تسجيل الدخول

الاستهداء بالقرآن | لمَ تقولون ما لا تفعلون | المجلس الرابع والعشرون

عبد الرحمن أبو غيث
  • مدة الدرس:
  • قراءة

طيب، بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. حياكم الله، أهلاً وسهلاً ومرحباً، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا اللقاء لقاءً طيباً مباركاً، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا في هذه الساعة المباركة التي نتحلق فيها حول كتاب الله سبحانه وتعالى، ونستهدي فيها بهدايات هذا القرآن الكريم.

فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يعفو عنا، وأن يغفر لنا، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يجعلنا ممن يفعلون ما يقولون. اليوم سنتحدث بإذن الله عز وجل عن هذه الآية العظيمة الشريفة، أو هذا المقطع الشريف العظيم في بداية سورة الصف، الذي فيه ما فيه من الآيات والعبر، وفيه ما فيه من الهدايات التي يحتاجها حقيقة كل إنسان مسلم.

كل إنسان مسلم يحتاج لما في هذه الآية، الحقيقة وأنا أحضر لهذا المجلس، يعني من كثرة المعاني الموجودة في هذا المقطع في أول سورة الصف، يعني كنت متردداً بماذا أتكلم وماذا أدع من كثرة المعاني المهمة والتي يحتاجها حقيقة الإنسان المسلم.

فالحمد لله عز وجل الذي وفقنا لأن نتناول هذا المقطع، وكل مقاطع القرآن فيها هذا النوع من، سبحان الله، كثرة الفوائد وكثرة الخير والبركة، لذلك سماه الله سبحانه وتعالى كتاباً مباركاً أي كثير الخير، وسماه كتاباً كريماً، قرآن كريم، أي أيضاً كثير الخير والبركة.

فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يفتح علينا، ويزيدنا به علماً وعملاً. يقول الله سبحانه وتعالى في بداية سورة الصف: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ.

إذاً، هذا هو المقطع الذي ذكر الله سبحانه وتعالى فيه هذه الآية التي عنونا بها للقائنا اليوم: لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ. طيب، سبب نزول هذه الآيات؛ هذه الآيات لها أسباب، لها سبب للنزول، وهذا السبب يعني ورد في عدة أحاديث ذكرت في مسند الإامم أحمد وفي الترمذي وفي غير ذلك، وذكر المفسرون كثيراً من الأقوال التي وردت في سبب النزول كلها تدور حول قصة واحدة، وإن كان هناك بعض الأسباب الأخرى، لكن غالب المفسرين ذكروا هذا الأمر وربطوا هذه الآيات بهذه القصة التي ذكرت، والتي في مفادها أن، يعني يقول ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، قال، واسمعوا لهذه الحكاية العجيبة عندما نتكلم عن الآيات، مهم أن نستحضر هذا السبب: كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون: لوددنا أن الله عز وجل دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به. فأخبر الله نبيه أن أحب الأعمال إيمان به لا شك فيه، وجهاد لمن عصاه، الذين خالفوا الإيمان ولم يقروا به. فلما نزل الجهاد كره ذلك أناس من المؤمنين وشق عليهم أمره، كره ذلك أناس من المؤمنين وشق عليهم أمره، فقال الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ.

فهذا كان سبب النزول، سبب النزول يا جماعة، هذا سبب النزول الذي نزلت فيه هذه الآيات وهي عبارة عن مجلس، يعني لكم أن تتخيلوا، كان مجلساً ممكن نسميه مجلساً إيمانياً، مجلس إيماني جالسين فيه ثلة من المؤمنين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ويتذاكرون المعاني الطيبة، ويقولون: لوددنا أن الله سبحانه وتعالى دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به. الآن أنت بتقديرك الشخصي تقول: يعني هؤلاء يعني ما أزكى هذه المجالس، وما أزكى هذه النيات، وما أعلى هذه الدرجات، وما أعلى هذا العمل الذي جلسوا فيه وتذاكروا فيه هذا الكلام، وهذا كله صحيح.

لكن سبحانه وتعالى كان يريد بعد هذا القول الحسن كان يريد العمل، الله سبحانه وتعالى يريد العمل، فكما يريد منا أن نسابق إلى معرفة ما أحب الله أن نفعل، بعد ذلك أن نكون أسرع الناس إلى ما أحب الله سبحانه وتعالى، فلا يتخلف الفعل عن العمل. لذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما: كره ذلك أناس من المؤمنين وشق عليهم. فلكم أن تتخيلوا هذا المجلس العظيم الإيماني الذي يتذاكر فيه هذه المعاني، تنزل فيهم هذه الآيات الشديدة العظيمة التي يقول الله سبحانه وتعالى فيها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ.

وسناتي للحديث عن شدة الخطاب هذا، عن شدة الخطاب. لكن هناك إشارة قبل ذلك، وهي الإشارة إلى اتصال الوحي بالواقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، اتصال الوحي بالواقع؛ يعني الوحي كان يتنزل من السماء متصلاً بالمجالس التي تكون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، في الكلام الذي كانوا يتكلمون به، في النيات التي كانت تعقد، في الأعمال التي كانوا يتطلعون إليها، كان الوحي ينزل من الله سبحانه وتعالى، الله سبحانه وتعالى في عليائه يتكلم بكلام متعلق بما يدور في الأرض، وبما يتحدث به أهل الأرض، فهذا أمر عظيم وامر جليل الإنسان يتفكر فيه. القرآن هذا ليس منفصلاً عن الواقع، القرآن كان يتنزل على ما يحصل في الواقع.

لذلك من المهم لنا في واقع اليوم أن نربط ما نعمله بالوحي، وكأن الله سبحانه وتعالى يخاطبنا في ساعتنا هذه؛ فإذا جلسنا مجلساً نتكلم فيه مثلاً، تخلف فيه عملنا عن قولنا، نعاتب نفسنا بعتاب الله عز وجل لنا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، وكأن الآية نزلت عليك من السماء الآن، الله سبحانه وتعالى في عليائه يعاتبك بها. فهذا أمر عظيم وجليل أن الإنسان يربط بين الوحي وبين الواقع، وأن الوحي هذا ليس مجرد معاني يترنم بها، ولا آيات تقرأ منفصلة عما يحصل وعما تتحدث به مع أصحابك ومع أهلك وغير ذلك.

هذا أمر مهم جداً أن الوحي يكون متصلاً بما يحصل وبما تتحدث به وبما تكلم به وبما تتحرك به في هذه الأرض، تخاطب نفسك بما يناسب من الآيات التي خاطبت الصحابة رضوان الله عليهم.

الامر الثالث، وهو الأمر المخيف، والامر الحقيقة الذي يجب أن الإنسان يراجع نفسه فيه، أنه من كان يتصور، من كان يتصور أنه هذا المجلس الذي جلسه بعض المؤمنين في ذلك الوقت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: لو علمنا، لوددنا أن الله دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به؛ من كان يتصور أنه بعضهم ما يوفق للمسارعة بالعمل؟ يعني هذا مهم أن الإنسان يتصور، من كان يتصور أنه بعضهم لن يوفق أنه يسارع للعمل بعد ذلك؟

هنا تعلم أن العمل ترى توفيق من الله عز وجل، وليس كل من قال: اريد أن اعمل، ولا اريد يا رب أن أكون كما تحب، ولا دلني على ما تحب، أنه بالضرورة سيعمل. العمل توفيق، كما يوفق الانسان للقول فهو يوفق للعمل، والله سبحانه وتعالى يوفق أناساً توفيقاً خاصاً بأن يكونوا من الناس العاملين بما يقولون، وأن هناك من يقول كلاماً طيباً لكنه يتاخر في العمل، وهذا خطير جداً.

ومن يفعل ذلك ويكون عاده وسجية له يقترب من صفات المنافقين، يقترب من صفات المنافقين أنه يخالف قوله عمله، أو يخالف عمله قوله، وهذا أمر خطير جداً، فالعمل توفيق، ويجب الإنسان يدعو الله سبحانه وتعالى أن يرشده ويهديه لأحب الأعمال إليه، وأن يجعله مسارعاً للطاعات ومسارعاً للخيرات.

الأمر الثاني هنا، الآن ناتي لموضوع شدة الخطاب، شدة الخطاب يا جماعة، تصوروا لكم أن تتصوروا أنه ينزل الوحي من السماء بسؤال فيه استنكار لحال المؤمنين، تخيل أنت، تخيل ولله المثل الأعلى، تخيل أن واحد من وجهاء الناس أو من أمراء الناس أو من ملوك الأرض يقول

لما تفعل هذا الشيء؟ تخيل أن يوجه لك سؤال: لما تفعل؟ لما تقول كذا؟ لما لا تفعل كذا؟ هذا سؤال يعني صعب، سؤال صعب على النفس أنه: لما تفعل ذلك؟ لما فعلت ذلك؟ لما لم تفعل ذلك؟ هذه الصيغة صيغة السؤال المباشر صيغة صعبة وشديدة.

فكيف لو كان الله سبحانه وتعالى في عليائه هو الذي يعاتب، وهو الذي يخاطب، وهو الذي يحاسب هذه الثلة المؤمنة الطيبة التي هي تحب ما يحب الله سبحانه وتعالى وتحب أحب الأعمال، يقول لهم: لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ؟ هذا خطاب شديد.

هذا خطاب شديد وعظيم: لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ؟ يا جماعة، هذا ليس خطابا للمنافقين، يا هذه بداية الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ؟ فممكن يكون إنسان مؤمن يعاتب بهذه العتاب؟ نعم، ممكن. ونحن اليوم نسأل الله أن يغفر لنا، قد نكون وقعنا في كثير من ذلك، نقول أقوالا كثيرة ولا ولا نعمل بها ولا نفعلها ولا نفعل بمقتضاها، فهذا عتاب للمؤمنين.

والأشد من هذه الآية الآية التي بعدها، الأشد من هذه الآية الآية التي بعدها، اسمعوا ماذا يقول الله سبحانه وتعالى: كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ. حقيقة، لو ما قال الله سبحانه وتعالى في بداية الآيات: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، ما تصدق أنه هذه يخاطب بها المؤمنين.

كبر مقتا، يعني الله سبحانه وتعالى يبغض ويكره هذه الصفة، وليس فقط مقتا، وإنما كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ. هذه الص، يعني هذا الوصف ما ورد في القرآن في موطن آخر إلا في الكفار، إنه كبر مقتا عند اللـه، وعند الذين آمنوا، والله سبحانه وتعالى، لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم، هذا كان في الكفار، لكن هنا المؤمنين يخاطبون بهذا الخطاب، هنا تعلم أن هذا الأمر عظيم عند الله، وأنه ليس مجرد أي ذنب، هذا ليس مجرد أي ذنب مرة أخرى.

أنك تقول شيئا ثم لا تفعل بهذا القول، ولا تعقد العزيمة على الفعل، وتتاخر، يتاخر فعلك عن قولك، هذا صفة يبغضها الله سبحانه وتعالى أكبر البغض: كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ. فهذا خطاب شديد نعلم منه وهذه فائدة مهمة جدا جدا يا جماعه، من أهم الفوائد التي نخرج بها أنه هذا القرآن يعلمنا وزن وقيمة الأشياء والأعمال عند الله عز وجل.

يعني لو ما نزلت مثل هذه الآيات، هذه الآية وأمثالها، وقال لك أحد: والله، ما رايك أنك تقول كلام حسن لكنك تتاخر في العمل به؟ ممكن أنت تقدر تقول هذا عمل يعني معصية، ممكن تقول كذا، ممكن، لكن القرآن يعلمك لا، هذه الصفة نزل فيها عتاب: لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، بل قال بعدها: كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ. هنا تعلم يقينا أن هذا الأمر عظيم عند الله، وهذا من الفقه في كتاب الله عز وجل.

بل هو من اعظم الفقه في كتاب الله عز وجل، أن تعلم قيمة ووزن الأعمال عند الله عز وجل، أنه هذا مغلظ تغليظا أكثر من غيره، هذا الأمر مغلظ تغليظا أكثر من غيره، فتعلم أنه معظم عند الله سبحانه وتعالى أكثر من غيره. وهذا في كل شيء، في سواء في الأخبار أو في الأحكام.

حتى في الأخبار تتفاوت، في شيء عظيم عند الله أكثر من غيره، كما تعلمون مثلا، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بن كعب: أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ ففي شيء أعظم من غيره في القرآن، فقال: اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، فضرب على صدره وقال: والله ليهنك العلم أبا المنذر، يعني هذا من العلم، هذا من الفقه أن تعلم أن هذا أعظم من غيره، سواء في الأخبار أو حتى في الأحكام، أن هذا الذنب أكبر من غيره.

طيب، كيف تعرف هذا أمر؟ تعرفه في القرآن بإشارات كثيرة، منها أنه يكرر هذا الأمر، ومنه أنه يغلظ عقوبته مثل هذا، مثل هذا الموطن: كبر مقتا عند الله. لتتعلم أن هذا وزنه كبير جدا، فتخاف أن تقع فيه أكثر من خوفك مما هو أصغر منه من الذنوب، والذنوب تتفاوت.

فأنا أقول الفقه في كتاب الله عز وجل وأنا أضرب لكم مثلا على سبيل المثال: هل هناك شيء في كتاب الله شنعه الله سبحانه وتعالى وقبحه الله سبحانه وتعالى أكثر من الشرك؟ لا يوجد، فبالتالي تعلم أن الشرك هو أعظم المعاصي. كيف عرفت؟ القرآن يعطيك هذه الوزنية، هو يضبطها في نفسك.

وهذا كفائدة عملية يحتاج أن تتعرض كثيرا إلى القرآن، تتعرض كثيرا لكتاب الله عز وجل حتى تنضبط هذه الموازين في نفسك، تمر في هذه السورة ثم في السورة الثانية ثم في السورة الثالثة كلها تقول لك أن هذا الشيء غلط، فتعلم أن هذا، لأنه كرر فبالتالي هو شيء عظيم عند الله. الخلاصه: معرفة وزن الأعمال عند الله عز وجل من أعظم الفقه في كتاب الله عز وجل.

النقطه الثالثة، وهي نقطة تتلمس فيها رحمة الله عز وجل. ما هي هذه النقطة؟ هي أن الله سبحانه وتعالى يعرفنا في هذا القرآن بماذا يبغض وماذا يحب، ماذا يبغض وماذا يحب؟ لأنه قال هنا: كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ، أن هذا يبغضه الله عز وجل، ثم في الآية التالية: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ، فأخبرنا في الآية الثالثة أنه يبغض شيئا، وأخبرنا في الآية الرابعة أنه يحب شيئا.

ويا جماعة، هذا من أعظم رحمات القرآن، أنه يخبرنا ماذا يحب الله وماذا يبغض الله. تخيلوا يا جماعة أننا بعثنا أو اوجدنا الله قبل القرآن، يعني في قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، ما قرأ القرآن، تخيلوا أنك يعني ما تقرا ما قرات هذا القرآن، ما تعرف، ما ربما لو اصلحك الله لكانت أعلى امنياتك أن تعلم ماذا يحب خالقي؟ ممكن تقضي حياتك كلها كيف تريد أمنية في حياتك أنه نفسي اعرف ماذا يحب خالقي؟ ماذا يحب مني؟ طيب، ماذا يبغض مني؟

فمعرفة مرادات الله سبحانه وتعالى في كتاب الله عز وجل، كتاب الله عز وجل كله يخبرنا ماذا يحب الله وماذا يبغض الله؟ ماذا يحب الله وماذا يبغض الله؟ يريد منك أن تكون على هذه الصفة، لا يريد منك أن تكون على هذه الصفة، إلى آخره. لذلك سماه الله سبحانه وتعالى رحمة، هذا القرآن رحمة، رحمة لأنه يعرفنا بمرادات ربنا، بل يعرفنا بماذا يحب، بل يعرفنا بماذا أكثر الأشياء التي يحبها، ويعرفنا بماذا يبغض، وما هي أكبر الأشياء التي يبغضها.

أليس هذا نعمة كبرى في كل هذه كل هذا الوجود أن تعلم ماذا يحب خالقك وماذا يبغض خالقك، فتكون أسرع الناس لطاعة هذا الأمر والاستجابة لهذا الأمر؟ هذا أمر عظيم، فلذلك إذا توقفت في القرآن عند قول الله سبحانه وتعالى: الله يحب كذا، أو أنه لا يحب كذا، فهنا توقف وتلمس رحمة الله أنه ينزل عليك من السماء قرانا يخبرك بماذا بأنه سبحانه ماذا يحب وماذا لا يحب.

والله هذا نعمة، نعمة كبرى وجليلة من الله عز وجل، فالحمد لله الذي أنزل لنا كتابا من السماء يخبرنا بماذا يحب وماذا. وهذا هذه نعمة كبيرة جدا من نعم القرآن التي أنزلها الله سبحانه وتعالى، فالحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب.

الامر الرابع، أنه من نعمة الله سبحانه وتعالى علينا أن جعل هذه الشريعة، أن جعل هذه النقطة ركزوا فيها، أن جعل هذه الشريعة هي ذاتها محبوبات الله. الشريعة نفسها محبوبات الله عز وجل، يعني أنت لما تعمل بالحلال وتنتهي عن الحرام فانت تفعل ما يحب الله سبحانه وتعالى، محبوبات الله سبحانه وتعالى.

حتى يتضح لكم المعنى: الفرق بين العمل بشريعة الله وبين العمل بقوانين أهل الأرض، الدساتير وكذا التي يضعها أهل الأرض، أنك

انت تعمل عملا لمجرد أنه قانون، أنت ما تعمله لأنه يحبه صاحب القانون مثلاً القانون الكذا. لا والله، أنا أعمله لأنه يحب من وضع هذا القانون، يحب هذا العمل، أنا ما علي فيما يحب وماذا لا يحب، أنت تعمل لأنك تخاف أن تخالف القانون وتريد أن تطيع القانون فقط. هذا بالنسبة للقوانين الأرضية، أما بالنسبة لشريعة الله، فنحن القانون الإلهي الذي وضعه الله الشريعة هي هي ذاتها محبوبات الله. وهذا يجعل بيننا وبين الشريعة وبين القوانين وبين الحلال والحرام، يجعل بيننا وبينها رابطا عاطفيا ووجدانيا، فنحن إذ نستجيب ونطيع ونفعل الحلال وننتهي عن الحرام نحن نفعل ما يحب الله وننتهي عما يبغض الله.

فليس الأمر مجرد أنك أنت أطعت ولا أو خالفت، أنت أطعت وفعلت ما يحب الله، وأنت خالفت وأتيت ما يبغض الله سبحانه وتعالى. هذا يجعلك تحب الأمر والنهي، يعني أقصد يجعلك تحب الشريعة لأنها محبوبات الله، ليس لمجرد أنها قانون ممتاز ويضبط الأمور وكذا وكذا، هذا صحيح لكن هذه لا تنسى أن هذه محبوبات الله. لما أحد يقول لك هذا حلال هذا حرام فتذكر أن هذه محبوبات الله، أنت تقوم بها لأنها محبوبات لله سبحانه وتعالى. هذا يجعلك تحب هذه الشريعة وكل ما فيها أو تستحسنها، كما قال الله سبحانه وتعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ، أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون؟ فهذه الشريعة هي حسنة وهي كذلك محبوبة لله عز وجل، فهذا يجعلنا أسرع من غيرنا للاستجابة لأمر الله والاستجابة لشريعة الله عز وجل لأنها محبوبات الإله الذي خلقنا سبحانه وتعالى.

إن شاء الله تكون هذه النقطة واضحة. طيب، الآن نعود إلى الآية الأولى، نحن أخذنا الآيتين الثانية والثالثة، نعود للاية الأولى ثم نختم بالرابعة. قال الله سبحانه وتعالى بعد أن ذكرنا الآيتين الثانية والثالثة بدانا بها حتى نذكر سبب النزول وكذا، قال في بداية السورة في بداية سورة الصف: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ التسبيح لو أرadنا أن نتكلم عنه لا أخذ منا مجلس ومجلسين وثلاثة، يعني هذا التسبيح فيه كلام كثير، لكننا لن نتكلم الآن عن التسبيح خصوصاً، وإنما سنتحدث عنه في سياق وروده في هذه السورة، ما علاقة التسبيح بهذه الآيات التي تحدثنا عنها بهذه الثلاث الآيات التالية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ۝ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ۝ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَان مَّرْصُوصٌ.

فمما يُستأنس به من المعاني بتعلق التسبيح بالآيات التالية أولاً: أن نعلم أن حق الله عظيم؛ لأن التسبيح يا جماعة هو التعظيم. وهذه الآية في مطالع السور سبح لله يسبح الله أتت في العديد من السور، أليس كذلك؟ أنه تبتدئ بالتسبيح، فهذا تعظيم. وأرجو أن الإنسان ما يقرأ هذا المطلع قراءة سريعة، لا، سبح لله تتخيل ما في السماوات وما في الأرض وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ سبحانه وتعالى، حقيقة معنى التسبيح يجعل القلب يخشع لله سبحانه وتعالى وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ، يعني الله سبحانه وتعالى يقول إنه من يستشعر التسبيح كما قال الله سبحانه وتعالى: خَرُّوا سُجَّدًا إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا. ثم قال: وَيَسُبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ فالتسبيح متعلق بالخضوع، متعلق بالتعظيم، فالله سبحانه وتعالى حقه عظيم، يعني هذا المطلع يذكرك بحق الله الذي سبح له ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم، هذا المطلع يجعلك تخضع، يجعلك تسمع وتطيع، فكيف بعد ذلك تقولون ما لا تفعلون؟ كيف بعد ذلك تأخروا لما الله سبحانه وتعالى يقول لكم إنه يحب هذه الطاعة فتتاخر عنها، يحب الجهاد في سبيل الله فتتاخر عنه، يحب كذا، وهو الذي سبح له ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز سبحانه وتعالى الذي لا يمتنع عليه أحد وهو الحكيم في أمره ونهيه سبحانه وتعالى، كيف تقولون ما لا تفعلون؟ فأي واحد ما أي واحد يقصر في أمر أو نهي، أي أحد يقصر فما قام بحق الله، ما قدر الله حق قدره الذي سبح له ما في السماوات وما في الأرض، فهذا أمر مهم أن الله سبحانه وتعالى حقه عظيم سبحانه وتعالى الذي سبح له ما في السماوات وما في الأرض.

النقطة الثانية: أنه الله سبحانه وتعالى سبح له ما في السماوات وما في الأرض، خضع له ما في السماوات والأرض، كل هذا الكون متسق، كل هذا الكون متسق في التسبيح لله، كل هذا الكون خاضع لله سبحانه وتعالى طوعاً وكرهاً، كل أحد منقاد لله سبحانه وتعالى، إلا هذه الفئة الشقية التي لما خيرها الله سبحانه وتعالى فاختارت أن تكفر بالله عز وجل، هذه الفئة الشقية، الفئة الإنسان هذا الظلوم الجهول، إذا لما خيره الله سبحانه وتعالى هناك من كفر بالله سبحانه وتعالى فخالف نظام الكون كله. كل شيء يسبح لله سبحانه وتعالى: الحجر والشجر والنجم والشمس والقمر والدواب، كله يسبح لله سبحانه وتعالى ويسجد له، بينما هناك أناس كفروا بالله سبحانه وتعالى على هذه الأرض، فبالتالي الله سبحانه وتعالى يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا يحب الذين يسعون لأن يجعلون كلمة الله العليا، يدافعون أهل الباطل الذين ما سبحوا لله سبحانه وتعالى اختياراً، يحبون الذين يريدون أن يجعلوا كل هذا الكون متسق مع بعضه البعض فلا يكون فيه نشاز كأهل الكفر. الله سبحانه وتعالى بحكمته جعلهم فئة موجودة وهو الحكيم سبحانه وتعالى، وبحكمته أراد أن يوجد من يدافعهم فيكون الكون كله يسبح لله هذه إرادتهم، فهذه من علاقة التسبيح بهذه السورة.

الأمر الثالث: أن الله سبحانه وتعالى هو العزيز، هو العزيز الذي سبح له ما في السماوات وما في الأرض فلا تظن أنه محتاج إليك، لا تظن أنه محتاج، لا تظن لما الله سبحانه وتعالى ينزل قرآناً من السماء ويعاتبك ويقول لك لما تفعل ذلك لما لا تفعل ذلك، لما تقولون ما لا تفعلون، لا تظن أنه محتاج إليك. لا تظن أن لما يقول لك إن الله يبغض هذه الصفة يعني أن الله تضره معصيتك أو أن الله تنفعه طاعتك، لا، الله سبحانه وتعالى سبح له ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم، سواء أطعت أم عصيت فهو المنزه سبحانه وتعالى، وهو الذي لا يناله السوء سبحانه وتعالى ولا ينقص من ملكه شيء باعراضك عنه، منزه سبحانه وتعالى، سبح له ما في السماوات وما في الأرض، هنا تعلم أن الله غني، الله غني عنك، الله غني عنك نعم ينزل هذا القرآن يعاتب ويبين وكذا وكذا، لكن هذا من رحمته فقط وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ غني لكنه ذو رحمة سبحانه وتعالى، لذلك أنزل القرآن لكنه لا يحتاج إلينا.

الأمر الأخير في معنى التسبيح هو معنى أن المسبح وأن العامل لدين الله سبحانه وتعالى، الذي يقاتل في سبيل الله، الذي يسعى لأن يفعل ما يحب الله سبحانه وتعالى، فهذا هو أعظم المسبحين. التسبيح، نعم، التسبيح عظيم أن الإنسان يكرره، لكن التسبيح ليس مجرد أن تكرر التسبيح بلسانك، التسبيح باللسان عظيم وشريف وهو بل هو من أعظم الأعمال، لكن أعظم من ذلك أن تسبح بلسانك وأن تسبح بعملك. كيف تسبح بعملك؟ يعني أن تنظر في أهل الأرض من أين ينتقص من الله سبحانه وتعالى فتذهب وتجعل كلمة الله هي العليا في هذه الأرض. من هم الذين يفعلون ذلك؟ هم الذين يقاتلون في سبيل الله، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: من قاتل في سبيل الله من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، فالذين يقاتلون في سبيل الله هم الذين يريدون أن تكون كلمة الله العليا فيريدون

أن ينزهون الله في الأرض، لا يرضون أن ينتقص الله سبحانه وتعالى، لا يرضون أن يشرك بالله سبحانه وتعالى على هذه الأرض، لا يرضون بذلك، فهؤلاء منزهين لله، يريدون أن ينزهون الله حتى بأعمالهم. فاعظم المسبحين هو الذي يسبح بلسانه، ويسبح بعمله، وينزه الله سبحانه وتعالى، ولا يرضى بأن ينتقص الله سبحانه وتعالى أحد على وجه هذه الأرض، فيكون كل عمله في هذه الحياة تنزيها لله.

تنزيها لله أنه لا يرضى أنه في كلمة تكون أعلى من كلمة الله، لا، كلمة الله هي العليا، فلذلك يقاتل في سبيل الله. ولاحظوا كيف من يقاتل في سبيل الله بهذه النية فهو مختلف عن غيره؛ أن هو أكثر شيء يشغل في هذه الحياة هو أن تكون كلمة الله العليا، ينزه الله سبحانه وتعالى عن أن أحد يرفع كلمته فوق كلمة الله سبحانه وتعالى، فهو منزه لله بهذا المعنى، مسبح لله.

ثم قال سبحانه وتعالى: وهو العزيز الحكيم. العزيز سبحانه وتعالى؛ العزيز في أن أوجد هذه الفئات المختلفة، العزيز في أنه هناك ناس يعملون، هناك ناس لا يعملون، هناك ناس كفار، هناك ناس مسلمين، هناك ناس يقاتلون في سبيل الله، هو العزيز وهو الحكيم.

وهو بعزته لو شاء لأخضع الناس كلهم جميعا، لكنه حكيم في هذا التقدير، كما قال سبحانه وتعالى: ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ. عزيز سبحانه وتعالى لن يمتنع أحد عليه، ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم هذا العزيز، ثم قال ماذا؟ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ. هذا الحكيم سبحانه وتعالى، ولكن ليبلو بعضكم ببعض، فسبحانه العزيز، وسبحانه الحكيم، سبحانه الذي قدر كل ذلك، هو العزيز الحكيم.

طيب، أخيرا، آخر آية في هذا المقطع يقول الله سبحانه وتعالى: إن الله بعد أن ذكر -يعني سأل الصحابه: ما هو أحب العمل إلى الله سبحانه وتعالى؟ فعاتبهم الله لأنهم تاخروا في العمل إلى آخره- بين لهم ما هو أحب العمل إلى الله سبحانه وتعالى، قال: إن الله يحب -من هنا الآن كما ذكرنا مجرد ما تقرا يحب الآن ترعي سمعك وانتباهك وترى وتسمع ماذا يحب الملك القدير سبحانه وتعالى-: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ.

هنا تعلم شرف المدافعة في سبيل الله، شرف أنك تنصر دين الله سبحانه وتعالى. ولذلك من الأمور الحقيقة التي استفدتها من دكتور أحمد عبد المنعم -شرح هذه السورة شرحا جميلا جدا أوصي بالرجوع إليه- أنه كان من الأمور التي ذكرها أنه ماذا تتوقع؟ ماذا تتوقع أن يكون أحب العمل إلى الله؟ وهناك من يريد أن يطفئ نور الله كما أتى في هذه السورة، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ... يُرِيدُونَ لِيُتْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ فِي نفس السورة هذه.

فنور الله سبحانه وتعالى يريد أن يطفأ في هذه الأرض، فماذا تتوقع أن يكون أحب العمل إلى الله سبحانه وتعالى؟ ألا نصره دين الله عز وجل، ألا العمل لدين الله عز وجل، ألا مدافعة من يريد أن يطفئ نور الله سبحانه وتعالى. هنا تعلم شرف المدافعة، شرف أن تحمي هذا الدين ممن يريد أن يطفئ هذا النور، فشرف المدافعة هذه النقطة الأولى.

النقطة الثانية: أن الله سبحانه وتعالى ما أخبرنا فقط باحب العمل، بل أخبرنا بالعمل واخبرنا بهيئة العمل والهيئة، فما قال فقط إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله، بل قال: يقاتلون في سبيله، كيف؟ ذكر الهيئة، قال: صَفًّا، يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا، ثم مثل لهذا الصف وضرب المثل قال: كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ.

فيا من تعمل لهذا الدين، يا من تسعى لنصرة هذا الدين، يا من تسير وتريد أن تنصر هذا الدين، إلى العاملين وإلى المصلحين؛ الله سبحانه وتعالى كما يريد منك العمل يريد منك الهيئة. كيف تنصر دين الله سبحانه وتعالى؟ نعم، نصره دين الله عظيم، لكن كيف تنصر دين الله؟ هنا وصف الله قال: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ.

فالله يريد منك العمل، ويريد منك الهيئة أن تكون على الهيئه التي يحبها الله سبحانه وتعالى. فلا يكفي أن تقول: خلاص، الله يريد أن يحب الذين يقاتلون في سبيل صفا، يحب الذين يقاتلون، فانا ساذهب للقتال في سبيل الله عز وجل، تمام، لكن أنظر في تفاصيل هذا الأمر، كيف يريد الله سبحانه وتعالى مني هذا العمل؟ كيف يريد مني هذا العمل؟ فتنظر إلى الهيئه وتحاول أن تقترب من أعلى درجات ذلك العمل الذي شرعت فيه.

ونقف عند كلمة صف، نققف عند كلمة صف، هذه كلمة عظيمة وجليلة، الله سبحانه وتعالى يحب الاصطفاف من المؤمنين، الله سبحانه وتعالى يحب الاصطفاف، يحب أن المؤمنين يصطفوا؛ لأن الآية هنا قال يحب يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا، الله يحب الاصطفاف، ويحب أن المؤمنين يكونوا يدا بيد، ويكونون على هيئة واحدة، ويكونون منتظمين، ويكونون صافين.

لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا على أمر الصف، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصف الصفوف عند القتال بنفسه صلى الله عليه وسلم، كان يصف الصفوف بنفسه صلى الله عليه وسلم، ويبوء المؤمنين المقاعد للقتال بنفسه، كما قال الله سبحانه وتعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.

فهذا الاصطفاف، بالمناسبه هذا الاصطفاف حتى في الصلاة، حتى في الصلاة يعني في سواء في العبادة أو في القتال في سبيل الله، يعني في شتى المراحل وفي هذه الأعمال، يحب الله سبحانه وتعالى أن يكون المؤمنين فيها على هيئة صف واحد، صف واحد، وجهتهم وجهة واحدة، أكتافهم عند أكتاف بعض، متساوين إلى آخره، الله سبحانه وتعالى يحب ذلك.

والنبي صلى الله عليه وسلم كان معتني بذلك أشد العناية، فكان كما كان يصفهم عند القتال كذلك كان يصفهم بنفسه صلى الله عليه وسلم، كان يصفهم بنفسه عند الصلاة، وكان يعتني بالصفوف، وسبحان الله في مقاصد كثيرة في موضع الصف، من ضمنها أنها أن موضوع الصف يخبرنا بأنه الاصطفاف يقرب القلوب إلى بعضها البعض.

الاصطفاف يقرب القلوب إلى بعضها البعض، الله سبحانه وتعالى يريد منا أن يكون هذا العمل عملا جماعيا، نقترب فيه من بعض البعض، نكون لا يعمل كل واحد بمفرده، لاحظوا يا جماعه هذا أمر يحبه الله، هذا ليس مجرد حتى نحقق الغاية فقط، الله يريدنا أن نكون متقاربين في العمل لهذا الدين، يريدنا أن نكون متقاربين في العمل لهذا الدين.

وكما قال -يعني كما ذكر- أنه لا تدعوا فرجة للشيطان في الصلاة، لا، كونوا صفا متقاربين، لا تدعوا فرجة للشيطان، كذلك في العمل للدين، كلما زادت الفراغات بين العاملين لهذا الدين الذين ينصرون هذا الدين، كلما زادت الفراغات زادت الفرج التي يدخل منها الشيطان.

فلا، نحن مامورون شرعا أن نقترب من بعضنا البعض، ونقترب بذلك من محبوبات الله عز وجل، فهذا أولا. الأمر الثاني، أنه أيضا كما ذكر أنه إذا لم نقترب من بعضنا البعض عند مدافعه العدو فمتى نقترب؟ فمتى نقترب؟ اولى المواطن التي يجب فيها أن يقترب الناس من بعضهم البعض هي عندما يدافعون، عندما يعملون، عندما يقاتلون في سبيل الله، عندما ينصرون هذا الدين؛ لأن لك عدو مشترك، فاذا ما اجتمعت الآن متى ستحجتمع؟ متى ستصطفون مع بعضكم البعض؟

وهنا يعاتب، يعاتب من يفرق بين المسلمين في مثل هذه المواضع، ويحمد ويثنى على من يقرب بين المسلمين العاملين الصادقين المؤمنين في عملهم لهذا الدين. الأمر الثاني أن هذا الصف فيه معنى المساواة، فيه معنى المساواة المساواة، يعني وعدم التكبر، أن ما في أنا في الأمام وانت في الخلف، أنا في كذا، لا، صف صفا واحدا؛ الغني جنب الفقير جنب كذا جنب... الله سبحانه وتعالى يحب أن نكون منشغلين بما أحب الله سبحانه وتعالى، وليس منشغلين بالفروقات فيما بيننا.

فالخلاصه أنه يجب أن يكون مع... لا يكون هناك اختلاف، ثم ذكر الله سبحانه وتعالى بعد ذلك أخيرا قال: كأنهم -بعد أن ذكر الصف- قال:

كأنهم بنيان مرصوص. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كأنهم بنيان مرصوص؛ أي مثبت لا يزول، ملصق بعضه ببعض. أن تتخيل، تخيل أن المسلمين في عملهم في نصهم لهذا الدين، كل واحد منهم كأنه لبنة، كل واحد منهم كأنه لبنة في هذا البناء، بناء العمل لهذا الدين. تخيل هذا الأمر، فبالتالي كل ما وجد فراغ، كل ما وجد فراغ بين هذه اللبنات، كل ما كان البناء كله غير مكتمل.

كل هذا البناء غير مكتمل، فأنت بتفرقك عن الآخرين وبعملك وحيداً، وبعدم تقاربك من المسلمين، بعدم اصطفافك معهم، أنت تخرب هذا البناء، بناء العمل للدين. الله يريد أن يكون بناء محكماً، جميلاً، متقارباً، مثبتاً، مصطفاً. هذه فيها معانٍ كثيرة؛ المعنى الأول الذي أشار له ابن عباس رضي الله عنهما هو الثبات، البناء يكون ثابت، الصف يكون ثابت، يعضد بعضهم بعضاً، يثبت بعضهم بعضاً، هذا ضعيف اللي جنبه يقوي، ما في أحد شغال لحاله. كل واحد يصيبه ضعف في العمل للدين وكذا، لكن هناك معنى أنه يقوي بعضهم بعضاً، البنيان يقوي بعضهم بعضاً.

كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: يشد بعضه بعضاً. البنيان، هذا حال الأمة، يجب أن نكون كالبنيان يشد بعضنا بعضاً، نقوي الآخرين. ثانياً، البنيان نفسه يكون قوي، فيكون ضد هجمات الأعداء، ضد كذا؛ لأننا مجتمعين، لأننا صف واحد. الأمر الثالث، هي فكرة تكامل الأدوار، تكامل الأدوار أيضاً مما ذكره الدكتور أحمد عبد المنعم ذكر نقطة جميلة جداً، وهي أنه أنت لبنة، لا تظن أنك بناء، يعني لا تتوهم أنك بناء كامل، أنت لبنة، فأنك تعرف قدرك وتعرف دورك هذا يجعلك تصطف مع الآخرين وتكون في مكانك. نعم في لبنة في الأعلى، في لبنة في الأسفل، تختلف الأدوار، تختلف كذا، لكن أنت لبنة في بناء.

إذا اردت أن تعمل لحالك ستظل لبنة واحدة، لن تكون بناء، لن تحقق شيئاً من ناحية العمل لهذا الدين الجماعي الذي يدافع الأعداء أو يدافع كذا، فلن ينال شرف المدافعة عن الدين كما يريد الله سبحانه وتعالى إلا من لبنة في بناء مع الآخرين بناء مرصوص، كل واحد في دوره. هذا الأمر الآخر، أنه لا تستقل دورك، لا تستقل دورك، واحد يعمل كذا، واحد يعمل فيه يعني تخيلوا مثلاً من يجاهد في سبيل الله، لو ما في أحد يعد له الطعام مثلاً، لو ما في أحد يعد له الطعام، هل كان يستمر؟ لا، خلاص هناك أحد سد هذه اللبنة، سد هذا الفراغ. وهنا شرف أنك تنتمي للصف، تنتمي للصف، فحتى لو كان دورك قبيلاً أنت تنال شرف تحقيق الغاية مع الصف.

تحقيق الغاية مع الصف، ما تستقل نفسك حتى لو كان دورك أن تقم المسجد كما كان بعض من كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، خلاص، هذا دوره، لكنه كان يخدم الغاية التي يقوم بها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فهنا يجعلك ما تستقل دورك، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة. فخلاصة أن الله سبحانه وتعالى هذا الأمر أمر القتال في سبيل الله، وكيف نقاتل في سبيل الله، ثم وكيف ننصر الدين عموماً، كيف نعمل لهذا الدين، يريد منا سبحانه وتعالى صفة خاصة، أن نكون صفا متراصين، متعاضدين، متساويين، متعاونين، نقوي بعضنا البعض، نثبت بعضنا البعض، نكمل بعضنا البعض.

الذي يرى نفسه في بنيان، يعلم أنه محتاج للاخرين، محتاج للتكامل مع الآخر، أنت محتاج للتكامل مع الآخر الذي يعمل لدين الله عز وجل، لا تستقل بنفسك حتى لا تكون مجرد لبنة أو لبنتين، بل تكون بناء كاملاً بالتعاون مع الآخرين والتقارب كما ذكرنا.

طيب، خلاصة وختاما في هذا المجلس، الله سبحانه وتعالى يريد منا أن نعمل بكل هذه الفائدة العملية، كل ما ذكرناه الله سبحانه وتعالى يريد منا أن نعمل بما نعلم، وأن نفعل ما نقول، وأنه من أحب الأشياء إلى الله سبحانه وتعالى العمل بالعلم، ومن أبغض الأشياء إلى الله سبحانه وتعالى أن لا نفعل ما نقول، كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ. لذلك مما ذكر، قال عن الأوزاعي قال: بلغني أن الله عز وجل إذا أراد بقوم شرا ألزمهم الجدل ومنعهم العمل.

ألزمهم الجدل ومنعهم العمل، الإنسان الذي يتكلم كثيراً ويتخلف عمله كثيراً، فهذا أراد الله به شرا، والقوم والحالة والمجموعه التي يكثر فيها الكلام والجدل والقيل والقال ويقل فيها العمل لهذا الدين والتضحية وفداء النفس من أجل الله سبحانه وتعالى ومن أجل نصرته، هذا أراد الله به شرا. وأيضاً مما روي في البيهقي أن قيل: إذا أراد الله بعبد خيراً فتح عليه باب العمل وأغلق عليه باب الجدل، وإذا أراد بعبد شرا أغلق عليه باب العمل وفتح عليه باب الجدل.

فختاماً نقول: نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يقولون ما يفعلون ويففعاون ما يقولون، نسأل الله سبحانه وتعالى ألا يجعلنا ممن يتخلف عملهم عن قولهم، ونسأله سبحانه أن يجعلنا ممن إذا استمعوا إلى القول يتبعون أحسنه، وأن يجعلنا ممن يحبهم الله سبحانه وتعالى، فالله سبحانه وتعالى يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص. وقال في سوره المائدة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.

وبذلك نختم هذا المجلس، فسبحان الله الذي أنزل هذا الكتاب، وسبحان الله الذي علمنا هذا الكلام العزيز الجليل، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا ذنوبنا، وأن ينصر إخواننا المستضعفين من المسلمين في كل مكان، وأن ينصر هذا الدين، وأن يعز أهل الإسلام والمسلمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.