طيب، بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. حياكم الله، أهلاً وسهلاً بكم.
وأسأل الله العلي العظيم أن يبارك لنا في هذا المجلس، وأن يغفر لنا ذنوبنا، وأن يتجاوز عن أخطائنا. وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا المجلس من المجالس الطيبة المباركة التي ننتفع بها في دنيانا وفي آخرتنا، وأن يزيدنا الله سبحانه وتعالى بها علماً وعملاً. اليوم بإذن الله سيكون لنا حديث، هذا الحديث من الأحاديث التي فيها رهبة وفيها هيبة؛ أنها تتحدث عن النار، هذه النار التي -والعياذ بالله- سنقف أمامها جميعاً، وسيراها جميع الخلائق، برهم وفاجرهم.
ووقوف الناس أمام النار سيكون مشهداً عظيماً، سيكون من المشاهد العظيمة من مشاهد يوم القيامة المتكررة، المهيبة، المخيفه، المزلزلة للنفس، كما قال الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ.
لكن قبل أن نبدأ، ممكن يتبادر إلى بعض الناس سؤال، يتبادر إلى بعض الناس في مثل هذه المجالس سؤال، وهذا السؤال هو: لماذا ننظر في آيات العذاب؟ ما هو الداعي وما هو المبرر أن ننظر في آيات العذاب؟ هل نحن معنيون بهذه الايات؟ وهل ربما يكون بعض الناس يفكرون أنها انزلت من أجل الكفار فقط فيرتدعون عما هم عليه؟ فهل هذا صحيح؟ وهل الانسان المسلم الذي يسير على طاعة الله عز وجل، هل هو معني بايات العذاب؟ الحقيقة أنه نعم، آيات العذاب تعني الجميع، والجميع يجب أن ينظر في آيات العذاب وصفة النار التي جاءت في كتاب الله عز وجل، لأنها مفيدة جداً للإنسان ونافعة لقلبه.
ومن هذا النظر في آيات العذاب تحصل التذكرة، تحصل التذكرة؛ لأنه كثيراً من الأحيان الإنسان ينسى، نعم يعلم أن هناك نار وأن هناك جنة وأن هناك حساب وأن هناك أهوال وأن هناك عقاب وأن هناك زلزلة وكذا، ولكن تشغله هذه الدنيا، تشغله هذه الدنيا وينسى ويغفل، فبالتالي الإنسان يحتاج إلى أن يتذكر، لذلك الله سبحانه وتعالى ذكر كثيراً بالنار في القرآن، ذكر كثيراً بالنار، وما أتى الأمر -يعني ما أتت كمعلومة فقط أن هناك نار مثلاً في سورة واحدة وانتهى الامر- لا، يأتي التذكير تلو التذكير، والجميع يحتاج إلى هذا التذكير، وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ.
الأمر الثاني: حصول الخوف في القلب. النظر في آيات العذاب يحقق الخوف داخل القلب، وهذا الخوف مفيد للإنسان، هذا الخوف هو من أعمال القلوب. الخوف هذا عمل، يعني ايش عمل؟ بمجرد أن الإنسان يخاف من العذاب هو الآن يعمل عملاً ويتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بهذا العمل، هذا فضلاً عما يورثه هذا الخوف من الأعمال الظاهرة ومن الانتهاء عن المعاصي ومن وكذا، لكن هذا الخوف في حد ذاته مما يتقرب به إلى الله عز وجل، هذا الخوف من الأشياء العظيمة جداً، بل إن الله سبحانه وتعالى قال في أعلى أصحاب الجنة: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ، فيعني وصفهم بهذه الصفة: الخوف من الله عز وجل. وقال سبحانه وتعالى في سورة المؤمنون: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ، فهؤلاء أصحاب أعلى الدرجات. وكذلك جاء على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، قل الله سبحانه وتعالى يوصي نبيه: قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، فبالتالي يتحقق الخوف، والخوف عمل.
والأمر الأخير -يعني مما ينتج عن التذكرة والخوف- هذا الأمر العظيم، وهو ما يسمى التقوى. من أكبر ما يحقق التقوى في قلب الإنسان هو أنه يتذكر ويخاف، أنه يتذكر ويخاف، والتقوى فيها مكونات، فيها مكون متعلق بالله سبحانه وتعالى والعلم به وكذا، وفيها المكون هذا، اللي هو النظر في آيات العذاب وتذكر الحساب وتذكر العقاب، لذلك قال الله سبحانه وتعالى: لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ -لما ذكر النار قال ماذا؟- ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ ۚ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ. لماذا يخوفهم؟ لانه يريد أن يعني رحمة بهم كي يحققوا التقوى في صدورهم، والتقوى هي أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية، فأنت إذا نظرت إلى العذاب علمت أنك تريد أن تفر من هذا العذاب، وهذه التقوى. وكذلك قال: وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ -يعني هذا القرآن مليء بالوعيد، لماذا؟ قال:- لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا. فلاحظوا في الايتين هاتين ذكر الخوف والتقوى والتذكرة، فبالتالي المتقون أولى الناس بالنظر في آيات العذاب، أولى الناس من جهة أنهم هم الذين سينتفعون، سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ، الذين يخشون الله سبحانه وتعالى هم الذين يتذكرون بهذه الايات وينتفعون بها.
اليوم باذن الله كما ذكرنا في البدايه، سنتوقف مع مشهد من مشاهد يوم القيامة، وهذا المشهد هو مشهد مجيء النار ورؤيتها، هذا المشهد أنه هذه النار ستاتي يوم القيامة، سيكون واحد من المشاهد في يوم القيامة انه هذه النار ستاتي وسيناها الناس، وعندما يرونها ستحصل أحوال وأحوال. ربما أيضاً أحد يسأل أنه هل يستحق هذا المشهد -أو هل هذا المشهد هو مشهد يستحق الذكر أو الوقوف معه لمجرد رؤية النار؟- الجواب: لمن يطلع في كتاب الله سيرى شيئاً عجيباً، ربما يكون بعض الناس لم ينتبهوا إلى عدد الايات التي وصفت وتحدثت عن هذه اللحظة، لحظة رؤية النار، لحظة رؤية النار، عدد الايات التي تكلمت عن هذه اللحظة عجيبة جداً، وهذه كانت من الأشياء الحقيقة التي لفتت انتباهي: رؤية النار. طب هذه الرؤية -نحن الآن لا نتحدث عن العذاب بعد أن يدخلون النار- نتحدث عن رؤية النار قبل دخولها، هذا لأنه مشهد عظيم ولانه مشهد مهيب، فقد كرره الله سبحانه وتعالى في كتابه كثيراً، وسترون في الايات القادمة كم من الايات التي ذكرت هذا المشهد، مشهد رؤية النار.
وهذا التكرار بحد ذاته تستشف منه أن هذا ليس حدثاً عادياً، ليس حدثاً عادياً، هذا حدث عظيم؛ لأن الله سبحانه وتعالى ذكره كثيراً وذكره في سياقات مختلفة، وكأنه سيكون واحد من اعظم المشاهد في يوم القيامة، انه تاتي النار ويراها الناس لا سيما الكفار، ويذكر الله سبحانه وتعالى حال العصاة والكفرة في ذلك الوقت لما يرون النار، ما هي أحوالهم؟
فبالتالي يقول الله سبحانه وتعالى: أولاً قال سبحانه وتعالى في سورة الفجر: كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ، يعني يؤتى بجهنم يومئذ، لما الله سبحانه وتعالى كان يصف ذلك اليوم، إذا دكت الأرض وإذا جاء ربك سبحانه وتعالى والملك يكونون مصطفين في ذلك اليوم، يؤتى بجهنم، وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ، يعني حدث مستقل ذكره الله سبحانه وتعالى تستشف منه أن هذا حدث سيحصل وهذا حدث عظيم، يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ * يَقُولُ يَا لَيْتني قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي، سنأتي مع هذه الايات. انظروا في حديث في صحيح مسلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، يعني حاولوا أن تتخيلوا هذا المشهد فقط، حاولوا أن تتخيلوا هو لا يمكن تخيله، يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونه. هل يمكن أن الواحد يتصور هذا المشهد فقط بخياله؟ لا يمكن. كيف سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك؟ وما هو هذا الشيء الذي يؤتى به؟ جهنم، النار التي تتلظى، النار التي سماها الله سبحانه وتعالى النار الكبرى، هذه النار مجيئها سيكون مهيباً وسيكون محفوفاً بهذه الأزمة، ومحفوفاً بهذا العدد الهائل.
من الملائكة، لك أن تتصور ما هو هذا المشهد، لك أن تتصور ما هو هذا المشهد المهيب العظيم. لذلك ورد أثر روي رواه القرطبي في تفسيره عن أبي سعيد الخدري قال: لما نزلت وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ، تغير لون رسول الله صلى الله عليه وسلم، تغير لون رسول الله صلى الله عليه وسلم. لاحظوا ترى هذا مشهد من مهابته حتى وقعوا على النبي صلى الله عليه وسلم، ما كان عادياً. تغير لون رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرف في وجهه، حتى اشتد على أصحابه يعني، حتى اشتد هذا الأمر على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما رأوا ما حل بالنبي صلى الله عليه وسلم.
فبالتالي لا يجب أن نقرأ مثل هذه الآيات وتمر علينا مرور الكرام، فهذا كان حال النبي صلى الله عليه وسلم كما ورد في أثر رواه القرطبي عن أبي سعيد الخدري. هذا المثل الذي في تغير لون وجه النبي صلى الله عليه وسلم. طيب، وأيضاً في سورة الفرقان قال سبحانه وتعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا.
سمعوا لها تغيظاً وزفيراً، إذا رأتهم من مكان بعيد يعني هم يرونها وهي تراهم. لك أن تتخيل هذا التفاعل الذي سيحصل بين الخلق وبين جهنم، فهي تراهم كذلك ويسمعون تغيظها وزفيرها، وقد ورد في الآثار ورد في بعض الاحاديث والآثار أنه هذا الزفير يعني يقع الناس ويجثون على ركبهم لما يسمعونهم هذا، مما ورد يعني وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا.
ويقول الله سبحانه وتعالى: وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ. لاحظوا يتحدث عن هذه اللحظة، يتحدث عن هذه اللحظة لحظة رؤية النار، لم يقعوا فيها بعد، لكنهم عرفوا وعلموا أنها مصيرهم، فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا. هذه الآية يعني سبحان الله بالنسبة لي من أعظم الآيات في هذا الباب، تعبر حقيقة عما يقع في نفوسهم في تلك اللحظة، اللحظة التي يرون فيها النار وقد أتت ويرونها أمامهم ويعلمون أن موقعهم فيها، أن مستقرهم إليها، أن مأواهم إليها، فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا. في ذلك اليوم لا يوجد مصرف ولا يوجد مفر.
يقول الإنسان يومئذ أين المفر كَلَّا لَا وَزَرَ، يعني ما في هناك مهرب يومئذ، وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا. مَالَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ. ذلك اليوم كثير ما يكرر الله سبحانه وتعالى أنه ما في مفر، أنه النار تحيط بهم، النار تحيط بهم. فبالتالي ما الذي يقع في نفس ذلك المجرم إذا رأى النار وظن أنه مواقعها ولم يجد عنها مصرفاً؟ خلاص عرف أنه ما في مفر في ذلك اليوم، وعرف أنه سيقع في هذا الجحيم والظلام الذي يراه أمامه، وهذا اللهب والزقوم وكل ما فيها، هذا يراه الآن قبل أن يدخل، يرى هذا المشهد وكأن الله سبحانه وتعالى جعله نوعاً من العذاب قبل دخول النار، العذاب بأنك تعلم أنك ستقع في النار قبل أن تقع فيه.
فهذه اللحظة من اللحظات العظيمة والمهيبة والمخيفة التي ذكر الله ما الذي يدور في أنفسهم في ذلك الوقت؟ يذكر الله سبحانه وتعالى ما الذي يدور في أنفسهم؛ فأول شيء، أول شيء هو التذكر والحسرات عند رؤية النار، بعد أن يرون النار هذه بالنسبة للكافر، هذه بالنسبة للكافر هي لحظة التذكر. هنا يتذكر الإنسان عمله، هنا تخرج الحسرات، هنا تخرج الأمنيات، هنا يقول الكافر يا ليتني، يا ليتني، كثير من مشاهد التمني والأمنيات هذه تخرج عند رؤية النار لما يرى النار أمامه ويعلم أنه مواقعها ولم يجد عنها مصرفاً، لا يجد منها مفرا، هنا يتحسر ويا لها من حسرة يومئذ.
وانظروا عدد الآيات التي تصف الحسرة في ذلك المشهد تحديدا، يعني هناك آيات عموما ذكرت الحسرات، وهناك آيات حددتها برؤية النار تحديدا في ذلك اليوم، وذلك اليوم يعني بلا شك هو يوم، وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ سماه الله سبحانه وتعالى يوم الحسرة، وسماه يوم التغابن يوم التغابن ويوم الحسرة. ففي ذلك اليوم تطلق الحسرات، وأعظم المشاهد التي تطلق فيه الحسرات لما يرى الكفار النار ولما يرى العاصي النار ويعلم أنه سيدخلهم. فيقول الله سبحانه وتعالى في الآيات التي ذكرناها، قال: وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ. الآية يعني مباشرة ما هي التكمله؟ قال: يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ.
وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ. وكأن هناك بينها علاقة أنه لما يؤتى بجهنم تبدا الذكريات تخرج وتبدا الأعمال تظهر على سطح الذاكرة ويبدأ الإنسان يتحسر. لذلك قال الله سبحانه وتعالى: يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى. وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى هذه من الكلمات الحقيقة المؤلمه والصعبة يعني، ما فائدة الذكرى الآن؟ ماذا ستفعل بهذه الذكرى الآن؟ ما ماذا ستفعله بهذا الندم وبهذه الحسرات وبهذه، ما الذي ستفعله؟ لا شيء. يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى يَقُولُ يَا لَيْتني قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي.
فهذه أولاً ياتي التذكر، ثم ياتي التعسر، تذكر يفكر الإنسان وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى يَقُولُ يَا لَيْتني قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي. يا ليتني قدمت لحياتي، هذه سيقولها من سيدخل النار أمام النار قبل أن يدخلها، يا ليتني قدمت لحياتي، وهذه لن تفيد بشيء إلا بمزيد ألم وبمزيد عذاب وبمزيد حسرة وتقطع أي من الألم ومن الحسرة على ما بدر من الإنسان وعلى ما يرى من مصيره أمامه والعياذ بالله.
وقال سبحانه وتعالى: فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى يَوْمَ يتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى وَبُرِزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى. يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى وَبُرِزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى. أيضاً أتت ورى بعض بنفس الطريقة السابقة، مشهد التذكر ومشهد رؤية الجحيم. الجحيم ستبرز يومئذ، ستظهر، ستأتي الجحيم، وذلك اليوم هو الذي يتذكر الإنسان فيه ما سعى يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى وَبُرِزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى. لاحظوا إبراز الرؤية تحديدا والرؤية التي ستكون هي من أعظم تلك المشاهد التي ستكون في يوم القيامة، فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى. بعد ذلك، وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ. لاحظوا الذي خاف، الذي خاف في الدنيا، الذي تذكر النار في الدنيا وخاف ذلك المشهد ونهى النفس عن الهوى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى.
كما ورد في الأثر أنه لا يجمع الله سبحانه وتعالى على عبد خوفين، فإذا خاف في الدنيا يؤمنه الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، وإذا أمن في الدنيا ولم يتذكر فنصيبه يوم القيامة هو الخوف وهو الفزع يوم القيامة، ثم دخول النار والعياذ بالله.
وقال سبحانه وتعالى: وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَفَدَتْ بِهِ، ثم قال: وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ. متى؟ لما رأوا العذاب تحديدا، لما رأوا العذاب وعلموا أن الأمر انقضى وما صار في فائدة من التلاوم ولا في فائدة من إيه في ذلك الوقت، سواء تحدثوا بحسراتهم أو أخفوها في أنفسهم، سواء أظهروها أم أبطنوها في ذلك الوقت ما في فائدة.
لذلك وهذه كلمة مؤلمة الحقيقة كذلك يعني، كلمة تعبر عن الألم النفسي العظيم الذي يشعر به أصحاب النار، إذ حتى الندم أسروا في أنفسهم، حتى هذا الندم أنه يا ليتني وكذا أسروا في أنفسهم لأن ما في فائدة في ذلك الوقت. فنفسه من الداخل مليئة بالندم ومليئة بالحسرات ومليئة بالتذكر ومع ذلك هو يسرها، لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ.
وقال سبحانه وتعالى: وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ. هذه كانت الآيات تكملة لحوار بين الذين استضعفوا والذين استكبروا، معروف هذا الحوار المتكرر في كتاب الله، قال الذين استضعفوا ماذا قالوا؟ بَلْ مَكْرُ
الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أنداداً. بعدين لما رأوا العذاب أسروا الندامة، وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون.
بعدين قال الله سبحانه وتعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ، وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ. هؤلاء قالوا ما نحن بمعذبين. بعدين أسروا ندامة لما رأوا العذاب، وهذا عجيب لو تأمل الإنسان يجد أنه كثير من المشاهد يوم القيامة يذكرها الله سبحانه وتعالى في خضم أقوال الكفار. أنه هذا مقابل أقوالكم أنتم الذين تقولون في الدنيا: نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذبين. أنتم الذين ستعذبون يوم القيامة وستسرون الندامة لما ترون العذاب.
وقال سبحانه وتعالى: وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ. لاحظوا الوقوف على النار، الوقوف على مصيرهم الخالد الذي يرونه أمامهم. فقالوا، ماذا قالوا في تلك اللحظة؟ فقالوا: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وهنا التحسر، هنا الأمنيات: يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين. فقط نريد فرصة في هذه اللحظة، لحظة رؤية العذاب، فقط نريد فرصة، وهذا طبيعة الإنسان. طبيعة الإنسان الظلوم الجهول أنه إذا رأى العاقبة أمامه، إذا رأى يعني العذاب أمامه، أنه يحاول أن يجد فرصة، يحاول أن يجد مهرباً، يحاول أن يجد يطلب فرصة ثانية، لكن لن تكون هنالك فرصة أخرى في ذلك المشهد.
وقال سبحانه وتعالى: وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ. لاحظوا كيف كلمة وراوا العذاب هنا في هذه الآية تدلك على أنه مشهد مستقل. وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب، ما ذكرها الله سبحانه وتعالى عن ذلك، ما ذكرها، كلمة زائدة لا، وراوا العذاب يعني تفكر في هذا المشهد الذي يرون فيه العذاب، ورأوا العذاب. ثم قال: لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ. لو أنهم كانوا يهتدون، يعني هذه الكلمة تدل على ما يدور في أنفسهم من الحسرة، ما يدور في أنفسهم من الأمنيات. تخيل أنت يعني هم واقفين على النار ويرون الفريق المؤمن في الطرف الآخر، يرونهم، فقط لو أنني كنت من المهتدين، لو أن الله هداني، كما سيأتي في سورة الزمر: لو أن يعني يا ليتني كنت مع الطرف الثاني، يا ليتني كنت من المهتدين. كل هذا الكلام يقال أمام النار، وهذا مشهد عظيم ومهيب. فهذه الآيات كلها التي أوردناها، ولكم أن تتخيلوا عدد الآيات كلها تقرن بين التذكر والحسرات والأمنيات عند رؤية النار، وهذا التكرار كما ذكرت كله يدل على أن هذا مشهداً عظيماً سيكون بلا شك، سيراه الناس أمامهم. فنسأل الله أن لا نكون منصحاب تلك الحسرات أمام النار.
طيب، الفائدة العملية من هذا المشهد، الفائدة العملية من فكرة أنك تعلم أنه في ذلك اليوم يوم التذكر، ذلك اليوم يوم الحسرة، الناس سيتحسرون، أنك الآن تستدرك، الآن تستدرك، الآن تسارع، يعني الواحد ترى حتى في الأشياء الدنيوية لما يعرف أنه في شيء، واحد يرى أمامه، واحد ندمان مثلاً على قرار فعلوه ويقول: يا ليتني، والآن أنا متحسر على شيء، يحاول أنه يستدرك مبكراً. ما زلت أنت الآن، فيما مررت بما مر به، فكيف بشأن النار؟ فهذا من رحمة الله أن الله سبحانه وتعالى يذكر لنا المشهد في آخره: هذا الطريق نهايته تحسر ونهايته تذكر، نهايته أمنيات لن تتحقق. فبالتالي أدرك نفسك اليوم، أدرك نفسك، سارع اليوم قبل أن تتحسر، قبل أن تتحسر في ذلك اليوم. فهذه من الفوائد العملية، لذلكهناك عدة آيات تدل على هذا المعنى.
قال الله سبحانه وتعالى في سورة الشورى: وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِّن بَعْدِهِ. وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ. هذه الآية ما ذكرناها سابقاً: وترى الظالمين لما رأوا العذاب، لاحظوا لما رأوا العذاب ايش قالوا؟ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ. هل إلى مرد نفس الكلمات يا ليتنا نرد، يا ليت، نفس الكلمات، الإنسان يتمنى أنه يعود لما رأوا. وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل. وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ. ينظرون من طرف خفي.
وبالمناسبه هو مشهد حسرة ومشهد تذكر، وكذلك مشهد ذل، مشهد ذل أن الله سبحانه وتعالى يعرضهم على النار ويرون النار، هذا كي يعرفوا ويتذوقوا هذا الذل وهذا الانكسار قبل أن يدخلوا النار ويتحسروا قبل أن يدخل النار. وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ. سبحان الله حتى ذكر صفة نظرهم إلى النار، يعني ليس فقط ينظرون إلى النار، وإنما ينظرون من طرف خفي! يا الله على هذا الانكسار وهذا الذل وهذا الصغار الذي سيكون عليه الكافر أمام النار، أنه ينظر من الطرف الخفي. ومما ورد في تفسير الطرف الخفي أنه ورد فيها عدة أقوال، منها أنه مثلاً ينظر كأنه يسترق النظر، وورد كذلك أنه طرف خفي يعني طرف ذليل، يعني ينظر نظر الذل. ينظر نظر الذل إلى هذه النار، ها ذلك هذا اليوم الذي يذلون فيه، ذلك اليوم الذي يخزون فيه، ذلك يوم الخزي كما سماه الله سبحانه وتعالى.
لذلك ماذا قالوا؟ وقال الذين آمنوا: إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. سبحان الله يعني هذه كلمة عظيمة أنه أثناء العرض على النار وأنهم يعرضون على النار ويقولون: هل إلى مرد من سبيل؟ وكذا، لاحظ ماذا يقول المؤمنون وهم يرقبون حال أولئك: إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ * وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ. وهذا متكرر، أنه في ذلك اليوم ما في أحد يساعدك، ما في أحد ينصرك، كما ذكرنا: وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ. وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ.
الخلاصه الذي نريد أن نصل إليه، ماذا قال الله بعد أن ذكر كل هذه المشاهد؟ قال: اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ. هذه الخلاصة، الله أنزل القرآن ويذكر وصف النار ويذكر العذاب وأنكم ستقفون أمام النار وستعرضون عليها خاشعين ذليلين، كل هذا كي يقول لك: استجيبوا، استجيبوا لربكم قبل ذلك اليوم. الآن الحق، قبل أن تتحسر، فهذا أنا سقت هذه الايات يقول إنه من فوائد الاطلاع على مشهد التحسر والتذكر هو الاستجابة العاجلة: اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ.
وقال سبحانه وتعالى عن ذلك المشهد نفسه الذي أن تقول نفس يا حسرة: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ المتقين * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ، تحديدا في تلك اللحظة: أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا. في ذلك اللحظة خلاص ما في. فهذه اللحظة أنت تقول أنت هذه اللحظة، ما الذي أتي قبلها؟ ما الأمر الذي أتي قبلها؟ قال ماذا قال؟
هذا جاء هذا المقطع قبلها: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفُرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنِيبُوا. أنيبوا يعني الآن أنيبوا، الآن استدركوا أمركم، الآن أسرعوا، الآن يا أيها المسرفون على أنفسهم أقبلوا على ربكم: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ. لاحظوا زي الآيات السابقة، سابقاً قلنا ايش: استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي. وهنا قال: وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ.
بغتا وأنتم لا تشعرون. ليش كل هذا؟ ليش هذه الأوامر؟ حتى لا تقول نفس: يا حسرة. لاحظت العلاقة بين التحسر وبين: وِسارِعُوا إِلَىٰ رَبِّكُم، لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ. الآن قبل أن يأتيكم العذاب، قبل أن يأتيكم العذاب بغتة. كل هذا أن تقول نفس: يا حسرة. إلى أن قال: أو تقول حين ترى العذاب: لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ.
فهذا هذا خلينا نقول الفصل الأول، الفصل الأول من فصول رؤية النار هو فصل التذكر والحسرات والندم، والفائدة العملية منه أن الإنسان الآن يستدرك ويلحق قبل أن يندم، يستدرك قبل أن يندم، يسارع قبل أن يندم ويستجيب إلى الله سبحانه وتعالى.
الفصل الثاني من الفصول التي أشار إليها القرآن تحديدا عند رؤية النار هو فصل أو خلينا نقول مشهد السؤال والمحاسبة. مشهد السؤال والمحاسبة، يعني تخيلوا يا جماعة، تخيلوا يا جماعة السؤال والمحاسبة. دائما الإنسان أكثر ما يعظه ومن أكثر ما يردعه عن الذنب أنه يعرف أنه سيسأل أمام الله سبحانه وتعالى، وأنه سيحاسب على هذا الشيء. فكيف لو كان هذا السؤال وأنت ترى لهيب النار الكبرى أمامك؟ كيف لو كان هذا السؤال وأنت تسمع زفير النار وشهيقها؟ كيف لو كان هذا؟ كيف لو سئلت عن ذنبك وأنت ترى النار أمامك؟
هذا يجعل لمشهد السؤال والحساب هيبة وعظمة أكبر بكثير من مجرد أنك ستسأل وأمامك النار. كيف سيكون ندمك على شيء تسأل عنه: لماذا فعلت هذا الذنب؟ وأنت ترى النار أمامك، وماذا فعلت يوم كذا وكذا، وما الذي حصل يوم كذا وكذا؟ كيف ستكون سعادتك في المقابل وأنت تعلم أنه في شيء سيبعدك عن النار في تلك اللحظة؟ كيف سيكون احتفائك بهذه الطاعة؟ ففكرة أن السؤال والمحاسبة ستكون أمام النار، هذا أمر عظيم ومهيب وممكن يعني يغير حياة الإنسان إذا تذكره دائما.
وقد أشار يعني أشار الوحي للعلاقة بين بين رؤية النار والوقوف أمام النار وبين السؤال والمحاسبة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أخرجه البخاري ومسلم، أخرجه البخاري ومسلم: ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله يوم القيامة، ليس بينه وبينه ترجمان. هذه هذه من أهيب الأحاديث حقيقة في الحديث النبوي، أكثرها مهابة، أنك ستكلم الله سبحانه وتعالى، وما منكم من أحد، الجميع سيكلم الله، ليس بينه وبينه ترجمان.
وهذا الكلام مع الله سبحانه وتعالى، هذا أنك أنت ستكلم الله عز وجل، هذه اللحظة العظيمة المهيبة مرتبطة بعملك ومرتبطة بالنار برؤية النار. فقال: ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله يوم القيامة، ليس بينه وبينه ترجمان. ولاحظ ما هو ظرف هذا الكلام مع الله سبحانه وتعالى؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم. الأعمال تعرض عليك يومئذ، ترى أعمالك وتحاسب عليها وتسال عنها. ثم قال: وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه.
يعني تخيل أنك تكلم الله عز وجل وأعمالك محيطة بك والنار أمامك! يا له من مشهد عظيم، ويا لها من وقفة، ويا لها من عظمة! يعني هل يصيبك الوجل والهيبة من أن أعمالك تحيط بك عن اليمين وعن الشمال، ولا من أن النار أمامك، ولا من أنك تكلم الله؟ أنت تكلم الله ليس بينك وبينه ترجمان، فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه.
قال: فاتقوا النار. ايش الوصية؟ فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، ولو بكلمة طيبة، ولو بكلمة طيبة في ذلك الوقت. اتقوا النار، هذه وصية النبي صلى الله عليه وسلم. اتقوا النار، أعمالك يومئذ كل عمل حتى لو شق تمرة، ذلك اليوم ستنفعك في أنك تقيك من شيء من العذاب، ستبعدك قليلا من العذاب، كل كلمة طيبة، الكلمة وشق التمرة، ما هي شقة التمرة؟ لا شيء. فاتقوا النار ولو بشق تمرة، هذا يدل أنه حاجتك في ذلك اليوم لأدنى نوع من أنواع العمل هي حاجة عظيمة جدا جدا.
فبالنسبة للآيات، قال الله سبحانه وتعالى: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ، كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ، كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ. يعني لما ألهاكم التكاثر، لو تعلمون علم اليقين لما ألهاكم التكاثر. ثم قال: لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ. وهذه الكلمه كلمة عظيمة ومهيبة، أن الله سبحانه وتعالى يقسم ويقول ويدلنا أنه يقول لنا: ستاتي هذه اللحظة، لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ، ثم لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ.
ثم الشاهد هنا قال: ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ. ذلك اليوم ستسالون لما ترون الجحيم، لما ترون الجحيم قال: ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ. فبالتالي هذا هذا ربط بين رؤية الجحيم التي أكدت مرتين في الآية: لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ، ثم لتسالن يومئذ عن النعيم.
وهذا علاقة بين رؤية الجحيم وبين السؤال، أن الله سبحانه وتعالى سيسالك، لا سيما ما أبرز في هذه الآية عما أنعم الله سبحانه وتعالى به عليك وعما عن العطايا التي منحك إياها، عن صحتك وعما منحك من الصحة والأمن والكذا، وما منحك من النعم الدينية والدنيوية، سيسالك سيسالك وسترى النار يومئذ. فتذكر تذكر هذه اللحظة عندما تتلبس بنعمة الله، وكلنا متلبسون بها في كل لحظة.
وقال سبحانه وتعالى: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ. هذا اليوم قال ماذا يقول لهم حينئذ؟ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا. هذه تشبه ايش؟ ثم تسالون يومئذ عن النعيم. ذلك اليوم الذي يعرضون فيه على النار قال: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ.
وقال سبحانه وتعالى: وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ. ويوم يناديهم، يعني ذلك اليوم الذين يرون فيه العذاب، لاحظوا العلاقة بين رؤية العذاب وبين المساءلة والمحاسبة: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ. فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ.
وهذه هذه كلمة عظيمة جدا، لأنه في ذلك اليوم الذي تكون يعني تكون النار أمامك، لن تجد مفرا حتى من السؤال، لن تجد لن تجد جوابا، لا تستطيع، لن تجد جوابا تجيب به أمام هذا السؤال الذي تسأله وتحاسب به والنار أمامك. فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ، فما لهم مفر وما لهم مخرج من هذه الأسئلة التي يسألوها في ذلك.
الفائدة العملية من هذا الفصل الثاني هي أن تتذكر أن كل عمل تعمله سيعرض عليك أمام النار، كما ذكرنا: وينظر تلقاء وجهه فلا يرى إلا النار. في ذلك اليوم يكون العمل عن أيمن منه وعن أشأم منه. تذكر تذكر أنه عملك، كل شيء تعمله، تذكر أنه سيعرض عليك أمام النار.
فبالنسبة للطاعة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الحديث قال: اتقوا النار ولو بشقة تمرة. من أكثر ما يجعلك تقبل على الطاعات أنك تعلم أنك ستستفيد منها في تلك اللحظة العظيمة، ستستفيد منها، الكلمة الطيبة الحرف الواحد الذي تقوله وتنوي به خيرا، أن أي حركة وأي سكنة وأي خلجة في صدرك تكون تحتسب تبتغي بها وجه الله، ستنتفع بها أمام النار في ذلك الوقت. فهذا مما يجعل تسارع في الطاعات ويجعلك تبادر بها وتكاثر بها، ولا تستقل منها شيئا ولو كان شق تمرة.
وبالنسبة للمعاصي فهذا أمر عظيم، أمر عظيم. تذكر تذكر تذكر أمام الذنب، عندما تقارف الذنب، عندما تنوي أن تخطو خطوة واحدة نحو الذنب، تذكر أنه سيعرض عليك والنار أمامك، النار بجحيمها وزقومها وطعامها وشرابها، النار بدركاتها، النار بما فيها من.. تذكر انه هذا العمل هذا العمل ستراه في تلك اللحظة تقول: يا ليت هذا.
العمل يا ليتني تذكرت حينها، واستعذت بالله من الشيطان الرجيم وما فعلت هذا الذنب، يا ليتني ما اتبعت هواي يا ليتني. فأنا أقصد أن هذا التذكر من أفضى ما يكون للإنسان، من أفدى ما يكون للإنسان أنك تعلم أن هذا العمل سيعرض عليك في تلك اللحظة التي أنت أشد الحاجة فيها للطاعة الصغيرة فضلا عن الكبيرة، وأنت في أشد الحاجة لأنك لا ترى ذنوبك في ذلك اليوم، لا تريد أن ترى أدنى أدنى ذنب يقربك ولو مثل قال ذرة إلى تلك النار التي يعني تراها تتلظى أمامك.
الفصل الأخير من الفصول التي أشار إليها القرآن المتعلقة برؤية النار تحديدا هي ظهور الحقائق. وهذا أمر لو تعلمون عظيم، لما يتذكر الإنسان ويتحسر في الفصل الأول اللي ذكرناه، والفصل الثاني لما يسأل الإنسان ويرى أعماله وكذا، حينها في ذلك اليوم تظهر الحقائق، يعلم الناس أن الحق هو الحق والباطل هو الباطل، والله سبحانه وتعالى هو الملك الحق، والشركاء ما هي إلا أشياء أسماء سماها الناس ما لها حقيقة.
كل الحقائق ستحق في ذلك اليوم، لذلك سماه الله سبحانه وتعالى ذلك اليوم الحق. قال الملك الحق، تعالى الله الملك الحق. فبالتالي الله سبحانه وتعالى كثيرا ما يشير إلى أن ذلك اليوم مرتبط بكلمة الحق: قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّ لَحَقٌ، وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّ لَحَقٌ. وذلك اليوم الذي تظهر فيه الحقائق، ويظهر فيه حتى تأويل الأخبار التي جاءت للكفار، في ذلك اليوم: هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ. تأويله يعني يتحقق بيانه، بيان هذه الأخبار الغيبية التي حصلت في الدنيا وكذا. حينها تتحقق الحقائق، يعلم الناس، يؤمن الجميع بالمناسبه، الجميع سيؤمن، الجميع سيوقن في ذلك المشهد.
خلاص تنتهي، ينتهي الاختبار المتعلق بالإيمان بالغيب، والجميع يعلمون الحق ويتمنون أنهم يعودوا: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. نريد أن نعود للدنيا فنؤمن. لكن في الآخرة خلاص أمن الجميع: فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا، ما ينفع الإيمان يومئذ. فظهور الحقائق، لأن الله سبحانه وتعالى العدل ولانه الملك الحق، يحق في ذلك اليوم. فيقول سبحانه وتعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ. ثم قال ماذا؟ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ. لاحظوا أنا مركز على الآيات اللي فيها كلمة رؤية العذاب: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ. في ذلك اليوم سيرون، في ذلك اليوم سيعلمون أن القوة لله جميعا، الآن هم ما هم مصدقين في الدنيا، لكن لما يرون العذاب سيعلمون حينها، لما يروا من مظاهر القوة وآثار القوة سيعلمون أن القوة لله جميعا، وسيعلمون أن الله شديد العذاب.
في ذلك اليوم سيعلمون، سيظهر هذا الحق وسيسلم له الجميع: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ تُبُعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ، وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ، وما هم بخارجين من النار والعياذ بالله.
وكما قال أنه سيعلمون أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب. وقال ماذا؟ وراوا العذاب، الآية التالية: وتقطعت بهم الأسباب. تقطعت بهم الأسباب هذه تدل على أن كل ما تعلقوا به من الوهم ومن الأشياء غير الحقيقية ستتقطع يومئذ. ما في شيء ينفعهم يومئذ، يظهر الحق. ولن يكن لهم شركاء ينفعونهم من دون الله، ولم يكن لهم، ولن يكن لهم شفعاء. ذلك اليوم هو الذي تظهر فيه الحقائق، تتقطع بهم الأسباب: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ، وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تفترون. ذلك اليوم كل الافتراءات يعني تظهر وتضل ويتقطع بينهم تلك الأسباب.
وقال سبحانه وتعالى: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَبُرِزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ. لاحظوا لما تبرز الجحيم للغاوين، لما يرونها، تبرز فيرونها. لما تبرز الجحيم لمن يرى قال في ذلك الوقت: وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ. لاحظوا هذا السؤال، هذا السؤال ليس الغاية منه فقط المحاسبة والمساءلة، وإنما كشف الحقيقة، وإنهم يخزوا بما فعلوا. قيل لهم: أين ما كنتم تعبدون من دون الله؟ أين ما كنتم تعبدون من دون الله؟ وينهم الآن؟ هذه زي الآية اللي ذكرناها: وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء. أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون؟ هل ينصرونكم أو ينتصرون؟ ما في في ذلك الوقت، حتى ما يستطيعوا أنهم يجيبوا: فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ. أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون؟ فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَغَاوُونَ. خلاص استحقوا النار، فكبكبوا فيها، فالقوا في النار، فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس يجمعون.
وهذه مثل هذا السؤال لهم وقيل لهم: أين ما كنتم تعبدون؟ هذا مثل أنه قيل: ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وراوا العذاب. هذه نفسها: قِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ. كانوا يدعونهم في الدنيا ويظنون أنهم معهم في ذلك الوقت، فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وراوا العذاب.
وقال سبحانه وتعالى، أول شيء ذكر، لاحظوا ذكر مقولتهم في الدنيا: وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا. كفار يستهزئوا، يقول للذين آمنوا: أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا؟ احنا عندنا المجالس والنوادي وكذا، واحنا عندنا المقام الذي هو افضل منكم. يظن أن هذه الحقيقه. لاحظوا ماذا قال الله سبحانه وتعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا، قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَٰنُ مَدًّا حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ، إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ، فَسَيَعْلَمُونَ. هذا السؤال اللي سالتوه في الدنيا، تحقق الحقيقة في الآخرة، لما ايش؟ لما يرون العذاب: حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ. من هو شر مكانا واضعف جندا؟ انتم تقولون خير مقام وأحسن نديا، الله يقول لكم في تلك اللحظة ستظهر الحقيقه. الله أجل، أجل سبحانه وتعالى، أجل وأخر الحقائق لتظهر في ذلك اليوم فسيعلمون. وهم سيعلمون، سيوقنون، سيؤمنون فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا.
وقال سبحانه وتعالى في سورة الجن: حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ، لاحظوا كيف كلها مرتبطه بالرؤية: حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا. وهذه الرؤيه بالمناسبة أحيانا تكون متعلقة برؤية النار وأحيانا تكون متعلقة بالعذاب، حتى العذاب الدنيوي أنه أحيانا يؤمن في ذلك في تلك اللحظة: حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا.
وقال سبحانه وتعالى، ولاحظوا كيف تكرر المعاني، يعني أولا بدأ بقولهم: وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا، إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا. مرة أخرى يقول الله سبحانه وتعالى: وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا، وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا. ليه؟ لأنهم كانوا يقولون عن النبي صلى الله عليه وسلم، حاشاه، أنه يضلنا، إن كاد ليضلنا. فرموه بالضلالة، الله سبحانه وتعالى يقول لهم: اصبروا فستعلمون في تلك اللحظة التي تظهر فيها حقائق ستعلمون من أضل سبيلا.
وقال سبحانه وتعالى في سورة الطور: فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ، الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ، يَوْمَ يُدَاعُونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا. هذه النار لما يرون هذه، يقال لهم: هذه النار التي كنتم بها تكذبون، هذه النار كنتم تكذبون، يلا انظروا هذه النار التي كنتم بها تكذبون، أفسحر هذا؟ هذه مقولتكم في الدنيا.
أَفَسِحْرٌ هَٰذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ، اصلوها، فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون.
لذلك دائماً أو مكرر في القرآن أنه يقال لهم: هذه جهنم، هذه النار، هذه جهنم، يلا انظروا إليها، ما كنتم مصدقينها في الدنيا، ما كنتم مصدقين هذه النار التي كنتم بها تكذبون.
وقال سبحانه وتعالى في سورة يس: وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ، أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّ لَهُ عَدُوًّا مُّبِينًا، وَأَنِ اعْبُدُونِي هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ، وَلَقَدْ أَضَلَّ منكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ، هَٰذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ، كنتم توعدون في الدنيا فكذبتم، هَٰذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ، اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون.
أنا ليش أوردتها أصلاً؟ ليش أوردت هذه المواضع؟ لأنه هذه تدل على أنهم كانوا يرونها، هذه جهنم هذه النار اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون.
اليوم نختم على أفواههم، لاحظوا كيف ظهور الحقائق حتى من داخل الجسد، كلام الأيدي وشهود الأرجل، هذا اليوم الحق، هذا اليوم الذي تنطق فيه حتى تنطق فيه الأعضاء، تنطق فيه الأعضاء: الْيَوْمَ نَخْتَمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، وَلَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ، فأنى يبصرون.
طيب، أخيراً، الفائدة الفائدة من من هذا الفصل، فصل ظهور الحقائق يوم القيامة، الفائدة العملية هي وما أعظم هذه الفائدة، هو التصديق والإيمان بالغيب.
إذا كان الكفار لن يؤمنوا إلا حين يرون العذاب ولن يصدقوا إلا حين يرون العذاب، فنحن ما الذي يميزنا كمؤمنين، كمؤمنين أسأل الله أن يجعلنا منهم، أننا صدقنا أن هناك ناراً تلظى، وأننا صدقنا أن الله سبحانه وتعالى وعد بها الكافرين والمكذبين، وأننا صدقنا أنه لا يوجد شركاء من دون الله سبحانه وتعالى وأن الله هو الواحد، هذه أخبار غيبية.
الذي يصدق اليوم هو الذي سينجو، والذي يعني لا يؤمن بالغيب إلا حين يراها، لا يؤمن بالغيب إلا حين يراها، هذا الذي يستحق العذاب، لذلك قال في سورة السجدة، قال الله سبحانه وتعالى: وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ، أيضاً بدأ بالمقولة مقولة الكافرين: قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ.
ولو ترى، ولو لاحظت مرت معنا ولو ترى في عدة مواطن، في هذه فيها أن لفت الانتباه لهذا المشهد: وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ، مشهد الذل: رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا، خلاص يا الله إحنا الآن شفنا النار، أبصرنا النار، سمعنا سمعنا هذا هذا الزفير والشهيق، ربنا يعني رأينا الحقائق فرجعنا نعمل صالحاً إنا موقنون.
وصلنا إلى مرحلة اليقين، لكن اليقين عند ظهور الحقائق شهادة لا فائدة فيه، المطلوب الآن، المطلوب ماذا؟ المطلوب اليقين بالغيب، الإيمان بالغيب قبل أن تراه بسمعك وبصرك، إذا راينا بالسمع والبصر انتهى الاختبار انتهى الاختبار.
الاختبار الاختبار إنما هو اختبار للإيمان بالغيب: ربنا أبصرنا وسمعنا، ما في فائدة، لازم في الدنيا لما تسمع الوعد بالغيب: جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا، أولئك صدقوا صدقوا تلك صدقوا تلك الأخبار الغيبية.
فالقصد إيش؟ القصد أن نزيد يقيننا، نزيد نزيد يقيننا بهذه الأخبار، لأنه كل ما زاد يقيننا زاد ابتعادنا عن النار بإذن الله عز وجل.
وقال سبحانه وتعالى: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ولاحظوا كلمة سوف تعلمون وسوف يعلمون مرت معنا عدة مرات في قضية ظهور الحقائق: ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ.
يعني أنتم المشغولون بالتكاثر وبالدنيا سوف تعلمون، سوف تعلمون حقيقة الأشياء: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ، يعني لو كان عندكم ذلك العلم، لو كان عندكم علم اليقين لما أشغلتكم الدنيا ولا كنتم كأنكم رأيتم الجحيم، كأنكم ترون النار.
هذا كما قال الصحابي حنظلة قال ماذا؟ قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، نكون عند النبي صلى الله عليه وسلم فيذكرنا الجنة والنار حتى كأن رأي عين.
يعني ماذا؟ يعني المطلوب أن تتذكر النار دائماً حتى كأنك تراها، تصل إلى مرحلة اليقين، وهذه مرحلة الإحسان، وهي حضور الغيبيات حتى تكون كأنها شهادة: أن تعبد الله كأنك تراه، أن تتذكر النار كأنك تراها.
لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ، فكنتم كأنكم ترون الجنة والنار، لما ألهاكم التكاثر لما ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر.
أما الذين لا لم يوقنوا في الدنيا: سوف يعلمون لما يرون الجحيم: لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ.
أخيراً هذه آخر آية معنا، قال الله سبحانه وتعالى: وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَفَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ.
قال بعد ذلك بتعقيب رباني عظيم بعد ذكر هذا المشهد، مشهد رؤية العذاب ومشهد الندم ومشهد كذا، قال ماذا في إثبات الحقائق، وأن ما يذكره الله حق فصدقوا به وآمنوا به، وأن الله هو الذي بيده كل شيء: أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ.
ألا إن وعد اللَّه حق، أي فصدقوا، صدقوا من الآن من الدنيا، تذكروا من الدنيا، استحضروا هذه الغيبيات من الدنيا: أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.
ولكن أكثرهم لا يعلمون، لكنهم ماذا؟ سوف يعلمون: كلا سوف تعلمون، سوف يعلمون ذلك الوقت ولكن أكثرهم لا يعلمون، هو يحيي ويميت واليه ترجعون.
أصحاب اليقين خلاص، أصحاب اليقين يعلمون هذه الحقائق الغيبية ويوقنون بها: أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، هو يحيي ويميت واليه ترجعون.
هذه الحقيقة، هذه الحقيقة العظمى، واليه ترجعون، إلى الله سبحانه وتعالى الرجوع وإلى الله المصير، وبعد ذلك سيكون الحساب والعقاب والثواب في ذلك اليوم.
نسأل الله سبحانه وتعالى بمنه وكرمه وجوده واحسانه وفضله أن يعيذنا من النار، نسأل الله أن يعيذنا من النار، نسأل الله أن يعيذنا من النار، ونسأل الله أن ينجينا من النار، وأن يباعد بيننا وبين النار كما باعد بين المشرق والمغرب، ونسأله سبحانه وتعالى أن يدخلنا الجنة وأن يجعلنا من أهلها.
بذلك نكون قد انتهينا، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.