تسجيل الدخول

الاستهداء بالقرآن | {يا صاحبي السجن} المجلس العشرون

عبد الرحمن أبو غيث
  • مدة الدرس:
  • قراءة

طيب بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أهلاً وسهلاً، حياكم الله وبياكم. نسأل الله العلي العظيم بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يبارك لنا في هذا المجلس، نسأله سبحانه وتعالى أن يخلص نياتنا، وأن يغفر لنا ذنوبنا، وأن يجعل هذه اللحظات من اللحظات الطيبة المباركة التي نلمس خيرها في الدنيا والآخرة بإذن الله عز وجل. ونتذكر في هذه اللحظة فضل الله سبحانه وتعالى علينا، ما جمعنا الله سبحانه وتعالى في مجلس نتذاكر فيه كتاب الله سبحانه وتعالى ونتدارسه ونهتدي بهداياته إلا بفضله سبحانه وتعالى، فاللهم لك الحمد أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً.

اليوم بإذن الله سنأخذ مجموعة من الآيات التي تتحدث عن موقف من المواقف المتعلقة بالأنبياء؛ بموقف سيدنا يوسف عليه السلام في السجن. هذا الموقف وهذه القصة هي قصة من القصص التي اختارها الله سبحانه وتعالى لنا كي يحكيها لنا، ومن القصص التي هي من أحسن القصص كما ذكر الله سبحانه وتعالى في بداية هذه السورة: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ، وقال في آخر السورة: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ. فهذه العناية بهذا القصص ليس أمراً هامشياً، وإنما هو عناية بما قص الله سبحانه وتعالى علينا، أو بما جعل الله سبحانه وتعالى لنا فيه عبرة، وبما ذكر أنه أحسن القصص التي هي الحق، كما قال سبحانه وتعالى: مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا وأن يفتح علينا وأن يهدينا بهذه الهدايات.

موقف يوسف عليه السلام في ال، طبعا يوسف عليه السلام مر بمواقف ومواقف، ومر بمراحل ومراحل، وفي سورة يوسف أنواع المراحل التي مر بها يوسف عليه السلام والابتلاءات، يعني كل مرحلة تقود إلى التي بعدها. ومن أهم هذه المراحل في قصة يوسف هي مرحلة السجن، وإن كان لم تذكر القصة أحداثاً كثيرة في السجن، وإنما ذكرت هذا الموقف؛ هذا الموقف الذي حصل والذي سنتناوله اليوم، رغم أنه لبث في السجن سنين كما ذكر الله سبحانه وتعالى. ولذلك أيضاً هذا مما يجعلنا نعتني بهذا الموقف.

قال الله سبحانه وتعالى في سورة يوسف: قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. هذه الآية جاءت في سورة يوسف وفي خواتيم سورة يوسف. ودائماً لما يأتي في الخواتيم ذكر بعض المعاني في في كثير من الأحيان تكون مرتبطة هذه المعاني بالسورة، ويكون أتى في السورة ما هو متعلق بها. فلما نقول الدعوة إلى الله: قل هذه سبيلي أدعو إلى الله، أول ما نتذكره هو موقف دعوة يوسف عليه السلام لصاحبي السجن. موقف الدعوة هذا كان موقفاً دعوياً، كان موقف فيه دعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى: قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي. قل هذه سبيلي يعني هذه طريقتي وهذا منهاجي؛ هذا الكلام للنبي صلى الله عليه وسلم. قل هذه سبيلي يعني هذا هو طريقي أدعو إلى الله في كل مكان وفي كل حين وفي كل زمن، هذه طريقتي أينما أوجدني الله سبحانه وتعالى. ولذلك يوسف لما كان في السجن وهو السجن دعا إلى الله سبحانه وتعالى وقال سبحانه: أدعو إلى الله. وهذا معنى مهم، أن الدعوة تكون، أن محور الدعوات إنما يكون في ربط الناس بالله وتعليق الناس بالله والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، حتى ما يصبح أمر الدعوة مجرد مصطلح يحمل في داخله أشياء لا تكون في مؤداها تؤدي إلى الله سبحانه وتعالى. الدعوة إنما تكون دعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

والأمر الثالث قال: عَلَىٰ بَصِيرَةٍ. على بصيرة يعني على علم وعلى بينة وعلى يقين. فالداعي إلى الله يجب أن يكون على بصيرة في نفسه ويجب أن يكون على علم بطريقه، يجب أن يكون على علم بطريقة، ولذلك من أوجه العناية اليوم بهذه القصه أننا نتعلم بعض أساليب ووسائل ومضامين الدعوة كما فعلها يوسف عليه السلام. فهذا مما يقربنا لأن ندعو إلى الله على بصيرة، كما قال سبحانه وتعالى: عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي. فنعم، نحن السائرون على خطى الأنبياء بإذن الله عز وجل، المتبعون لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، نحن هذه سبيلنا كذلك، كما كانت سبيل النبي صلى الله عليه وسلم هذه سبيلنا، ندعو إلى الله على بصيرة. نسأل الله أن يجعلنا كذلك، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ.

يعني سبحان الله ورود هذا المعنى سبحان الله مما يؤخذ منه أن الدعاء إلى الله سبحانه وتعالى من اعظم ما يشتغلون به ومن اعظم ما يفعلونه هو تنزيه الله سبحانه وتعالى. تنزيه الله سبحانه وتعالى ينزهون الله سبحانه وتعالى عن أن يعبد أحد سواه، ينزهون الله سبحانه وتعالى عن أن يشرك به في أنفسهم وفي الآخرين. فهم يسيرون في الأرض منزهين لله سبحانه وتعالى، نافين عنه كل ما لا يصلح به، ويصلون الناس إلى الله سبحانه وتعالى.

طيب، هذه الآية التي جاءت في النهاية الآن نعود إلى الموقف الدعوي العظيم الذي كان في السجن. كيف بدأ؟ كيف بدأ الدخول؟ كما تعلمون لن نفصل كثيراً في القصة، لكن لما كانت النسوة، لما راودت النسوة يوسف عن نفسه فاستعصم، ثم بعد ذلك قالت امرأة العزيز: وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ. قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ. مما يلفت الانتباه كلمة أحب، أحب يعني أحب ما تيجي مع السجن تشعر أنها عجيبة وغريبة، يعني ممكن واحد يدخل السجن وهو مكره ولا وهو يعني لا يختار هذا الخيار وهو محب له، لكنه لما كان هنا في مقابل المعصية التي هي أبغض شيء إلى عباد الله عز وجل، فكان ما يرضي الله سبحانه وتعالى هو المحبوب للنفس ولو كان من الجهة الدنيوية صعباً وشاقاً، لكنه هو في هذه اللحظة كان أحب شيء إليه وهو ما يبعدهم عن معصية الله سبحانه وتعالى ويقربهم من طاعة الله عز وجل. وهذا أمر ملفت، ملفت عجيب يعني كان في يوسف عليه السلام: وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ. هذا تعلق يوسف عليه السلام بالله سبحانه وتعالى ونسبه الفضل إليه. قال: فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. رغم ذلك، رغم ذلك دخل يوسف عليه السلام السجن لأنه ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين. ليسجننه حتى حين.

فدخل يوسف عليه السلام دخل إلى السجن وحصلت هذه القصة العظيمة. طيب، الآن الله سبحانه وتعالى ما ذكر لنا كيف دخل؟ ما الذي حدث في البدايه؟ كيف كانت؟ كل شيء حصل في السجن لم يذكره الله سبحانه وتعالى لنا، ما ذكر الله سبحانه وتعالى لنا إلا هذا الموقف؛ موقف مع الفتيين. من بين السنوات هذه الطوال التي كان ليوسف فيها عبادة وذكر ودعوة إلى الله سبحانه وتعالى وإاحسان إلى الناس وكذا وكذا، من بين هذه السنوات كلها نقل لنا هذه القصة، ساق لنا هذه القصة بتفاصيلها بنص بالنص الذي قاله يوسف لهم، وبالنص الذي قالوه له، وبالتفصيل في عدة آيات.

وهذه الاصطفاءات الإلهية لبعض المواقف دون بعضها يجعلنا نعتني نعتني أشد العناية بالقرآن، أن القرآن ترى القرآن هو كلمات معدوده في النهاية، كلمات الله لا تنفذ، لكن الله اختار لنا منها بعض الكلمات التي ذكرها في كتابه. مواقف الأنبياء كثيرة ولا تحصى، لكن اختار منها مواقف كي يجعلها قرآناً يتلى إلى يوم القيامة وفيها ما فيها من العبرة. فهذا هنا نتذكر أنه هذه المواقف وهذه القصص هذه مختارة من الله، مختارة من الله، الله سبحانه وتعالى اختار أن يقص لنا هذه.

القِصَّة تحديداً من كل سنوات السجن؛ فيجب أن نعتني بها أشد العناية، وأن نتدبر فيما الذي حصل فيها. يعني حقيقة، لما تنظر إلى القصة من جهة الناحية الدنيوية؛ ترى أنه موقف كان عادي جداً، يعني ليس موقفا كان عجيباً أو يوماً استثنائياً في السجن. يعني على سبيل المثال، أو مثلاً مشهد الجميع كانوا مشاركين فيه في السجن أو كذا؛ لا، هو اثنين قاموا من النوم، كل واحد منهم عنده رؤية، اذهبوا إلى يوسف عليه السلام وقالوا له عندنا رؤية، وقصوا عليه الرؤية، فأخبرهم بتأويله مع بعض النصائح وبعض الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. يعني من الناحية الدنيوية، من الناحية الدنيوية موقف عادي، موقف عابر، موقف عابر.

أردت أن تختار موقفا يعني من كل سنوات السجن وتذكره لأحد؛ فربما لا تختار هذا الموقف، على الأغلب موقف عادي بالنسبة لنا. لكن هذا هنا يأتي: وتعلم ما الذي يحبه الله عز وجل؟ ما الذي هو عند الله سبحانه وتعالى عظيم؟ هذا الموقف عند الله سبحانه وتعالى عظيم، هذه الكلمات التي قالها يوسف عليه السلام كلمات يحبها الله سبحانه وتعالى، كلمات يحبها الله سبحانه وتعالى، فلذلك ساقها لنا، فلذلك ساقها لنا. وهذا يجعلنا يعني نعتني بالقصة يعني أكثر وأكثر وأكثر، يعني أقصد من جهة اعتيادية المشهد بالنسبة لنا وعند الله سبحانه وتعالى الأمر مختلف تماماً.

الأمر الثاني، الأمر الثاني هو حال يوسف عليه السلام لما اختار أن يدعو إلى الله سبحانه وتعالى في هذا الموقف. يعني أولاً، ترى يوسف عليه السلام دخل السجن دخولاً كان صعباً بالنسبة إليه؛ يعني هو ما أذنب، هو ليس لم يظلم أحداً ولم يقترف ذنباً، وإنما بالعكس كان موقفه أشرف المواقف وأطهر المواقف. فهو دخل مظلوماً، يعني هو دخل مظلوماً، ليس هذا فحسب، ليس هذا فحسب، بل دخل وتلاحق بعض الاتهامات وبعض الألسن تتكلم فيه وفي عرضه، بعض الناس يتكلمون. يعني هو دخل، يكون صعباً على لو أحد منا دخل السجن بهذه النفسية، فإنك بهذه النفسية تدخل إلى السجن، ولا تنعزل على نفسك ولا تنطوي، ولكن وإنما تكون تنصح الناس وتدعو إلى الله سبحانه وتعالى وكذا؛ هذا أمر عظيم، هذا أمر عظيم.

لذلك الإنسان يدعو إلى الله سبحانه وتعالى في كل المواقف: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي، بغض النظر أين سأدعو إلى الله سبحانه وتعالى، بغض النظر من هو من أمامي. ولذلك بعض الناس، بعض الناس طريقة الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى يقول لك: أنا ممكن أدعو إلى الله مثلاً في درس، أدعو إلى الله مثلاً لما يكون عندي طلاب، ولا أدعو إلى الله لما يكون عندي كذا. لكن مثلاً لا، في المدرسة مثلاً، في الجامعة لا، في العمل ربما؛ هذا ليس متعلقاً بمجال الدعوة، في أماكن أنا في مواصلات وجنبي واحد، ليست هذه أماكن يستدعي فيها الإنسان مثلاً أنه يدعو إلى الله. يوسف عليه السلام هذا الأمر ما كان حاضراً يعني في أصعب الأاماكن وأشد الأماكن على النفس، أنه النفس تكون ضيقة فيه، هو السجن، ومع ذلك كان موطناً من مواطن الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. فالإسان لا يستثني موطناً إلا ويدعو الله فيه، إلا ويدعو الله سبحانه وتعالى فيه، هذا من جهة.

من جهة أخرى، من جهة أخرى، من هم الذين أمامه؟ يعني من الذين أمام يوسف عليه السلام؟ ترى حتى الله سبحانه وتعالى أسماهم فتيان، وهم من الناحية الدنيوية يعني لا يعبأ بهم أحد، وربما كانوا من المجرمين، يعني ربما كانوا من المجرمين والذين لديهم مثلاً جرائم أو كذا دخلوا بسبب السجن، أقول ربما، وربما يعني هم في النهاية فتيين عندهم رؤية، واتوا إلى يوسف عليه السلام. العجيب أن يوسف عليه السلام تحدث بكلمات عظيمة، وتحدث بآيات، يذكر بالله، ويذكر باسماء الله وصفاته، ويذكر الحجج العقلية والفطرية، وكذا. يعني من منا يتكلم بمثل هذا الكلام في موقف عابر؟ هذا سؤال مهم: من منا يتكلم بهذه الكلمات العالية الشريفه العظيمة، الممتلئة بذكر الله سبحانه وتعالى وبذكر هذا الدين والتذكير بالعبودية إلى آخره، من منا يتكلم بهذا الكلام في موقف عابر؟

من منا وهو جالس مع صاحبه على الطعام، أو هو سائر معه في الطريق، أو كذا، يتكلم بهذا الكلام العظيم؟ هذه الكلمات لا نذكرها فقط في الدروس، ولا نذكرها حتى وأنت تتكلم مع الناس اللي بين قوسين من الناحية الدنيوية لا يعبأ بهم أحد؛ أي واحد جاك يسالك بمسألة، واحد يتحدث معك بحديث، إذا كان هناك مجال للدعوة إلى الله، تتحدث معه بأعلى ما يمكن، طبعا بما يناسبه من الكلام واللغة، لكن أقصد تتحدث معه في المعاني الكبرى إذا حانت الفرصة. فكذلك فعل يوسف عليه السلام، وقد كان يمكن أن يجيبهم بتعبير الرؤيا وينصرف، لكنه يعني سجل هذا الموقف العظيم في هذا الموقف العابر. فأنا وأقول إنه بالنسبة لنا موقف عابر، كان موقفاً عابراً، لكن عند يوسف عليه السلام اعتنى به أشد العناية، ودعا إلى الله سبحانه وتعالى بشتى الطرق، كما سنرى، وعند الله لم يكن موقفا عابراً، بل سجله الله سبحانه وتعالى لنا قرآناً يتلى إلى يوم القيامة.

الأمر الثاني: لماذا أتوا إلى يوسف؟ يعني لماذا القصة كلها بدأت من أين؟ القصة كلها بدأت من أنهم لما كان لديهم رؤيا، ذهبوا إلى يوسف عليه السلام وقصوا عليه الرؤيا. لماذا ذهبوا إليه؟ لو لم يذهبوا إليه لما حدث كل هذا، لكن لماذا ذهبوا إليه؟ لأنه كان من المحسنين. من هذا الاحسان بدأت كل القصة، من هذا الاحسان بدأت كل الحكاية، وحصل هذا الموقف الذي يحبه الله، وحصلت الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وحصل بعد ذلك رؤيا الملك، وحصل بعد ذلك الافراج عن يوسف عليه السلام. هذا الاحسان الذي ساق الفتيين إلى يوسف عليه السلام ليحصل هذا الموقف وما يترتب عليه؛ ترتب عليه أمر عظيم عند الله عز وجل من مشاهد الدعوة إلى الله، ومن حصول المواقف المترتبة عليه.

فالإحسان إلى الناس جزء لا يتجزأ من ميدان الدعوة؛ الاحسان إلى الناس ومخالطتهم. يوسف عليه السلام لم يكن منعزلاً في السجن، يوسف عليه السلام لم يقل مثلاً الآن أنا في سجن، فيعني لا، أخذ زاوية وأتعبد الله سبحانه وتعالى ولا أكلم أحداً على سبيل المثال، أو قال: لا، أنا أنشغل بحالي، وأنا مظلوم، وأنا كذا، يعني يا الحمد لله أني صابر واني ما أتذمر. لا، يوسف عليه السلام كما ذكر يعني المفسرون في معنى الاحسان هنا، قالوا: كان يعود مرضى السجناء، ويقوم بحقوقهم، ويحسن إليهم، ويخاطبهم، ويعبر رؤياهم، وإلى آخره. فكان يخالط الناس وكان يعاملهم بأحسن معاملة، وكانت أخلاقه أحسن الأخلاق، فهذا الاحسان إلى الناس أولاً هو من أعظم الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

هو من أعظم الدعوة، بمجرد أن تكون على خلق حسن وتخالط الناس وتقوم بحاجاتهم، هذا من الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. الأمر الثاني: أنه يفتح أبواباً للفرص العظمى قد لا يتصورها الإنسان؛ أنت قد أنك في موقف عابر تساعد أحد، وتقوم بحاجة أحد، موقف عابر بالنسبة لك وأنت فعلا لا تكون ترجو شيئاً من ورائه، الأجر يعني لا تريد لا تطلب من ناحية دنيوية، لكن مع ذلك قد يفتح الله سبحانه وتعالى عليك فتوحات لا تتصورها من جهة هذا الإحسان. لأنه كثيراً ما يحصل أنه الله سبحانه وتعالى يجعل المحطات الكبرى في رحلة الرسل تمر أحياناً عن طريق الاحسان، تمر عبر طريق الاحسان إلى الناس تحديداً. فعلى سبيل المثال، على سبيل المثال هنا لما كان الاحسان وقاد إلى هذا الموقف، كان فيه ومن آلته بفضل الله عز وجل الفرج ليوسف عليه السلام، الفرج ليوسف عليه السلام. وهذا ومن الشواهد الثانية كذلك هي قصة موسى عليه السلام، قصة موسى لما ذهب إلى مدين.

ذهب إلى مدين ما يملك شيء، ما يملك أحد، ما عنده أحد، ذهب خائفاً ما ما عنده أحد يؤويه. فما الذي فعل؟ رأى أيضاً امراتين، رأى امراتين ولا يستطيعان أن أن يسقيا فساعدهما في هذا الأمر فسقى لهما ثم تولى إلى الظل، قال: رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ، قال: إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ يا ربي، إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ. افتقر إلى الله سبحانه وتعالى، فكان إحسانه ذلك، فكان إحسانه ذلك بوابة جعلها الله سبحانه وتعالى بوابة لأن تأتي بعد ذلك إحدى الفتاتين فتسوقه إلى إلى ما فيه الخير وإلى ما فيه البركة وإلى ما فيه بعد ذلك حتى حصل له الزواج فتزوج، حصل له الإواء، فحصل له بعد ذلك يعني كثير من الأشياء ترتبت.

رعاه الله سبحانه وتعالى وجعل تلك الرعاية بوابتها كان إحساناً عادياً بين قوسين في المقياس الدنيوي، كان عادياً لأحد عابر في في الطريق رآهم وساعدهم يعني، فالإحسان إلى الناس أمر عظيم، أمر عظيم في طريق الدعوة إلى الله وفي البركة التي قد يسوقها الله سبحانه وتعالى للإنسان مع أن الإنسان لا يطلب إلا الأجر من الله، لكنه مع ذلك الله سبحانه وتعالى يبارك له.

وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم مثالاً في الإحسان إلى الناس، وإلى الفقراء، وإلى الضعفاء، وإلى العبيد، وإلى الخدم، إلى كل الأصناف. فهذا هذا من جهة الإحسان، جهة الإحسان كانت مركزية في حدوث هذه القصة أصلاً.

الأمر الثاني، الأمر الثاني أنه لما قص عليه القصص، لما قص عليه القصص الرؤية قال: لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إلى آخر الآيات. فهو قال لهم: ساخبركم ساخبركم بالتعبير، يعني لا تشيلوا هم التعبير الآن، لا تشيلوا هم التعبير، أنا ساخبركم بالتعبير لكني الآن قبل ذلك ساغول لكم بعض الكلمات، وهذه الكلمات هي كانت الكلمات التي سجلها الله سبحانه وتعالى في الدعوة إلى الله عز وجل. هو يوسف عليه السلام لما علم أنهم كانوا يحتاجون، كانوا يحتاجون إلى الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى فاقتنص هذه الفرصة التي هم مقبلون عليه، هم لديهم ما يريدونه منه، يريدون تفسير الرؤية.

فالداعي إلى الله سبحانه وتعالى لا يفوت الفرص ويستغلها بالخير، يستغلها بالخير، إذا رأى إقبال الناس إليه فلا يعطيهم فقط ما يريدون بل يعطيهم يعطيهم مع ذلك ما يحتاجون، قد لا يسألون هم، قد لا يسألون يعني هذان الفتيان لم يسألا مثلاً عن موضوع العقيدة ولا عن موضوع الإيمان والهداية وكذا، لكن هو يعلم أنهم يحتاجون، فلا يمكن أنك تفوت تفوت هذه الفرصة. أنت كداعية إلى الله سبحانه وتعالى أنت تستغل الفرص ولو لم يسأل الطرف المقابل، أنت تقدر بحكمتك ما يناسب من الفرص، لكن لا تفوت هذه الفرص في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

فإقبال الناس عز وجل إقبال الناس إلى إلى الإنسان بفضل الله عز وجل هذا هذه فرصة كبرى من الله يعني منحها الله سبحانه وتعالى للعبد يستغلها بالخير. الأمر الثاني أنه من أهم ما فعله يوسف، احنا الآن نتعرف نتعرف مع بعضنا البعض كيف كان يوسف في في ميدان الدعوة إلى الله وماذا فعل وما هي المضامين والأساليب الدعوية التي قالها وفعلها، فقلنا الإحسان، وقلنا اقتناص الفرص، والآن موضوع نسبة الفضل إلى الله سبحانه وتعالى.

نسبة الفضل إلى الله سبحانه وتعالى هذا من أعظم ومن أهم ما ما كان عليه يوسف عليه السلام، من أعظم ما كان عليه يوسف عليه السلام. يوسف عليه السلام في نفسه قبل الناس كان دائماً ينسب الفضل لله سبحانه وتعالى، ذلك كان دائماً ينسب الفضل لله سبحانه وتعالى، لذلك قال هنا: ذَلِكُمِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي، وبعدها قال: ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا. وفي مواطن أخرى حتى أن الله سبحانه وتعالى نجاه من المعصية وراودته امرأة العزيز وكذا هو لم ينسب الفضل لنفسه بل اتهم نفسه قال ماذا؟ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجاهِلِينَ. أنا جاهل، أنا ضعيف، أنا أقرب ما أكون إلى المعصية لولا لولا حفظ الله عز وجل، هو ينسب الفضل والنعمة حقاً لله.

لذلك هذا العلم ذَلِكُممِّا عَلَّمَنِي رَبِّي وفي آخر السورة قال ماذا؟ هو كان متذكر قال: وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي. كل هذا من فضل الله، كل ما أنا عليه من فضل فضل الله ربي قد آتيتم من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث وعلمتني أنت يا رب، وهنا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي. فيوسف عليه السلام كان دائماً ينسب الفضل لله سبحانه وتعالى.

والأمر الآخر الذي يترتب عليه كما هو متعلق بالله في كل شأنه، هو يعلق الناس بالله، وهذا من أعظم ما يكون عليه الداعية، من أعظم ما يكون عليه الداعية ماذا؟ أنه لا يربط الناس بشخصه. هم نعم ممكن منبهرين، إنا نراك من المحسنين، وما شاء الله تعرف تعبير الرؤى وأخلاقك كذا وكذا، يعني ممكن يكون الناس يميلون إلى التعلق بالأشخاص. هنا يأتي دور الداعية في أن يقول لهم ترى كل ما ترونه، كل ما ترونه هذا ترى هذا فضل الله، كل ما حتى العلم هذا الذي عندي هذا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي. فهذا أولاً فيه شكر شكر لله بعد نسبة الفضل عليه وبعد التحدث بالنعمة، بعد التحدث بالنعمة هو أنك تنسب هذه النعمة حتى أمام الناس، حتى أمام الناس.

الأمر الثاني ماذا؟ أنك تعلق الناس بالله سبحانه وتعالى تحديداً في الناحية التي قلوبهم معلقة عليها، تحديداً في الناحية المعلمة، يعني واحد قوي وواحد قوي والناس مبهورون بقوته في هذه الناحية تحديداً يذكرهم أن القوة لله وأن القوة من الله، واحد عالم والناس منبهرون بعلمه ومعجبينه يذكرهم أن هذا العلم من الله سبحانه وتعالى، فهو يعلق قلوبهم لله. وهذا كان من يعني من عقل يوسف ومن يوسف عليه السلام، من رجاحة عقله أنه دخل إلى بوابة الدعوة إلى الله تحديداً من من الجهة التي هم يلمسونها ومحتاجون إليها ويرون أثرها، هم راوا علمه راوا تعبيره للرؤى، فمن هذا الباب تحدداً الذي لمسهم هذا الباب أدخلهم واسقهم إلى الله سبحانه وتعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ. فالداعية إلى الله سبحانه وتعالى لا يدعو إلى نفسه ولا يدعو إلى شخصي بل يعلق الناس بالله سبحانه وتعالى، ويذكرهم بأن الفضل لله وأن النعمة من الله وأن كل ما يرونه من الآثار إنما هي من الله سبحانه وتعالى، هذا هذا دور الداعية.

ذَلِكُممِّا عَلَّمَنِي رَبِّي، ذَلِكُممِّا عَلَّمَنِي رَبِّي، إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ، وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا، ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا. لو تلاحظوا هنا هو نسب شيئين إلى الله سبحانه وتعالى، ما هو الأول؟ هذا العلم الذي يرونه العلم بالرؤى العلم بالتعبير والتأويل، هذا العلم المتجدد، كل ما أخبرتكم معلومة ما ترى هذه من الله، كل ما تجدد شيء هذا من الله، هذا واحد.

الأمر الثاني أنه نسب الهداية، أمر الهداية أنه اتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب بعدين قال: ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا. فأنت تنسب النعمة إلى الله في شيئين، الشيء الأول في الأشياء الثابتة عندك شأن الهداية والإيمان تتذكر دائماً أنه الحمد لله أنه ربي هداني للإسلام وتأتي غداً وتتذكر أن الحمد لله اللي هداني ربي للإسلام، حتى اليوم الثالث والرابع والخامس لا تجعل الشيء الثابت عندك ينسيك أنه من أنه من الله وأن هذه هذا أمر يجب كل يوم تتذكر انك متلبس به. والأمر الثاني هو العلم المتجدد، فسواء كانت النعمة متجددة أو كانت النعمة ثابتة مستقرة فتنسبها لله وتتذكر أنها من الله.

ثم بعد ذلك قال يوسف عليه السلام: يا صاحبي السجن، فبدأ بمخاطبتهم فيما يتعلق بعقيدتهم، فيما يتعلق بعقيدتهم. وكلمة يا صاحبي السجن سبحان الله يعني مجرد تقرأ الآية يا صاحبي السجن ارباب

متفرقون، كأنك تشعر أنك اخذت رحلة كذا عبر الزمن، وكأنك جالس جنبهم في الزنزانة. ترى هذا الموقف كأنك ترى سبحانه وتعالى، شوف كيف يسوق لك القصة، فترى يوسف جالس في ذلك الطرف مع هذين الفتيين، ويخاطبهم ويحاججهم ويدلهم على ربه سبحانه وتعالى: يا صاحبي السجن. وفي هذا من القول الحسن، ومن الأسلوب، ومن الأخلاق، وجانب الأخلاق جانب لا ينبت بحال ولا ينفصل بحال عن جانب الحجج العقلية والفطرية.

يجب أن يكون الداعية إلى الله، كما ذكرنا قبل قليل، القيام بالحجات والإحسان والمخالطة، وهنا تحديدا جانب الخلق الحسن والقول الحسن. والقول الحسن يجب أن تدعو إلى الله سبحانه وتعالى بالموعظة الحسنة، موعظة حسنة، قول حسن. يجب أن تقول للناس قولا حسنا، وَلَوْ كُنتَفَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوْا مِنْ حَوْلِكَ. يعني حتى وأنت معك الرسالة ومعك القرآن، وأنت الرسول صلى الله عليه وسلم، نعم، لو كنت غليظا لانفضوا من حولك. يجب أن تقول الكلمات الطيبة الرقيقة الحسنة، وتقولها بأفضل أسلوب.

وهنا تعليم خطأ من يظن أنه بمجرد امتلاك الحجة أن الناس سيهتدون، أو بمجرد أن يمتلك الحجة أنه يحولها بأي أسلوب شاء، ومن شاء أبى ومن أبى، لا، أنت مطالب بهذه: يا صاحبي السجن. ولاحظ التلطف والترفق: أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ؟ يعني نعم الحجج قوية، لكن الأسلوب حسن، والكلام طيب ورقيق. ثم بعد ذلك قال لهم: أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ؟

فساق لهم الأدلة العقلية، أو إن شئت كل ما فيها من المضامين الفطرية كذلك، أن وحدانية الله سبحانه وتعالى والتأمل العقلي في الفرق بين الإله الواحد وبين الأرباب المتفرقين، أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ. فأسلوب أولا أسلوب من ناحية الأساليب؛ أسلوب الاستفهام الذي يجعل الإنسان يتفكر ويقلب النظر ويحاول أن يجيب، ثم هذا المضمون العقلي الذي يجعلك تتفكر في الأمر، لا يوجد عقل سليم يفضل هذا على هذا، يفضل الأرباب المتفرقين على الله سبحانه وتعالى الواحد، هذا من جهة أنه ساق لهم الأدلة العقلية التي تجعلهم يتفكرون في الأمر.

الأمر الثاني: استدلاله بالأسماء الحسنى. فقال هنا، لم يقل لهم فقط: أأرباب متفرقون خير أم الله، وإنما ذكر لهم من الأسماء الحسنى ما يناسب هذا المقام الدعوي، فقال: أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ. وهذان أنسب اسمين يسوقهما في هذا المقام؛ أن الله سبحانه وتعالى واحد وهؤلاء متعددون، الله سبحانه وتعالى قاهر لكل من سواه وهؤلاء إن كانوا أربابا سبحان الله وتعالى عن ذلك إن كانوا كذلك فهم سيقهر بعضهم بعضا، فكيف يكونون أربابا؟ أما القهار لا يكون إلا واحدا، أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ.

وهنا إشارة مهمة جدا؛ الأسماء الحسنى، أي من اعظم ما يستصحبه الداعي إلى الله سبحانه وتعالى الأسماء الحسنى. نعم، قد نسوقها أحيانا، قد تاتي في سياق الترغيب، وتقول: إن الله سبحانه وتعالى رحيم عليم، عليم بعبادتك، سميع لدعائك. وقد تأتي الأسماء الحسنى في سياق الترهيب: إن الله سبحانه وتعالى شديد العقاب، الله سبحانه وتعالى عليم بذنبك كذا. وقد تأتي الأسماء الحسنى وهذا مهم في هذا السياق في تقرير العقائد؛ الأسماء الحسنى تدل على كمال الله. الأسماء الحسنى هي من اسمها حسنى كاملة الحسن تامة الحسن، فلذلك هي تدل على صفات الله سبحانه وتعالى التي من شأنها أن تسقط كل ما سواه لأن كل ما سواه ناقص، والله سبحانه وتعالى هو الكامل.

لذلك الله سبحانه وتعالى في القرآن يستدل بالأسماء الحسنى على إبطال العقائد؛ أن الله يخلق وهؤلاء لا يخلقون، الله يحيي ويميت وهؤلاء لا يحيون ولا يميتون، الله ينفع ويضر وهؤلاء لا ينفعون، فبالتالي أنت تستدل بالأسماء بصفات الله سبحانه وتعالى على هذا الأمر؛ على أمر أنه ما سواه باطل. لذلك في القرآن مثلا يقول الله سبحانه وتعالى: قَاتَلُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا، ماذا قال؟ سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ. خلاص، كلمة الغني تكفي في إبطال ادعاء الولد. وقال في سورة البقرة: بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وقال في الأنعام: بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ. فبالتالي الاستدلال باسم الأسماء والصفات من أعظم ما يحق من أعظم ما يبطل بالباطل.

على ذكر إبطال الباطل، هذا من الأساليب العظيمة التي فعلها يوسف عليه السلام، ما هي؟ الداعي إلى الله سبحانه وتعالى لا يكتفي بذكر الحق، بل إن من تمام إحقاق الحق أن تبطل الباطل، من تمام نقاشه مع من أمامك أن تبين له الدين الحقيقي والصحيح والدين القيم، وأن تقول له: ترى عقيدتك هذه فيها كذا وكذا، وعقيدتك خاطئة، وهذا محل إشكالها، وأنت على ضلال. فأنت تبطل الباطل، يجب أنك لا تغش الخلق، لا تقول له ممكن أنت على خير ولكن أنا عندي خير أفضل منه، لا تقول، لا، يجب أن تحق الحق وأن تبطل الباطل. قل له: أنت مخطئ وعقيدتك خاطئة، هذه الآلهة اللي عندك ترى ما هي إلا أسماء تسفهها. نعم، تتكلم بخلق حسن وكذا، لكن تسفه هذا المنهج وتبين عواره وضلاله.

كما قال إبراهيم لأبيه: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ Āزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً ۖ إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ. أنتم في ضلال مبين، هذا اسمه ضلال، أنت في ضلال، وهذا من تمام النصح، من تمام النصح من الداعية أنه يقول للناس: الطريق الذي أنتم عليه آخره النار أو آخره العذاب. حتى بالنسبة للمسلم المسلم العاصي، تقول له: ترى هذا فيه عذاب، ورد فيه هذا الحديث أنه سيعذب كذا وكذا وكذا، لعن الله من فعل كذا. فأنت تحق الحق من جهة وتبطل الباطل، ترغب وترهب. فلذلك هنا قال ماذا؟ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً. أسماء هذه الآلية التي تسجدون وتركعون لها وتعظموها وتتوسلون بها، هو كشف الآن زيف هذه العقيدة التي هم عليها: إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُوكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ.

أمر ألا تعبدوا إلا هي، وهنا ماذا قال يعني قبل قليل موضوع إبطال الباطل هنا ذكرهم بموضوع الاتباع الأعمى من الأساليب اللي اتبعها يوسف عليه السلام، لأن أكثر الناس في زمنه كانوا مشركين، قالوا قال: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، وقبلها قال: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ. وقال: هذه الآلة ترى سميتموها أنتم وآباؤكم، أنتم مجرد مقلدين، فأين سلطانكم؟ ما أنزل الله بها من سلطان، أما نحن معنا سلطان؛ ذلك الدين القيم، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ. فبالتالي بيان من ناحية الفائدة الدعوية بيان التعلق بالحق حق وليس التعلق بالخلق وما هم عليه، وعدم التعلق بالسائد إن كان على ضلال وليس عليه دليل، وكذلك التذكير.

يعني أخيرا، مما فعله يوسف عليه السلام؛ التذكير بالعبودية، هذا مهم، بعد أن تذكر الحجج، تذكر الأدلة العقلية والفطرية ونحو ذلك والتنبيه بابطال الباطل تذكر الإنسان أنه مجرد عبد، وأن الحكم الحقيقي هو لله سبحانه وتعالى، وأنت في هذه الأرض عبد مأمور، أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ. الحكم ترى ليس لك وليس لهواك، الحكم لله، ابحث أين أنزل الله الكتب فانظر ماذا يريد الله فتعلق بالله عز وجل. وفي هذا سبحان الله يعني تعليق كما ذكرنا من يوسف عليه السلام بالله، تعليق لهذين الفتيين بالله وبحكم الله وبأمر الله وبسلطان الله وبدين الله، وتخليص لهم من الأهواء ومن اتباع الآباء ومن اتباع أكثر الناس واتباع الباطل إلى آخره. هناك لفتة لفتة مهمة جدا في هذا الموقف الدعوي الذي قام به.

يوسف، اللفتة هذه ما هي أنه هذان الفتيان هما مختلفان؟ مو مختلفان كل واحد له حياته، كل واحد له خلفيته، كل واحد مثلا في عمر معين، بل حتى كل واحد مصيره مختلف، علم يوسف من الرؤيا أنه كل واحد حتى مصيره مختلف، واحد سيصلب وواحد سينجو. فيوسف عليه السلام رغم اختلاف هذين الشخصين، ورغم اختلاف خلفيتهما ورغم كذا وكذا، لكنه دعاهم بدعاء واحد، بدعوة واحدة، بحجج واحدة، بخطاب واحد، وما تيسر له ذلك بفضل الله عز وجل إلا أنه بدأ من المركزيات، بدأ من الأولويات التي يخاطب بها الناس كلهم.

لو أنه يعني لو أنه بدأ بمضائق العلوم وبمضائق الأدلة، لربما نفع هذا الدليل مع فلان ولم ينفع مع فلان، نفع هذا الأسلوب مع كذا، لكن أنت تبدأ مع الناس بما يجمعهم، بالمركزيات، بالأساسيات، بأمر العقيدة الذي يعيني الجميع، فلما تبدأ بهذا يكون الخطاب يتقبله كل الناس باختلاف خلفياتهم وما هم عليه.

أخيراً أخيراً قال الله سبحانه وتعالى: يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ. أخبرهما بالتعبير، وقال للذي ظن أنه ناجٍ منهم: اذكرني عند ربك فأنشاه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين.

وهنا حقيقة ملحظ مهم يجب أن يقف معه الإنسان؛ أولاً الله سبحانه وتعالى ما ذكر لنا هنا في القرآن، ما ذكر لنا هل أسلم أم لم يسلما؟ هل اتبع الحق أم لم يتبع؟ ماذا كان موقفهم؟ ماذا ردوا على يوسف عليه السلام؟ نحن من الناحية الدنيوية لو أردت أن تقص قصة أنت لازم في النهاية تذكر، طب قالوا في النهاية كذا، قبلوا منه، لم يقبلوا منه، رفضوا.

عند الله سبحانه وتعالى لم يكن هذا هو محور القصة، يعني الذي قصها علينا هو ذكر لنا الموقف الدعوي وانتهى الأمر، ويعني لعل من الفوائد والثمرات المهمة للداعي أن الله سبحانه وتعالى يحب منك أن تقوم هذا المقام، سواء قبل الناس أم لم يقبلوا، سواء أسلم الناس أم لم يسلموا، سواء اهتدى الناس أم لم يهتدوا، هذه الحجج يحبها الله، هذه المقامات يحبها الله سبحانه وتعالى بغض النظر بعد ذلك عن الموقف، طالما أنت وقفت موقف حق وموقف صدق فقد أديت الذي عليك.

فلذلك لم يذكر الله سبحانه وتعالى العاقبة لهذين من ناحية الهداية. الأمر الثاني من ناحية عاقبة يوسف عليه السلام، يعني بعد كل ما قام به يوسف من الإحسان إلى الله إلى الناس في السجن ومن القيام بحقوقهم ومن الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، والآن جاءت نافذة من نوافذ الفرج وعلم أنه واحد سيخرج وخرج فعلاً وقال له: اذكرني عند ربك. رغم ذلك، رغم كل ذلك أنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين.

والمستفاد هنا أنه الداعي إلى الله عز وجل لا يطلب بعمله هذا رفعة في الدنيا، ولا يضمن إذا كان يسير في طريق الدعوة أنه سينال مباشرة مثلاً بعض الثمرات الدنيوية وسيرفعه الله سبحانه وتعالى في بعض المقامات الدنيوية وسيفرج عنه في لحظة معينة. هو لا يضمن هذه الأشياء ولا يطلب هذه الأشياء ولا يجعلها شرطاً للدعوة إلى الله، رغم كل ذلك لبث في السجن بضع سنين، كان على ما يحب الله، كان على ما يرضى الله سبحانه وتعالى، ولبث في السجن بضع سنين.

اختار الله سبحانه وتعالى بعد سنوات أنه ينجيه وأنه يعني من الناحية الدنيوية يرفعه ويمكن له وكذا ويجمعه بأهله. فلذلك الثمره الدنيوية ليست مطلوبة وليست شرطاً للقيام بالعمل، وقد تستمر سنوات في الشدة واللواء وكذا وكذا، والمطلوب منك رغم ذلك أن يكون سبيلك هو الدعوة إلى الله: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ، أياً كان مكاني وأياً كانت حالي من الناحية الدنيوية.

ونذكر في الختام بقول الله سبحانه وتعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وبعدها بايات في آخر آية في السورة: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ.

عبرة لأولي الألباب؛ أولو الألباب هم الذين يستفيدون من هذه القصص يعتبرون بها وتتغير حياتهم ويهتدون بهداياتها، هذا خاص بأولي الألباب: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. وبذلك نكون قد يعني انتهينا التعليق على هذا الموطن الشريف وهو الفصل العظيم من فصول قصة يوسف عليه السلام.

نسأل الله أن يجمعنا به في الجنة، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا ويرحمنا وأن يعز الإسلام والمسلمين وأن يهلك الظلمة والظالمين. وصلى الله على سيدنا محمد، سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.