بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، واخلص نياتنا، ويسر أمورنا، واشرح صدورنا. اللهم اجعل هذا المجلس من المجالس الطيبة المباركة، اللهم وزدنا علماً وفكها في كتاب الله عز وجل، وارزقنا الاتباع لما نتعلم، وارزقنا أن نكون ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
اليوم بإذن الله سنكمل ما ابتدأناه في الأسبوع القادم الحديث عن الجنة، نسأل الله العلي العظيم أن يجعلنا من أهلها، أن يجعلنا وإياكم جميعاً من أهلها. الحديث عن الجنة حديث طويل وحديث ذو تفاصيل كثيرة وذو شجون.
اليوم بإذن الله نختم هذا الحديث، وإن كانت الفصول أطول بكثير مما يمكن أن يتحدث عنه الإنسان، لكن الحمد لله على ما يسر، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يزيدنا عملاً وشوقاً وإعداداً واحساناً لنكون في أعالي الجنان. سنتحدث في عدة نقاط عن هذه الجنة، النقطة الأولى هي نقطة يعني لنتذكر أولاً عنوان اللقاء في جنات ونهر، وكان العنوان الفرعي كيف تحدث الله سبحانه وتعالى عن الجنة أو كيف يخبرنا القرآن عن الجنة.
هناك بعض السياقات القرآنية التي تستحق الالتفات؛ أنه كيف يخبرنا القرآن الجنة؟ ومن النقاط التي أحب أن أبدأ بها هي نقطة الإعداد؛ أن الله يخبرنا أن الله أعد لنا الجنة، فيقول الله سبحانه وتعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. أُعِدَّتْ؛ يعني هذه الجنة أُعدت، هذا معنى عظيم ومعنى لطيف أن تعلم أن الجنة الآن معدة قد أُعدت وقد هيئت وقد اكتملت.
وما بقي إلا أنها تنتظر الواصلين إليها، تنتظر نزلائها، فهي جنة معدة، ففيها معنى أنها الآن معدة، وما بقي إلا أن يصل لها الضيوف والنازلون. وفي معنى أنها أُعدت؛ هذا يدل على أن ما فيها من التفاصيل ومن النعيم قد أُعد إعداداً وقد هيئ تهيئة، وهذا يدل على يعظم من النعيم الوارد فيها، أنه نعيم معد وفيه عناية بما فيه.
وأيضاَ قال الله سبحانه وتعالى، لما قال: لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، ثم قال: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وهنا فيها إبراز أنه من أعد تلك الجنان هو الله سبحانه وتعالى؛ هي ليس فقط أنها معدة ومهيئة وهناك عناية، لكنها عناية ربانية إلهية أنه أعدها الله سبحانه وتعالى.
هذا معنى عظيم، يعني أن ينسب الفعل إلى الله هذا معنى عظيم، ثم التفتوا إلى كلمة لهم؛ أنه أعد الله لهم، يعني يا أيها المؤمن، هذه الجنة أعدها سبحانه وتعالى لك، قد هيئت لك، قد أُعدت لك، هي ليست مجرد أنها جنة موجودة وقدر أن تدخلها، لا، هي أُعدت لك، هي هيئت لك أيها المؤمن الذي يعني ستدخلها بإذن الله عز وجل، نسأل الله أن يجعلنا كذلك.
وأيضاً في معنى الإعداد، يقول الله سبحانه وتعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ، لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ، فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ، لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً، فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ. ثم اسمعوا إلى الوصف، قال: فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ، وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ، وَنَمَارِفُ مَصْفُوفَةٌ، وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ. هذا هذه التفاصيل تشعرك بأنه كل شيء معد، كل شيء يعني الاكواب موضوعة في أماكنها، النمارق مصفوفة وفيها معنى الانتظام وأنها في صفوف، والزرابي مبثوثة على الأرض وكذا، فتشعر أنه كل التفاصيل في هذه الجنة قد هيئت موضوعة؛ أي وضعت مصفوفة، أي قد صفت، قد أعدها الله سبحانه وتعالى لأهلها، وهذا معنى حقيقه عظيم جداً.
ويقول الله سبحانه وتعالى: لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْبَرْارِ. قال ابن عاشور: والنزل ما يعد للنزيل والضيف من الكرامة والقراء. هذا ما يعرفونه في يعني هذا كلام العرب، النزل هو ما يعد للنزيل والضيف. فلاحظوا كيف اختار الله سبحانه وتعالى هذه الكلمه لوصف في الجنة بالنسبة لمن يدخلها أنها نزل، نزل من عند الله، قال: نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۚ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْبَرْارِ.
وأيضاً قال سبحانه وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا، أي جعلها الله لهم نزلاً. كما قال السعدي رحمه الله قال: فجنة الفردوس نزل وضيافة لأهل الإيمان والعمل الصالح، وأي ضيافة أجل وأكبر واعظم من هذه الضيافة المحتوية على كل نعيم للقلوب والارواح والابدان، وفيها ما تشتهيه الانفس وتلذ الاعين من المنازل الانيقة والرياض الناظرة والأشجار المثمره والطيور المغرده المشجيه والماكل اللذيذه والمشارب الشهيه والنساء الحسان والخدم والولدان والانهار السارحه والمناظر الرائقه والجمال الحسي والمعنوي والنعمه الدائمه، وأعلى ذلك وافضله واجله التنعم بالقرب من الرحمن ونيل رضاه الذي هو اكبر نعيم الجنان والتمتع برؤيه وجهه الكريم وسماع كلام الرؤوف الرحيم.
فلله تلك الضيافة، ما أجلها وأجملها وادومها وأكملها، فهذه الضيافة أن الله جعلها نزلاً لهم، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا. وقال سبحانه وتعالى، لما قال: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبَّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ، نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ، نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ. بعد أن ذكر وصفها قال أنها قال نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ.
وقال ابن عاشور رحمه الله: والنزل ما يهيا للضيف من القراءه، وهو مشتق من النزول لانه كرامه النزيل، وهو هنا مستعار لما يعطونه من الرغائب سواء كانت رزقا ام غيره. ثم قال: ووجه الشبه سرعه احضاره، كانه مهيئ من قبل ان يشتهوه او يتمناه، سرعه احضاره كانه مهيئ من قبل ان يشتهوه ويتمنوه. ففي معنى انه مهيئ من قبل وهو نزل، فمجرد ان يطلبوه او يشتهوه او يتمنوه ينالونه.
طيب، الفصل الثاني سنتحدث عن قوله تعالى: تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ. هذا لربما يكون من يعني من أكثر الأوصاف التي أتت للجنة بعد وصف ماذا؟ الجنة، الجنة نفسها الجنة هذا اسم ووصف لها. ثم يعني من أكثر الأوصاف التي تأتي ملتصقة ومقترنة بالجنة في القرآن ماذا؟ تجري من تحتها الأنهار.
فحقيقه يا جماعه لا نقرا تجري من تحتها الانهار كانها مجرد شيء جامد، جنات تجري من تحتها الانهار ثم ننظر ماذا بعد ذلك. انظر في ماذا كرره الله، بل اجعل اكثر عنايتك في اكثر ما تكرر من القران. فلما تسمع صفه الجنه توقف مع ما تكرر، توقف مع هذه الصفه تجري من تحتها الانهار. هذا تكرر كثيرا وذكره الله سبحانه وتعالى وما ذكره الا لانه يريد منا ان نتدبره وان نتفكر فيه.
قال سبحانه وتعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ. لاحظوا بشر، بشرهم بهذه الصفه، يعني بشر المؤمنين انه لكم جنات، وليس فقط جنات، هذه الجنات من صفتها انها تجري من تحتها الانهار.
قال ابن عاشور رحمه الله: واكمل محاسن الجنات جريان الماء جريان المياه في خلالها، وذلك شيء اجتمع البشر كلهم على انه من انفس المناظر، لانه في الماء طبيعه الحياه، ولان الناظر يرى منظرا بديعا وشيئا لذيذا، واودع في النفوس حب ذلك. واودع في النفوس يعني الان سبحان الله في الدنيا يعني انا اتفكر انه هذا المنظر لا يمله احد، حتى ترى الاغنياء الذين وصلوا اغنى يعني الغناء الفاحش في هذه الدنيا لما يصنعوا لانفسهم قصورا ومنازل وكذا، لا يستغنوا ان يضعوا فيها المياه والخضره والكذا، هذه اشياء فطرت في قلب الانسان انه.
يحبها، يحبها. فلذلك الله سبحانه وتعالى دائما يذكر لنا هذه الأشياء؛ أن الجنات تجري من تحتها الأنهار، وأيضاً: لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرْفٌ مِّنْ فَوْقِهَا غُرْفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ.
هنا ابن عاشور ذكر حقيقة، يعني، لفتة جميلة في ذكر هذه المنازل العالية؛ أنها غرف من فوقها غرف مبنية، ثم ذكر الأنهار التي تجري من تحتها. قال: وجري الأنهار من تحتها من كمال حسن منظرها للمطل منها. ومن معنى من تحتها أن الأنهار تمر على ما يجاور تحتها كما تقدم في قوله تعالى، هذا ذكره في موضع سابق، فأطلق اسم تحت على مجاورة، يعني هو يقصد أنه مما قيل في معنى من تحتها الأنهار أنه مما يجاورها، أن مما يجاور هذه المنازل وهذه الأماكن التي يكونون فيها. قال: ويجوز أن يكون المعنى تجري من تحت أسسها الأنهار، أي تخترق أسسها وتمر فيها وفي ساحاتها، وذلك من أحسن ما يرى من الديار، كديار دمشق وقصر الحمراء بالأندلس وديار أهل الترف مدينة فاس، فيكون إطلاق تحت حقيقة، والمعنى أن كل غرفة منها يجري تحتها نهر، فهو من مقابلة الجمع ليقسم على الآحاد، وذلك بأن يصعد الماء إلى كل غرفة فيجري تحتها. يعني إذا، مجرد ما يقرأ الإنسان مثل هذه الأشياء، حقيقة، ما يتوقف من التفكر في هذا المشهد البديع العجيب؛ كيف أن الإنسان لما يكون في هذه الغرف يطل فيرى الأنهار تجري من تحت هذه الغرف إلى آخره. حقيقة أمر عجيب وعظيم جداً جداً.
ذكر الأنهار وكل ما يذكره المفسرون هنا هو من باب تقريب الأمر، وإلا الجنة لم يرَ إنسان مثلها، فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ، ما أحد يعلم حقيقة الأمر، لكن هذا أقرب ما يتصوره الإنسان. ولذلك الله سبحانه وتعالى يقول: مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ. ما معنى مثل الجنة؟ مثل الجنة يعني صفة الجنة. صفة الجنة التي وعد المتقون، الآن سيذكرها، لأن الله سبحانه وتعالى: تجري من تحتها الأنهار، أول صفة صفتها كذا هكذا، كما قال الله سبحانه وتعالى: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى، أي الصفة العليا سبحانه وتعالى له.
وقال سبحانه وتعالى: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ. قبل قليل تحدثنا عن الإعداد، أن الله أعد لهم، وأن الله سبحانه وتعالى الجنة أعدت للمتقين، التهيئة والإعداد، فمما أعد هذه الأنهار، أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، الأنهار أعدها الله سبحانه وتعالى هياها، وأيضاً كما أنه وعدها هو وعد المؤمنين بها، كما أنه أعدها وكما أنه بشر بها مرت معنا. وعد المؤمنين بها، لاحظ الإنسان لما يعد بشيء فهو يعد بأعلى الأشياء ويذكر أعظم الصفات، فماذا وعد الله المؤمنين؟ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وأيضاً ذكرها في البشرى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ. وكما قال: مثل الجنة. هنا ذكر مثل الجنة في هذه الآية التي لا يمكن أن نتجاوزها إذا تحدثنا عن الأنهار، هذه الآية التي ذكرت صفة الأنهار بشكل فريد: مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّنْ مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّنْ لَبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّنْ رَّبِّهِمْ.
فهذا ذكر الأنهار وأنواعها وأنه كل نهر له قصة، كل نهر له في الجنة له قصة، حتى تعرفون أنه في نهر الكوثر وفي نهر كذا وفي يعني في أنهار لها اسماء ولها قصة، وهذا من لبن واللبن هذا صفته كذا وكذا، وهذا من ماء والماء من صفته كذا وكذا، وهذا من خمر وهو من صفته أنه لذ للشاربين، وهذا من عسل وليس فقط من عسل عسل مصفى. فالأنهار، سبحان الله، والله أعلم أنه هذه الأنهار بحد ذاتها قصة كبيرة من نعيم أهل الجنة، قصة كبيرة؛ أنهم ذاهبون إلى نهر معين، يشربون من نهر معين، هذا النهر هذه المياه آتية من النهر الفلاني. الأنهار عموماً والينابيع والعيون والشراب هذه ذكرت في القرآن كثيراً، وهذا واضح أنه هناك نعيم خاص متعلق بأنهار الجنة وبشرابها وبما يتمتع به الإنسان منها. حقيقة هذا أمر عظيم جداً وأمر عجيب جداً إذا تفكر فيه الإنسان، وهناك أحاديث تذكر هذه الأنعام وتذكر بعض صفتها كذلك. ومما ذكر كذلك أنه في سوره الإنسان: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا. والله يا جماعة اقرأوا عن وصف عن تفسير هذه الآية، أنه هذه العين يفجرونها تفجيراً، مما ذكر في وصف في معناها أنها تجري من حيث شاءوا يجعلونها حيث شاءوا، فيفجرونها، يجعلون منبعها وجريانها وكذا هم يختارونهم، هم يختارون هذا الأمر: يفجرونها تفجيراً. هذا أمر عجيب وعظيم، يعني واضح أن أمر الأنهار سبحان الله مع المؤمنين ومع المتقين في الجنة أمر عجيب عجيب عجيب جداً.
طيب، الفصل التالي سنتحدث عن العلو. مما وصف الله سبحانه وتعالى الجنة في القرآن أنها جنة عالية، والعلو سبحان الله النفس عموماً تميل إلى العلو، تميل إلى العلو وإلى ما يكون أعلى، وتنفر من السفول ومن الذنوب، لذلك الجنة درجات بعضها فوق بعض إلى علو، حتى يكون أعلى جنة سقفها عرش الرحمن، فوقها عرش الرحمن سبحانه وتعالى، بينما النار دركات بعضها أسفل من بعض، فهذا من النعيم أن تكون في الأعلى. لذلك يقول الله سبحانه وتعالى: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ جَنَّةٍ عَالِيَةٍ. لاحظوا الله سبحانه وتعالى ما يذكر صفة إلا ولها أهمية، ولها يجب أن يكون لها حظ من النظر، أنك تنظر في هذه الصفة: فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ. سبحان الله هاتين الآيتين خلف بعضها عجيبة؛ الجنة عالية ومع ذلك قطوفها دانية وقريبة. وقال في سورة الغاشية: فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً. قال القرطبي: وهذا معنى عجيب ما كنت أعلمه قبل ذلك. قال: في جنة عالية أي عظيمة في النفوس. في جنة عالية قال: أي عظيمة في النفوس، يعني علو المكانة، مكانتها عالية كما أنها عالية حساً بلا شك هي كذلك مكانتها عالية. والبقاعي قال رحمه الله: ولما كان شرف المسكن العلو قال عالية أي في المكان والمكانة والابنيه والدرجات والاشجار وكل اعتبار، فالجنة في كل اعتباراتها عالية.
وقال سبحانه وتعالى: إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ. حتى كتاب أهل الإيمان كتابهم في الأعلى في الملا الأعلى ويشهده المقربون، كما ذكر بعض المفسرين أنه يشهده أي يطلع عليه المقربون في الأعلى عند الله سبحانه وتعالى، يطلعون على كتاب الأابرار، هذا أمر فيه من الشرف ما فيه. وقال سبحانه وتعالى: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ. مقربون يعني ايش؟ مقربون من الله، وتحدثنا عن هذا في المجلس السابق أنه من نعيم الجنة القرب من الله عز وجل وكلما كانت درجتك أعلى كنت أقرب إلى الله.
وقال في سورة الزمر: لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرْفٌ مِّنْ فَوْقِهَا غُرْفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ. قال صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري: إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف. هنا قال في الآية: غرف من فوقها غرف. وابن كثير رحمه الله أورد هذا الحديث في تفسير هذه الآية قال: ان اهل الجنة يتراءون اهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب.
الذراري الغابرة في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم. يعني هذه الغرف تكون عالية عالية عالية إلى درجة أنه أهل الجنة الذين هم أصلاً يعني في العلو يرون أهل الغرف فوق كأننا نحن في الدنيا نرى الكوكب الذرّي الغابر البعيد نراه هكذا، هؤلاء أهل الغرف في الجنة. قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، اللهم اجعلنا منهم.
وقال ابن عاشور: فالمعنى لهم أطباق من الغرف، غرف من فوقها غرف، لهم أطباق من الغرف، أطباق يعني أدوار يعني يعني المبنى يأتي أدواراً. وهناك مباني عالية غرف من فوقها غرف لهم أطباق من الغرف، وذلك مقابل ما جعل لأهل النار في قوله: لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ. هذا سبحان الله ربط عجيب، هو بالمناسبه هذه في نفس الصفحة، يعني هذه في نفس الصفحة في نفس السورة جاءت في الزمر: لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ. وبعدها أتت: لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرْف مِّن فَوْقِهِمْ غُرْفَةٌ. فكأن بالنسبة للجنة يتفاضلون ويصعدون إلى الأعلى ويتنقلون إلى الأعلى، بينما أهل النار إلى الأسفل، وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ من دخان النار والعياذ بالله.
وقال سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى، عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى، عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى. قال السعدي: عند تلك الشجرة جنة المأوى أي الجنة الجامعة لكل نعيم بحيث كانت محلاً تنتهي إليه الأماني وترغب فيها الإرادات وتأوي إليها الرغبات. قال: وهذا دليل على أن الجنة في أعلى الاماكن وفوق السماء السابعة. وهذا دليل على أن الجنة في أعلى الاماكن وفوق السماء السابعة، هذا يدل على العلو.
طيب، ثم نتحدث عن الخلود، والخلود وما أدراك ما الخلود، الخلود أمر عظيم أيضاً ذكره الله سبحانه وتعالى كما ذكر الله سبحانه وتعالى تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كثيراً، فأيضاً ذكر في الجنة ماذا؟ خَالِدِينَ فِيهَا، خَالِدِينَ فِيهَا. فكثيراً ما يذكر سبحانه وتعالى الخلود أيضاً في نفس الآية التي ذكرناها أنه تجري من تحتها الأنهار إلى أن قال في آخر الآية: وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. قال ابن عاشور: وقوله وهم فيها خالدون احتراس من توهم الانقطاع بما تعودوا من انقطاع اللذات في الدنيا، لأن جميع اللذات في الدنيا معرضة للزوال وذلك ينغصها عند المنعم عليه، كما قال أبو الطيب: أشد الغم في سرور تحقق عنه صاحبه انتقالا. أشد الغم عندي في سرور تحقق عنه صاحبه انتقاله.
يعني كيف يكون الغم في السرور؟ كيف يكون الغم في السرور؟ يكون قال: لما إذا سر الإنسان وكان في سرور، لكنه متحقق أن هذا السرور سينتقل عنه بعد ذلك، فهذا أشد الغم. وهذه حقيقة بيت عجيب، لذلك مهما كان من نعيم الدنيا، مهما كان من نعيم الدنيا، إذا علمت أن هذا النعيم سينتهي وأنه ستتبدل من حال إلى حال، وقد يعقبه لحظات يعني كذا تزول هذه اللذة وتزول هذه المتعة ويزول هذا النعيم، فانه يتنغص عليك، لا اقول انه بعدها تشعر بالهم، لا، في لحظتها تشعر بأن هذه المتعة ناقصة لأنك لا تمتلكها، لا تمتلكها، ستزول عنك، ستزول عنك. فحقيقة، كما قال ابن عاشور قال: لأن جميع اللذات في الدنيا معرضة للزوال، وذلك ينغصها عند المنعم عليه.
طيب، لذلك يا جماعة الخلود، الخلود لما يقول الله سبحانه وتعالى: خالدين فيها، أو: وهم فيها خالدون، هذا حقيقة من اعظم ما يمكن من وصف النعيم وتحققه ودوامه. لأن النعيم لا يتم إلا بالدوام، لا يتم إلا بالدوام، وإلا كان نعيماً منغصاً. فلما يصف النعيم وكذا ثم يقول: وهم فيها خالدون، فما أجمل هذا الختام، خلاص يعني يذهب كل توهم عندك من أنه لعله ينقطع، لعله كذا، لعله كذا، بل إنه نعيم مقيم، نعيم مقيم. وهذا أمر عجيب، وذكر في القرآن بصور مختلفة.
قال سبحانه وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، قال: قيماً لينذر بأسَاً شديداً من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً، ماكثين فيه أبداً. ماكثين فيه أبداً، هذا الأجر الحسن ماكثين فيه أبداً لا يخرجون عنه. وقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ في نفس السورة: كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا، خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا. هذا النزل الذي تحدثنا عنه اللي هي ضيافة الرحمن وما أعده سبحانه وتعالى: خالدين فيها لا يبغون عنها حولاً. وهذا سبحان الله معنى عجيب، ما هو هذا المعنى؟ أنه لعله بعد بعض الناس لما تقول خلود وخالدين فيها وامر لا ينتهي، هو أمر حقيقة لا يتصوره الإنسان، لكن لعله الإنسان بفهمه الناقص يقول لعله يكون هناك ملل، لعله انه يكون هناك يعني يمل الإنسان من تكرر مثلاً الأشياء عليه، من كذا، من أنه جلس أزمنة طويلة ومديدة.
وهنا ذكر الله صفة عجيبة فماذا قال؟ قال: خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا. أبداً ما تأتيهم لحظة يفكرون أنهم ينظرون إلى غير هذا النعيم الذي بين أيديهم، فهم متنعمون في خلودهم، متنعمون في خلودهم، لا يبغون عنها حولاً. وقال سبحانه وتعالى أيضاً: أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا، خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا. لما قال: خالدين فيها، لا تظن أن هذا الخلود كذا، كذا يؤكد الله سبحانه وتعالى: حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا، يعني ما أحسن هذا المستقر، وما أحسن هذا المقام، وما أحسن هذا الخلود، وما أحسن هذا الخلود. ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ. فقارن بين هاتين الصفتين، هي إقامة منعمة، النعيم فيها مقيم، ليست مجرد إقامة وخلود، وإنما فيها يعني هذا التنعم: نعيم مقيم خالدين فيها أبداً، إن الله عنده أجر عظيم.
وقال سبحانه وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ. غير ممنون يعني ما ينقطع. وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاءً غير مجذوذ. عطاءً غير مجذوذ، لا ينقطع العطاء من الله سبحانه وتعالى، يعني لا يزال يعطيهم، لا يزال يعطيهم سبحانه وتعالى، لا يزال يعطيهم هذا الثواب، لا يزال يعطيهم ما يشتهون، لا يزال يعطيهم سبحانه وتعالى.
لذلك أيضاً يقول سبحانه وتعالى: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ، فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ. عيشة راضية، العيشة التي يعيشها أهل الجنة عيشة راضية. قال ابن عاشور: والعيشة ليست راضية ولكنها لحسنها رضي صاحبها، فوصفها براضية من إسناد الوصف إلى غير ما هو له، وهو من المبالغة لأنه يدل على شدة الرضا بسببها حتى سرى إليها، يعني انتقلت الصفة من الشخص أنه صاحبها راض إلى العيشة أصبحت راضية من شدة المبالغة. فيعني لا يقلق الإنسان من شأن الخلود وأنه لعله يمل وكذا، لا، عيشة راضية حسنت مستقراً ومقاماً لا يبغون عنها حولاً إلى آخره.
ولذلك مما هو مرتبط بمعنى الخلود، دوام معنى الدوام وعدم الانقطاع. الدوام وعدم الانقطاع يعني عدم انقطاع الزاد الذي فيها، كل شيء في الدنيا ينقطع، هذه قاعدة، كل شيء في الدنيا ينقطع، أي شيء تتنعم به في الدنيا ينقطع، كل شيء ينقطع، كل شيء تحتاج انك تشتريه من جديد، تجدده من جديد، تعيد تهيئته من جديد، كل شيء في الدنيا يفنى مصيره إلى الفناء، مصيره إلى الانقطاع، مصيره يحتاج إلى تجديد. في الجنة، لاحظوا لاحظوا ماذا قال؟ قال: عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ. يؤكد سبحانه وتعالى أن هذا العطاء الذي يصلهم لا ينقطع، لا ينقطع، وهذا أمر عجيب لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ.
ولاحظوا هذه الآية، ماذا يقول سبحانه وتعالى: مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ؟ قال ماذا؟ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا. الأكل دائم، دائم ما دامت السماوات والأرض، ما في حساب، يرزقون فيها بغير حساب. عارف لما تدخل أنت مثلاً مكان يقول لك؟
اشتري كما تريد أو كل كما تريد أو كذا. تذكرة مفتوحة، أكلها دائم، كل كما تريد، ولا ينقطع ولا يفنى ولا يقل ولا ينقص ولا يتكدر بأبهى صورة على الدوام، تلك عقب عقب الذين اتقوا وعقب الكافرين النار. وقال سبحانه وتعالى: وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ. كيف شو كيف هذه الحقيقة؟ الأوصاف مطمئنة للقلب ومسعده للنفس، حتى لو تعلم المعلومة لكن لما تقرا الآية في سعادة يعني تشعر بها، شوف كيف الله سبحانه وتعالى يطمن النفس.
ووفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة، لا يمكن بأي حال أنك تمنع من فضل الله سبحانه وتعالى. وقال سبحانه وتعالى لما قال: جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ. ثم قال ماذا؟ إِنَّ هَٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مَّن نَّفَادٍ.
إن هذا لرزقنا ما له من نفاد، ما ينفد. رزق الله سبحانه وتعالى ما ينفد ما له من نفاد، فيمتدحه الله سبحانه وتعالى بهذه الصفة. وقال سبحانه وتعالى في سورة مريم: جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ، هذه الآية تحدثنا عنها في المجلس السابق أنه كان وعده مأتيا، ثم قال: لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا.
بكرة وعشية، يعني صباح. يأتي الطعام بكرة وعشية، لهم رزق فيها بكرة وعشية. كل ما تتجدد الأوقات وتتجدد الأيام وتتجدد، الطعام حاضر، الرزق حاضر، المتعة حاضرة، اللذة حاضرة إلى آخره. تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا.
ولذلك هذا يقودنا إلى الفصل التالي، وهو معنى التلذذ والدهشة. التلذذ والدهشة يعني هذا الخلود الذي يخلد فيه أهل الجنة، ويرزقون رزقا لا ينفد، ويكون يعني هذا المقام الذي حسن وحسنت مستقرا ومقاما. من الأشياء الجميلة التي يذكرها القرآن هي تلذذ أهل الجنة بما يرزقون فيها.
وهذا معنى عجيب وجميل، وهذا يدل على دوام دهشتهم وتلذذهم بما يأتيهم، وأن الأمر لا يصبح اعتياديا بالنسبة له فيملونه مع الوقت. إذا كان يملونه مع الوقت فمصيرهم في الخلود أن الأشياء تصبح عادية، لا الله سبحانه وتعالى يقول: إن هناك لذة يتلذذون، يسرون بما يرون وبما يأكلون وبما كل شيء يتلذذون به، هذا أمر عجيب وجميل.
لذلك قال سبحانه وتعالى في آية عجيبة وجميلة: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا. حقيقة كلمة كلما من أجمل الكلمات بالنسبة لي في صفة الجنة، هذه كلما تدل على ماذا؟ تدل على ماذا؟ كلما تدل على الاستمرار، تدل على الاستمرار.
يعني كل ما أتتك، كل ما أخذوا الثمرة يتعجبون ويندهشون ويقلبونها، وأنظروا هذا الذي رزقناه من قبل وأتوا به متشابها. يعني حقيقة هذا معنى لطيف ومعنى عجيب ومعنى جميل أنه الإنسان لا يمل، لا يمل في الجنة، لا يزال يتمتع، لا يزال يتلذذ، لا يزال يندهش. في كل مرة كلما رزقه باستمرار، حقيقة هذا من أعظم النعيم، من أعظم النعيم الذي يمن الله سبحانه وتعالى أنه لا يجعل في النفس دوام التلذذ.
دوام التلذذ: كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا. وقال سبحانه وتعالى: فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّاتُ نَعِيمٍ. قال السعدي: لهم روح أي راحة وطمانينة وسرور وبهجة ونعيم القلب والروح. شوف الكلمة كيف جميلة، سرور وراحة وطمانينة وسرور وبهجة ونعيم القلب والروح. وريحان قال: وهو اسم جامع لكل لذة بدنية من أنواع المآكل والمشارب وغيرها، وقيل الريحان هو الطيب المعروف فيكون من باب التعبير بنوع الشيء عن جنسه العام.
وجنة نعيم جامعة للأمرين كليهما فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فهذه آية يعني في صميم ما نتحدث عنه: فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّاتُ نَعِيمٍ. وقال سبحانه وتعالى في سورة الإنسان وهي حقيقة من أجمل السور التي وصفت الجنة، قال في أولها: فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ. في أول صفة الجنة: فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا.
ولقاههم نضرة وسرورا، سرورا بما يرونه، سرورا بما يعني ينظرون إليه وما يتمتعون به. وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا. إلى أن قال: وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مَّخْلَدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا.
حتى هؤلاء الولدان المخلدون يعني حتى الولدان المخلدون الذين يخدمون ويطوفون بالأكواب وكذا، هؤلاء يتلذذون بالنظر إليهم. لاحظ كل شيء في الجنة فيه لذة، كل شيء في الجنة فيه متعة وفيه لذة وفيه سرور، يسرون، يسرون لما يرون الولدان: إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا. لاحظ كأنهم لؤلؤ منثور، شوف شبههم الله سبحانه وتعالى باللؤلؤ المنثور، أنه إذا رأوهم يسرون بهذه الرؤية.
وإذا رايت ثم، يعني إذا رايت هنالك، إذا رايت إلى إلى ذلك النعيم، رايت نعيما وملكا كبيرا. وهذه حقيقة من الآيات العظيمة جدا جدا: وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا. لاحظوا هذه الآية ما تصف بالضبط بالتفاصيل، لكنها ساعة، تشعر أنه فيها وراءها كلام وكلام. وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا، رايت نعيما الله أعلم به، رايت نعيما وملكا كبيرا.
وقال سبحانه وتعالى: إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ. ولاحظوا كلمة نعيم تتكرر كثير في في صفة الجنة نعيم، ولك أن تتخيل ما هو هذا النعيم الذي لا يشبه نعيم الأرض ليتنعمون، إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ.
أحيانا الله سبحانه وتعالى يصف الجنة بمحسوساتها، الأشياء المحسوسة فيها، وأحيانا يصف الجنة بانطباع المؤمن، يعني بأثر هذه المحسوسات على وجهه، أن وجوه يومئذ كذا وجوه يوم إن الوجوه الوجوه تكون يعني مسرورة، تكون ناظرة إلى آخره. فأحيانا يصف الوجه كيف يكون مسرور والوجوه كيف تكون ناعمة. فهنا يقول: تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ. فلك أن تتخيل ما الذي راوه وما الذي تمتعوا به وما الذي تنعموا به حتى صار النعيم له نظرة على الوجه. هذه آية عجيبه فعلا تجعلك تسرح بخيالك، تعرف في وجوههم نظرة النعيم، مجرد تنظر إلى وجهه تعلم ما هو فيه، تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ.
يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ.
وفي سورة الزخرف ماذا قال؟ قال: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ. قبلها معلش قبلها قال: ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون، تحبرون يعني من البهجة والسرور والانس والتنعم. كلمة تحبرون كلمة جميلة، أنتم وأزواجكم تحبرون. ثم قال: يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَّذُ الْأَعْيُنُ. لاحظ كيف ذكر ذكر اللذة اشتهاء النفس ولذه العين، وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.
طيب من كمال اللذة، من كمال اللذة هي السلامة من المكدرات. من يعني الآن اللذة، احنا ذكرنا من نعمة الله سبحانه وتعالى بالخلود أنه ما في انقطاع، ما في ما في نهاية للجنة، ما في خروج من الجنة. والأمر الثاني أنه هناك دوام اللذة والتلذذ وعدم يعني اعتياد الأشياء. وأيضا مما يكمل هذا النعيم أنه ما في أي منغص من المنغصات التي اعتادوا عليها في الدنيا، ما في أي شيء يكدر النعيم. ليس فقط موجود وتتلذذ به ودائم، بل إنه اخفالي من من مثقال الذرة من مما ينغص، ما في منغصات.
لذلك لما قال: يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِّشَّارِبِينَ * لَا فِيهَا غَوْلٌ. لاحظ الله سبحانه وتعالى يؤكد، يعني الله سبحانه وتعالى كما قال لذه للشاربين، وقد كان هذا يكفي، لا يؤكد لك الله سبحانه وتعالى لا تتخيل أنه ممكن مثلا أنه تكون الخمر مثلا كخمر الدنيا، أنه ممكن يكون فيها يتبعها صداع ولا يتبعها مثلا كذا ولا يتبعها ألم ولا يتبعها تعب جسدي، ما في شيء، لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ.
وأيضاً قال سبحانه وتعالى: إِنَّ الْمُتَقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ. ادخلوها بسلام آمنين، ولاحظوا بسلام وآمنين. بسلام يعني سالمة من كل ما يكدرها، سالمة من كل المنقصات، وفيها أمن من كل خوف، وأمن من كل ما من المشاعر التي قد تشعر بها فتنغص عليك.
وأيضاً: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ. حتى الغل الذي داخل النفوس، لاحظوا كيف أنتم سالمون منه؟ إخواناً على سرر متقابلين. لا يمسهم فيها نصب، ما في أي نوع من انواع التعب، وما هم منها بمخرجين. وما أعظم هذا الأمر! وما هم منها بمخرجين، ما في شيء يشغلهم أنه لو سويت كذا ممكن تخرج من الجنة، لو كذا لو ممكن بعد فترة يذهب هذا النهي، وما هم منها بمخرجين.
هذا من النعيم، وما هم منها بمخرجين. سبحان الله كما كان هذا وصفاً يعني من نعيم الجنة، فهو من عذاب أهل النار، أنه ما هم منها بمخرجين. ما هم منها بمخرجين، يعني من عذاب أهل النار أنهم ماكثون فيها لا يخرجون، ومن نعيم أهل الجنة أنهم ماكثون فيها ولا يخرجون منها.
وما هم منها بمخرجين، ما في أحد بيطلعك، لا يعني سبحان الله كم في هذا المعنى من أنس ويجعلك تستغرق في اللذة، تستغرق في المتعة. ما في أحد مطلعك، خذ راحتك، افعل ما تشاء، ما تشتهي أنفسكم، فهذا أمر عظيم وعجيب.
وقال سبحانه وتعالى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا، ما في صداع، ما في ألم، ما في كذا، وَلَا يُنْزِفُونَ * وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا. حتى السمع، حتى السمع سالم من كل كلمة أو صوت أو لغو أو ما في شيء حتى أنك ممكن تسمعه تكون نفسك لا ترغب فيه.
لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا، وأيضاً: لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَابًا، هنا: إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا. يعني سبحان الله ما أعظم هذا النعيم! ما أعظم هذا النعيم! العين ما في شيء ينغص عليها، السمع ما في شيء ينغص عليه، العقل ما في شيء ينغص عليه، كل ما في شيء ينغص عليك.
وقال سبحانه وتعالى: مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا. إذا تخيلت أنه ممكن تكون الأجواء مرة مناسبة مرة غير، الله سبحانه وتعالى يؤكد لك، لاحظ كيف القرآن يخخبرنا يذكر لنا النقائص التي تعودنا عليها وينفيها، وهذا من نعيم الجنة ومن كمال وصف الجنة أن فيها إثبات وفيها نفي، كما يثبت اللذائذ ينفي النقائص، كما يثبت الكمالات واللذائذ ينفي النقائص والمكدرات.
وقال سبحانه وتعالى في آخر سورة الدخان: إِنَّ الْمُتَقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ. قال ابن كثير: قد آمنوا فيها من الموت والخروج، ومن كل هم وحزن وجزع وتعب ونصب، ومن الشيطان وكيده وسائر الآفات والمصائب، مقام أمين. فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ * كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ.
قال السعدي: آمنين من انقطاع ذلك، وآمنين من مضرته. ما هو مضر، كل ما زي ما تحب أكثر، زي ما تشتهي، وآمنين من كل مكدر، وآمنين من الخروج منها والموت. لذلك قال بعدها بعد آمن: آمِنِينَ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ، سبحانه وتعالى، فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
ومن الآيات الجامعة في هذا أنه قال سبحانه وتعالى: وَاللَّهُ يَدْعُو، وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ. حقيقة هذه آية جامعة في هذا المعنى، لذلك قال يعني كما قيل: لسلامتها من جميع الآفات والنقائص، وهذا من كمال النعيم، من كمال النعيم سلامتها من جميع، خلاص سميت بدار السلام. وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، سبحانه وتعالى، اللهم اهدنا إلى صراطك المستقيم.
من فصول أهل الجنة، أسأل الله أن يجعلنا منها: أنهم يتذكرون الدنيا، وهذا مذكور في القرآن. أهل الجنة يتذكرون الدنيا، فقال في سورة الغاشية: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ. هم في الجنة العالية يتذكرون سعيهم في الدنيا، راضين عنها، راضين عما قدموا من الثواب، راضين أنه الحمد لله الذي هدانا لهذا، الحمد لله الذي هدانا للإيمان، الحمد لله الذي وفقنا.
ويتذكرون سعيهم، لاحظوا، يتذكرون صلاتهم وسجودهم وقيامهم وصبرهم وجهادهم. لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ، يرضون عن هذا الأمر. وقال سبحانه وتعالى في صفة أهل الجنة: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ. في الجنة يعني يقبل، يذهب ناس إلى أناس، يقبلون على بعضهم البعض، يتساءلون، يتحدثون، يتبادلون الأحاديث. قالوا: كأنهم من الأحاديث التي يتبادلونها ومن المستانسون به أنهم يتذكرون تلك الأيام القديمة التي كانت في الدنيا.
قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ. لاحظوا كيف يتذكرون أعمالهم! أن في الأرض، في الدنيا كنا خائفين من الله سبحانه وتعالى، وكنا ندعو الله سبحانه وتعالى، هذا ما يذكرونه في مجالسهم لما يقبل، لما يقبل على بعض يعني يتساءلون، يعني يسأل بعضهم بعضاً ماذا عندك؟ ماذا؟ فيتذكر، يتذكر أيامهم في الدنيا. إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ. متذكرين الدنيا ومتذكرين نعم الله عليهم بما عملوه فيها.
وأيضاً: فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ، أي من جلساء، من جلساء في الجنة، قال قائل منهم: إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ، يعني في الدنيا، كان لي قريب، كان لي صاحب يقول: أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ. هذا كلامه في الدنيا هو يحكيهم: كان لي عندي صاحب ما كان مؤمن، كان يقول لي كذا وكذا وكذا، هل تتوقع أنه نعود للآخرة؟ ما أتوقع كذا. هذا كان يحدث صاحبه.
ثم وهم جالسون في ذلك المجلس في الجنة يقول لهم: هل أنتم مطلعون؟ ما رايكم أن ننظر كيف صار مصير هذا الشخص اللي كان مكذب بالله؟ فاطلع، فرآه في سواء الجحيم. هذا يدل أن أهل الجنة ينظرون إلى أهل النار إذا أرادوا، ويتذكرون نعمة الله سبحانه وتعالى.
لاحظوا ماذا قال لما راه؟ قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ. يحدث الذي في النار، يحدث الذي في النار يقول له: تالله إن كدت لتردين، أو شكت أنك تأخذني معك، كنت تامرني بالمعصية، فالحمد لله أنه، ثم أنظر ماذا قال: وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ، أي معك، وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ * أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ. لاحظوا كيف هذا من النعيم أنه ينظر إلى أهل النار وماذا يقول: الحمد لله الذي جعلني في هذا المنزل، ما أنا لست معذباً، لست معذباً. فيرى الفريق الآخر ويرى نعمة الله عليه، وهذا من كمال النعيم: وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ.
وقال في سورة فاطر: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُنَا فِيهَا لُغُوبٌ. لاحظوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن الذي كان في الدنيا، النصب، التعب، يتذكرون هذه الأشياء ترى، يتذكرونها، ويتذكرون أنه الحمد لله الذي أذهبها الله سبحانه وتعالى. ولاحظوا كيف تذكر الدنيا دائماً مقترن بتذكر نعمة الله وفضل الله.
طيب أخيراً، أخيراً نختم بمعنى الإيمان والعمل، وأنا جعلته أخيراً لماذا؟ أ... طبعا الإيمان بالعمل وبعده ذكر المغفرة، لكنها معاني متصلة، كي أن كل هذه المعاني التي تحفزنا لها وتاقت أنفسنا لنكون من أهل الجنة، يتولد ويتحول إلى عمل، لأنه كثيراً مما ذكر الله سبحانه وتعالى في صفة أهل الجنة ماذا؟ في صفة أهل الجنة ماذا ذكر؟ دائماً يقول الله سبحانه وتعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.
الذين آمنوا وعملوا الصالحات، آمنوا وعملوا الصالحات دائماً يذكر الله سبحانه وتعالى العمل. لذلك يقول ماذا سبحانه وتعالى: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ بما كنتم تعملون. وهذا معنى معنى عظيم.
نعم، لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله، إن الإنسان ما يدخل بعمله ابتداءً، لكن الله سبحانه وتعالى جعل من رحمته العمل هو الذي جعله ثواباً له، وجعله من رحمته سبباً للتفاوت بين أهل الجنة. فالعمل هو من أعظم ما جعله الله برحمته سبباً لدخول الجنة، وثواباً لدخول الجنة، وثواباً لدخول الجنة: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ.
حقيقة هذا من أعظم ما يحفزك على العمل، أنك تعلم أنه عملك له أثر، وأن الله سبحانه وتعالى إذا راك قد عملت يرحمك فيدخلك الجنة بما كنت تعمل. وقال سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.
من هم أصحاب الجنة؟ الذين آمنوا وعملوا الصالحات، آمنوا وعملوا الصالحات، وكلما زاد إيمانك ويقينك وزاد عملك زادت مرتبتك في الجنة ونعيمك في الجنة. وقال: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا. لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِه وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا، وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا.
لاحظوا كيف العلاقة بين العمل وبين المصير، وبين المصير سواء في الدنيا، في الجنة أو في النار: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ، ولا اللي بعده: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا.
وقال سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ. الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون، هذه من أعمالهم.
وقال سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا. كما قال المفسرون، وعملوا بما أمرهم الله به فأطاعوه، وتجنبوا ما نهاهم عنه. لاحظوا كيف لا نكلف نفساً إلا وسعها عجيبة هذه، قال ايش؟ لا نكلف نفساً من الأعمال إلا ما يسعها فلا تحرج هو ما يسعك، وهذا من رحمة ما بوسعك: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، لا نكلف نفساً إلا وسعها إلى أن قال في آخر الآيات: وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ.
وقال: إِنَّ الْمُتَّقِينَ، ولاحظ أن المتقين هذه صفة أليس كذلك؟ يعني سماهم باسم فيه صفة وهو التقوى. وبالمناسبة من أكثر الصفات التي وردت لأهل الجنة هي التقوى، أكثر الصفات التي وردت لأهل الجنة هي التقوى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ، إلى آخره، أو: وَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ، كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ. لاحظوا هذا يقال لهم في الجنة.
ثم قال بعدها: مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّنْ شَيْءٍ. لاحظوا قال الطبري رحمه الله يقول: لم نظلمهم من عملهم من شيء فننقصهم فنعطيه ذرياتهم الذين الحقناهم بهم الذين لم يبلغوا الأعمال الحقتهم، الحقتهم، الحقتهم يعني الله سبحانه وتعالى الحقهم بالذين قد بلغوا الأعمال.
وهنا نفهم ماذا؟ انه ما الذي رفع ما الذي رفعهم إلا على أعمالهم برحمه الله عز وجل أعمالهم، فالله سبحانه وتعالى يلحق بهم ذرياتهم الذين يكونون بالأسفل، وما ينقص من أعمال هؤلاء التي رفعتهم ابتداء، فهذا يدل على أهمية العمل.
وأيضاً: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. وكذلك يجزي الله، كذلك يجزي الله المتقين، كثيراً ما وردت بما كنتم تعملون إلى آخره.
وأيضاً لما يذكر الله سبحانه وتعالى: وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا، هذا عمل: وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا. ولاحظوا هذه الآية في سورة الرعد، لاحظوا عدد الأعمال التي ذكرها الله سبحانه وتعالى: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَرُ أُولُو الْأَلْبَابِ، الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ، وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ. هذه كلها أعمال: وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ.
لاحظوا كيف وتفصيل الله سبحانه وتعالى في الأعمال يدل على أن الله يريد منك هذه الأعمال كلها، يريد منك الأعمال، يريد أن تعمل بأصناف الأعمال، إلى أن قال: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ.
وأيضاً: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ. هذه صفات الناس الذين يبلغون الجنة برحمة الله أنهم عاملون، ينفقوا ويستغفروا ويعملوا ويتصدقوا إلى آخره. ولذلك يتفاوت الناس بتفاوت الأعمال، فهذا ذكرناه في درس سابق بعنوان في مجلس سابق بعنوان أولئك المقربون.
ذكرنا كيف أنه تفاوت أهل الجنة، في ناس في الأعلى في ناس أصحاب اليمين، هناك المقربون وهناك أصحاب اليمين. فلاحظوا الصورة اللي في اليمين هذا نعيم أهل الجنة الأول في الدرجات العليا لها جن هذه جنة وهذه جنة مختلفة: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ، عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ. هذه صفة ايش؟ صفة أهل الجنة الأعلون، صفة المقربين، صفة يعني الجنة نفسها مختلفة عفواً ليس صفة أهل الجنة، صفة الجنة نفسها للمقربين.
يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ، وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ، إلى آخره. بعدين قال ماذا؟ وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ، ثم ذكر صفة جنتهم جنة مختلفة: فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ.
وهذا التفاوت وهذا الاختلاف في إلى أن يكون من أعلى من أعلى اهل الناس من أكثر الناس عملاً فيكون أعلى الناس مرتبة في الجنة. والملاحظ ماذا؟ والملاحظ ماذا؟ لما يذكر الله الأعلون والمقربين يذكر أعمالهم: جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. أما بالنسبة لأصحاب اليمين ما في إشارة صريحة للعمل، يعني ما في ما في امتداح خاص خلينا نقول للعمل، بينما المقربين يقال: جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. وهذا زي في سورة الرحمن لما ذكر الجنتين العلويتين وذكر صفتهما قال: هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ سبحانه وتعالى. أما بعد ذلك ذكر ذكر صفة وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ وذكر صفتهما فلم يشير إلى العمل، هذا يدل على أن من ما يرفع الناس هي العمل.
طيب الله سبحانه وتعالى يشير هذا امتداد لأمر العمل، أن الجنة هي سلعة: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ. هذا بيع عقد عقد يعني عقد بيننا وبين الله عز وجل، أن الله سبحانه وتعالى يعطينا الجنة، وما الذي يريده منا؟ يريد منا العمل والتضحية والبذل: بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ. هذا ما ناخذه، ما الذي نبذله؟ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ. فالله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم، نحن ندفع النفس والمال ونأخذ الجنة، وهذا من رحمة الله عز وجل. وإلا يعني حتى ما يبذله الإنسان أقل بكثير مما مما مما يستحق من أجله الجنة، لكن هذه رحمة من الله عز وجل إذا رأى منك عملاً يرحمك فيجعل ثوابها الجنة.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ. لاحظ هناك أناس تعلقوا بالجنة وتعلقوا بنعيمها وتعلقوا بالآخرة وتعلقوا بالشيء الباقي: وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى، فبالتالي باعوا أنفسهم: يَشْرِي نَفْسَهُ يعني يبيع نفسه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ. وقال: فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ، في أحد معاني الآية أنهم يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة. وفي معنى التجارة الآيات الصريحة في سورة الصف: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ.
هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم؟ لاحظوا كيف الأسلوب عجيب: تجارة! هل تريد تجارة تنجيك من العذاب؟ تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون.
ما هو الثواب؟ الثواب: يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل. ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة، ألا إن سلعة الله الجنة، فالجنة سلعة.
طيب، من الأشياء يعني العجيبة، وهذا كما ذكرت العمل ثم المغفرة، هذا آخر فصل نختم به متعلق أيضاً بالعمل هو المغفرة. إن المغفرة اقتران المغفرة، اقتران المغفرة بالجنة أمر عجيب في القرآن، من يتأمل القرآن يعني الآن تأملوا إذا قرأتم القرآن، تأملوا كيف الله سبحانه وتعالى يقرن بين المغفرة والجنة.
يقرن بين المغفرة والجنة، مثلاً: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات بماذا وعدهم؟ لهم مغفرة وأجر عظيم. الأجر العظيم هو الجنة، دائماً مغفرة وأجر عظيم، مغفرة ورزق كريم، مغفرة. دائماً الله سبحانه وتعالى يغفر، يقرن المغفرة بالجنة، وقال: فبشره بما، إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بماذا؟ تبشر بمغفرة وأجر كريم أي بشره بالمغفرة والجنة.
فبشره بمغفرة وأجر كريم، ولما قال هذه التجارة: هل ندلكم على تجارة؟ قال ماذا في المقابل؟ يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات. يعني إذا فعلتم، إذا قاتلتم في سبيل الله وإذا آمنتم كذا الثواب: يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات. فالسلعة هي الجنة والمغفرة، الثواب هو المغفرة والجنة، هذا أمر عجيب.
هذا المعنى يجعلك تنظر للمغفرة بشكل مختلف تماماً عما نعلمه، أن الله سبحانه وتعالى جعلها وعداً، وجعلها بشرى المغفرة، وجعلها ثواباً. وأيضاً ماذا قال: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ. لاحظوا كيف إلى ماذا نسارع؟ سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ثم ذكر صفتهم، ثم قال ماذا؟ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ. فذكرها كجزاء، المغفرة كجزاء. أُولَئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ.
ما المستفاد من هذا الأمر اقتران المغفرة بالجنة؟ ما المستفاد من هذا الأمر؟ أولاً: أن تعلم أن المغفرة في الآخرة أمر عظيم عظيم عظيم إلى درجة أن الله جعله أمر يسارع إليه، أمر يبشر به، أمر يكون هو السلعة التي إذا بدلت نفسك ومالك تأخذها، تأخذ المغفرة والجنة. ما قال بس سارعوا إلى الجنة، سارعوا إلى المغفرة.
فيستفاد منها أن المغفرة في الآخرة شأنها عظيم وجليل، وأنها سيندهش منها الناس في الآخرة من المغفرة كما يندهشون من الجنة. هذا أولاً. الأمر الثاني: أنه الإنسان يعلم أنه لا يبلغ الجنة إلا بمغفرة الله عز وجل، لأنه الإنسان كثير الخطا وكثير النقص، وأنه كي يدخل الجنة يحتاج إلى أن الله سبحانه وتعالى يغفر له ويتجاوز عنه ويعفو عنه، فلذلك يعلم نقصه ويعلم أنه ناقص وأنه مهما عمل فالله سبحانه وتعالى إذا أدخله الجنة فقد غفر له كثيراً مما عمل.
وأيضاً يجعلك تكثر من الاستغفار وتكثر من طلب المغفرة، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في المجلس الواحد سبعين مرة أو مائة مرة: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم، إنك أنت التواب الغفور إلى آخره. فتسارع إلى المغفرة. وأيضاً في آية ثانية: وَسَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ، سابق إلى المغفرة، سابق إلى الاستغفار، سابق إلى أن يعفو الله سبحانه وتعالى عنك.
ختاماً هذه آخر ما نختم به، كل ما ذكرناه سابقاً هو من باب التحفيز للعمل، ومن باب التبشير لمن يعمل. الله سبحانه وتعالى أمر بالتبشير، أمر نبيه صلى الله عليه وسلم: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ. فلذلك نحن نذكر كل ما ذكرنا سابقاً في المجلسين السابقين من باب التبشير، أننا نبشر يا جماعة، نبشر، أبشروا، أبشروا بالجنة إذا عملتم، أبشروا بامر عظيم لا يتخيله الإنسان.
كل هذا، حتى هذه البشرى لمن؟ للذين آمنوا وعملوا الصالحات، هذه البشرى للذين آمنوا وعملوا الصالحات، فبالتالي لنؤمن ولنثبت على هذا الإيمان ولنعمل صالحاً، ولنعمل صالحاً يبلغنا الجنة، ولنزداد من الصالحات كي نكون من أعلى أهل الجنة، وحينها يستبشر الإنسان. فابشروا واستبشروا.
قال السعدي: ففي هذه الآية الكريمة ذكر المبشر والمبشر والمبشر به والسبب الموصل لهذه البشارة؛ فالمبشر هو الرسول صلى الله عليه وسلم ومن قام مقامه من أمته، والمبشر هم المؤمنون العاملون الصالحات، والمبشر به الجنات الموصوفات بتلك الصفات، والسبب الموصل لذلك هو الإيمان والعمل الصالح فلا سبيل إلى الوصول إلى هذه البشارة إلا بهما، وهذه أعظم بشارة حاصلة على يد أفضل الخلق بأفضل الأسباب.
وفيه استحباب بشارة المؤمنين وتنشيطهم على الأعمال بذكر جزائها وثمراتها، لذلك يعني ذكرنا ما ذكرنا وفيه استحباب بشارة المؤمنين وتنشيطهم على الأعمال بذكر جزائها وثمراتها فانها بذلك تخف وتسهل، وأعظم بشرى حاصلة للإنسان توفيقه للإيمان والعمل الصالح فذلك أول البشارة وأصلها ومن بعده البشرى عند الموت ومن بعده الوصول إلى هذا النعيم المقيم.
نسأل الله أن يجعلنا منهم، نسأل الله أن يجعلنا منهم، نسأل الله أن يجعلنا منهم. وبهذا نكون قد ختمنا هذا المجلس ونكون قد ختمنا هذين المجلسين بالحديث عن الجنة، والحديث عن الجنة في القرآن أكثر من هذا وأطول وأشوق وأجمل وأبدع، فيكفينا هذه الإشارات والتفاصيل في القرآن إذا عاد الإنسان إلى ورده وإذا قرأ القرآن وإذا تذكر أنه يعني يقرا صفة الجنة ممن خلقها سبحانه وتعالى وممن أعدها سبحانه وتعالى وممن هو أعلم بها حين لا يعلم بها أحد ولم يرها أحد، فهذا أمر عظيم وامر جليل.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا ذنوبنا وأن يتجاوز عنا سيئاتنا. اللهم اغفر لنا ذنوبنا دقها وجلها، أولها وآخرها، صغيرها وكبيرها، ظاهرها وباطنها. اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أنت أعلم به منا، اللهم أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت. اللهم إنا نسألنا الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل.
اللهم إنا نسألك من فضلك، اللهم نسألك النعيم المقيم ونسألك القرب منك ونسألك الفردوس الأعلى ونسألك مجاورة النبي صلى الله عليه وسلم ومرافقته في الجنة، ونسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم. سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.