تسجيل الدخول

الاستهداء بالقرآن | (هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ) | المجلس الحادي عشر

عبد الرحمن أبو غيث
  • مدة الدرس:
  • قراءة

طيب، بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أسأل الله العلي العظيم أن يبارك لنا في هذا المجلس، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا ذنوبنا وأن يخلص نياتنا، وأن يبارك في هذا الجمع، وأن يجعله من صنف ذلك الجمع الذي يذكرهم الله سبحانه وتعالى ويذكر أهلهم في الملأ الأعلى، إنه هو الولي الكريم الحميد سبحانه وتعالى.

اليوم بإذن الله سنتناول الحديث وسنكمل سلسلة استهداء بالقرآن تحت عنوان: هنالك ابتلي المؤمنون. وهذا العنوان بطبيعه الحال هو مقتبس، أو خلينا نقول هو جزء من آية في سوره الأحزاب، وسنتناول المقطع الذي تحتويه هذه الآية.

سورة الأحزاب من السور العظيمة، من السور المدنية التي جاءت، وجاء فيها العديد من الآيات القرآنية التي يعني، إن صح التعبير، هي آيات نتذكرها كثيراً، نتذكرها دائماً، وفيها طابع خاص. سورة الأحزاب تتحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً، وتتحدث عن بيت النبوة كثيراً، وتتحدث عن الصدق، وتتحدث عن النفاق، وعن الصادقين والمنافقين.

السورة فيها تشريف كبير لمقام النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها اطلاع على بيت النبوة، وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وأحوال النبي صلى الله عليه وسلم بين قوسين ما نسميه اليوم بالأحوال الاجتماعية من ناحية البيوت، ومن ناحية الأزواج، ومن ناحية شؤونه الذاتية.

لكننا اليوم بإذن الله سنتناول ما سميت السورة من أجله، وسنتناول الحديث عن غزوة الأحزاب. وبلا شك هذه، حتى الحديث عن غزوة الأحزاب والآيات التي جاءت فيها أيضاً، أشارت للنبي صلى الله عليه وسلم إشارة بتشريف وتكريم، ولا عجب فهذه السورة التي ابتدات بـ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ، وهذه السورة التي جاء فيها: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، وهذه السورة التي جاء فيها: وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا، إلى آخر الآيات.

فعلى كل حال، اليوم سنتحدث عن هذا الحدث العظيم، الحدث هو حدث غزوة الأحزاب، هو حدث فارق في مسيرة هذه الأمة، وفي مسيرة وفي وفي شان مسيرة النبي صلى الله عليه وسلم. هذا اليوم الذي كان يوماً عظيماً، كان يوماً عظيماً وكان يوماً فارقاً، وكما تعلمون كما قال النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذا اليوم: نغزوهم ولا يغزونه. فكان هذا الحدث هو مرحلة من مراحل عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

طيب، هذه الآيات التي وردت بعد أن نزلت، بعد أن حدث الحدث في المدينة، وجاء الأحزاب، وكان يوماً عظيماً، من أهم ما جاء، ما كان في هذا اليوم أنه كان يوماً شديداً على المؤمنين. إنه، طبعا، هو ليس يوماً واحداً، لكن نحن نسميه يوم مجازاً، هذه الغزوة كانت من الأحداث الشديدة الفارقة العظيمة.

ويكفينا وصف الله سبحانه وتعالى الصادق، الذي لا ما فيه مبالغات، وما فيه تهويلات كما قد يفعل البشر أحياناً. الله سبحانه وتعالى انظروا كيف يقول، كيف يعني يحكي لنا عما حدث، ويبين للصحابه بعد أن نزلت الآيات ما الذي حدث.

والله سبحانه وتعالى هو الذي قال: إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّه الظُّنُونَا. هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً.

هذا اليوم العظيم من أول الملامح التي نريد أن نتكلم فيها قبل أن ندخل للأيات التي في تأتي في قرابه صفحتين: أولاً، نتذكر أن هذا التعليق الرباني أتى بعد أن حصلت هذه الأحداث، بعد أن حصل ما حصل، بعد أن اجتمع عليهم شدة الخوف مع شدة الجوع مع شدة البرد، وبعد أن حصلت الخيانات، وبعد أن تكالب الأحزاب. كل ما حصل، كل المواقف التي حصلت، سجلها الله لنا سبحانه وتعالى، وذكر الفرق التي حصلت التي افترقت عليه، الجماعة التي كانت في المدينه، وكذلك ذكر أقوالهم بل وبين ما في قلوبهم، وكما سناتي عليه في الآيات.

كل هذا يذكرنا أن الله سبحانه وتعالى هو البصير، هو البصير بالمؤمنين، هو البصير بالبشر، هو العليم، هو السميع، هو القريب. الله سبحانه وتعالى يقدر الأقدار في هذه الأرض، ويختبر الناس ويبتليهم، ويحصل لهم ما يحصل، والله سبحانه وتعالى قريب بعلمه، وقريب ببصره، وقريب بسمعه، وقريب بمعيته وولايته للمؤمنين.

الله سبحانه وتعالى يسمع ويرى، ليس الأمر، هذه الشدة التي اصابت المؤمنين ليست من قبيل أنها أمور بعيدة عن تقدير الله سبحانه وتعالى، أو أنها أمور صدفة قد تحدث للمؤمنين، لا، هو كله على علم الله سبحانه وتعالى. لذلك ابتدات من أول آية قال الله سبحانه وتعالى: وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا.

كان الله بما تعملون بصيراً. إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصَارُ، كان بصيراً بكم إذ زاغت الأبصار، وكان بصيراً بكم إذ بلغت القلوب الحناجر، وكان بصيراً بكم إذ تظنون بالله الظنونا. ثم بعد ذلك، كان بصيراً بالمنافقين، وبصيراً بمن صدق ما عاهد الله عليه. الله سبحانه وتعالى بصير، كل ذلك، كلُّه كان على عينه وتحت حكمته.

وهذا يذكرنا لما الله سبحانه وتعالى يذكر هذا المعنى في أول آية من آيات التعليق على الحدث، يذكرنا أيضاً بما بالآيات الآيات التي جاءت في سورة آل عمران. أول آية وردت في التعليق على الحدث، بعد أن جاءت، قبل أن تاتي ياتي شوط من الآيات في صفحات عديدة في التعليق على أحداث غزوة أحد، كانت أول آية ماذا؟ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.

والله سميع عليم، الله سبحانه وتعالى سميع عليم بما يحصل، وسميع عليم بكل ما حدث في تلك الأحداث، سَمِيعٌ عَلِيمٌ إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مَنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا إلى آخر الآيات. فهذا معنى مهم، معنى مهم لما تحدث أحداث على الأرض ثم ينزل القرآن ويكشف كل شيء بما في ذلك ما في دواخل النفوس، نتذكر علم الله، نتذكر قرب الله، فإذا نزل بنا بلاء نتذكر أن كل هذا تحت عين الله سبحانه وتعالى، وإذا كنا من المؤمنين فهو تحت معية الله سبحانه وتعالى ورحمته وطفه.

البداية ملفتة في التعليق على هذه الأحداث العظيمة، ما هي؟ المدخل كان ذكر نعمة الله سبحانه وتعالى، وهذا حقيقة مدخل ملفت، لما يقول الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ. وهذا عجيب، يعني الإنسان لما يتفكر من ناحية الحدث الدنيوي المادي، الحدث على الأرض فقط، يقول: ما هي النعمة؟ هي كانت زلزلة للقلوب، وبلغت القلوب الحناجر، زاغت الابصار، وحدث ما حدث وكذا، يعني أين نعمة الله سبحانه وتعالى، والحال أنه هجوم من الكفار؟

لكن لما ينظر المؤمن بالنظر الغيبي، وينظر ببصيرته، ويرى نعمة الله سبحانه وتعالى ولطفه في أقدار، والخير الذي حل بالمؤمنين، والمقامات التي ارتفع لها المؤمنون وما كادوا وما كانوا ليرتفعوا لها لولا هذا البلاء الذي نزل، كما قال الله سبحانه وتعالى فيهم: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا. مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا.

هذه المقامات لا تاتي الا تحت وطأة البلاء، إلا تحت شدة البلاء، لا تاتي الا عندما يظهر الصادقون، إلا عندما يظهر الصادقون ويتميزون، وتظهر حقيقة ما في القلوب، فتتمثل على أرض الواقع، وهنا تكون هذه نعمة كبرى من الله سبحانه وتعالى. وهذا غير ما أعقبه من النعم الأخرى من تميز الفريق المؤمن ممن يدعي الإيمان، ومن انكشاف العدو مثل اليهود لما انكشفوا في هذه المعركة.

إلى غير ذلك لما رد الله الكفار بغيضهم، ثم بعد ذلك ما غزوا المدينة بعد ذلك. فهذا الأمر كله الإنسان يتذكر فيه نعمة الله، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير.

نعم، إن أمره كله خير؛ إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له. فالإنسان لا يزال في نعمة الله سبحانه وتعالى، لا يزال في خير من الله سبحانه وتعالى إذا كان مؤمناً.

وهنا يتذكر الإنسان، أو خلينا نقول إن هذا المدخل يعلم الإنسان أن ينظر إلى نعمة الله سبحانه وتعالى في كل حدث يصيبه. في كل حدث يصيبه الإنسان المؤمن، كل حدث يصيبه فهو خير له. وكما قال الله سبحانه وتعالى في سياق القتال تحديدا: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ. هذه الآية جاءت في سياق القتال: وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوثَ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ. فدائماً إذا نزل بك حال شديد، إذا نزلت بك مصيبة، تذكر نعمة الله عليك، وألطافه بك، ورفع الضر عنك، كما فعل يوسف عليه السلام في آخر رحلته المليئة بالابتلاءات.

فكان تعبيره أن قال: وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ. وكما قال: وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي. القصد أن الإنسان يتأمل إحسان الله في أقداره، ويتأمل نعمة الله عليه؛ هذا مدخل القصة. هذا المدخل يعلقك بالله سبحانه وتعالى، ويجعلك ترى الحدث من زاوية أفعال الله سبحانه وتعالى.

يعني الحدث كله مغلف في هذا الغلاف أنه يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ. ثم جاءت القصة، فالإنسان يقرأ القصة كلها من هذه الزاوية؛ زاوية ألطافه ومعيته ونعمته على الفريق المؤمن.

طيب، الأمر الثاني هو أمر زلزلة المؤمنين، زلزلة المؤمنين، زلزلة القلوب. يوم الأحزاب كان من الأيام الصعبة جداً جداً، وكما ذكرنا هذه الآيات تصف مشهدا عجيبا، قال الله سبحانه وتعالى: إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ. فكان العدو محيطا من جميع الجهات، وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا.

الله سبحانه وتعالى تحت شدة البلاء يصف لنا ما الذي يعتلج في نفوس المؤمنين، قال: هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا. كلمة زلزالا شديدا هذه يجب أن لا يقرأها الإنسان قراءة عادية؛ هذا يوم شهد الله أن المؤمنين زلزلوا فيه، شهد الله بنفسه أن المؤمنين زلزلوا فيه زلزالا، ليس فقط زلزلوا، وإنما زلزلوا زلزالا شديدا. وكما ذكرنا، اجتمع عليهم في هذا اليوم شدة الخوف، واجتمع عليهم كذلك شدة البرد، واجتمع عليهم شدة الجوع حتى كان النبي صلى الله عليه وسلم والصحابه يربطون على بطونهم. وكذلك حصل لهم من الغدر ما حصل، كما ذكرنا، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: من ينظر أو من يذهب فينظر خبر القوم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وله الجنة؟ فما كان يقوم أحد، حتى قال: قم يا حذيفه.

فهذا ينبئ عن حال شديدة؛ حال شديدة أصابت المؤمنين في ذلك اليوم. هذا اليوم، هذا اليوم الذي زلزلت فيه القلوب، هذا اليوم هو اليوم الذي اختبر فيه صدق المؤمنين. هذا اليوم الذي اختبر فيه صدق المؤمنين؛ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ. هنالك ابتلي المؤمنون، هذا كله إنما فعل لحكمة، هذا الذي أصاب المؤمنين إنما أصابهم لحكمة من الله سبحانه وتعالى قدرها كي يختبر صدقهم، كي يختبر صدقهم. وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ ليقولوا آمنا دون أن يختبرهم الله سبحانه وتعالى.

فكان هذا يوم الاختبار، ويوم الامتحان. وَهُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ، وكما قال الله سبحانه وتعالى في سورة العنكبوت: أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ. هل تظنون أنكم ستتقولون آمنا؟ هل تظن أنت أيها المؤمن تقول امنت بالله وصدقت به ثم بعد ذلك لا يختبر الله إيمانك؟

قال الله سبحانه وتعالى مبرزا سنته الجارية في خلقه، قال: وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ. فبالتالي نحن الآن نتحدث عن اختبار، اختبار صدق الإيمان. اختبار صدق الإيمان هذه الكلمه قد تكون هي الكلمة الجامعة لحال المؤمنين في ذلك اليوم، فيما حصل في يوم الأحزاب. وكلمة الصدق هذه من الكلمات التي تكررت في هذه السورة، كلمة الصدق وفي عكسها كلمة النفاق؛ الصادقين والمنافقين تكرر ذكرهم في هذه السورة، وكلمة المؤمنين أيضا تكرر ذكرهم في هذه السورة. وكان الخلاصه هي أنه إذا ادعى أحد الإيمان فالله يبتليه ويختبره بالاختبارات الصعبة والشديدة، حتى يظهر الصادقون وحتى يتميز المنافقون.

وكما قال الله سبحانه وتعالى في آخر الآيات في التعليق على غزوه أحد وما حصل فيها أيضا من الشدائد العظيمة: مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ، هذا في غزوة أحد، حتى يميز الخبيث من الطيب. يعني لذلك قدر الله سبحانه وتعالى ذلك الحدث. وقال الله سبحانه وتعالى كذلك: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.

يبين الله لهم من هم المؤمنون، يبين للأعراب الذين قالوا آمنا، يبين لهم من هم المؤمنون. وقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا. والجهاد دائما ما يكشف حقيقة الإيمان، وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ.

طيب، بعد ذلك، بعد هذه المقدمة التي وصف الله فيها الحال، يبدأ بذكر، مباشرة تاتي الآيات بذكر واذ يقول بذكر المنافقين والذين في قلوبهم مرض: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا. وهنا لفتة أنه كثيرا ما يأتي ذكر المنافقين في الغزوات تحديدا، في الغزوات وفي الأحداث الكبرى التي يكون فيها شدائد، ويكون فيها اختبار، وتكون فيها فتنة، ويكون فيها اضطراب. هذه الأحداث دائما ما يظهر فيها المنافقون، وهذا يدل على أن هذه الأحداث فيها من الخير ما فيها، ومن ضمنه أن المنافقين يتميزون في تلك الأحداث.

فورد ذكر المنافقين هنا، وورد في سورة الأنفال في غزوة بدر، وورد ذكر المنافقين في سورة آل عمران في غزوة أحد، وورد أيضا في حادثة الإفك، وورد أيضا بشكل مكثف في غزوة تبوك في سورة التوبة. وكلما كان الابتلاء صعبا كلما ظهر المنافقون وتميزوا عن المؤمنين. وهذا مقصد من المقاصد الذي يريدها الله سبحانه وتعالى؛ ما كان الله ليذر المؤمنين، لن يدع الله سبحانه وتعالى فريق المؤمنين مختلطا، فيه من هو مؤمن ومن هو مدع للإيمان، من هو صادق ومن هو كاذب. ما كان الله ليذر الحق ملتبسا بالباطل حتى يميزه بمثل هذه الأحداث. لذلك قال الله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران: وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ، وليمحص ما في قلوبكم وليبتلي الله ما في صدوركم. فالله سبحانه وتعالى يبين الفريق المنافق بمثل هذه الأحداث.

الأمر الثاني، أنه من الأمور الملفتة أن يكون أول شيء يذكره الله سبحانه وتعالى هم المنافقون. يعني ذكر المنافقين في هذا السياق، سياق أحداث غزوة الأحزاب، أولا قدم؛ فجاء أولا قبل الحديث عن الفريق المؤمن، ثم بعد ذلك فصل فيه تفصيلا طويلا. والحديث عن المنافقين في هذه الصفحات أطول من الحديث عن المؤمنين، فذكر المنافقين في هذه السورة فيه تقديم وفيه تفصيل طويل.

وهذا يا جماعه، إذا نزلنا هذا الأمر على الواقع، يجعلنا، من كان مهتديا ومستهديا بهدايات القرآن، يجب أن يكون معتنيا بباب النظر لصفات المنافقين في مثل هذه الأحداث الكبرى التي.

تحدث لنا اليوم: ما من هم الفريق، من هم الفرق، ومن هم الفئام من الناس الذين تشابه أقوالهم أقوال المنافقين وتشابه صفاتهم صفات المنافقين؟ لما حصلت مثل هذه الأحداث في العهد النبوي، أتى الله سبحانه وتعالى فبين لهم الصفات، وأبرز لهم الصفات، وأبرز لهم الأقوال؛ ماذا قالوا، وكيف فعلوا، وما هو شأنهم، وماذا كانوا سيفعلون لو حصل كذا. ففصل وفضحهم يعني بتفصيل عجيب. لذلك يجب العناية بهذا الباب، ويجب العناية بهذه الصفات، ويجب العناية بالفريق المنافق الكاذب المندس في داخل فريق المؤمنين.

الأمر الثاني: أن الله سبحانه وتعالى قال: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ. فهذا الأمر مخيف حقيقة؛ أي أن الأمر ليس فقط منافقون نفاقاً ظاهراً فحسب، وإنما هم فئات وهم درجات، فهناك منافقون، وهناك أناس في قلوبهم مرض. وحتى الذين في قلوبهم مرض يتفاوتون؛ فقد يكون هناك من المؤمنين من في قلبه مرض ويتاثر بالمنافقين.

ويتاثر بالمنافقين؛ كما ذكر الله سبحانه وتعالى ذلك في سورة التوبه أن هناك من يستمع للمنافقين ويتاثر لهم ويسمع لهم. فهنا قال: وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ. فهنا يخاف الإنسان، يخاف الإنسان أن يكون في قلبه مرض فيشابه حاله حال المنافقين عند الشدائد والأزمات. وهذا يستدعي من الإنسان المؤمن أن يخاف، وأن يعتني بقلبه، وأن يثبت قلبه، لاسيما وأن يعالجه من أمراضه، يعالجه من أمراض القلب، أمراض الشبهات وأمراض الشهوات. يعالج هذا القلب ويصفيه ويزكيه حتى لا يكون مع الفريق المنافق لما تنزل الشدائد ويتميز الفروع.

هذه النقطة الثالثة، النقطة الرابعة: أن الله سبحانه وتعالى، وهذه نقطة مهم جداً ذكرها، ما هي هذه النقطة؟ أن الله سبحانه وتعالى أبرز لنا الأقوال. أبرز لنا الأقوال وأبرز لنا ما في داخل القلوب. وهذا يجعلنا نقول إن الأقوال هي التمثلات العملية لدواخل القلوب. التمثلات على أرض الواقع داخل القلوب هي تكون بالأقوال، فلا يستهين أحد بالأقوال عند الأزمات؛ لأنها هي التي تكشف حقيقة ما في داخل القلب. ولا يقول الإنسان هذه مجرد أقوال، هذه مجرد أخبار، هذه مجرد شائعات، هذه مجرد تغريدات، هذه مجرد، هذا الأمر، هذا الأمر سجله الله سبحانه وتعالى لما حصلت الأزمة؛ قال فلان كذا وكذا، وقالت طائفة كذا وكذا، وقال كما قال هنا: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا، وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُواْ، وبعدها يقولون: إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ. فالآيات كثيرة في ذكر الأقوال. وهنا الإنسان يعني يخاف من حصائد الألسنة في مثل هذه الأزمات، هو يخاف منها دائماً ولاسيما في اوقات الأزمات.

حتى دائماً تجد في كثير من السور أنه على سبيل المثال في سورة التوبة كثيراً من الصفات الذميمة التي ذكرها الله سبحانه وتعالى عن المنافقين إنما كانت أقوالاً لهم. وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ. وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم، قَدْ كَفَرْتُم ليش؟ لأنهم استهزءوا. قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ، فأثبت لهم الإيمان ثم أثبت لهم الكفر. فموضوع الأقوال في هذه الأزمات أمر خطير جداً؛ لأنه حقيقة هو يكشف ما في داخل النفوس.

وأنا الحقيقة أريد أن أرجع إلى الوراء خطوة، أريد أن أرجع إلى الوراء خطوة واحدة لقول الله سبحانه وتعالى: هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا. هنالك نقطة مهمة جداً جداً، هذا الحال الذي ذكر الله سبحانه وتعالى أنه ابتلى المؤمنين به، وهذا الحال الذي زلزلوا فيه زلزالاً شديداً، والذي زاغت فيه أبصارهم وبلغت قلوبهم الحناجر، والذي ظنوا بالله الظنونا؛ أنا أريد أن أسألكم، كم واحد من المؤمنين قتل في ذلك اليوم وفي تلك الأحداث؟ كم كانت حجم الجراحات والمصابات؟ كم كانت حجم الخسائر المدنية بين قوسين، ولا البيوت التي هدمت، ولا كم حصلت من ناحية الأرقام؟

الحقيقة أنه لم يحصل شيء من ذلك إلا شيئاً قليلاً، فما مات إلا ناس معدودين على أصابع اليد في يوم الأحزاب، ما حصلت خسائر مادية كبيرة. طيب، كيف يقول الله سبحانه وتعالى: هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ؟ كيف يقول الله سبحانه وتعالى هنالك ابتلي المؤمنون، وهناك أحداث أخرى حصلت فيها مقتلة أكبر من ذلك، ما حصل شيء يذكر يوم الأحزاب؛ لأن الله سبحانه وتعالى رد الكفار بغيضهم لم ينالوا خيراً. الحقيقة الجواب هو أن الابتلاء الحقيقي والمعركة الحقيقية التي حصلت يوم الأحزاب إنما كانت معركة داخل القلوب.

إنما كانت معركة داخل القلوب، داخل القلوب حصلت معركة كبرى زلزل فيها المؤمنون زلزالاً شديداً. معركة داخل القلب زاغت من أجلها الأبصار وبلغت القلوب الحناجر. هذه المعركه التي داخل القلوب هي التي محص فيها هذا الإيمان، وهي التي ظهر فيها المنافقون، وهي التي نقض بسببها اليهود العهد، وهي التي بسببها صدق المؤمنون وثبتوا. هذه المعركة التي داخل القلوب هي التي لا يشعر بها أحد ولا يراها أحد، إنما يراها الله سبحانه وتعالى؛ فأحياناً يحصل من الخوف، ويحصل من الكرب، ويحصل من تكالب الأعداء، ويحصل من تكالب الظروف وتواطئها ما يتحقق فيه البلاء ولو لم يقتل فيه أحد.

لانه في ذلك الوقت تظهر حقيقة الإيمان، هل أنت تصدق؟ لأنه ماذا قال المنافقون حينئذ؟ قالوا: يعدنا النبي صلى الله عليه وسلم بكسرى وقيصر ونحن لا يجد أحدنا يعني لا يستطيع أحد أن يذهب لقضاء حاجته. كانوا يقولون من شدة الخوف ومن شدة الحصار، بينما المؤمنون صدقوا في ذلك الوقت. وهنالك يعني في ذلك الوقت حصل الابتلاء الحقيقي، الابتلاء الحقيقي كان ابتلاء تصديق، كان ابتلاء تصديق ابتلاء يقين ومعركة معركة داخل القلوب. لذلك كثيراً ما يذكر الله سبحانه وتعالى دواخل النفوس في هذه الآيات؛ قال إيش؟ قال: وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظَّنُونَا، قال: بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ. فالشأن شأن القلوب. وقال: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ.

طيب، هذا بالنسبة للأقوال. الآن ناخذ هناك شوط من الآيات أو عدة آيات تبرز صفات المنافقين. الله سبحانه وتعالى فصل لنا صفات المنافقين في هذه الآيات، فحري بنا أن ننظر إليها، الله سبحانه وتعالى يعلمنا كيف ننظر لصفات المنافقين يبينها لنا. فأول صفة من صفات المنافقين، طبعا هذا ليس على سبيل الاستقصاء، وإنما على سبيل يعني الذكر العام، أول صفة صفة ضعف اليقين.

ضعف اليقين؛ إذا قلنا إن الشأن بما في القلوب، فأول صفة بالنسبة للمنافقين، والتي يتولد عنها كل الصفات التالية، هو ضعف الإيمان واليقين بالله سبحانه وتعالى. فما كادت تاتي الفتنة حتى قالوا: مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا يفتعدنا بكذا وكذا وكذا ونحن لا نستطيع أن ننحرك ولا أن نذهب لقضاء حوائجنا مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا. طبعا سناتي لذكر المؤمنين وكيف أن كل صفة من هذه الصفات كانت عكسها موجودة عند المؤمنين.

الصفة الثانية: تخذيل المؤمنين. تخذيل المؤمنين، وهذا كثيرا ما يحصل للمنافقين، حصل يوم أحد، وحصل يوم الأحزاب، وحصل يوم ال في سورة التوبه يوم تبوك. كثيراً ما يخذل المؤمنون يخذل المنافقون المؤمنين، خذلوهم: وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُواْ. إنهم لا يريدون أن يرجعوا وحدهم، هم يقولوا للناس: الناس ارجعوا لا مقام لكم فارجعوا.

ويستأذن فيكم منهم النبي. النقطه الثالثة أو السمة الثالثة من صفات من سمات المنافقين هي محاولة أعذار النفس. وهذا عجيب في شأن المنافقين؛ يعني المنافقون لما تنزل الشدة ما يقولوا خلاص السلام عليكم نحن لسنا معكم ولا نريدكم وافعلوا ما تريدون ونحن مع الفريق الآخر. فقط أحياناً يكون شأنهم ماذا؟ أنهم يبحثون عن الأعذار، يبحثون عن الأعذار وكأنهم يقولون: نحن معكم لكن والله لدينا عذر، لو ما كان لدينا هذا العذر لبقينا معكم، نحن لسنا جبناء، إن بيوتنا عورة فقط المشكلة أن بيوتنا.

عورة، ولا وإلا، احنا لسنا جبناء، كنا سنبقى معكم. هذا أيضاً من شأن المنافقين دائماً؛ البحث عن الأعذار، البحث عن الأعذار. ومنهم من يقول: ائذن لي ولا تفتني، كما تعلمون قصتها؛ بعض الناس كانوا يقولون: لا نريد أن نقاتل الروم فنفتتن بهم، وإلى آخره، كثيراً من الأعذار. وجاء المعذرون، وجاء المعذرون من الأعراب، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال الله سبحانه وتعالى في سورة التوبة، اللهم صل وسلم على محمد، قال: وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ، هم يريدون يأتون للنبي صلى الله عليه وسلم ويقولون هذا عذرنا، لدينا أعذار. كما قال الله سبحانه وتعالى: رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ، إلى آخر الآيات، كثيراً ما يتعذر المنافقون بأعذار. وأيضاً هذا إذا نزلناها على واقعنا اليوم، في محاولة لعدم مشابهة المنافقين، أن الإنسان إذا رأى أن عليه واجباً شرعياً، إذا رأى أن عليه فعل شيء معين وعلم أنه متعين عليه، أو علم أنه عليه أن ينكر منكراً وأن يأمر بمعروف، كذا إلى آخره، فلا يبحث عن الأعذار، لأنه إذا أراد أن يبحث عن الأعذار سيجد ألف عذر. إذا أراد أن يبحث عن الأعذار سيجد ألف عذر كي يتخلف.

لكن الإنسان الصادق لا يبحث عن الأعذار، الإنسان الصادق لا يبحث عن الأعذار، كذلك كان شأن كعب بن مالك لما تخلف، وقال كان، يعني بمعنى كلامه: إنه كان بإسعي أن آتي للنبي صلى الله عليه وسلم فأقول ما قالوا، فأعتذر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه كان صادقاً، كان صادقاً مع نفسه. لذلك حتى الإنسان إذا أخطأ، حتى إذا أخطأ الإنسان يكون صادقاً، لا يبحث عن الأعذار، لا يدخل إلى ساحة الأعذار، لأن الأعذار كثيرة.

السمة الرابعة بالنسبة للمنافقين: الانكسار عند الشدائد، الانكسار عند الشدائد والفرار، الفرار. وهذا أيضاً ثمرة من ثمرات ضعف اليقين، أنهم جبناء وأنهم يفرون وأنهم لا يثبتون، وكما قال الله سبحانه وتعالى: وَلَا يُقَاتِلُونَ إِلَّا قَلِيلًا. فالانكسار عند الشدائد، إذا جاءت شدة من شأن المنافق أنه ينكسر.

النقطة الخامسة، عفونا، قول الله سبحانه وتعالى: وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا ۝ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا. طبعا معنى الآية أنهم، يعني إذا دخلت على المدينة، إذا دخل الكفار، وإذا تخطف الكفار المؤمنين ودخلوا وحصلت حصل الاقتحام وكذا، المنافقون لا يتمسكون بدينهم، لو سئلوا الكفر لأتوا الكفر طلبا للسلامة ولدفعوا هذا الثمن، وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا. كلمة وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا، طبعا في أقوال للمفسرين وكذا، لكن أنا اريد ان أقف وقفة حقيقة الانسان يخاف منها؛ أنه دائما يذكر للمنافقين عمل، لكنه يكون عملا قليلا وضعيفا، أنه لا يتلب، وَمَا تَلَبَّثُوا إِلَّا يَسِيرًا، وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا، وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا، وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ. فهناك نوع من انواع العمل، ولكنه عمل ضعيف، عمل قليل، عمل فيه رياء، عمل إلى آخره.

وهنا يعرف الانسان أن هذه نتيجة طبيعية لضعف الايمان، فضعف الايمان نتيجته الطبيعية الحتمية هو ضعف العمل، وقوة الايمان نتيجته الطبيعية الحتمية التي لا شك فيها هي كثرة العمل وقوته ودوامه. فلا يمكن لا يمكن أن يكون هناك ايمان بدون عمل، لا تقول لي أنا إيماني عالي لكن والله ما اصلي كثيرا، إيماني عالي لكني ما أنفق كثيرا، نحن نتكلم عن جنس العمل عموما ما نتكلم عن عمل خاص، نتكلم عن إذا كان جنس العمل بشكل عام قليل فهنا اعلم حتما أن إيمانك قليل. لا يمكن أن يكون الايمان عالي وأنت الصدقة قليلة والصلاة قليلة وقيام الليل قليل والذكر قليل، كل شيء قليل، لأنه هذه من سمات المنافقين، والايمان ينتج عنه العمل، يتبعه العمل. فكذلك المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلا، إلى آخر الآيات، كثيرا ما يذكر عنهم العمل القليل والضعيف والمنقطع، فهذه سمة من سمات المنافقين.

ومن سماتهم أيضاً الكذب: وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ ۚ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولًا. ومن سماتهم أيضاً ضعف العقيدة، من سماتهم ضعف العقيدة كما قال الله سبحانه وتعالى يصحح لهم هذه العقيدة التي أنشات هذا الفرار وهذا التولي وهذا النقد للعهود، يقول الله سبحانه وتعالى: قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ۝ قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِن أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً ۚ وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا.

ومن صفاتهم كذلك الجبن والشح، الجبن والشح، قال الله سبحانه وتعالى: أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ، هذا الشح، يعني أشحاء بعملهم، أشحاء بأموالهم، أشحاء بإقبالهم، أشحاء بحضورهم وبجهادهم إلى آخره، ثم بعد ذلك كما قال أيضاً كذلك أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ. هذا الشح، ثم ذكر الجبن، فاذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت. فالجبن والشح هذه جمع بينهما النبي صلى الله عليه وسلم فقال: شر ما في المرء، جبن شح هالع، جبن خالع أو جبن هالع وشح خالع كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فجمع بينهما في حديث واحد أن هذا شر ما في المرء، هذا شر ما في المرء.

السمة الأخيرة هي الظهور وارتفاع الاصوات بعد الازمات، ارتفاع ارتفاع الاصوات بعد الازمات، لما ينقضي الأمر ولما يذهب الأحزاب ولما تسكن الأمور ويذهب الخوف هنا تبدا الاصوات ترتفع، وتبدأ أصوات الفتنة وأصوات التي تدعي الشجاعة وتدعي القوة، تدعي الثبات، تظهر في ذلك الوقت وتظهر أصوات الطعن في المؤمنين وتظهر أصوات بث الفرقة بين المؤمنين، فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِلِسِدٍ حِدَادٍ. فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ. وسبحان الله، كم نرى في واقعنا اليوم من هذه الصفات؟ هذه الصفات العفيرة، انظر كيف جمعوا كل هذه الصفات وهذه الصفات نراها اليوم في هذا الواقع المحتدم فيه معركة الحق مع الباطل، نرى كثيرا من هذه الصفات في بعض الناس. وكلما اجتمعت وكلما اجتمعت العديد من الصفات في أناس فهم يكونوا أقرب إلى النفاق، يكونوا أقرب إلى النفاق.

وكما قال العلماء: إن الإنسان قد تكون فيه بعض خصال المنافقين وهو مؤمن، وكلما زادت هذه الخصال كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. فهذه الصفات نحن الآن نقراها ونخاف أن نتلبس بشيء منها، نحن نقراها ونحفظها، نحن نقراها ونحاول أن نجعلها نصب أعيننا لئلا نشابه المنافقين بشيء منها، كي لا يكون فينا خصال من خصال المنافقين.

وبعد هذا كله، وبعد هذا كله، تأتي الآية العظيمة، العظيمة في مضمونها وفي سياقها، العظيمة في مضمونها وفي سياقها؛ الآية التي تبرز النبي صلى الله عليه وسلم حاله وشأنه في هذا اليوم، الآية التي تجعل للمؤمنين مثلاً أعلى يقتدى به، وهذه الآية التي تشرف النبي صلى الله عليه وسلم وتبين حاله في هذه السورة التي شرفته كثيرا وعظمته، إذ يقول الله سبحانه وتعالى بعد كل هذه الآيات التي أبرزت النموذج السيء، قال: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا. لقد كان لكم جميعاً، لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، النبي صلى الله عليه وسلم كان سيد الصادقين، سيد الصادقين الذين صدقوا بربهم، صدقوا بوعد الله سبحانه وتعالى واحتملوا في ذلك اليوم الجوع والشدة والبرد والخوف، والذي كان يثبت المؤمنين وكان يبشر المؤمنين وكان يصبر المؤمنين في ذلك اليوم، وكان يلجا إلى الله سبحانه وتعالى، كما في حديث حذيفة الذي ذهب في وقت.

الخوف لما ذهب، قال: فرجعت فإذا النبي صلى الله عليه وسلم يصلي. كان يصلي لله سبحانه وتعالى، وكان متعلقاً بالله سبحانه وتعالى. هذا النموذج الثابت، هذا النموذج الثابت المثبت لغيره، لذلك هذه الآية يا جماعة هي من الآيات العظيمة جداً. وإذا كنا نقراها دائماً ونجدها حتى معلقة دائماً ويستشهد بها دائماً في السياقات العامة، فيجب أن لا نهمل سياقها كذلك؛ أنها جاءت في سياق الثبات وفي سياق العمل للدين وفي سياق الجهاد في سبيل الله وفي سياق مدافعة الباطل. لنا في رسول الله سبحانه وتعالى أسوة حسنة في الثبات عند الشدائد، لنا في رسول الله سبحانه وتعالى أسوة حسنة في الجهاد في سبيل الله، لنا في رسول الله أسوة حسنة في تحمل الجوع والخوف والبرد ومدافعه الكفار إلى آخر هذه الأمور.

فنعم، لنا أسوة حسنة للنبي صلى الله عليه وسلم، لنا في النبي صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في كل شأنه، وعلى رأس ذلك ما ورد في سياق هذه الآيات من ناحية العمل لهذا الدين والنصرة لله سبحانه وتعالى والصبر واليقين بالله سبحانه وتعالى وعدم التزحزح وعدم الانكسار. ثم بعد ذلك وبعد هذه الآية العظيمة يأتي ذكر الفريق المؤمن، يأتي ذكر الفريق المؤمن في آيات عذبة، آيات عظيمة، آيات نزلت برداً وسلاماً على قلوب المؤمنين، آيات تبرز هذا حال الفريق المؤمن الذي ثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم، قال مبرزاً أحوال قلوبهم، كما قلنا إن المعركة معركة قلبية في الحقيقة، مبرزاً أحوال قلوبهم وتمثلاتها على ألسنتهم، قال: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ.

وما أعظم كلمتهم هذه، والله ما أعظم هذه الكلمة التي ترى فيها الأحزاب، والأحزاب من اسمها أحزاب، كان هناك أمامهم عشرة آلاف مقاتل! هذا فضلاً عن اليهود الذين من خلفهم، هذا فضلاً عن ما أصابهم من الجوع ومن الخوف ومن التعب من حفر الخندق ونحو ذلك. لما رأوا الأحزاب، ولاحظوا لما رأوا، قال أبرز الموقف الذين رأوا فيه يعني هم كأنهم كانوا يسمعون سيأتي الأحزاب وسيأتي الأحزاب وكذا وكذا، فلما رأوهم أمام أعينهم هذا هذه الرؤية التي من شأنها أن تكسر الإنسان إذا رأى هذا الموقف، هذا الموقف الذي ثبتوا فيه، هذا كما حصل أيضاً في بالنسبة لأصحاب طالوت، هذا بالنسبة لأصحاب طالوت لما لما لما كانوا مع طالوت ماذا قال؟ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ، قَالَ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا: أي قال فريق منهم، قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ، فهناك ذلك الوقت الذي رأوا جالوت وجنوده هناك ثبت المؤمنون لما رأوهم، قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مَّلاقُوا اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ.

وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ. وهنا نفس الشيء: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا. ثم بعد ذلك الآيات العظيمة: مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا. فحقيقة الابتلاء في هذه الآيات هي حقيقة الابتلاء اختبار اليقين والتصديق.

ماذا قال المنافقون؟ قالوا: ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً. وماذا قال المؤمنون؟ قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله. كلهم كلهم يعرفون الوعد، في أحد صدق الوعد، وفي أحد لم يصدق الوعد. فالحقيقة، حقيقة الاختبار كان اختبار التصديق واليقين. كم أنت موقن بوعد الله سبحانه وتعالى؟ كم أنت موقن بوعد الله سبحانه وتعالى؟ فتأتي الشدائد فتكشف هذا القدر من اليقين.

الامر الثاني من شأن المؤمنين أنهم كانوا مرتبطين بالقران والتثبت به. فما معنى ما هذا ما وعدنا الله ورسوله؟ ماذا يقصدون؟ كما قال المفسرون وقال الطبري نقرا عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قوله ولما رأى المؤمنون الأحزاب الآية، قال: ذلك أن الله قال لهم في سورة البقرة، أنظروا هذه الآية التي تذكروها في ذلك الموقف لما جاء الأحزاب تذكروا هذه الآية، أن الله قال لهم في سورة البقرة: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثْلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَاسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا.

وزلزلوا، هذه تذكرك هنالك ابتلي المؤمنون، وزلزلوا زلزالاً شديداً، حصلت لهم هذه الزلزلة فتذكروا تلك الآية، قال وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب. قال ابن عباس: فلما مسهم البلاء حيث رابطوا الأحزاب في الخندق تأول المؤمنون ذلك، أي تأولوا هذه الآية، هذه الآية التي قال لهم هل تظنون أن تدخلوا الجنة ولا يأتيكم مثل الذين خلوا من قبلكم، الآن إثم فالأن هم هم أول هذه الآية جاء تأويلها، قال: وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا.

وهذا إن دل على شيء يدل على أنهم كانوا مرتبطين بالقرآن، كانوا حافظين لآيات الله يعني يعلمون معانيها مستقرة في قلوبهم، فما كادوا أن يروا الأحزاب ويزلوا تزلزل قلوبهم بهذا الكرب حتى تذكروا أن الله وعدهم بذلك فقالوا: هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا.

النقطة الثالثة من شأن المؤمنين هي شأن العهد، العهد الذي ذكر مرتين، مرة في شأن المنافقين ومرة في شأن المؤمنين. المنافقون ماذا قال؟ قال: وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُولُونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولًا. والمؤمنين قال: مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ. فالفريقين، الفريقان كلاهما عاهدوا الله، لكن هناك أحد يعني أحدهما صدق في عهده وثبت عليه وهناك أحد لم يصدق في عهده، لم يصدق في عهد الله سبحانه وتعالى.

وهذا يذكرنا يعني أن عهد الله مسؤول، ستسأل على هذه العهود. إذا كنت اليوم تقول: إذا جاء إذا جاء الابتلاء سأصبر، إذا جاءني المرض سأصبر أمام الله سبحانه وتعالى، إذا حصل لي كذا، إذا جاءتني الشدائد ساتوكل على الله. هذه عهود تعاهدها الله سبحانه وتعالى، فكم أنت صادق في هذا العهد؟ هذا يجب أن نسأل أنفسنا.

كما قال الله سبحانه وتعالى للمؤمنين الذين فروا يوم أحد قال لهم: وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ ان تَلَقَّوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ، وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ. فبالتالي لما تقول سافعل وافعل، لما تقول سأصبر، لما تقول ساثبت إذا جاء البلاء هنا انتبه، وحاول أن تجعل هذا العهد دائماً على عينك وتصدق الله فيه.

ونحن في كل يوم وليلة نقول في سيد الاستغفار وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، فنجدد هذا العهد، فلنجدد هذا العهد ولنصدق فيه ولنزكي قلوبنا ولنبتعد عن المعاصي والذنوب الذي التي تجعل للشيطان علينا سبيلاً. إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْنَ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ كيف؟ قال: بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا، يعني بعض ما ما كان لديهم من ال من الذنوب جعلت للسلطان للشيطان عليهم سلطاناً، فبالتالي ما استطاعوا أن يفوا بالعهد.

وهذا أمر يجعل الإنسان يخاف ويحذر ويحاذر دائماً أن يكون على طاعة الله كي يثبته الله سبحانه وتعالى دائماً. فهذه هذا هذه خلاصة حال المؤمنين اليقين والتصديق الوفاء بالعهد الصدق والثبات والارتباط بالقرآن. وشتان بين حال المؤمنين وبين حال المنافقين، بين سمات المؤمنين وسمات المنافقين. هذا يدل على أن أن هذا البلاء الذي ينزل الشديد الذي يكره المؤمن بطبعه الدنيوي: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ، فأنت قد تكره أشياء، لكنها تخرج أفضل وأجود وأكرم ما فيك إذا كنت مؤمناً بالله سبحانه وتعالى، هي تخرج أفضل ما في المؤمنين اليقين والتصديق والايمان وزياده الايمان والارتباط بالقرآن ووفاء العهود. هذا هو أكرم وأصدق ما فيك وأشرف ما فيك، هذه تخرجه الشدائد. فهذه من نعمة الله سبحانه وتعالى، ثم بعد.

ذلك أبرز الله سبحانه وتعالى الحكمة الإلهية، قال: لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا.

قال السعدي رحمه الله، أي قدرنا ما قدرنا من هذه الفتن والمحن والزلازل. ليش، لماذا يا رب كل هذا الابتلاء، لماذا تزيغ الأبصار وتبلغ القلوب الحناجر، لماذا يحصل هذا الفريق الذي آمن وصدق، قال: ليتبين الصادق من الكاذب، فيجزي الصادقين بصدقهم، ويعذب المنافقين الذين تغيرت قلوبهم وأعمالهم عند حلول الفتن، ولم يفوا بما عاهدوا الله عليه.

فكل شيء هو من حكمة الله سبحانه وتعالى، وله فيه حكمة بالغة سبحانه وتعالى.

أخيراً، في آخر المقطع، الله سبحانه وتعالى بعد هذا المشهد الذي تجولت فيه الآيات في دواخل النفوس، وكشفت دواخل النفوس ما بين حال المنافقين والذين في قلوبهم مرض، وما بين أقوالهم وما بين شكوك وما بين ظنونهم وما بين تخذيلهم، ثم تجوال هذه الآيات في قلوب المؤمنين وما فيها من التصديق وما فيها من الثبات وما فيها من الوفاء بالعهد وما فيها من عدم التبديل.

بعد كل ذلك، بعد كل ذلك ينتهي هذا المشهد. كل هذه الشدائد مضت، كل هذه الامتحانات وكل هذه الصعوبات كلها أصبحت من الماضي، تقرأ هذه الآيات الثلاث الأخيرة فتشعر أنها مثل الستارة التي تسدل على المشهد كاملاً، كيف أن الأمر بيد الله سبحانه وتعالى إذا شاء أن يزيله يزيله، وأن العاقبة في النهاية للمتقين، أن العاقبة في النهاية للمتقين.

هذا الأمر دائماً ما يأتي في القصص القرآنية، تأملوا أي قصة قرآنية تقرؤونها دائماً يأتي في خواتيمها ذكر أن العاقبة للمتقين وأن الهلاك للظالمين دائماً.

لذلك يقول الله سبحانه وتعالى: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا، وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا، وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا.

انتهى المشهد وكانت العاقبة للمؤمنين، كانت العاقبة للمؤمنين. وهناك لفتة يجب أن ينتبه لها الإنسان، ما هي هذه؟ هي معنى أن النصر، نصر من عند الله، وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ.

تلاحظ دائماً في يعني في الأفعال منسوبة إلى الله، دائماً تأتي الأفعال منسوبة إلى الله لا سيما الأفعال المتعلقة بالنصر والإنجاء وتدبير الأمر، دائماً في قصص الأنبياء وفي قصص المؤمنين الله هو الذي ينصر، هو الذي ينجي، هنا كل الأفعال منسوبة إلى الله: ورد الله الذين كفروا بغيضهم، من الذين ردهم؟ الله هو الذي ردهم، والله هو الذي كفى المؤمنين القتال، والله هو الذي أنزل الذين ظاهروهم.

فما قال الله سبحانه وتعالى ذهب المشركون وانتهى المشهد وانتهى القتال وما حصل كذا، وأنزل، قال: وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ، وقذف أي هو الله سبحانه وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا، وأورثكم سبحانه وتعالى وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وأرضاً لم تطئوها وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا.

لأنه على كل شيء قدير ولأنه قوي عزيز، وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا. وهذا يجعل الإنسان في مثل هذه الشدائد وفي مثل هذه الامتحانات يلجأ إلى الله، يلجأ إلى الله، لن ينصر أحد إلا الله، ولن ينجي أحد إلا الله سبحانه وتعالى، ولن يرد الكافرين أحد إلا الله سبحانه وتعالى.

وبذلك نكون قد انتهينا من التعليق على هذه الآيات العظيمة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما قلنا، وأن يزيدنا علماً وعملاً، ونجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

ونسأل الله سبحانه وتعالى أن ينصر المؤمنين المستضعفين في كل مكان، ونخص بالذكر أهلنا في غزة وأهلنا في السودان. أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينصرهم بنصره إنه قوي عزيز. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.