تسجيل الدخول

الاستهداء بالقرآن | (وَإنَّهَا لَكَبِيرَة) | المجلس العاشر

عبد الرحمن أبو غيث
  • مدة الدرس:
  • قراءة

طيب، بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. حياكم الله أيها الإخوة في البرامج العلمية، أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم، ونسأل الله سبحانه وتعالى بمنه وفضله وكرمه أن يبارك لنا في هذه المجالس، وأن لا يحرمنا هذا الخير، وأن يجعل جلوسنا بين يدي كتاب الله سبحانه وتعالى والتأمل في آياته.

باباً من أبواب الرحمة، كما قال الله سبحانه وتعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، وباباً من أبواب الهداية، وبباباً من أبواب القرب من الله سبحانه وتعالى. اليوم بإذن الله سنتحدث تحت هذا العنوان: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ، سنتحدث عن الصلاة.

سنتحدث عن الصلاة بإذن الله عز وجل، وسيكون الحديث منحصراً حول آيات القرآن وما يتعلق بها؛ يعني سنرى في كتاب الله سبحانه وتعالى كيف جاءت الصلاة، وما مقامها، وما قدرها، وما شأنها في كتاب الله سبحانه وتعالى، ونتامل شيئاً من ذلك لأن ذكر الصلاة ورد كثيراً في كتاب الله سبحانه وتعالى.

والمواطن أكثر من أن تحصى في مثل هذا المجلس، لكن لا يمنع هذا من أن نلقي الضوء من نافذة من النوافذ على شيء من هذه المواضع، كي نستفيد منها ونرى عظيمة هذه الشعيرة في كتاب الله سبحانه وتعالى وقدرها عند الله سبحانه وتعالى. فنستعين بالله، ونستفتح هذا المجلس بعدة عناوين.

العنوان الأول سيكون حول قوله تعالى: الصلاة أولاً. من ملامح هذه الصلاة في كتاب الله سبحانه وتعالى أنها تأتي في المقدمة. من ملامح هذه الشعيرة أنها تأتي في المقدمة ودائماً تكون مقدمة على كثير من الأعمال. فمجرد أن تفتح كتاب الله سبحانه وتعالى، طبعا الفاتحة لها شأن مع الصلاة وسناتي على ذلك، الفاتحة نفسها لها شان وأي شأن مع الصلاة حتى أنها تدعى الصلاة كما قيل أنها من أسماء الصلاة في الحديث: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي.

ثم بعد ذلك عندما تدخل إلى سورة البقرة، تجد صفات المتقين الذين يهتدون بكتاب الله سبحانه وتعالى، ما هي صفاتهم؟ أول صفة من صفات المتقين: أنهم يؤمنون بالغيب ثم يقيمون الصلاة، يقيمون الصلاة. فانت حتى لو لم تكن تعلم قدر الصلاة مسبقاً، فتحت كتاب الله سبحانه وتعالى، يعني لنتخيل مسلماً جديداً يقرأ كتاب الله سبحانه وتعالى، ما يعرف هذه الشعائر وكم مرتبتها في الدين، مجرد أن يفتح كتاب الله سبحانه وتعالى سيعلم أن شأن الصلاة شأن مقدم، وأن أمر الصلاة أمر مقدم في كتاب الله سبحانه وتعالى.

وهذا تكرر في عدة مواطن، عندما تقرا سورة المؤمنون في أولها: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، بداية ومطلع عظيم يشد العين، ويشد النفس، وتتشوق النفس لتعرف من هم أولئك المؤمنون الذين أفلحوا، كما في الآيات السابقة لما ذكر: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ إلى آخر، قال: أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.

وهنا: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، من هم المؤمنون؟ أول صفة تاتي امامنا هي شأن أولئك المؤمنين مع الصلاة: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ. وبعدها تاتي الصفات تباعاً: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، وبعدها: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ؛ يعني صفات متعدده، لكن جاء في مقدمتها بعد الإيمان كما في سورة البقرة: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ.

هذا مطلع وهذه السمة الأساسية من سمات المؤمنين أنهم في صلاتهم خاشعون. ثم بعد ذكر كل الصفات أيضاً يختم مرة أخرى، وهذا من باب التأكيد ومن باب إبراز شأن آخر من شؤونهم مع الصلاة: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُولَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، فهنا نعلم أن الصلاة أولاً.

ولذلك لما بعث الله سبحانه وتعالى موسى، ولما كلم الله سبحانه وتعالى موسى فورة طه كما تعلمون، الموضع إلى أن قال الله سبحانه وتعالى: فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَىٰ. الآن هذه أول كلمات تطرق أذن موسى عليه السلام، أول ما يسمعه موسى عليه السلام من الله جل في علاه أنه يستمع إلى هذه الكلمات، بماذا سيوصيه أولاً؟ ماذا سيقول له أولاً؟

قال له: إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي. فبدأ بشأن الإيمان، وبشأن التوحيد، وبشأن التعريف بالله سبحانه وتعالى، وبشأن الاختيار والاصطفاء من الله سبحانه وتعالى، ثم لما جاء لأمر العبادة كانت أول العبادات التي ذكرها الله سبحانه وتعالى هي الصلاة.

وهذا عجيب؛ يعني هذا عجيب يجب أن لا يمر على الإنسان مروراً سريعاً، نحن نحفظ الآية ونكررها، لكن تخيل أنك تقرأها لأول مرة أن الله سبحانه وتعالى بنفسه يكلم موسى عليه السلام، وبنفسه يذكره بالصلاة بل يبدا بها من بين العبادات، وهذا يجعل للصلاة في النفس شأناً عجيباً، شأناً عظيماً في الدين.

وكذلك الشان بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم، لأن من أوائل ما نزل ومن أوائل ما سمعه النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي هي هذه السورة، سورة المزمل، عندما قال له الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُمْ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا.

فهذا الأمر جاء للنبي صلى الله عليه وسلم مبكراً، كذلك من أوائل ما وصل للنبي صلى الله عليه وسلم عن طريق الوحي من السماء الأمر بالصلاة، الأمر بالصلاة! كيف سيكون قدر الصلاة عند النبي صلى الله عليه وسلم وهو تلقاها أول ما يتلقاها عن ربه؟ لذلك هذا العنوان الأول: أن الصلاة أولاً. الصلاة أولاً جاءت في القرآن، أن الصلاة جاءت أولاً للانبياء.

وأننا نحن كفائدة عملية من هذا المحور، أننا نحن يجب أن نضع الصلاة في قلوبنا أولاً، وأن نضعها في أولوياتنا أولاً وفي جدولنا وفي يومنا نضعها أولاً، فتكون في أنفسنا قبل كل شيء في علاقتنا مع الله سبحانه وتعالى.

الامر الثاني الملاحظ من بعض الآيات القرآنية أنك تجد أن الصلاة هي من مقاصد الدين العظمى، من مقاصد الدين العظمى، وأنها شرعت لها بعض التشريعات من أجل أن يتوصل إليها وإلى إقامتها على الوجه الصحيح. كما قال الله سبحانه وتعالى: الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ. أول شيء، فصار التمكين في الأرض التمكين في الأرض وسيلة، وإقامة الصلاة هي الغاية وهو المقصد.

إقامة الصلاة هي، يعني إذا ما أقامت الصلاة وآتيت الزكاة وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر فما في فائدة من التمكين في الأرض، لأن هذا ليس مقصداً، ليس مقصداً لذاته وإنما هو وسيلة يتوصل بها إلى هذه المقاصد. ما هي أم المقاصد وأعظمها في هذا الباب؟ هي الصلاة، لذلك أتت أولاً: الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ.

الامر الثاني نلحظه من هذه الآية التي هذا الدعاء الذي دعا به إبراهيم عليه السلام لما قال: رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ، ثم قال: رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ.

فكأنه كانت الصلاة هنا موضوعة في سياق المقصد الذي يتوسل إلى الله سبحانه وتعالى به؛ يعني يا رب أنا غايتي ومقصدي أن أقيم الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليه، واني أسكنتهم في هذا المكان من أجل إقامة الصلاة، فمن أجل إقامة الصلاة أنا أسكنت ذريتي، ومن أجل إقامة الصلاة اجعل أفئدة من الناس تهوي إليه، ومن أجل إقامة الصلاة وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون. يعني في هذه الآية يظهر أن إقامة الصلاة هي المقصد وهي التي توسل بها إبراهيم إظهاراً لمقصده: رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ.

أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ * رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِن شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ * رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي * رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ.

فختم الأمر بشأن الدعاء، بشأن الصلاة: رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي. يعني يا رب أنا غاية ما أُريد أن أكون أنا من مقيمي الصلاة، وأن تكون ذريتي ممن يقيم الصلاة؛ فهو مقصد يُدعَى إلى الله سبحانه وتعالى ويُتَوَسَّل به إليه. يُتَوَسَّل يعني بهذا الشأن كي نصل إلى هذا الأمر، كي نصل إلى أمر الصلاة، كي نصل إلى إقامة الصلاة، وكي يصل يعني كي يحقق هذا الأمر ذريتنا من بعدنا.

وكذلك في سورة طه قال أيضاً واحدة من الأدعية التي دعاها موسى عليه السلام، قال: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي. كل هذا لماذا؟ قال: كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا.

فجعلت محل المقصد والغاية هو التسبيح والذكر، وقيل هنا، وذكره بعض العلماء، أن المقصود هنا هو في التسبيح هو الصلاة، أن المقصود هو صلاة وهذا ذكره القرطبي رحمه الله. فالصلاة فيها من التسبيح والذكر على كل حال، فإقامة الصلاة وإقامة ما فيها من التسبيح ومن الذكر هو غاية هذه الغايات، لذلك تشرع التشريعات من أجل إقامة ذكر الله سبحانه وتعالى ومن أجل الصلاة.

المحور الثالث: انك تلحظ في القرآن أن الله سبحانه وتعالى يفصل في تشريع الصلاة، ويفصل في تشريع الطهارة للصلاة، ويفصل في تشريع شأن الصلاة في الحالات المتعددة. وهذا التفصيل وهذه الآيات الطوال التي تأتي في شأن الصلاة كلها مما يشعرك بعناية الله سبحانه وتعالى بها، أن الله سبحانه وتعالى أحاطها بالتشريعات، أحاطها بالعناية، أحاطها بهذا التفصيل، أحاطها حتى بذكر مقدماتها من الطهارة والوضوء، وإذا ما كان في وضوء تيمم، وجه التيمم كذا والى المرافق، كل هذا يدلك على عناية الله سبحانه وتعالى بهذا الأمر وبهذا الشان: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.

ومثلها في سورة النساء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ إلى آخر الآية. القصد أن الله سبحانه وتعالى يفصل في هذا الأمر، وتأتي الآيات الطوال في هذا الشان، وايضا في ذكر حالة مشابهة أو آية مشابهة هي ذكر صلاة الخوف، أنه انظر كيف اعتنى الله سبحانه وتعالى بشان الصلاة، انه حتى في حاله الخوف، حتى في حالة تلقاء العدو، يذكر لنا الله سبحانه وتعالى ويفصل حتى في صفة هذه الصلاة: وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ. يعني هذا التفصيل، أنه تاتي طائفة وتتاخر وثم تاتي طائفة، يعني هذا يدل أن الله هناك عناية إلهية من الله سبحانه وتعالى بهذا الشان وباقامه هذه الصلاة، وبعدم تركها، بل بانها تقام على الوجه الذي يريد الله سبحانه وتعالى، فحتى الآية التالية: فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا. هذا بالنسبة للتفصيل في التشريع.

من الملامح الملاحظة في كتاب الله أيضاً أن الصلاة هي معقد الولاء بين المؤمنين، من أهم ما يقام عليه الولاء بين المؤمنين هو أمر الصلاة، لذلك تجد هذا الأمر بارزاً في الآيات، كما يقول الله سبحانه وتعالى في سورة المائدة: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا. طيب من هم أولياؤنا؟ من الذين آمنوا؟ أول صفة وأهم سمة تكون فيهم هي إقامة الصلاة، قال: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ. هؤلاء هم أولياؤكم، هذه الصلاة هي علامة الولاء، هي من أهم علامات الولاء بعد الإيمان: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ.

وكذلك قال الله سبحانه وتعالى في سورة التوبة: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ. من هم؟ من هم هؤلاء الذين بعضهم أولياء بعض؟ ما هي سماتهم وصفاتهم؟ قال: يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. فايضا ذكر الولاء وذكر من السمات اقامة الصلاة.

وهناك آية أيضاً واضحة في هذا الباب في سورة التوبة يقول الله سبحانه وتعالى: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ. وقبلها أيضاً في آية مشابهة: وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ. هذه الصلاة هي من أهم السمات، من أهم المعالم التي تبين من هو الذي نتولاه ومن هو الذي نعاديه، هي من أبرز مظاهر الولاء ومعاقد الولاء بين المؤمنين إقامة الصلاة، لذلك كلما كان نصيب العبد المؤمن الذي يحب الله ورسوله ويطيع الله ورسوله، كلما كان نصيبه من الصلاة ومن الإكثار منها ومن المداومة عليها كلما زاد الولاء له، وزادت حقوق الإخوة بين المؤمنين بالنسبة لمقيمي الصلاة.

الأمر الرابع أو الخامس أن الصلاة هي بوابة المقامات العالية في الدين، وهنا أسوق هذه الآيات، آيات في سورة الإسراء: أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ. بعد أن ذكر شأن الصلاة، ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الأمر خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، قال له: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا. وهنا لا ينبغي لنا أن نتجاهل سياق ذكر اعظم مقام يناله بشر على وجه الأرض على الإطلاق، أعظم مقام هو المقام المحمود الذي يقفه النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، هذا أعظم مقام، فلا ينبغي أن يهمل السياق الذي ورد فيه هذا المقام في كتاب الله، انه ورد في سياق الصلاة، أن الله سبحانه وتعالى يقول له: اقم الصلاة وتهجد بالليل عسى ان يبعثك ربك مقاما محمودا، عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً.

فمن الفوائد التي تؤخذ أن المقامات العالية تطلب بمثل الصلاة، نعم، وان كان هذا مقاماً خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم، لكن لما أتى أحد الصحابه بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال له: سلني ما شئت، قال: أسألك مرافقَتَكَ في الجنة. هذا مقام عالي، يعني الآن إذا قيل لك: ايش أعلى شيء تريده؟ فما في شيء يطرا على الذهن اعلى من هذا الشيء انك ترافق النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، هذه غاية المنى وأعلى المقامات. طيب كيف يتوصل لهذا المقام؟ قال له النبي صلى الله عليه وسلم: أو غير ذلك؟ قال الصحابي: هو ذاك. قال النبي صلى الله عليه وسلم: فأعني على نفسك بكثرة السجود. وهذا عجيب، أعلى مقام ممكن نصل له يتوصل له بهذه السجدات التي يسجدها الإنسان إذا أكثر منها، هذا حقيقة يدل على أن هذا السجود وهذه الصلاة هي مما يرفع.

الإنسان عالياً عالياً عند الله سبحانه وتعالى حتى يبلغ، حتى يبلغ أعلى المقامات.

إيه، الأمر المحور التالي: قضية الاستعانة بالصلاة، الاستعانة بالصلاة. وهذا ورد في القرآن في عدة مواضع، منها مواضع صريحة: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ، أتت في موضع في سورة البقرة، قال الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ.

طيب، الآن نحن ذكرنا أولاً أن الصلاة غاية ومقصد، ومع ذلك الصلاة هي وسيلة يتوسل بها أيضاً إلى غايات أخر وأمر يستعان به إلى مقامات في الدين، مثل ما ذكرنا في سابقاً أنه يستعان بها ويتوصل بها إلى أعلى المقامات في الدين، وكذلك يستعان بها في الدنيا في شؤون كثيرة. الصلاة من أعظم المعينات ومن أعظم الزاد للمؤمن. فبماذا يستعان؟ بماذا يستعان؟ أنا أذكر هنا بعض المواقف، بعض مظاهر هذه الاستعانه. أولاً: الاستعانة بالصلاة على التزود لطريق الدعوة، التزود لطريق الدعوة، لأن من أول ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم قيام الليل، فقال له الله سبحانه وتعالى: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، ثم بعد ذلك قال له: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا * وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا * وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا، إلى آخر الآيات.

وقال من قال من العلماء إن الأمر بالصلاة لا سيما صلاة الليل في أول البعثة النبوية، حيث كانت فرضا على المؤمنين، كان من اعظم مقاصد هذا أنها تعينهم كي يتحملوا ويصبروا على تكاليف الدعوة وعلى الأذى وعلى أن يواجهوا الناس ويبلغوا رسالة الله سبحانه وتعالى. هذا الأمر كان يحتاج إلى طاقة روحية عالية وإلى معونه من الله سبحانه وتعالى كتبها الله سبحانه وتعالى لهم من أول ما كتبها بهذه الصلاة التي كان يقومون بها، كانوا يقومون في الليالي، وهذا القيام كان يعطيهم ما يعطيهم من الزاد الذي يعينهم على الثبات وعلى التزود لهذا الطريق وعلى معرفة مراد الله سبحانه وتعالى وعلى التصبر وعلى التثبت. فهذه الصلاة كانت هي من أهم ما يتكئون عليه وأهم ما يلجؤون إليه في ظل ما يتعرضون له من الشدائد.

وكذلك الذي يسير اليوم في طريق الدعوة وفي طريق بلاغ رسالة الله سبحانه وتعالى وفي طريق أداء التكاليف الشرعية، هو يحتاج إلى زاد، وهذه الصلاة هي من أهم ما يستعان به كذلك: واستعينوا بالصبر والصلاه، استعينوا بالصبر والصلاه. فإذا كان لا يتوصل لمعالي الأمور إلا بالصبر، فكذلك لا يتوصل لما يحب الله ويرضى إلا بالصلاة.

كذلك، الأمر الثاني: يستعان بالصلاة على تزكية النفس وتهذيبها، تزكية النفس وتهذيبها. لذلك يقول الله سبحانه وتعالى في وصف الانسان وشان الانسان وخلق الانسان وما جبل عليه، قال: إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا، هذه كلها صفات ذم وليست صفات مدح. هذا الجزع الذي يصيب الانسان عندما تنزل به الكربات والامراض، وهذا التمنع والاستكبار والاستغناء الذي يصيبه عندما ينزل به الخير والمال وتفتح عليه الدنيا، هذه اشياء موجودة في داخل النفس.

لذلك يقول الله سبحانه وتعالى يستثني أناساً من أولئك المتصفين بتلك الصفات، قال: إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ. ثم ذكر العديد من صفاتهم وختم كذلك أيضا بالصلاة. فالاستثناء أولاً بالمصلين، استثناء يدل على أن هذه الصلاة هي التي تبث نفوسهم، وهي التي تزكي نفوسهم، وهي التي منعتهم باذن الله عز وجل أن يكونوا هلوعين جزوعين منوعين. هذه هي الصلاة يستعان بها على تزكية النفس والتخلص من أمراض القلب والتخلص من الحرص على الدنيا والبخل والجبن والهلع والمنعة والاستغناء ونحو ذلك. هذه التزكية الحقيقية وهذا التهذيب الحقيقي للنفس هي بالمحافظة على الصلاة. وأعظم ما يزكي النفس هو الصلاة وما فيها من ذكر الله عز وجل، هذا اعظم ما يزكي النفس. فهذا الامر الثاني: بماذا يستعان على الصلاة؟

كذلك يستعان بها على الكف عن المحرمات والانتهاء عن الفحشاء والمنكر، كما قال الله سبحانه وتعالى: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ. فنحن إذ نصلي، نصلي ونحن نستعين أيضا بهذه الصلاة على أن ننتهي عن هذه الذنوب، على أن نكف عن هذه الذنوب، على أن نقلل من هذه الذنوب. من اعظم ما يعيننا على ذلك هي هذه الصلاة التي نصليها خمس مرات في اليوم والليلة على الأقل. هذه الصلاة التي نصليها هي من اعظم ما يكفنا عن هذه المنكرات وهذه الظلمات.

وهنا يأتي سؤال، السؤال المنطقي والسؤال المشروع الذي يتبادر إلى أذهاننا: كيف ننال تلك الصلاة التي تعيننا؟ كيف ننال تلك الصلاة التي تنهانا عن الفحشاء والمنكر؟ كيف ننال تلك الصلاة التي تزكي انفسنا وتهذبنا؟ كيف ننال تلك الصلاة التي تزودنا في طريق الدعوة؟ كيف نستعين بالصلاة؟ قد يقول احد: أنا اصلي لكني لا اراها تنهاني عن الفحشاء والمنكر، لا أرى الصلاة تنهاني عن الفحشاء والمنكر، لا أرى الصلاة تزكي نفسي وتهذبها، لا أرى إلى آخره. فكيف نصل إلى تلك الصلاة ونحن سننظر إلى اجابه هذا السؤال أيضا من القرآن ومن آيات القرآن؟

فهناك عدة ملامح إذا استحضرها الإنسان، فإن صلاته يكون لها شأن آخر، من شأنها حينئذ أن تنهى وتأمر، وأن تزكي وتهذب، وأن تفعل وتشكل أنفسنا بعد ذلك. لذلك الله سبحانه وتعالى يقول: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ. وهنا يعني وإنها لثقيلة وإنها لشاقّة، ليس الأمر بالسهل، ليس الأمر يعني يتحصل بمجرد انك تعرف المعلومة، لا، يجب أن تكون متصفاً بصفات: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. فهؤلاء هم الذين يستعينون بالصبر والصلاة، هؤلاء هم الذين يصلون تلك الصلاة.

فنعود إلى هذه الصفة المذكورة في هذه الآية، نقول: أول ملمح من ملامح الصلاة الحقيقية التي تأمرك وتنهاك وتهذبك وتعينك هو إقامة ذكر الله فيها. إقامة ذكر الله في الصلاة. كما قال الله سبحانه وتعالى: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ. كما يعني قيل عدة أقوال في هذا، منها أنه ولما فيها من ذكر الله سبحانه وتعالى، اعظم من نهي عن الفحشاء والمنكر، اعظم من كل شيء. والله سبحانه وتعالى يذكر، كما في أحد الاقوال، أن الله سبحانه وتعالى يذكر من يذكره سبحانه وتعالى، فيعني إقامة ذكر الله، هذا المقصد الأعظم الذي في الصلاة هو مما يجعلك تنال المقاصد التي دونها، إقامة ذكر الله التي في الصلاة.

وأيضاً قال الله سبحانه وتعالى: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي. أقيم الصلاة لذكري، يعني هناك شأن خاص في ذكر الله سبحانه وتعالى، شأن خاص مع ذكر الله سبحانه وتعالى في الصلاة. هناك شأن خاص لذكر الله الصلاة تقام لذكر الله سبحانه وتعالى.

لذلك كفائدة عملية من هذا الملمح: أنه أقم ذكر الله في الصلاة، وذكر الله يدخل فيها ما فيها من التكبير والتسبيح والتهليل والتحميد. أنت إذ تصلي فإنما تقول: الله أكبر، وتتذكر أن الله أكبر، وأنت تقول: سبحان ربي الأعلى وسبحان ربي العظيم، وأنت تقول في التشهد وغيره: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنت تقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد. هذا التكبير وهذا التسبيح وهذا التهليل وهذا التحميد هو ذكر الله، هذا ذكر الله.

وهنا يأتي إقامة ذكر الله، فيجب أن تتم وتكمل هذا الذكر في نفسك، أن تكبر الله حقاً في قلبك، أن تسبح الله وتنزه الله حقاً، وتوحده وتحمده وتثني عليه. وأيضاً عندما تقرا القرآن، تعرف على الله، هذا من إقامة ذكر الله. تعرف على الله عندما تقرا كلامه، وتأمل عظمة صفاته وكمالها وجمالها، تأمل تأمل تأمل هذه الأشياء. تعرف على الله، هنا أنت تذكر الله وتتذكر الله.

انت تذكر الله وتتذكر الله، يعني الذكر يشمل الذكر باللسان ويشمل الذكر بالقلب وهو التذكر، التذكر تذكر الله سبحانه وتعالى وتعظيمه وتسبيحه وتنزيهه. فهذا بالنسبة للذكر.

الملمح الثاني من ملامح الصلاة المعينة هو القيام لله، وهذه تظهر في هذه الآيات التي ترونها أمامكم يعني هذه صياغة عجيبة يجب الانتباه لها في كتاب الله، أن الله سبحانه وتعالى يقول: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ، كلمة لربهم هذه يجب أن تتوقف معهم، يعني كيف يبيتون لربهم؟ طيب هنا تشعر أن هناك علاقة خاصة بينهم وبين الله سبحانه وتعالى إِذْ يَسُجُدُونَ لَهُ وَيَقُومُونَ، هم ما فعلوا ذلك ترى إلا لربهم، هم يبيتون لربهم لله سبحانه وتعالى.

وكذلك يقول الله سبحانه وتعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ، وقال الله سبحانه وتعالى: يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ، وقال سبحانه وتعالى: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ. هذه اللام لربك ولربهم ولله، هذه تدل على أن هناك شأناً خاصاً من ناحية أنك لا تقوم أصلاً إلا لله، أنك تقوم لله، تبيت ساجداً وقائماً وراكعاً لله، تصلي لله، تقنت لله سبحانه وتعالى، تسجد وتركع لله سبحانه وتعالى.

هذا القيام لله هو ما يجعل علاقتك مع الصلاة مختلفة، يجعل علاقتك مع الله هي صلة فعلاً مع الله، هي فعلاً صلة بين العبد وبين ربه، أنت تتصل بالله سبحانه وتعالى. لذلك من الفوائد العملية أنك تتذكر عندما يؤذن المؤذن ويقول: حي على الصلاة، أنك تجيب المنادي لتلاقي الله سبحانه وتعالى وتقف بين يدي الله سبحانه وتعالى، فهذا قيام لله.

وهذا ركوع لله، أنا آتي وأعفر جبهتي في الأرض وفي التراب كي أجل الله سبحانه وتعالى سجوداً لله سبحانه وتعالى، ركوعاً وخضوعاً وتذللاً لله سبحانه وتعالى. هذا التذكر يجعلك تتذكر، أنت تقف بين يدي من؟ لماذا تقف؟ لماذا تضع يديك على بعضهما؟ لماذا تضع عينك في الأرض؟ لمن أنت خاضع؟ لمن أنت خاشع؟ إنما هو لله سبحانه وتعالى.

الملمح الثالث هو القرب والمناجاة، مناجاة الله سبحانه وتعالى هي من مواطن القرب، لذلك قال الله سبحانه وتعالى: وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا، لما ناجى موسى عليه السلام. مناجاة الله هي من مواطن القرب من الله سبحانه وتعالى والصلاة مناجاة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن أحدكم إذا قام في صلاته فانه يناجي ربه. في الحديث الصحيح قال: فإنه يناجي ربه. هذه الصلاة مناجاة مع الله سبحانه وتعالى والمناجاة قرب وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا، فتتذكر أنك قريب من الله سبحانه وتعالى تناجيه.

ومن صور تلك المناجاة قراءة الفاتحة، يعني من أعظم صور المناجاة قراءة الفاتحة، لذلك الله سبحانه وتعالى يقول في الحديث القدسي: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين. انظروا إلى المناجاة، انظروا إلى الحديث، انظروا إلى الحديث الذي أنت تتحدث به يومياً مع الله تناجيه، أنت تقول والله يرد سبحانه وتعالى، هذا حديث حوار ومناجاة، يقول: فاذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قال الله: حمدني عبدي. وإذا قال: الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ، قال الله: أثنى علي عبدي. وإذا قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، قال الله عز وجل: مجدني عبدي. وإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل.

فهناك مناجاة حقيقية، أنت تتحدث بالله سبحانه وتعالى في عليائه، يرد عليك، أنت تناجيه، أنت تحادث الله سبحانه وتعالى، فتذكر هذا المقام، تذكر هذا القرب، تذكر هذه المناجاة. وقال الله سبحانه وتعالى: كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ، فهناك مقام المناجاة والحديث مع الله سبحانه وتعالى، وهناك مقام السجود وهو مقام آخر من مقامات القرب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء. فانت لما تقف وتقرأ الفاتحة تتذكر أنك في سياق مناجاة حقيقية فتتذكر القرب، ولما تسجد تتذكر أنك أقرب ما تكون إلى الله سبحانه وتعالى فتتذكر القرب.

وهذا القرب له شأن، هذا يجعل النفس ترتفع عالياً وتتزكى، وهو ما يجعلك بعد ذلك إذا خرجت من الصلاة -أنت كنت قريبا من الله، كنت تحدث الله، كنت تسجد لله، تناجي الله، تحمد الله، تنزه الله- من أكثر ما يجعلك تنتهي عن الفحشاء والمنكر وتهذب نفسك وتزكي نفسك.

وكذلك قال أيضاً في القرب والمناجاة: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. نعم، الله سبحانه وتعالى يرانا دائماً، لكن هذه الآيات تبرز لنا رؤية خاصة من الله سبحانه وتعالى وسمعاً وعلماَ خاصاً، يعني سمعاً خاصاً من الله وعلما خاصاً من الله بعبده الذي يقوم ويتقلب في الساجدين، يعني هناك علم وقرب خاص من الله سبحانه وتعالى فيه عناية وفيه رضا من الله سبحانه وتعالى.

الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ، هذه من أعظم ما يحرك النفس لكي تصلي؛ أنه ترى الله سبحانه وتعالى يراك حينها وينظر لك نظراً خاصاً، ويسير ويرى ويسمع ويعلم ما تفعله علماً خاصاً يحبه ويرضى عنك به. فهذه من أبواب هذا الملمح وهو قرب المناجاة.

الملمح الاخير هو تذكر الآخرة، وهذا من أعظم ما يجعلك خاشعاً، من أعظم ما يجعلك خاشعاً في الصلاة وفي غيرها اليقين دوام تذكر الآخرة واليقين بالآخرة وأنت مستحضر الجنة والنار كأنك تراها رأي عين، هذا من أعظم ما يجعلك خاشعاً مخبتاً متوجهاً لله سبحانه وتعالى. لذلك قال: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. فاختصر الخشوع في هذه الآية من جهة أنهم موقنون بلقاء الله وبالرجوع اليه، هم مشغولون بهذه الفكرة، مشغولون بفكرة أنهم راجعون إلى الله، مشغولون بفكرة القيام العظيم الذي سيقوم الناس لرب العالمين ليوم عظيم، يوم يقوم الناس لرب العالمين، ذلك القيام الأعظم هم مسؤولون به، فإذا قاموا في هذا القيام الذي في الدنيا هم متذكرون لذلك القيام، وهذا من أعظم ما يجعلهم خاشعين في تلك الصلاة.

وكذلك قال الله سبحانه وتعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ. كيف وصلوا إلى هذه المرحلة أنهم لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة؟ كيف وصلوا إلى هذه المرحلة أنهم ما تشغلهم الدنيا؟ قال: يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ، هذا الذي هو مشغلهم، هذا الذي أخذ فكرهم، وهم مشغولون بهذا الأمر، أمر الصلاة وامر الآخرة وانه سياتي يوم تتقلب فيه القلوب والأبصار، فبالتالي لا يمكن أن يشغلهم شيء عن الصلاة، لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، لا تلهيهم المباحات فضلاً عن المحرمات. فهذا تذكر الآخرة من أعظم ما يجعلهم كذلك.

وأيضاً قال الله سبحانه وتعالى في وصف حال الذين يقومون لله في الليل: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ. أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا، ما الذي يجعله ساجداً وقائماً؟ بماذا هو مشغول؟ بماذا يتحرك قلبه حينئذ؟ قال: يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ. هو ليس الأمر فقط أنه يصلي آناء الليل ساجداً وقائماً، وإنما الشأن أن قلبه يتحرك بهذا الحذر من الآخرة وبهذا الرجاء لرحمه الله سبحانه وتعالى، هو يرجو الجنة ويخاف النار، هذا من أعظم ما يجعله كذلك.

وكذلك قال الله سبحانه وتعالى: تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ، هذه الحالة العظيمة الشريفة العجيبة، كيف الإنسان؟ هذا من أحب الأشياء إلى الإنسان أنه يكون راقداً في مرقده وفي مضجعه بنومة هادئة وساكنة دافئة، حينئذ تتجافى، يعني هذه الجنوب تبغض.

هذه المضاجع لماذا؟ قال: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا.

يدعون ربهم خوفا وطمعا، الخوف من الآخرة ومن يوم الوقوف بين يدي الله، والطمع في رجاء في والرجاء في ما لدى الله سبحانه وتعالى وفي الجنة. لذلك قال: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِي لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ. هذه المقامات العالية التي نالوها جزاء بما كانوا يعملون.

وقال سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا. الآية التالية: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمَقَامًا. فكان هذا من أعظم ما يرددونه حينما يبيتون لربهم سجدا وقياما.

آخر محور معنا في هذا المجلس هو أن الصلاة شكر لله سبحانه وتعالى. الصلاة كما نؤديها لأنها واجب، وكما نؤديها لأنها تعيننا على أشرف المقامات، وكما أنها تعيننا على كثير من أبواب الخيرات، الصلاة في ذاتها شكر لله، الصلاة شكر لله سبحانه وتعالى. لذلك قال الله سبحانه وتعالى: وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ. لما بشروها بذلك بهذه النعمة الكبيرة قالوا لها: يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين. قال السعدي رحمه الله: فلما أخبرتها الملائكة باصطفاء الله إياها وتطهيرها كان في هذا من النعمة العظيمة والمنحة الجسيمة ما يوجب لها القيام بشكرها، فلهذا قالت لها الملائكة: يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين.

الآن هنا ننظر للصلاة باعتبارها شكرا، باعتبارها شكرا لله أنه لما حدث الاصطفاء والاختيار، كيف أشكر الله؟ أشكر الله بال- لذلك كثير من الناس يسألون: كيف أشكر الله سبحانه وتعالى؟ الشكر نعم قد يكون في هناك شكر خاص بنفس النعمة التي ينعم بها إليك، وهناك شكر عام وهو الإكثار من العبادة وعلى رأسها الصلاة.

وأيضا في سورة الزمر قال سبحانه وتعالى: إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ. فذكر الكفر والشر- والشكر، ثم في الآية التالية ذكر صورة الكفر قال: وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ. طيب، ما هي صورة الشكر؟ قال: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوَى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ. هذا هو الشكر الذي يرضاه الله سبحانه وتعالى: وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ.

وقال سبحانه وتعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ. نعمة، ثم أمر هذه مثل ما الآيات التي لمريم عليه السلام: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ بعدها يا مريم اقنتي. وهنا إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ يقال للنبي صلى الله عليه وسلم ثم يقال له: فصل لربك وانحر. ويعلق الرازي قال: الصلاة مشتملة على كل صور الشكر وعلى ما هو أزيد منها.

صور الشكر طبعا هو فصل فيها ونقلته اختصارا قال: صور الشكر مثل الشكر باللسان والشكر بالقلب والشكر بالعمل، فالصلاة مشتملة على كل ذلك وعلى ما هو أزيد منها، فالأمر بالصلاة أمر بالشكر والزيادة، الأمر بالصلاة أمر بالشكر والزيادة. لذلك كما يقول الرازي: لذلك ما قال له اشكر، قال: فصلي لربك وانحر. بالصلاة أمر بالشكر وزيادة.

وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما قام النبي صلى الله عليه وسلم حتى تورمت قدماه، فقيل له: غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. ماذا قال؟ قال هذه العبارة العظيمة الجليلة التي يعني يحتاج الإنسان أن يقف معها طويلا، قال: أفلا أكون عبدا شكورا؟

أفلا أكون عبدا شكورا؟ يعني الله- النبي صلى الله عليه وسلم ما توقف عن الاجتهاد في العبادة شكرا لله. نعم، إن لم يكن هناك يعني بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم مثلا دافع أنه يغفر له فقد غفر له، أفلا أكون عبدا شكورا؟

طيب، لما أراد أن يعبد الله ويشكره ماذا اختار؟ بماذا استحضَرَ في هذا السياق؟ في أي سياق قالها؟ قالها في سياق أنه قام حتى تورمت قدماه، فهذا يستنبط منه أن هذا من أعظم الشكر لله سبحانه وتعالى.

ولذلك نختم بهذه الفائدة العملية، أنك لما تقوم للصلاة أنت تستحضر دواعي مختلفة؛ داعي الخوف من الله، وداعي التذكر للآخرة والقيام بين يدي الله، وداعي الطمع بما عند الله سبحانه وتعالى، وداعي الحياء من أنك ترد المنادي الذي يدعوك لقاء الله، وداعي وداعي إلى آخره. ومن تلك الدواعي التي تستحضرها أنك استحضِر داعي الشكر عند الصلاة، استحضِر داعي الشكر أنه يا رب كم أنعمت علي؟ كم أعطيتني؟ وكم علمتني؟ وكم هديتني؟ وكم وفقتني؟ فأنا أقوم للصلاة شكرا لك، قُمْ شكرا لك يا الله.

لذلك كلما زادت النعمة، كلما زادت النعمة عليك كلما زاد- زاد اصطفاء، زاد اصطفاء الله لك، أو كلما زاد- زادت هداية الله العلمية والعملية كلما يجب أن تزيد مقدار الركعات لله سبحانه وتعالى، وأن تكثر السجدات لله سبحانه وتعالى، تزيدها قدرا وتحسن فيها كيفا يعني كما وكيفا، فهذا من أعظم ما هو شكر لله سبحانه وتعالى.

وبذلك نكون قد ختمنا هذا المجلس ونقول في ختامه: ربنا اجعلنا مقيمي الصلاة.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من مقيمي الصلاة ويجعل ذرياتنا من مقيمي الصلاة، كما قال إبراهيم عليه السلام: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذه الصلاة قرة أعيننا، وأن يجعل هذه الصلاة أنسا وزادا لنا وقربة لنا ووسيله لنا نصل بها كي نرافق النبي صلى الله عليه وسلم في أعلى الجنان. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.