تسجيل الدخول

الاستهداء بالقرآن | {وما صاحبكم بمجنون} | المجلس الخامس والعشرون

عبد الرحمن أبو غيث
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. حياكم الله أهل البرامج العلمية، وأهلاً وسهلاً بكم. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا المجلس من المجالس الطيبة المباركة، نجعلها من مجالس تدارس القرآن التي تحفها الملائكة وتغشاها السكينة، ويذكر الله سبحانه وتعالى أصحابها فيمن عنده، وتتنزل عليهم الرحمات.

بإذن الله سنتذاكر آيات من القرآن تتحدث عن هذا العنوان: وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ. وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ هذه الآيات تتناول هذا الاتهام الذي اتهم به النبي صلى الله عليه وسلم، ونبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم لما جاء بالرسالة، رسالة إلى أهله وقومه الذين كانوا يعرفونه. بعد ان جاءهم بالرسالة، فجأة اتهم بالجنون، صار في أعينهم مجنون، صاروا يتنادون لبعضهم البعض كي يروا ذلك الذي سموه مجنوناً، حاشاه صلى الله عليه وسلم. وهذه دعوة كبيرة ودعوة عظيمة، نريد أن نلقي الضوء على بعض الآيات التي جاءت في القرآن تتناول هذه الدعوة، وكيف الله سبحانه وتعالى بين هذا الأمر، وكيف الله سبحانه وتعالى تناول هذه القضية وكيف عالجها، كيف خاطب النبي صلى الله عليه وسلم، وما الذي نستفيده نحن.

هذا أمر يعني أمر عظيم جداً حقيقة. يعني الدرس هذا وتناول هذا الموضوع فيه شيء من العاطفة الوجدانية المتصلة بالنبي صلى الله عليه وسلم، أنه النبي صلى الله عليه وسلم يعني نحن نتحدث عن موضوع كان يؤلمه، وكان يزعجه، وكان يحزنه، ويضيق صدره من أجله مثل هذه الاتهامات. النبي صلى الله عليه وسلم اتهم باتهامات كثيرة؛ اتهم بأنه مجنون، وأنه ساحر، وأنه شاعر، وأنه كذاب، إلى آخره من الاتهامات البشعة التي قالها الكفار الجاحدون المعاندون لما جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم. اليوم فقط سنلقي النظر إلى تهمة واحدة، ونرى كيف جاءت في الوحي؛ تهمة أنهم اتهموا النبي صلى الله عليه وسلم في عقله وقالوا أنه مجنون، حاشاه صلى الله عليه وسلم.

وستجدون في تناول هذه الآيات كيف أن هذا الموضوع واسع في القرآن وأتى كثيراً، وهذا يدل على أنه من المواضيع المهمة الجديرة بالانتباه وبالوعي، وبأن يعي بها الإنسان لا سيما من يريد أن يسير على خطى النبي صلى الله عليه وسلم. أهم فائدتين سنخرج بها من هذا المجلس بإذن الله عز وجل: الأولى أن نتذكر حبيبنا وسيدنا ورسولنا صلى الله عليه وسلم، أن نتذكر كيف وما الذي لاقاه، وما الذي عاناه كي يوصل لنا هذا الدين. ماذا واجه صلى الله عليه وسلم؟ من ماذا عانى؟ وبماذا اتهم؟ ومن هم الناس الذين واجههم؟ وما هي صفاتهم؟ هذه من جهة.

ومن جهة أخرى، أن نرى مقامه عند ربه، أن نرى مقام النبي صلى الله عليه وسلم عند ربه، أن نرى كيف الله سبحانه وتعالى يعالج هذا الأمر، كيف الله سبحانه وتعالى يدافع عنه، كيف الله سبحانه وتعالى يواسيه ويصدره إلى آخره. هذا كله الشق الأول. الشق الثاني أننا نريد أن نتعلم طبيعة هذا الطريق. من يريد أن يسير على خطى النبي صلى الله عليه وسلم، من يريد أن يكون من وارثي منهاج النبي صلى الله عليه وسلم، من يريد أن يكون داعية إلى الله سبحانه وتعالى على سبيل النبي صلى الله عليه وسلم: قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي، فنحن نريد أن نكون من المتبعين للنبي صلى الله عليه وسلم في أخص وظائفه، وهي الدعوة إلى الله عز وجل، لازم نعلم ما هي طبيعة هذا الطريق.

لازم نعلم ما هي طبيعة هذا الطريق الذي واجه الذي يعني لاقاه النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الاتهام، والذي لاقاه الأنبياء من قبله، والذي يثبت أن هذه هي طبيعة الطريق. فهذا هذان الشقان هما التي سننظر لها؛ أنه ماذا نستفيد نحن؟ فبالتالي ستكون لنا عين على الواقع من جهة الفوائد، وكي وأيضاً من جهة تذكر النبي صلى الله عليه وسلم مما يزيد من محبتنا له ومن تعظيمه ومن توقيره ومن تعزيره، كما قال الله سبحانه وتعالى: لِّتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ، وقال: فالذين آمنوا به قال: فالذين آمنوا به واتبعوا. اللهم صل وسلم على محمد.

قال الله سبحانه وتعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحُرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. فهذا كلمة عزروه هذه فيها تعظيم، أمر بالتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم؛ فمما يجعلنا نعظمه أي أن نعرف ما الذي لاقاه وما مقامه عند الله سبحانه وتعالى.

طيب، هذه الآية التي ترونها أمامكم من سورة سبأ، يقول الله سبحانه وتعالى فيها: لاحظوا هذه الآية، كأنك تعيش في مكة. هذه الآية تذكّرك كأنك في مكة، أنك عدت بالسنوات وترى كيف كان الكفار المعاندون المعرضون يتعاملون مع النبي صلى الله عليه وسلم. فقالوا: لاحظوا هذه الآية: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ. يعني هم كانوا كأنهم يتعازمون ويتنادون وينادي بعضهم بعضاً: تعالوا لننظر، تعالوا هل ندلكم إلى على رجل، تعالوا لننظر إليه، أَفْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ. كأنهم يتساءلون: هل تظن أنه افترى على الله كذباً، أو أنه مجرد مجنون حاشاه صلى الله عليه وسلم؟

فهذا كان حال النبي صلى الله عليه وسلم مع الكفار أنهم كانوا يتخذونه هزواً، كما قال الله سبحانه وتعالى: وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا. فكانوا إذا راوه في مكة، وإذا راوه في طرق مكة، كانوا يعني يتهمونه ويتنادون تسفيهاً وتحقيراً، يعني تكبراً على ما جاء به واتهاما له بالجنون وكذا والكذب والسحر إلى آخره. فكانوا يقولون: هل ندلكم على رجل؟ ليس من أجل الاستماع له، بل من أجل الاستهزاء به صلى الله عليه وسلم، من أجل الاستهزاء به صلى الله عليه وسلم. فهذا ما كان يجده النبي صلى الله عليه وسلم، هذا ما كان يلقاه: أَفْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ، يعني ما الذي به؟ ماذا به هذا الرجل؟ ثم قال الله سبحانه وتعالى: بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَضَلَالٍ بَعِيدٍ. فكان هذا من أوجه ضلالهم أنه كيف وصفوا النبي صلى الله عليه وسلم. ودائماً ما يذكر الله سبحانه وتعالى ضلالهم بعد هذه الاتهامات.

طيب، أول نافذة نريد أن نفتحها أن نقول أن هذا الاتهام، اتهام النبي صلى الله عليه وسلم بالجنون، كان اتهاماً كبيراً واتهاماً مؤلماً. لماذا اتهام كبير واتهام مؤلم؟ سناخذ عدة نقاط.

النقطة الأولى أنه بحسب كرم النفس، بحسب ما يكون الانسان كريم يكون يعني بعيداً عن الأذى. النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن ياتي بالرسالة كان أبعد الناس عن الأذى بالكلام، أبعد الناس عن أنه يتهم أو يقال عنه كذا أو يقال عنه ساحر أو كاذب أو يقال عنه أنه افترى على الله كذباً. ما كان يقال عليه هذا الكلام، كان كريماً وكان شريفاً في قومه، وكان لا يرونه قومه إلا يعني يحبونه ويلقبونه بالصادق الأمين إلى آخره. فكان محبوباً صلى الله عليه وسلم، كان كريماً بينهم ذو نسب وذو خلق إلى آخره.

فهذا الشخص الكريم البعيد عن الأذى، هذا نفسه صلى الله عليه وسلم هو الذي كانوا يفلّتون سفهاءهم عليه ويرمونه بالاتهامات كلما راوه في طرق مكة.فكرم النفس؛ الإنسان كريم النفس يتاذى من الأذى، ليس كالإنسان مثلاً الإنسان السفيه الذي اعتاد على سماع الأذى وكذا. الإنسان الكريم يعني يترفع عن الأذى ولا يحب أن يسمع الأذى ويكون بعيداً عن الأذى. لذلك كان هذا الاتهام ومثاله مما يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم وهو الشريف وهو الكريم صلى الله عليه وسلم أكرم أكرم قومه.

الأمر الثاني أنه شرف المهمة، شرف المهمة. يعني أنت لما تكون تعمل عمل أصلاً عمل خاطئ، ثم يأتيك من الأذى القولي، ويأتيك من، مثلاً أنت تكون على سبيل المثال إذا كان واحد يسب الناس أو يكون لصاً أو يكون كذا، فهذا إذا أوذي، فهو مستحق لهذا الأمر. وكلما كانت مهمته شريفة ولم تكن وضيعه كان الأذى مؤلماً بالنسبة له لأنه الآن هو قائم بمهمه شريفة.

فكيف بمهمة النبي صلى الله عليه وسلم التي هي الرسالة من الله عز وجل، يتلقى وحياً من السماء، يقابل جبريل ثم يأتي بالوحي، ثم يخرج ينزل إلى الناس، ويحذرهم، ويريد نجاتهم، ويحرص عليهم، ويتألم لتكذيبهم، ويريد لهم النجاة، يريد أن ينقذهم من النار. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: أنا آخذ بحجزه عن النار وأنتم تفلتون مني. كان يتألم النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الله سبحانه وتعالى: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا.

فشرف المهمة وعظم المهمة، وأيضاً فيها مصلحة لهؤلاء الذين يدعوهم، ثم بعد ذلك يجد التكذيب، ويجد المعاندة، ويجد الحقد، ويجد الاتهامات له بالجنون وبالهذيان وبفقدان العقل إلى آخره. قد يكون النبي صلى الله عليه وسلم ما توقع هذا أصلاً، قد يكون ما توقع هذا من البداية؛ لأنه هو الآن يريد مصلحتهم. ويدل على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم لورقة بن نوفل لما قال: ليتني فيها جذعاً إذ يخرجك قومك، قال: أو مخرجيهم؟ يعني أنا أتيهم بهذا الحق، وأنا أنقذهم من النار، وأنا أكون رسول الله إليهم، المفترض أن يعني يفرحوا بهذه الرسالة، المفترض أن يكونوا أسرع الناس للفخر بها وللشرف بها أنها جاءت فيهم، قال: أو مخرجيهم؟

أمر ليس عادي، أنه أنا آتي من أجل مصلحتك، أنا آتي لكي أنقذك من النار وأنت تتهمني بكل هذه الاتهامات، وتعرضني لكل هذا الأذى، وتتهمني في شرفي، وتتهمني في مكانتي، وتتهمني في عقلي. فهذا كلما كانت النفس كريمة وكانت المهمة شريفة، كان الأذى الذي يتعرض له الإنسان أكبر وأشد ألماً للشخص.

لذلك في هذه الكلمة قالوا ماذا؟ افترى على الله كذباً. يعني تخيلوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسمع هذا الكلام، من الذي يفتري على الله كذباً؟ هو رسول الله. كلمة عظيمة، أنها تقال، يعني كلمة كبيرة تخرج من أفواههم من يقولون هذا الكلام: افترى على الله كذباً أم به جنة؟ فإنا مشغول، يعني هو مشغول صلى الله عليه وسلم بالرسالة وبخبر السماء وبجبريل وكذا، وهم في هذه الاتهامات.

كما قالوا أيضاً: وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر، استهزاء، يعني يستهزئون بمهمته هذه، هو يقول لهم إنه أتاني الذكر من الله عز وجل وأن أتتني الرسالة وأن أتيكم، فانظروا لاستهزائهم: وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون. يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون، هذا ذكر، ما ذكر ملائكة ورسالة من السماء، وواضح أنك حاشاه صلى الله عليه وسلم كما يقول الكفار يقولون واضح أنك مجنون، هذا الأخبار تدل على جنون هذا الذي يقولونه، فيعرضون بمهمته الشريفة: وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون.

وأيضاً في سورة القمر قالوا: أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشَرٌ. فيطعنون في صدقه صلى الله عليه وسلم، كيف أنت من بيننا صرت الرسول؟ بل هو كذاب أشر، يتهمونه بالكذب، ثم الله سبحانه وتعالى يقول: بَلْ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ. وأنا كما ذكرت لكم أنا الآن يعني فقط ساستعرض الآيات التي فيها ذكر أنه ذكر هذا الاتهام، الاتهام بالجنون، بينما الاتهامات كثيرة والآيات واسعة إذا أرادنا أن نوسعها ولكن يضيق المقام بها.

الامر الثاني مما يثبت أنه هذا اتهاماً كبيراً، والعناية بهذه الآيات أمر عظيم، وأنها دعوة لم تكن دعوة يعني مجرد شيء قليل، الأمر الثاني أنه مجرد أن الله يذكرها في القرآن، مجرد أن الله سبحانه وتعالى يسجل هذا الاتهام في القرآن فهذا يدل على عظمها ووقعها في ذلك الوقت، وأنها كانت دعوة كبيرة أطلقوها في مكة.

الأمر الثاني ليس كذلك، ليس فقط كذلك، وإنما كررها الله سبحانه وتعالى، يعني مجرد الذكر في القرآن تدل على عظمها، ثم في تكرارها يدل على عظمها. آيات كثيرة جاءت تذكر اتهامهم للنبي صلى الله عليه وسلم بالجنون، آيات كثيرة وسنستعرض معكم العديد من الآيات. طيب لماذا ذكر الله سبحانه وتعالى هذا الأمر عدة مرات؟ ألا وانه الأمر كان وقعه على النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى الصحابه معه، وعلى المسلمين عموماً، وكان وقعه كبيراً، أن الله سبحانه وتعالى في كل مرة يذكر هذا الأمر، ويواسي النبي صلى الله عليه وسلم، ويرد على هذه القضية على الكفار. يعني واضح أنه كان أمر عظيم، أمر عظيم في مكة أن يقال أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مجنوناً. فذكر الله سبحانه وتعالى هذه القضية مراراً وتكراراً في كتابه، وأتى بها على سبيل الفعل المضارع: ويقولون، كأنه أمر تكرر منهم مراراً مراراً.

الأمر الثالث مما يثبت أن الأمر كبير، ومما يثبت أن أهمية هذا الأمر هي عناية الله سبحانه وتعالى بالدفاع بنفسه سبحانه وتعالى. الدفاع بنفسه، أن الله سبحانه وتعالى تولى الدفاع، تولى الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم وتولى الرد على هذه التهمة الشنيعة بنفسه سبحانه وتعالى، وهذا يدل على أنه أمر كبير.

ومن أهم ما يثبت هذا الأمر أن الله سبحانه وتعالى اقسم على هذا الأمر، القسم يا جماعة في القرآن عظيم، لذلك ماذا قال الله سبحانه وتعالى: ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ. يقسم الله سبحانه وتعالى: ما أنت بنعمة ربك بمجنون. هذا يدل على أن هذا الأمر كبير عند الله عز وجل، هذا أمر كبير عند الله عز وجل، فالله سبحانه وتعالى اعتنى بنفسه بأنه يرد على هذا الأمر.

فهنا في الآيات التي ترونها، نحن الآن هذه النقطة الثالثة، أنه الله سبحانه وتعالى دافع بنفسه عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الدعوة، وأيضاً اعتنى بالنبي صلى الله عليه وسلم وصبره وواساه. وهذا يدل، لما ينزل القرآن من السماء يواسي النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذكر هذه الدعوة، يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان محتاجاً لهذه المواساة، كان محتاجاً لهذا التصبير، كان محتاجاً لأن الله سبحانه وتعالى يتولى هذا الأمر، ويبين هذا الأمر للكفار، ويثبت قلب النبي صلى الله عليه وسلم. كل هذا يدل على أن هذا الأمر كبير عند الله عز وجل، فلاحظوا الآيات في أول سورة الحجر قال سبحانه وتعالى: وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ لَّوْمَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ.

لاحظوا بعد أن قالوا ذلك، ماذا رد الله سبحانه وتعالى؟ الله سبحانه وتعالى بنفسه رد، قال: مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُّنظَرِينَ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ. ثم يواسي نبيه صلى الله عليه وسلم: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِمْ يَسْتَهْزِئُونَ. الله سبحانه وتعالى يقول لنبيه: لا تغتم، ولا تهتم، ولا تظن أن هذا الأمر بدعاً من الأمر، هذا شأن الرسل، الرسل كلهم اتهموا بهذا الأمر.

كما قال الله سبحانه وتعالى: كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ. فهذا يدل على أن هذا كان داب الأمم السابقة، أنهم كانوا يتهمون رسلهم أنهم ساحر مجنون كذاب، نفس الدعوات. طب هذا الأمر كان هذه المعلومة كانت يثبت

بها قلب النبي صلى الله عليه وسلم، وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهٖ يَسْتَهْزِئُونَ.

إلَّا كانوا به يستهزئون، هذه سورة الحجر سورة عظيمة في هذا الباب. هذه سورة الحجر هي نفسها التي قال الله سبحانه وتعالى فيها: إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ في آخرها. طيب، من الآيات التي فيها أيضا موضوع الدفاع والتصبير والمواساة، قول الله سبحانه وتعالى في سورة المؤمنون: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ.

أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون، أم يقولون به جنة. أم يقولون به جنة، لاحظوا كيف أتى رد الله سبحانه وتعالى بالصيغة الحاسمة الجازمة: بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ، وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ، بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ.

فالله سبحانه وتعالى يؤكد على أن النبي صلى الله عليه وسلم ما يعني ما به من جنة، وإنما جاءهم بالحق. وأيضا قال الله سبحانه وتعالى: فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ. أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون، قل تربصوا فإني معكم من المتربصين. أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون. أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون، فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ.

تشعر أنهم صاروا أن الله سبحانه وتعالى صار خصيمهم بعد ذلك، هو الذي يحاججهم سبحانه وتعالى بعد أن اتهموا النبي صلى الله عليه وسلم. فالله سبحانه وتعالى يدافع عن الذين آمنوا ويدافع عن نبيه صلى الله عليه وسلم. وأيضا في سورة الصافات: وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ، انظروا ماذا قال الله سبحانه وتعالى: بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ. بل جاء بالحق وصدق المرسلين، هذا هذه الآية يعني تبرز موضوع أن الله سبحانه وتعالى يدافع عن النبي صلى الله عليه وسلم وأيضا يثبت قلبه وقلب المؤمنين.

طيب، في هذه الآية التي أيضا هنا موضوع التصبير تحديدا، أنه في هذه في سورة الحجر لما قالوا: يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ، نفس هذه السورة أتى في آخرها ماذا؟ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ. هذه الآية من أعظم آيات المواساة في القرآن، أن الله سبحانه وتعالى يقول له: نحن نعلم ما الذي يصيبك يا محمد، نعلم أن أنه هذا أمر يضيق صدرك، هذا مما يضيق صدرك. فيقول الله سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ.

فهذا في نفس السورة التي أتت فيها هذا الاتهام. وأيضا في سورة الطور، نفس السورة التي أتى فيها: فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ، جاء أيضا في آخرها: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ، وما أعظم هذه الكلمة في هذا السياق! وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ، هذا حكم الله سبحانه وتعالى، ثم قال: فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا.

فإنك بأعيننا يعني نعلم ماذا يصيبك وأنت في حفظنا يا محمد، وأن هذا حكم الله سبحانه وتعالى فلا تقلق، وسبح أيضا أمره بالتسبيح: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ، وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ. وأيضا في سورة القلم التي أتى فيها: مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، أيضا جاء في آخرها: فاصبر لحكم ربك كما في سورة الطور، فاصبر لحكم ربك.

فاصبر لحكم ربك في هذا السياق، لاحظوا في أكثر من مرة تكرر في سياقات أنه اتى الاتهام بالجنون، فتستفيد منه ماذا؟ أن الله سبحانه وتعالى ليس بغافل، الله سبحانه وتعالى هذا حكم الله، حملك للرسالة وتعرضك للأذى هذا حكم الله سبحانه وتعالى فاصبر، الأمر بالصبر، ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم.

ختام هذه النقطة أو هذا المحور الأول الفائدة أو عين على الواقع: أنه هذه طبيعة الطريق، لابد من الأذى في هذا الطريق، لابد من الاتهامات، لابد من أن تتعرض لما تعرض له من سار قبلك، وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهٖ يَسْتَهْزِئُونَ. وكذلك حملة الرسالات من بعد الرسل إذا ساروا حقا على طريق الرسل على طريق النبي صلى الله عليه وسلم وأخذوا بميراثه، فإنهم سيتعرضوا لما تعرض له من قبلهم، فلا بد من الأذى في هذا الطريق، هذا يجب أن يعلم حامل الرسالة ومن يسير على خطى النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله والامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

بل إنه الأذى هذا قد يكون من أول الطريق، لذلك نُونَ ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، هذه السورة نزلت في أوائل ما نزل من القرآن، فانا كنت أفكر يعني متى لحقوا أنهم يتهموه بالجنون، للتو اتاهم بالرسالة، هذا القرآن للتو يتنزل سورة القلم في أوائل ما نزل من أول أربع سور أنزلت، ومع ذلك اتهموه بالجنون واتهموه بكذا وكذا. فهذا يدل على أن الأذى من يحمل لواء هذا الطريق ومن يسير على هذا الطريق فانه قد يتعرض إلى الأذى من أول خطوة في هذا الطريق، أو هذه هي طبيعة الطريق الذي سار عليه الأنبياء.

الأمر الثاني هو التوكل على الله والاطمئنان بولاية الله سبحانه وتعالى، ومعرفة أن الله يدافع عن الذين آمنوا، وهو الذي يواسي سبحانه وتعالى وهو الذي يصبر، ومن يسير على الطريق الله سبحانه وتعالى يجعله في عينه ويجعله في حفظه، إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ. فهذه أهمية التوكل على الله سبحانه وتعالى، ثم الاطمئنان أنك تسير على عين الله وفي معيته وبولايته سبحانه وتعالى.

المحور الثاني، قوله سبحانه وتعالى: وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ. في قوله سبحانه وتعالى صاحبكم الإشارة إلى صحبة النبي صلى الله عليه وسلم لهم قبل الرسالة، هم يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم، هم صاحبوه، هم يعرفون أخلاقه، هم يعرفون من هو حقيقة. لذلك الله سبحانه وتعالى يذكرهم، يذكرهم بهذه المعرفة التي يعني خبروه فيها لـ 40 سنة، ويذكرهم بهذا الأمر ويجعل هذا دليلا على صدقه ودليلا على صدق هذه الرسالة التي يحملها.

فقال الله سبحانه وتعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطَاعٍ ثُمَّ أَمِينٍ، وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ، وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ، وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ، وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ، فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ. كما قال المفسرون وقال ابن كثير: إنه فأين يعني فأين ذهبت عقولكم، فأين تذهب عقولكم وأنتم تكذبون بالرسالة وتكذبون بالنبي صلى الله عليه وسلم وأنتم تعلمون أن الرسالة حق، وأن هذا صاحبكم الذين تعلمون خلقه وصدقه أين ذهبت عقولكم، وما صاحبكم بمجنون.

وأيضا قال الله سبحانه وتعالى: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ۗ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ، يعني الأمر لا يحتاج إلى طول نظر كي تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم محمد صلى الله عليه وسلم الصادق الأمين، فقط تفكر قليلا ترى ما به من جنة ليس مجنونا. والانسان يعني الانسان المجنون يعرف، والانسان الصادق العاقل الرزين الحليم يعرف كذلك، فكيف يتهمون أعقل قومه بهذه التهمه التي هي يعني يتضح من يتلبس بها، أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ۗ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ.

ما هو الأمر كله إلا أنه نذير لكم، ولذلك أمر بالتفكر تحديدا، أولم يتفكروا؟ وفي في سورة سبأ أيضا: قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ ۖ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا. يعني قوموا فلتذهبوا واحد واثنين، واحد لحاله اثنين مع بعض، تفكروا قليلا في هذا الأمر، من هو النبي صلى الله عليه وسلم، من هو محمد الذي كان معنا، ما هي أخلاقه، هل ممكن يكون مجنون، طيب إذا ما كان مجنون ما الذي ممكن أن يكون؟ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ.

وقال سبحانه وتعالى في سورة النجم: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، أيضا اقسم قال: مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى، ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى، إلى آخر الآيات، ثم قال: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى.

أفتمارونه على ما يرى؟ يعني لما يأتيكم ويقول لكم: أنا كلمني الملك، وأنا رأيت، رأيت جبريل، وأنا آتيكم برسالة من السماء. هذه الدعاوى الغيبية ليست مبرراً أنكم يعني تتهموه بالجنون أو بالهذيان أو نحو ذلك. ما ضل صاحبكم وما غوى، وما هذا إلا وحي من الله سبحانه وتعالى. لذلك قال: ما كذب الفؤاد ما رأى، أفتمارونه على ما يرى؟ وهو الصادق صلى الله عليه وسلم.

ولذلك قال أيضاً في سورة المؤمنون، قال: أم لم يعرفوا رسولهم فهم لهم منكرون؟ ما، أما علمتم النبي صلى الله عليه وسلم؟ أما علمتم خلقه؟ الحقيقة أنهم يعلمون النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك قال ماذا؟ أم يقولون به جنة؟ بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون. هم يعلمون صدق النبي صلى الله عليه وسلم في نفوسهم، لكن لا يريدون أن يقبلوا الحق. فمن الفائدة هنا على الواقع أن سيرة حامل الرسالة وأخلاقه، سيرة حامل الرسالة وأخلاقه من أدلة صدق الرسالة، وهذا أمر خطير.

هذا أمر خطير؛ أنت كحامل رسالة، أنت إذا كنت حاملاً للرسالة يجب أن تنتبه وتعلم أهمية أن تكون سيرتك سيرة حسنة، وأخلاقك أخلاق طيبة وحسنة؛ لأن هذا من أدلة صدق الرسالة التي تحملها. فحتى لو حملت الرسالة الصحيحة وكانت أخلاقك سيئة، فقد يكون هذا سبباً لأن يطعن الناس في رسالتك ولا يقبلون منك الحق. أما لو كانت أخلاقك حسنة، فأنت تكون باخلاقك حجة على الناس، ولو لم يؤمنوا، لكن أنت تكون حجة على الناس؛ الناس عرفوك، عرفوا حسن أخلاقك، عرفوا صدقك، عرفوا أمانتك، فأنت لما تجي تنصحهم، لما تجي تامرهم، هذا يكون من الأشياء التي تعضد رسالتك، ويكون حجة على الناس أمام الله عز وجل أنه أتاكم رجل صادق، أتاكم صاحب أخلاق حسنة، فلا يجدر بالانسان صاحب الرسالة الصحيحة أن تكون أخلاقه سيئة أو يكون يعني لا يأخذ الرسالة بحقها في تمثله بها.

المحور الثالث: الأمر أن الله سبحانه وتعالى في هذا السياق، النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعرض لأذى، يتعرض لاتهامات، يتعرض لأذى بدني وأذى قولي وكذا وكذا. هل هذا كان مبرراً لأن الله سبحانه وتعالى يقول له يعني خفف العمل قليلاً، وخفف البلاغ والتفكير قليلاً، وما دام أنه في اتهمات كثيرة خلاص قلل هذا كله؟ لم يحصل، بل كان الله سبحانه وتعالى يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: أكمل الطريق، واصبر لحكم الله، وذكرهم، ذكرهم بأمر الله عز وجل. إذا كانوا يتهمونك من أجل الرسالة فذكرهم، لا تيأس، لا تتوقف، لا يكون الأذى سبباً لأن تتوقف. هذا أمر مهم جداً وواضح في الآيات.

لذلك قال ماذا في سورة الذاريات: كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون. أتواصوا به؟ بل هم قوم طاغون. فقال ماذا بعدها؟ فتولى عنهم فما أنت بملوم، وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين. تولى عنهم، تولى عنهم ليس معناها أنه لا تدعوهم، تولى عنهم يعني لا يعني أعرض عن أذاهم ولا تجعلهم يصدونك عن الدعوة، أعرض عن هذا الأذى، أعرض عن هذه الأقوال. والدليل أنه قال: وذكر، أنه أكمل الطريق، وذكر، لا يكون هذا الأذى الذي تعرض له سبباً للتوقف، ولذلك أمر بالصبر. لذلك لما يأتي، تاتي هذه الاتهامات، الله سبحانه وتعالى يآمره بالصبر.

وايضا قال سبحانه وتعالى في سورة الطور: فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون. إذا قالوا كاهن، إذا قالوا مجنون، إذا قالوا كذا، أنت لست كذلك يا محمد، الله سبحانه وتعالى من عليك بنعمته لست كذلك. فما المطلوب؟ ذكر، فذكر، لا يكن إذا ضيق صدرك من القول ومن الأذى سبباً للتوقف، لا، أكمل الطريق وبلغ الرسالة.

وقال سبحانه وتعالى في سورة القلم، لما قال: ما أنت بنعمة ربك بمجنون، وإن لك لأجراً غير ممنون، وإنك لعلى خلق عظيم، فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين. ثم قال ماذا؟ فلا تطع المكذبين. لا تطعهم، لا تميل إليهم، لا تركن إليهم في هذه، في هذه الاتهامات التي يريدون أن يستميلوك بها. لذلك قال: ودوا لو تدهن فيدهنون. لا تطعهم، لا تميل إليهم، ولا واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك.

فمما يستفاد من هذا الأمر، مما يستفاد من هذا الأمر حملة الرسالة من بعد النبي صلى الله عليه وسلم، أنهم إذا تعرضوا للأذى، سواء كان أذى قولي أو أذى بدني، أنه لا يكن هذا الأذى مبرراً للتوقف. الأذى الذي يتعرض له الإنسان حامل الرسالة، الداعي إلى الله، المصلح، الأذى الذي يتعرض له هذا ليس مبرراً للتوقف أو لتقليل العمل أو لتخفيف العبء عن النفس، عن النفس أو كذا، وإنما يكون دافعاً لمزيد من الصبر. هذا ليس مبرراً للتوقف، بل هو دافع لمزيد من الصبر، دافع لمزيد من الصبر. هذا مهم جداً، معنى مهم جداً؛ لأنه كثير من الناس لما يزيد الأذى عليهم، ولما تزيد الضغوط عليهم بسبب دعوتهم إلى الله وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، تخفت أصواتهم وينشغلون بأشياء أخرى، لا، هذا عند الله سبحانه وتعالى ليس باحب الأمور، الله سبحانه وتعالى يحب أنك تصبر لحكم الله، وتكمل الطريق، وتكمل التذكير، وتكمل بلاغ الرسالة.

طيب، أخيراً، ما هو سبب الاتهام؟ يعني الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات يبرز سبب الاتهام: لماذا اتهموا النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصادق الأمين، وهو الذي كانوا يحبونه ويكرمونه بينهم؟ ما سبب الاتهام؟ هل أذاهم؟ هل تعدى عليهم؟ هل مثلاً ما سألهم أجراً؟ هل ما بلغهم الرسالة؟ كل هذا لم يحصل، وإنما كما يقول الله سبحانه وتعالى: وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون. لما سمعوا الذكر، هذه تدل على سبب تهيجهم وسبب اتهامهم وسبب غيظهم، أنهم، السبب هو الرسالة، الرسالة التي تحملها يا محمد، السبب هو هذا الدين؛ لأنك لو لم تكن حاملاً للرسالة لما تعرضوا لك، لكن لما سمعوا الذكر قالوا إنه، ويقولون إنه لمجنون.

ثم قال سبحانه وتعالى: وما هو إلا ذكر للعالمين. وما هو إلا ذكر للعالمين. وستلاحظ في الآيات هذه التالية أن الله سبحانه وتعالى كثيراً ما يشير للقرآن باسم الذكر، كثيراً ما يشير الله سبحانه وتعالى للقرآن في هذه السياقات باسم الذكر. لماذا؟ يعني هو باب للتامل، مما يمكن أن يتأمل فيه ويستفاد منه أنهم كانوا لا يحبون أن يذكرهم أحد بالآخرة، لا يحبون أن يذكرهم أحد بالتوحيد لله عز وجل وترك الأصنام، لا يحبون أن يذكرهم أحد بالحلال والحرام، لا يحبون أن يذكرهم أحد بأن يخرجوا من أهوائهم. هذا دينهم، دينهم كان اتباع أهوائهم، فلذلك لما سمعوا الذكر وما فيه من التذكير، لما فيه من التذكير، كانوا يتهمون النبي صلى الله عليه وسلم بتلك الاتهامات.

ثم قال: وما هو إلا ذكر للعالمين. وأيضاً مما يستفاد من كلمة ذكر أنه، أنها، أن ما في هذا القرآن من العلوم ومن الأشياء التي يذكر بها، ومن أخبار الآخرة، ومن الحكمة والعلم وكذا وكذا وكذا، كل هذا دليل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم وأنه، وأنه ليس بمجنون صلى الله عليه وسلم. ما هو إلا ذكر للعالمين، ليس بمجنون صلى الله عليه وسلم، وما هو إلا ذكر للعالمين، ففيه معنى التذكير وأنهم لا يحبون التذكير، وفيه معنى أن ما يذكر به دليل على صدقه صلى الله عليه وسلم.

وأيضاً في سورة التكوير: إنه لقول رسول كريم، إلى أن قال: وما صاحبكم بمجنون، ولقد رآه بالافق المبين، وما هو على الغيب بضنين. وما هو على الغيب بضنين. في رواية، يعني في قراءة أخرى أيضاً من القراءات الثابتة: وما هو على الغيب بظنين بالظاء، أي ليس متهماً، ليس متهماً على هذا الغيب الذي، الذي جاءكم به، هذا ليس سبباً للاتهامات، بينما هم جعلوه سبباً للاتهامات. وأيضاً هو، وما هو على الغيب بضنين بالضاد، أي ليس ببخيل، ليس ببخيل بهذا، بهذا الوحي.

وإنما جاد به عليكم وبلغكم إياه وما هو بقول شيطان رجيم، فإين تذهَبون، إن هو إلا ذكر للعالمين. كما في سورة القلم ختمت: وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرُ لِّلْعَالَمِينَ.

وأيضاً هنا قال: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرُ لِّلْعَالَمِينَ. فكونه ذكراً للعالمين هذا يدل على أنه مبرأ بما فيه من التذكرة، مبرأ من هذه الاتهامات.

وأيضاً قال سبحانه وتعالى: أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ، بعد أن يعني اتهموا عدة اتهامات أم لم يعرفوا رسولهم فهم لهم منكرون، أم يقولون به جنة قال: بَلْ جَاءَهُم بِالْحَقِّ، يعني هذا السبب بل جاءهم بالحق، وأكثرهم للحق كارهون، وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِّذِكْرِهِمْ، ولاحظوا الإشارة للذكر تحددياً، بَلْ أَتَيْنَاهُم بِّذِكْرِهِمْ لكنهم لا يحبون هذا التذكرة، فهم عن ذكرهم معرضون، فهم عن ذكرهم معرضون.

وقال سبحانه وتعالى: وَيَقُولُونَ أَئِنَّ لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ، بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ. كل هذا يبرز أنه السبب هو هذه الرسالة التي يحملها النبي صلى الله عليه وسلم.

وأيضاً في سورة الحجر قال ماذا؟ لما قالوا: وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ، بعدها بايات: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ. لاحظوا كم مرة يشير الله سبحانه وتعالى في هذه السياقات أنه هذا ذكر للعالمين، نحن نزلنا الذكر، الله سبحانه وتعالى هو الذي نزل الذكر سبحانه وتعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ.

فمما يستفاد، مما يستفاد من هذا الأمر: أن هذا الأذى الذي يتعرض له الأنبياء ومن يتبعهم ومن يسير على خطاهم سببه هي هذه الرسالة التي تحملها، وغاية هذه الاتهامات أنهم يريدون إسقاط، إسقاط الرسالة، ليست القضية أنهم يريدون إسقاط النبي صلى الله عليه وسلم فقط، وإنما يريدون إسقاط الرسالة. الاتهامات أصلاً هدفها الرسالة يعني سببها أنك جئتهم بهذه التذكرة، فلو تركت، هذا مهم، لو تركت هذه الرسالة لربما إيش يعني ردوك ملكاً عليهم أو أَميراً عليهم أو كذا، كما كانوا يعرضون على النبي صلى الله عليه وسلم.

لو تنازلت لهم وتركت شيئاً من الحق لربما أنه يعني كما قال الله سبحانه سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ كِتْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا. فهم ما سبب كل هذه الاتهامات؟ سبب الاتهامات يريدون إسقاط الحق وإسقاط الرسالة، فبالتالي الخلاصة أنه السلامة البدنية والسلامة من الأذى القولي والبدني ليست معياراً، لو جعلها الإنسان معياراً لربما ما ترك الحق، إنه أين الأماكن التي إذا اشتغلت فيها وعملت فيها ما أتعرض فيها لأذى وكذا وكذا؟ أنا أعمل هناك، أي أعلم أنه إذا أنت تركت الرسالة بحقها ربما ما تتعرض لأذى، بس هذا سيكون على سبيل الرسالة.

والعكس صحيح، إذا حملت الرسالة، إذا حملت الرسالة بحقها فهذا يدل على أنه ستتعرض للأعداء وللأذى، لأنه هذه سنة الله عز وجل: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيِّ عَدُوًّا. فلا يجعل الإنسان الغاية هي السلامة فقط، وأنه إذا تعرض لأذى يرجع خطوة للوراء ويبحث عن مكان ليس فيه أذى، لأنه هذه طبيعة الرسالة، طالما أنت تحمل الرسالة ستتعرض للأذى، والأذى هذا ليس متوجهاً لك أصلاً، وإنما متوجه للرسالة، كما قال الله سبحانه وتعالى: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّكَ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ، ثم قال ماذا؟ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ.

فإنهم لا يكذبونك لشخصك، ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون، وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ، هذه سنة، وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ.

طيب، ختاما يقول الله سبحانه وتعالى: أَنَّىٰ لَهُمُ الذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ. وقالوا معلم مجنون، هذا كانوا يتهمون به النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا نزل البلاء، فأنّى لهم الذكرى، أنى لهم التذكر، أنى لهم أن ينتفعوا؟ أنى لهم أن خلاص هذه الاتهامات كانت حاجبة لهم عن رؤية الحق، ومنعتهم عن الانقياد للحق، ومنعتهم عن الانتفاع بالحق.

فهذا أمر خطير أن الإنسان يعني يحجبه عن الحق بعض الأهواء، أهواء الآخرين والاتهامات التي يطلقها الآخرون، أنه بمجرد ما يسمع عن فلان أنه فيه هذه التهمة، فلان فيه هذه التهمة، ما يتثبت منها ويجعلها حاجبة له عن رؤية الحق إذا كان ما يحمله حقاً، فلذلك منعوا من الانتفاع بالحق ومن الإيمان، لأنهم انقادوا خلف تلك التهم وخلف تلك الدعاوى، لما قالوا إنه معلم مجنون صلى الله عليه وسلم وحاشا عما اتهموه به.

ونسأل الله سبحانه وتعالى بمنه وكرمه أن يصلي ويبارك على سيدنا وحبيبنا محمد، ونشهد أنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة وابلغنا هذا الدين بيناً واضحاً على محجة بيضاء لا يهلك عنها إلا هالك. اللهم آته الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محموداً الذي وعدته، ونسأل الله أن يحشرنا في زمرته، وأن يسقينا من حوضه، وأن يجعلنا من أمته، وأن يرزقنا رفقته في الجنة. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.