوم لعله بالنسبة لحجم الحدث بالنسبة في أعين الآخرين كان موقفا عاديا، يعني كان موقفا عاديا عند الناس. لكنه عند الله سبحانه وتعالى كان حدثا أنزل من أجله القرآن، وهذا يجعلنا نعتني بهذا الموقف. الموقف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عنده رجل، كما قال رجل من عظماء المشركين، عن عروة بن الزبير قال رجل من عظماء المشركين.

فهذا يعني مشهد من مشاهد وقوف النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته في ذلك الوقت في مكة؛ كان يدعو الناس كلهم، وكان يعني يجلس أيضا مع عظماء المشركين فيدعوهم إلى الإسلام، ثم جاءه هذا الاعمى وهو عبد الله بن أم مكتوم. فالنبي صلى الله عليه وسلم، حتى وردت في بعض الروايات أن هذا الأعمى لعله كان يقاطع النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر بعض العلماء، فكان يقول له: علمني، ارشدني، استدنيني، ونحو ذلك، بينما كان النبي صلى الله عليه وسلم مع ذلك الرجل. فالنبي صلى الله عليه وسلم يعني كان منصرفا إلى ذلك الرجل ومتوجها إليه، وانزعج من موقف هذا الأعمى، فعبس وتولى. هذا كان الموقف، موقف بسيط، موقف صغير، لكنه عند الله سبحانه وتعالى ليس بكذلك، وعند الله سبحانه وتعالى موقف يتعلم فيه وفيه من العبرة ما فيه.

ولذلك قال الله سبحانه وتعالى في نهايه القصة، ماذا قال؟ كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ، أي أن هذه الآيات التي نزلت، وهذا الموقف الذي حصل، وهذا التعليق الرباني الذي بين الله سبحانه وتعالى فيه لرسوله صلى الله عليه وسلم ما بين هذا، تذكره من الله سبحانه وتعالى، هذا في هذا موعظة من الله، هذا فيه نفع من الله سبحانه وتعالى. وكثيرا ما يقول الله سبحانه وتعالى أحيانا في خواتيم السور أو بعض المشاهد يقول: إن هذا تذكره، هذا تذكره، وهذا أنه تذكره. كما قال الطبري رحمه الله قال: إن هذه العظه وهذه السورة تذكره، يقول: عظة وعبرة. يعني هذه الآيات عظة وعبرة لمن يعتبر. وقال السعدي رحمه الله قال: حقا إن هذه الموعظة تذكره من الله يذكر بها عباده، ويبين لهم في كتابه ما يحتاجون إليه، ويبين الرشد من الغي. لذلك هذا كان موقف من مواقف البيان من الله سبحانه وتعالى، بين فيه أشياء ما كانت معلومة قبل ذلك، وهذا من بركة النبي صلى الله عليه وسلم.

أولاً: كما قلنا، أن هذا تذكره، فهذا يعني مجرد أن نعلم أن الله أكد أن هذه تذكره يجعلنا نولي الآيات عناية أكبر مما كنا عليه.

النقطة الثانية: أن الله سبحانه وتعالى كان يعلم نبيه صلى الله عليه وسلم بالوحي، كان الله سبحانه وتعالى يعلم نبيه بالوحي، كان يربي ويهذب محمدا صلى الله عليه وسلم بالوحي، فكثيرا ما يقومه، وكثيرا ما يعلمه، وكثيرا ما يرشده، وكثيرا ما يصبره. فهذا الوحي، هذا الوحي ما كان فقط بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم، ما كان مجرد شيء يبلغه للآخرين، بل كان يتصبر به، كان يتثبت به، كان يتقوم به: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ. انت يا محمد، هذا الوحي هو لك كما هو لغيرك، هو للنبي صلى الله عليه وسلم. وهذا يجعلنا ننظر، لا سيما من يقتدي بالرسل، ننظر للوحي نظرة أخرى مختلفة تماما، أنه يعرض نفسه على هذا الكتاب فيتربى به، ويتعظ بمواعظه، ويتعلم من علومه، ويستبصر ببصائره، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل. النبي صلى الله عليه وسلم تربى على القرآن، رباه الله سبحانه وتعالى بالوحي، فكان الوحي ينزل مرة بعد مرة بعد المواقف فيعلق عليها، ويخاطب، ويقوم، ويهذب، ويربي، ويصحح.

وهذا يعني يجعل أثر القرآن على النفس أثرا مختلفا، إذ ينزل على تلك المواقف فيهذب النفس على ضوءها. وهذا يحتاج من الدعاة ومن المقتدين بالنبي صلى الله عليه وسلم أن ينزلوا تلك الآيات القرآنية وتلك المواقف على أنفسهم فيتهذبون بها ويتربون عليها.

فكان الله سبحانه وتعالى يربي نبيه، ويعلمه بالوحي بهذا الوحي. الأمر الثاني: أن تلك التربية وتلك وذلك التعليم كانت تحفه العناية الإلهية وكان يحفه اللطف، كان يحفه اللطف من الله سبحانه وتعالى. فكثيرا ما يأتي الأسلوب القراني يراعي قلب النبي صلى الله عليه وسلم، ويراعي نفس النبي صلى الله عليه وسلم، ويخاطب النبي صلى الله عليه وسلم، ويهذبه تهذيبا فيه عناية، ويعلق على الأحداث تعليقات فيها قرب من الله سبحانه وتعالى، كما قال الله سبحانه وتعالى في بعض الآيات: قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا. الله سبحانه وتعالى يعتني بنبيه وبحركاته وبهمساته وبنظراته، فينزل الوحي بمقتضاها مخاطبا النبي صلى الله عليه وسلم. لذلك في هذه الآيات، هذه آيات عتاب، كتاب عبس وتولى أن جاءه الأعمى، ومع ذلك انظروا إلى الأسلوب القراني، كما قال ابن...

ابن كثير رحمه الله قال: ولما كان صدور ذلك من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، لم يشأ أن يفاتحه بما يتبادر منه أنه المقصود بالكلام، فوجهه إليه على أسلوب الغيبة، ليكون أول ما يقرع سمعه باعثا على أن يترقب المعني من ضمير الغائب، فلا يفاجئه العتاب.

يقول، ما قلت: ما قال الله سبحانه وتعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ، فجاءها بضمير الغيبة هذا تلطفا. قال: وهذا تلطف من الله برسوله ليقع العتاب مدرجا، وذلك أهون وقعا، ونظير هذا قوله: عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ، هذا كلام ابن كثير أو ابن عاشور لست متأكدا، إذا ما يعني ما تحققت من هذا الأمر.

الثامر الثاني، يعني الأول طبعا أشار له العديد من العلماء، فكرة الأسلوب القراني في العتاب. الثاني هو دلالة هذه الآيات، دلالة هذه الآيات على ربانية مصدر القرآن، ربانية مصدر القرآن، هذا القرآن هذه الآيات تدل على أن هذا القرآن من الله سبحانه وتعالى، وهذه المعلومة نعم نعم نعلم أن القرآن من الله، لكن هذه تزيدنا يقينا، تزيدنا يقينا بالنظر في هذا الأمر، وحتى تزيدنا حجة عندما نخاطب غير المسلم، ومن كان عنده بعض الشبهات أو بعض الشكوك ونحو ذلك.

فآيات العتاب وما تدل، تدل على أن القرآن من الله سبحانه وتعالى، وأنه لو كانت من عند النبي صلى الله عليه وسلم لما كان لما كان تحدث بمثل هذا الكلام أنه يعاتب نفسه ويصبح هذا الكلام قرآنا يتلى إلى يوم القيامة، ويتلوه أصحابه ويسمعه ويسمعون هذا الكلام، هذا هذا يدل على أن هناك ربا يربي عبده ويعاتبه، فهذا يدل على ربانية مصدر القرآن.

وككما قال، هناك نص جميل في كتاب النبأ العظيم لمحمد دراز تحت عنوان: كان يقول دلالة آيات العتاب على مصدرية القرآن، فكان يتناول هذا المعنى للرد لمن يقول إن القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء بعدة دلائل من ضمنها آيات العتاب، آيات العتاب وكيف أنها تدل على مصدرية القرآن، مصدرية القرآن من عند الله سبحانه وتعالى.

فيقول: كان يجيء القول فيها على غير ما يحبه ويهواه. يقول: كان هناك مواضع يجيء القول فيها على غير ما يحبه ويهواه، فيخطئه في الرأي يراه، ويأذن له في الشيء لا يميل إليه، فإذا تلبث فيه يسيرا، تلقاه القرآن بالتعنيف الشديد والعتاب القاسي والنقد المر، حتى في أقل الأشياء خطرا: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ، في سورة التحريم، وقال: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ.

وقال: عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ۚ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ، وقال: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ، وقال سبحانه: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٭ لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ.

وقال أيضا في هذه الآيات: أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ ٭ فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ ٭ وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ ٭ وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ ٭ وَهُوَ يَخْشَىٰ ٭ فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ وما بعدها.

يقول دراز: أرأيت لو كانت هذه التقريعات المؤلمة صادرة عن وجدانه، أي عن النبي صلى الله عليه وسلم، معبرة عن ندمه ووخز ضميره حين بدا له خلاف ما فرط من رأيه، أكان يعلنها عن نفسه بهذا التهويل والتشنيع، ألم يكن له في السكوت عنها ستر على نفسه واستبقاء لحرمة آرائه؟ بلى، إن هذا القرآن لو كان يفيض عن وجدانه، لكان يستطيع عند الحاجة أن يكتم شيئا من ذلك الوجدان.

وانظروا ماذا يقول: ولو كان كاتما شيئا، أشاح صلى الله عليه وسلم، ولو كان كاتما شيئا لكتم أمثال هذه الآيات، ولكنه الوحي لا يستطيع كتمانه وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ. ثم يكمل في نص بديع يقول: وانت لو نظرت في هذه الأمور التي وقع العتاب عليها، لوجدتها تنحصر في شيء واحد، وهو أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا ترجح بين أمرين ولم يجد فيهما إثما، اختار أقربهما إلى رحمة أهله، وهداية قومه، وتأليف خصمه، وأبعدهما عن الغلظة والجفاء وإثارة الشبه في دين الله. لم يكن بين يديه نص فخالفه كفاحا أو جاوزه خطأ ونسيانا، هذه مهمة.

هو أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخالف شيئا، بل كان يتعلم ويتربى، فقال: بل كل ذنبه أنه مجتهد بذل وسعه في النظر، وراى نفسه مخيرا فتخير، فهبه مجتهدا اخطا باختيار خلاف الأفضل، أليس معذورا ومأجورا؟ على أن الذي اختاره كان هو خيرا مما يختاره، خير ما يختاره ذو حكمة بشرية، وإنما نبهه القرآن إلى ما هو أرجح في ميزان الحكمة الإلهية، هل ترى في ذلك ذنبا يستوجب عند العقل هذا التأنيب والتثريب؟

الآن يعود إلى إلى القضية عن المركزية، قال في ختام هذا المقطع: أم هو مقام الربوبية ومقام العبودية وسنة العروج بالحبيب في معارج التعليم والتأديب؟ وهذا نص بديع محمد دراز رحمه الله في كيف أن هذا القرآن من عند الله سبحانه وتعالى، المصدر من الله سبحانه وتعالى. فهذه النقطة الأولى: ربانية المصدر.

النقطة الثانية مما يؤخذ من هذه الآيات هي ربانية الدعوة، ربانية الدعوة هذا مقطع عجيب إذ يدل يدل على أن هذه الدعوة، وأن الشريعة حقا تتشوف لتزكية النفوس، وأنه ليس الغاية أنه يتزكى فقط، يعني أن أنه يدخل في الدين عظماء الناس. لو كانت دعوة بشرية كباقي الدعوات البشرية، فإنها تعتني بالسادات وتعتني بالرجال الكبار وتعتني بالمناصب وتعتني بالمقدرات والمكتسبات ونحو ذلك، أما دعوة الله سبحانه وتعالى، الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى هي غايتها تزكيه النفوس حقا، وأن من كان مستعدا لتلك الغاية فهو الأحوق بالدعوة، وليست الدعوة غايتها زيادة المكتسبات، وليست الدعوة غايتها دخول الكبار الشخصيات، هذا في الدعوات البشرية.

أما هذه الآيات تدل على أنه حتى لو كان هناك رجل، لو كان هناك يعني لو كان رجلا أعمى، لكان هو الأحق، لماذا؟ لأنه أقرب إلى في هذه الحالة إلى تحقيق غاية هذه الدعوة وهي تزكية النفوس. فالشريعة حقا تتشوف إلى تزكية النفوس، ولا تتشوف ولا تقدم بين يدي ذلك أي شيء، ولو كان ولو كان زيادة مقدرات ولو صبت بعد ذلك في مصلحة الدعوة، فهذا هذه الفائدة الثانية.

الفائدة الثالثة وهي متعلقة أيضا بالربانية، وهي تدل على ربانية الطريق والأولويات، أن يعني أن الداعي إلى الله سبحانه وتعالى، كما أنه يسير ليزكي النفوس، فهو كذلك يسير في الطريق الذي يرتضيه يرتضيه الله سبحانه وتعالى منه، ويتعبد الله سبحانه وتعالى بهذا الطريق، ويتعبد الله سبحانه وتعالى بالأولويات كما يريدها الله سبحانه وتعالى، بالتقديم والتأخير كما يريده الله سبحانه وتعالى، كله من أجل الله سبحانه وتعالى.

فلا يجوز للإنسان أن يتجاوز شيئا أو يتاول شيئا، ويقدم ويؤخر بدعوة أني أريد تحقيق مصلحة تزكية النفوس، يعني على سبيل المثال، لا أقول لكم مثالا وهذا ليس متعلقا بموقف النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لو جاء شخص وقال: هذا السيد الذي أنا أدعوه هو من عظماء قريش، وهذا لو أنا بذلت معه جهدا إضافيا لأسلم، ثم بعد ذلك أسلم كل من وراءه، ولحققنا يعني غاية تزكية النفوس التي هي هي المطلوبة الغاية هي تزكية النفوس، فهنا يعلمون الله سبحانه وتعالى أنه نعم ندعو هذا وندعو هذا، وفي هذا خير وفي هذا خير، لكن عند تعارض عند تعارض الأمور وعند عدم امكانية الجمع بينها في التقديم والتأخير، فإننا نقدم من هو أقرب إلى تحقيق هذه الغاية ولو كان على حساب ما تظنه هو المصلحة.

فأنت تسير وتتعبد الله سبحانه وتعالى بهذا البلاغ: إِنَّ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغَ، إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ٭ فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ. النبي صلى الله عليه وسلم عليه أن أن يبلغ والدعاة إلى الله سبحانه وتعالى عليهم أن يبلغوا، وعليهم أن يبلغوا هذه الرسالة لكل الناس، وأن يقدموا من يقدمه الله سبحانه وتعالى.

ويؤخر من يؤخره الله سبحانه وتعالى، لا يغير شيئا. وهذا كما ذكرت ليس متعلقا بشأن النبي صلى الله عليه وسلم، النبي صلى الله عليه وسلم كل ما فعله أنه قدم أحدا وأخر أحد باجتهاده صلى الله عليه وسلم.

فكيف بمن يميع الدين ويقضم شيئا من أطراف هذا الدين كي يقول كي يحقق غاية تزكية النفوس؟ كيف من يفعل اليوم مثل هذا؟ من يميع الدين ويعني يتجاوز بعض محكماته كي يلينه أمام الناس وأمام الغرب وأمام من يريد أن يسلم ونحو ذلك؟

لا، هذا ليس مطلوبا منك. نعم الغاية تزكية النفوس، لكنك لا تقفز على الطريق والأولويات كما يحبها الله سبحانه وتعالى، فنحن نتعبد الله سبحانه وتعالى بهذا الطريق، ونتعبد الله سبحانه وتعالى بهذا البلاغ، والله سبحانه وتعالى هو الذي يزكي.

وما يدريك لعله يزكى، الأمر عند الله سبحانه وتعالى؛ وما يدريك لعله يزكى، وعند الآخر قال: وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَىٰ. ليس ذنبك الله طالما حاولت معه ودعوته، فبعد ذلك ليس لن يكون ذنبا عليك أنك لا تتزى.

النقطة التالية، أو تعليقا على هذه النقطة: يقول الإامم السعدي رحمه الله، قال: وهذه فائدة كبيرة هي المقصودة من بعثة الرسل. هذا تعليق عام على النقاط السابقة. قال: هي المقصودة من بعثة الرسل وبعض الوعاظ وتذكير المذكرين، فإقبالك على من جاء بنفسه مفتقرا لذلك منك هو الأليق الواجب.

وأما تصديك وتعرضك للغني المستغني الذي لا يسأل ولا يستفتي لعدم رغبته في الخير مع تركك من هو أهم منه فإنه لا ينبغي لك، فإنه ليس عليك ألا يزكى، فلو لم يتزكى فلست بمحاسب على ما عمله من الشر. فدل هذا -يقول السعدي- فدل هذا على القاعدة المشهورة أنه لا يترك أمر معلوم لأمر موهوم، ولا مصلحة متحققة لمصلحة متوهمه، وأنه ينبغي الإقبال على طالب العلم المفتقر إليه الحريص عليه ازيد من غيره.

طيب، الفائدة التالية: أن هذه الآيات تعلمنا ما هي أدوار الداعي إلى الله سبحانه وتعالى المقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم. فالأدوار هنا تدل على أن هناك دوران: هدايه الكافرين، والدور الثاني استصلاح المؤمنين.

الدور الثاني استصلاح المؤمنين، كلاهما يجب أن يعتني به من يكون مصلحا داعيا إلى الله سبحانه وتعالى، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو هذا وكان يزكي هذا، وكان يعتني بدعوة الكفار وإيصال الرسالة لهم، وكان كذلك يربي اصحابه صلى الله عليه وسلم ويعتني بهم ويخصص لهم من وقته، فلا يهمل شيء مقابل شيء آخر.

وحتى لو انشغل الإنسان باحدهما فيعلم أن الدين يشمل الاثنين ويتكامل مع الآخرين كي أن الأمة بمجموعها تحقق هذان الهدفان: هداية الكافرين ودعوة الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى لإدخال الناس من الشرك إلى الإسلام، وكذلك استصلاح المؤمنين وتزكيتهم وتذكيرهم وبعضهم.

بل إنه كما تعلمنا الآيات قد يقدم الأمر الثاني وهو استصلاح المؤمنين على الكافرين، إذا كانت إذا أحيطت بعض الظروف التي تدل على أنهم أكثر استعدادا للتزكية وللقرب من الله سبحانه وتعالى. هذا حتى لا يزهّد الناس بالامر الثاني وهو استصلاح المؤمنين والظن أنه بمجرد دخل الإسلام يترك ونذهب إلى التالي، بل إنه يجب العناية بالإنسان المؤمن وتزكيته لا سيما إذا كان مقبلا وإذا كان يخشى الله سبحانه وتعالى، وأما من جاءك يسعى وهو يخشى.

النقطة التالية، أو قبلها ابن عاشور يقول: وقد حصل في هذا إشعار من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن الاهتداء صنوف عديدة وله مراتب سامية، وليس الاهتداء مقتصرا على حصول الإيمان، مراتب وميادين لسبق همم النفوس لا يغفل عن تعهدها بالتثبيت والرعي والاطمار، وذلك التعهد أعانة على تحصيل زيادة الإيمان. وهو يقول إن الاهتداء إذا أنت كنت تدعو الناس وتهديهم إلى الصراط الحق فالاهتداء مراتب وهناك نوع منه هو التعهد والتثبيت والرعي والاطمار مما يزيد الإيمان.

طيب، الفائدة التالية وهي إذا اخذنا الشق الثاني وهم المؤمنون: فإن الآيات تدل على أن من غايات تربية المؤمنين أمران، ومن غايات ما يعتنى به من الأمور التي يعتنى بها في استصلاح المؤمنين والعناية بهم وتربيتهم وتهذيبهم أمران.

الأمر الأول: تزكيتهم وإصلاحهم وتعليمهم وتقريبهم إلى الله سبحانه وتعالى تزكية نفوسهم، هذا الأمر الأول. الأمر الثاني: موعظتهم وتذكيرهم. يعني الأمر الأول فيه ناحية تطهير النفس وفيه تعليمها الحق من الباطل وأخراجها من السوء إلى الخير، ثم بعد ذلك التذكرة دوام التذكرة والموعظة.

يعني هذان أمران يعتنى بهما في تربية المؤمنين: لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ. وهنا ممكن الإشارة إلى قضية أنه في تربية المؤمنين الأمر الموعظة أمر مهم، فكرة يتذكر هذه فيها فكرة الموعظة وانه لا يكفي فقط بيان الحق من الباطل، ومثلا بيان الأمور وهدايه الناس الهداية الأولى، وإنما يجب العناية بالتذكرة والموعظة الموعظة والتذكرة من أهم ما يجب العناية به في استصلاح المؤمنين.

وكذلك كان شأن النبي صلى الله عليه وسلم لو قرأتم الأحاديث النبوية في شأن النبي صلى الله عليه وسلم مع الصحابه، ما الذي كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم في المجالس مع الصحابة؟ إذا قرأت الأحاديث تجد أن وقتا كبيرا من وقت جلوس النبي وحديث النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه إنما كان تذكرة ومواعظ، يعظهم ويذكرهم.

وقد لفص حنظله رضي الله عنه مجالسه مع النبي صلى الله عليه وسلم في هذا فقال: يا رسول الله، نكون عندك قال فتذكرنا الجنة والنار حتى كأن رأي عين، هو لخص مجالس النبي صلى الله عليه وسلم في هذا قال نكون عندك فتذكرنا الجنة والنار حتى كأن رأي عين.

فأمر التذكرة للأولاد للعائلة للطلاب لمن حولنا، أمر التذكرة والموعظة والتذكير بالجنة والنار والعذاب والعقاب التذكير المستمر حتى لو ما كانت معلومات معلومات جديدة، مجرد هذا التذكير هذا من أهم ما يكون اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، من أهم ما يكون اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولا يهمل.

أنا لماذا أقول هذا الكلام؟ أقول هذا الكلام لأنه ظهرت أصوات مؤخرا تزهد من أمر الوعد وتعتني بامر العلم من جهة المعلومات الجديدة من جهة المعلومات الجديدة من جهة الانتقال من أمر إلى أمر وأنه إذا طالما هذه معلومة مرت عليك فتجاوزها. لا، التذكرة والموعظة أمر من أساس صميم هذا الدين.

طيب، الأمر الأخير والفائدة الأخيرة هو من عموم هذا الموقف: هذا الموقف هناك فائدة وجدانية لا سيما للدعاة إلى الله سبحانه وتعالى، وهي استحضار قرب الله الخاص ممن يدعو إليه.

يعني هذا الموقف، ما حقيقة هذا الموقف؟ ما هو أن النبي صلى الله عليه وسلم عبس في وجه رجل أعمى، يعني عبس في وجه رجل أعمى لا يراه حتى يعني لا يرى هذا العبوس، كان ولعل هذا العبوس ربما ربما أقول ربما حتى لم يلحظه من كان حوله، أمر صغير تغير بسيط في ملامح الوجه والشخص المقابل لم يرى ذلك، لكن الله سبحانه وتعالى راى ذلك.

الله سبحانه وتعالى كان قريبا وكان شاهدا لموقف النبي صلى الله عليه وسلم أثناء دعوته وأثناء تصرفه وأثناء تقديمه وتأخيره وأثناء عنايته وأثناء تصرفه وحركات وجهه حتى كانت مسجلة عند الله سبحانه وتعالى بل أنزل من أجلها قرآنا.

وهذا يجعل الإنسان الذي يدعو إلى الله سبحانه وتعالى يجعله يراقب الله سبحانه وتعالى غير المراقبة العامة، مراقبة خاصة في أنك الآن أنت تدعو إلى الله سبحانه وتعالى أنت على عين من الله سبحانه وتعالى.

الله سبحانه وتعالى يرى حركاتك ويرى حتى ملامحك ويرى خطرات قلبك، فأنت تتعبد الله سبحانه وتعالى وهذا ينعكس عليك في أمر ين: الأمر الأول أنك تخاف المخالفة حتى في أصغر الأشياء بل لا أقول المخالفة حتى القيام بعدم الأولى يعني عدم القيام للأولى يجعلك.

تتذكر الله سبحانه وتعالى وأنك على عينه، وأنه يرى منك هذا الأمر. والامر الثاني يجعلك تسارع، تسارع في الخيرات ولو صغرت في طريق الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى؛ فالابتسامة في وجه هذا، وقول المعروف لهذا، والظن الحسن بهذا، والعفو عن هذا، كل هذا عندما يكون في سبيل الله سبحانه وتعالى وفي سبيل الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى ومراقبة الله سبحانه وتعالى، هنا يستحضر الإنسان أن هناك قرباً واطلاعاً وعلماً خاصاً من الله سبحانه وتعالى بأوليائه وعناية بهم، ليكونوا على أكمل حال، فلا يحب أن يراه الله سبحانه وتعالى وقد يعني خالف أمره، أو قد فعل كذا، أو قد تفوه بكذا وكذا، أو ظن سوءاً بفلان، أو كل هذا مما يخاف الإنسان أن يفعله في هذا الطريق، فيتعبد الله بأدق التفاصيل.

هذه الصورة تعلممنا أن نعتني في طريق الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، طبعا فضلا عن سائر سائر المساحات الأخرى، لكن لاسيما في طريق الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى؛ أنت الآن تبلغ رسالة الله، أنت تبلغ رسالة رسالة الله سبحانه وتعالى، أنت تدعو الناس إلى الله سبحانه وتعالى؛ فتحرى أن تضع قدمك في أحب موطن لله سبحانه وتعالى.

وتستحضر الآيات القرآنية الكثيرة التي جاءت تحدث النبي صلى الله عليه وسلم وتخاطبه باطلاع الله سبحانه وتعالى عليه: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ، وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ، وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ. الله سبحانه وتعالى يلاحظ هذه الأشياء، الله سبحانه وتعالى يسجل هذه الأشياء، الله سبحانه وتعالى يعلم نبيه صلى الله عليه وسلم أنه على عين منه في كل حال.

وكذلك أولياء الله سبحانه وتعالى فهم يراهم ويعلم بهم وهو قريب منهم قرباً فيه عناية، قرباً خاصاً فيه عناية، سبحانه وتعالى الذي لا تخفى عليه خافية، هو يعلم خواطر القلب وما تخفيه النفوس، وَيَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، سبحانه سبحانه وتعالى.

طيب، هذه بعض الفوائد التي نأخذها من هذا المقطع القصير، وسبحان الله ما أعظم كتاب الله الذي كله فوائد وكله خيرات وكله بركات، وحقاً أنه كتاب كريم؛ أي كثير الخير وكثير البركة، كتاب كريم وكتاب مبارك، سبحان الله وتعالى: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ. وبذلك نكون قد ختمنا هذا المجلس.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا ويرحمنا ويعفو عنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يفرج عن المسلمين في غزة وفي كل مكان، وأن ينصر المجاهدين في كل مكان ويثبت أقدامهم وينصرهم على القوم الكافرين. جزاكم الله خيراً وشكر الله سعيكم. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.