طيب، بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه. رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري. حياكم الله آل البرامج العلمية، أهلاً وسهلاً بكم في عودتنا لمجالس الاستهداء، ونسأل الله أن يتقبل منا ومنكم الطاعة.
نعود اليوم، بإذن الله، إلى مجلس من المجالس الطيبة التي نسأل الله أن يجعلها من المجالس المباركة التي تحفها الملائكة، وتغشى أهلها السكينة، وتتنزل عليهم الرحمة، ويذكر الله سبحانه وتعالى أهلها فيمن عنده.
اليوم سنتذاكر معنى من المعاني العظيمة والجليلة في كتاب الله عز وجل، وهو معنى الرزق. معنى الرزق سبحان الله، معنى الرزق من المعاني التي تكررت كثيراً في كتاب الله عز وجل، ويعني كثير من الناس يقصر في تتبع هذا المعنى، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا تقصيرنا.
لكن المعاني التي تكررت في كتاب الله كثيراً هي من أولى المعاني بالعناية، وهذا هدف هذه الدروس، بإذن الله عز وجل، أننا نركز على أكثر معاني أو المعاني التي تكررت كثيراً في كتاب الله عز وجل، واعتنى الله سبحانه وتعالى بتكرارها لنا لحاجتنا إليها.
معنى الرزق من المعاني الجليلة العظيمة، وأريد أن أنبه على أن معنى الرزق كذلك بعض الناس لما يتناولوا معنى الرزق في هذا الدين، يتناولوه فقط من جهة مركزية الانسان نفسه، أنه كيف نحصل على الرزق؟ ما هي الأسباب التي تؤدي إلى تحصيل الرزق؟ إلى آخره.
بينما نحن هدفنا وغايتنا في هذه المجالس أننا ننظر كيف تحدث الله سبحانه وتعالى في عليائه عن الرزق في كتابه. وإذا تأملنا هذا المعنى، نجد أن معنى الرزق مركزيته يدور حول العلم بالله عز وجل، يدور حول العلم بالله عز وجل.
ولذلك نحن نقول إن هذا المجلس، بإذن الله عز وجل، هو من المجالس حقيقة التي تتحدث عن الله عز وجل. يعني نعم نحن سنتحدث من جهة الرزق، لكن هو حقيقة مجلس يتحدث في صميم العلم بالله عز وجل، أمر يعني نتحدث عن العلم بالله عز وجل، وهذا أمر جليل وعظيم.
لأن الله سبحانه وتعالى سمى نفسه الرازق والرزاق، وقال عن نفسه خير الرازقين في القرآن. وهناك كثير من الأسماء الحسنى مرتبطة بمعنى الرزق؛ على سبيل المثال: المغني، القابض، الباسط، الوهاب، المحسن، الكريم، إلى آخره.
فاقصد أنه حتى القرآن ثقل هذا المعنى يتركز في الحديث عن الله عز وجل وعن التوحيد، غالب الآيات تتحدث عن هذا المعنى، فبالتالي سيكون غالب تركيزنا يدور حول هذا المعنى، نحاول أن نتناول المعنى بحسب وزنه وثقله في القرآن، بحسب ما ييسر الله سبحانه وتعالى ويفتح ويسر لنا.
الأمر الثاني، أحب قبل أن ندخل في الآيات أن نتأمل قليلاً في معنى الرزق. حقيقة معنى الرزق من المعاني اللطيفة الدقيقة التي تتحدث عن نوع من أنواع العلاقة بين المخلوق والخالق سبحانه وتعالى، نوع من العلاقة بين المخلوق والخالق.
يعني العلاقة بيننا وبين الله سبحانه وتعالى هناك أنواع متعدده في العلاقة، واحدة منها أنه سبحانه وتعالى هو الذي يجري الأرزاق لنا. والله سبحانه وتعالى بحكمته وبعلمه خلقنا محتاجين إلى الرزق اليومي، يعني خلق العبد محتاج إلى الرزق اليومي.
وهذا الاحتياج جعله الله سبحانه وتعالى واحدة من النوافذ التي يتعرف فيها على الله عز وجل، تعرف من خلالها على الله عز وجل. فمجرد، أقصد مجرد أنك تنظر إلى هذا العبد الضعيف الفقير إلى الله سبحانه وتعالى، كيف أنه هو يحتاج دائماً إلى من يطعمه ومن يسقيه ومن يحييه ومن يحفظه ومن كذا، يحتاج إلى من يرزقه، يحتاج يعني معنى الرزق فيه معنى الافتقار وفيه معنى الضعف، وأنه العبد يحتاج إلى من يرزقه ومن يجري عليه الأرزاق حتى يظل، تظل أنفاسه تجري، ويظل يعني لا يزال يشعر بحاجته لله سبحانه وتعالى. هذا معنى الرزق معنى سبحان الله جليل في العلاقة بين العبد وبين ربه.
طيب، أكبر عنوان في القرآن، أكبر عنوان في القرآن يتحدث عن الرزق يتحدث من جهة أن الله سبحانه وتعالى هو الله المتفرد بالرزق. الله المتفرد بالرزق، المتفرد بالرزق يعني ايش؟ يعني نتكلم عن التوحيد، نحن نتحدث عن التوحيد.
لاحظوا موضوع الرزق فين ياخذنا؟ ياخذنا إلى جهة أننا نتحدث أن الرزق هو واحدة من أكبر، واحد من أكبر دلائل التوحيد لله عز وجل، واحدة من أكبر دلائل التوحيد لله عز وجل التي استدل الله بها في كتابه وأقام بها الحجة على الكفار، وضرب بها الأمثله، هو أنه سبحانه الرازق وحده، الذي يرزق وحده سبحانه وتعالى. وفي نفس الوقت ينفي سبحانه وتعالى الرزق عمن سواه.
فهذه الرزق، التامل في باب الرزق هو التأمل في صفة من صفات الله التي تفرد بها سبحانه وتعالى، ونوع وجهه من جهات التعرف على الله، نحن نتعرف على الله من جهة كونه رزاقاً رازقاً سبحانه وتعالى حاله.
انظر الآن إلى الآيات، سبحان الله، آيات عظيمة وجليلة في إبراز أن الله هو وحده المتفرد بالرزق. يقول سبحانه وتعالى في سورة الروم: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ۖ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ.
سبحان الله هذه الآية، آية لذلك أحببت أن أبدأ بها، آية جليلة وعظيمة ومبرزة للمعنى بشكل عجيب جداً؛ أنها ابتدأت أصلاً بلفظ الجلالة، والآيات التي تبتدئ بلفظ الجلالة سبحان الله فيها هيبة وفيها أعظمة، مثل آية الكرسي: اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ.
فالله، من هو هذا الله سبحانه وتعالى؟ بماذا عرف نفسه هنا؟ قال: الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم. ولو لو نلاحظ، الخلق والاماته والاحياء هذه عادة ما ينازع فيها أحد، يعني هذه عادة ما ينازع أحد في أنه من الخالق؟ الله سبحانه وتعالى هو الخالق، من الذي يميت ويحيي؟ الله سبحانه وتعالى هو الذي يميت.
فبنفس الدرجه وبنفس الكيفيه وبنفس التفرد، وضع معها قضية الرزق. كما أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق ولا خالق سواه، وككما أنه هو الذي يميت ويحيي ولا يميت ويحيي سواه، فهو الرازق سبحانه وتعالى، لا يرزق سواه سبحانه وتعالى.
ثم قال مؤكداً على ذلك المعنى: هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء؟ هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء؟ لا يوجد، سبحانه لذلك نزه نفسه سبحانه وتعالى عما يشركون.
وأيضاً آية تشبهها في العظمة في مطلع سورة فاطر، قال سبحانه وتعالى: قال يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم، نداء للخلق: اذكروا نعمة الله عليكم. ما هي هذه النعمة؟ ما وجه هذه النعمة التي أشار الله لها سبحانه وتعالى؟ قال: هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرِ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ.
لاحظ كيف أقامة الحجة، وكيف أنه بدأ بذكر النعمة وذكر أنه سبحانه هو الخالق الذي يرزق، وبصيغة السؤال: هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض؟ لا يوجد جواب إلا أن تقول: كلا، لا يوجد خالق غير الله سبحانه وتعالى.
لذلك وصل إلى معنى إلى كلمة التوحيد بعد ذلك: لا إله إلا هو، لا إله إلا هو. كما أنه قبلها قال سبحانه وتعالى عما يشركون، هنا قال: لا إله إلا هو فأنَّى تؤفكون. فأنَّى تؤفكون؟
هذا المعنى إذا تأملته لا يقودك إلا إلى ماذا؟ إلى توحيد الله وتنزيهه سبحانه وتعالى. لذلك لا تظنوا يا جماعة أن هذه الآيات تتحدث فقط للكفار، يعني لا تقول هذه الآية تتحدث للكفار فأنلست معنياً، لا.
هذا المعنى، تأمل معنى الرزق من المواطن التي يزيد فيها تعظيمك لله سبحانه وتعالى، يزيد فيها تنزيهك لله سبحانه وتعالى، تزداد بعدها أن تقول: سبحان الله عما يشرك المشركون، تزداد بها أن تقول: لا إله إلا هو سبحانه وتعالى، لا خالق غيره لا رازق غيره. والاية الثالثة.
التي أيضا يعني تشبهها من جهة إبراز تفرد الله سبحانه وتعالى بالرزق، وأيضاً بصيغة السؤال: أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض؟ لاحظوا الإشارة دائماً إلى الرزق مع الخلق، الرزق مع الإماتة والإحياء، وأنها جنس واحد. فكما تفرد في هذه، تفرد في هذه سبحانه وتعالى، قال: أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ. هذه الأسئلة كانت تكشف كل زيف يقع فيه الإنسان، لا يوجد أحد يرزقنا من السماء، ولو تلاحظوا يا جماعة، إشارة جانبية أنه كثيراً ما يرتبط الرزق بالسماء، أليس كذلك في القرآن؟ كثيراً ما يرتبط الرزق بالسماء، أنه وفي السماء رزقكم، وأنزل لكم من السماء رزقاً.
وهذا حتى لو ادعى مدع أنه يرزق من أرزاق الأرض وهو لا يرزق في حقيقة الحال، لكن كلمة السماء تجعل للأمر أمراً بعيداً عن البشر. الله الذي ينزل المطر سبحانه وتعالى من السماء، لا يستطيع أحد أن يقول: أنا أنزل المطر، ولا أنازع في هذا الأمر، ولا يستطيع، لا يدعي هذا أحد إلا ساذج يعني ولا يصدقه أحد. فسبحان الله، ارتباط الرزق بالسماء وانه الرزق يأتي من السماء، فهذا أمر حقيقة يبرز كيف الأمر مرتبط بالله سبحانه وتعالى لا بالخلق.
وقال سبحانه وتعالى أيضاً بصيغة السؤال: أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ. من الذي يرزقكم؟ طبعا قبلها في الآية اللي قبلها قال: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ. لاحظوا كيف كلها بصيغة الأسئلة البدهية، الأسئلة البدهية يعني الموضوع لا يحتاج مزيد تفكير، مجرد أنه سؤال يوجه إلى هذه إلى موضوع الرزق فتعلم الحقيقة: مَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ. فما هو إلا العتو منهم والجحود والظلم والجهل منهم.
وفي سورة يونس بصيغة السؤال كذلك: قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ، فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ.
طيب، ما ثمره هذا الامر؟ ما ثمره هذا الامر عندما تقرا هذه الايات وتستقر في صميم قلبك؟ الثمره الاهم هي ان تتوجه اليه وحده سبحانه وتعالى وتنصرف عمن سواهُ، وتعظم الله سبحانه وتعالى وتنزه الله سبحانه وتعالى عن كل معبود سواه. فكلما زدت يقيناً بهذا الأمر، كلما زاد توجهك إليه سبحانه وتعالى، وصرفت خوفك ورجاءك ومحبتك وتوكلك وإخلاصك لله سبحانه وتعالى وحده دون من سواه سبحانه وتعالى. ولذلك قال سبحانه وتعالى في سورة غافر يتحدث عن هذا التوجه لله سبحانه وتعالى والإخلاص له، قال: كان يتحدث عن التوحيد والشرك: ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ. ثم قال مبرزاً أنه سبحانه وتعالى هو الواحد، قال: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ، فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ.
طيب، الان نتحدث عن انما تحدثنا عن التوجه الى الله والاخلاص له وحده وإفراد الله بهذا الامر، ايضا يتحدث القران عن الشرك من هذه الجهة ويتحدث عن شناعة الشرك بعد ان يرزق الله سبحانه وتعالى، يعني انا اقصد انه الشرك شنيعة، اليس كذلك؟ واحدة من اوجه تامل شناعة الشرك ان الله سبحانه وتعالى هو الذي يرزقك ثم تشرك به غيره. فهذا واحد من تامل، يعني واحدة من اوجه شناعة الشرك التي تتاملها، انه كيف الله سبحانه وتعالى هو الذي يمن عليك وهو الذي يرزقك ويجري عليك الارزاق يوما بعد يوم ثم انت تتوجه الى غيره سبحانه وتعالى. لذلك الله سبحانه وتعالى يقول: وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ. لاحظوا يعني لاحظوا كيف صفة هذا الذي يتوجه اليه من دون الله انه لا يملك رزقاً، فهذه واحدة من حقيقة، حقيقة امر شنيع انك تتوجه الى غير الله سبحانه وتعالى والذي تتوجه اليه لا يرزقك، لا يملك لك رزقاً يعني لا يملك لك شيئاً، لا يملك شيء لك طعاماً وانما كل من الله سبحانه وتعالى.
وايضا قال سبحانه وتعالى لما حدثنا عن ابراهيم عليه السلام، امام الحنيفية المائل عن الشرك والمتوجه الى الله سبحانه وتعالى، قال: وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، إِنَّمَا تَعْبُدُونَ من دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً، ان الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا، ثم قال ماذا؟ فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له اليه ترجعون.
قال السعدي رحمه الله قال: لا يملكون لكم رزقاً فكانه قيل: قد بان لنا ان هذه الاوثان مخلوقة ناقصة، لا تملك نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، وان من هذا وصفه لا يستحق ادنى مثقال ذرة من العبادة. ثم قال: ولاحظوا هذه الجمله العظيمة، قال: والقلوب لابد ان تطلب معبوداً تألهه وتسأله حوائجها. هذه من صفات الألوهية يعني من صفات الألوهية أن يكون الإاله يسأل ويجيب، يسأل ثم يجيب، تسأله ان يطعمك فيطعمك. هذا نوع من انواع الاتصال بالله سبحانه وتعالى، نوع من انواع التأله لله سبحانه وتعالى، القلب يتعلق بالله. لذلك سبحان الله، إبراهيم نفسه، إبراهيم نفسه ماذا قال؟ ماذا قال في نوع من انواع التعلق بالله سبحانه وتعالى حقيقة؟ قال كلمة عظيمة جداً في إبراز من هو الله بالنسبة لما حدثنا من هو الله بالنسبة له، بالنسبة لإبراهيم قال: أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ، أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
طيب، لماذا تعرف رب العالمين يا إبراهيم؟ قال: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ، والله هذه كلمة عظيمة: والذي هو يطعمني ويسقين، يعني واحدة من اوجه كونه ربي وكوني متوجه اليه انه يطعمني ويسقين، وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ. فهذا هو الله، هذا هو رب العالمين الذي يستحق ان يتوجه اليه.
قال، اكمل السعدي، قال فقال حاثاً على من يستحق العبادة: فابتغوا عند الله الرزق، فانه هو الميسر له، المقدر، المجيب لدعوة من دعاه في امر دينه ودنياه، واعبدوه وحده لا شريك له لكونه الكامل النافع الضار المنفرد بالتدبير، واشكروا له وحده لكون جميع ما وصل ويصل الى الخلق من النعم فمنه سبحانه وتعالى.
وفي سورة النحل آية عجيبة كذلك في سورة النحل آية عجيبة كذلك في هذا الباب، يعني في تامل شناعة الشرك قال: لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ، وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا رَزَقْنَاهُمْ، ويجعلون لما لا يعلمون نصيباً مما رزقناهم. كيف يجعلون لما لا يعلمون نصيباً مما رزقناهم؟ انت لما تعبد احد والعياذ بالله، تعبد احداً دون الله، الكافر لما يعبد احداً دون الله سبحانه وتعالى فهو ممن هو ينسب الفضل الذي هو عليه لغير الله سبحانه وتعالى. وهم لما كانوا يعبدون الاصنام ويعبدون غير الله سبحانه وتعالى، كانوا يسالونهم، يسالونهم النفع والضر والطعام والارزاق ونحو ذلك، ثم بعد ذلك ينسبون الفضل لهم، ينسبون الفضل لغير الله سبحانه وتعالى. فلاحظوا كيف شناعة الشرك، ان الله سبحانه وتعالى يجري عليهم الارزاق ثم هم يتوجهون لغيره، ثم اذا رزقهم يقول: هذا الرزق اتانا من غير الله سبحانه وتعالى. تعالى الله عما يقولون، لذلك قال بعدها: تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا.
كنتم تفترون. أفتُهْلِكُونَ وتفترون على الله هذا الكلام؟ يعني ما اكتفيتم بأن توجهتم لغيره وانصرفتم عنه، ثم تقولون إن هذه الأرزاق أيضاً من غير الله؟ لذلك يا جماعة، حتى نحن كمسلمين نسأل الله أن يثبتنا على الإسلام؛ لأنه من الجحود، من جحود النعمة، وسناتي على هذا الموضوع، أنك تنسب النعمة لغير الله، أنك تنسب النعمة لغير الله، سواء لنفسك أو للآخرين؛ لأنه أنت جعلت لهم، جعلت لغير الله نصيباً فيما رزقك، الرازق هو الله سبحانه وتعالى، الرازق هو الله.
طيب، الثمرة، هذا بعد الثمرة الأولى، قلنا التوجه إليه وحده، الثمرة الثانية ماذا؟ الثمرة الثانية هي دوام الامتنان والشكر لله سبحانه وتعالى. دوام الامتنان والشكر لله سبحانه وتعالى؛ لأنه أنت بطبيعة الحال الذي ينعم عليك ويتفضل عليك، إذا عرفت من هو، فأنت ستشعر بالامتنان. أن هذا، لماذا أنا قلت دوام؟ لأنه سبحان الله، الأرزاق مستمرة، الرزق من نعمة الله أنه أمر يومي، بل هو لحظي، فأنت لا تزال محتاجاً إلى أن الله يجري عليك رزقه سبحانه وتعالى. فكلما تأملت نعمة الله سبحانه وتعالى وتذكرت أنها من الله، وهو المتفرد باعطائها إياك، فأنت سيكون لديك شكر وامتنان لله سبحانه وتعالى مستمر. فكما أن الله متفرد بالرزق، فالشكر والحمد كله لله سبحانه وتعالى، وإذا شكرنا خلقاً من خلقه، فانما هو شكر يعني تابع للشكر لله سبحانه وتعالى.
وهذا يفتح لنا موضوعاً ثانياً، وهو موضوع شكر النعمة وكفرها. شكر نعتمي وكفرها هذا الموضوع أشار له القرآن كثيراً، وهذا مما يبرز جلال وقدر هذا الأمر، أمر النعمة وأمر الرزق؛ لأنه متعلق بصميم موضوع الشكر والكفر. متعلق بصميم موضوع الشكر والكفر، أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يرزقك، فبالتالي تنسب له النعمة هذا واحداً توحيد وشرك، الأمر الثاني: أنك تشكر، تشكر على هذه النعمة ونسبة النعمة له نوع من الشكر كذلك، فتشكر هذه النعمة لله سبحانه وتعالى. وموضوع الشكر والكفر أيضاً متعلق بصميم وغايات الخلق: هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذكُورًا. إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا. ثم قال هذا سبحانه وتعالى: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا. إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا.
أنت إما شاكر، لاحظوا كيف هذا المعنى متعلق بالوجود! لما أتحدث عن الخلق تتحدث، تتحدث سبحانه وتعالى أنك أنت إما شاكر وإما كفور. ومما يجدد الشكر لديك هو تأمل معنى الرزق والنعمة، فلاحظوا كيف الموضوع مهم جداً! تأمل معنى الرزق والنعمة باستمرار مما يجدد ويقوي داعي الشكر لديك لله سبحانه وتعالى. قال سبحانه وتعالى في سورة الواقعة: أَفَبِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ.
وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون، هذه أيضاً آية يعني تستحق التأمل: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون. يعني هل هذا، يعني هل جعلتم عاقبة رزقكم أنكم كذبتم الله سبحانه وتعالى؟ هل هذا، هل هذا جزاء أن أنعم عليكم سبحانه وتعالى؟ هل هذا شكركم لله سبحانه وتعالى؟ هل هكذا تعاملون الله سبحانه وتعالى بعد أن رزقك، أنك تكذب الله سبحانه وتعالى، وأنك تعرض عن الله سبحانه وتعالى؟ أَفَبِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ. فهذه آية في العتاب لمن يعرض ويتولى عن الله سبحانه وتعالى وهو الرازق.
وأيضاً قال سبحانه وتعالى، ولاحظوا هذه القصة: لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ. لاحظوا إبراز معنى الرزق: كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ. هذا هو المطلوب، أن الله رزقك، كل من رزق الله وتمتع به واشكر لله سبحانه وتعالى، بْلَدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبُّ غَفُورٌ. قال ماذا؟ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِيَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ. ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَاذَا؟ بماذا قال هنا؟ بِمَا كَفَرُوا وَهَل نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ. فلاحظوا هي ثنائية الشكر والكفر، قال: اشكروا له، لكنهم كفروا، فماذا كان عاقبة أمرهم؟ عاقبة أمرهم أنه سلب منهم النعمة، أنه سلب منهم النعمة سبحانه وتعالى، ولا شكروا. ولئن شكرتم لكان زادهم الله سبحانه وتعالى: لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ. فهذا مثل وقصة ضربها الله سبحانه وتعالى ليبرز لنا عاقبة من يكفر النعمة ولا يشكرها.
وضرب الله مثلاً قرية، هذا المثل الآخر: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا. لاحظوا كلمة الرزق مرة أخرى: يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ. يأتِيها رزقها رغداً من كل مكان، لاحظوا نعمة الله، قال: فَكَفَرَتْ فكَفرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ. و فكفرت بأنعم الله فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ. أيضاً بدل عليهم سبحانه وتعالى لأنهم كفروا: وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ. ثم قال بعد أن ضرب لنا هذا المثل: فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ. واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون.
وسبحان الله، هذه السورة سورة يعني عظيمة وجليلة، سورة النحل، وكثيراً ما أتى فيها هذا المعنى، معنى معنى الارزاق، معنى الرزق والنعمة والشكر والكفر، وضرب الأمثال في هذا في هذا الباب. وأيضاً قال سبحانه وتعالى: وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّ رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ. وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ. هذه أيضاً في نفس السورة، في سورة النحل.
فالله سبحانه وتعالى يذكر لنا في الآيتين معنى الرزق ثم يذكر معنى الجحود والكفر؛ أنه بعد أن رزقكم، وبعد أن يعني من عليكم بالنعم وفضلكم وكذا وكذا بكثير من الأشياء، ثم بعد ذلك يكون مشهد، مشهد الجحود ومشهد الكفر، مشهد حقيقة، حقيقة مناسب للذكر في هذه، يعني مشهد مؤلم؛ أنه بعد أن ذكر الله هذه النعم في هذه السورة، ثم يقول بصيغة التشنيع: أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ. ثم قال: أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ. لا يليق بكم.
وفي سورة الزمر قال سبحانه وتعالى: فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ. قال: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ. قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ. فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَٰؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ. ثم قال: أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. هذا تعقيباً على حال الإنسان الذي يطغى ويستكبر ويكفر نعمة الله سبحانه وتعالى، ما تعلم أن هذا من الله؟ ما تعلم أن الله هو الذي يبسط الرزق سبحانه لمن يشاء ويقدر؟ مجرد أنك تستغني بالمال يعني تطغى به.
وأيضاً قال سبحانه وتعالى في سورة سبأ: وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا. لاحظ الله سبحانه وتعالى، يعني أنا ليش أبرز هذه الآيات كثيراً؟ أنه لاحظوا كيف الله كثيراً كثيراً ما يبرز لنا معنى من يمن عليه بالنعمة فيطغى بها، من يمن عليه بالرزق فيجحد بعد ذلك ويستغني ويعرض، فيريدنا الله أن نتعلم من هذه الأمثله: وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ. قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. يعني للاسف أكثر الناس لا يعلمون هذا الأمر، أكثر الناس يستكبرون إذا أتاهم المال، ويفرحون بالمال وينسبونه لغير الله سبحانه وتعالى. ثم قال: وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بَالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ. وهم في الغرفات آمنُونَ.
وفي سورة الروم، في سورة الروم، لاحظوا هذا نفس المعنى يتكرر: وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا. لاحظوا يا جماعة، ترى هذه الآيات حتى المؤمنين يقعون فيها، حتى نحن قد نقع في شيء منها نعم، وإن كان الكافر هو أكثر.
من يتمثل هذه الآيات، لكن حتى الإنسان المؤمن فليخاف؛ يعني أنه يكون إقباله على الله وإدباره ومسارعته للطاعة وثقله ونسبه الفضل لله سبحانه وتعالى تكون معتمدة على كم لديك من المال وكم بسط الله عليك الرزق وكم قدر عليك.
وإذا أذاق الناس رحمة فرحوا بها، يعني فرحوا وطغوا واستغنوا بها وكذا، وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون.
ثم قال مرة أخرى مبينا وكاشفا للحقيقة: أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، يعني كله من الله، فانتم كونوا دائما عبيدا لله؛ إذا أعطاكم اشكروا، إذا أخذ منكم فاصبروا، وهذا الذي يريده منكم الله سبحانه وتعالى، أن تروا أقدار الله في البسط والقدر في الرزق، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
طيب، ضرب الله الأمثال في باب الرزق، ضرب الله الأمثال.
والله يا جماعة موضوع الأمثال من المواضيع التي يجب أن يقف عندها الإنسان في القرآن؛ لأنها كما ذكرنا سابقا تدل على عناية ربانية، هي الآن بغض النظر عن المعنى، مجرد انك تجد أن الله سبحانه وتعالى يضرب مثلا هذا تدل على عناية ربانية، تدل على عناية ربانية.
لاحظ، وأيضا ذكرناه سابقا أنه أنت كانسان متى تضرب مثلا لأخيك؟ متى تضرب مثلا؟ إذا تريد أن توصل معنى، صح؟ تريد أن توصل معنى، تريد أن تعتني أنه حريص أنه يفهم عليك فتضرب له مثلا.
فتعالى الله سبحانه وتعالى له المثل الأعلى لما يضرب لك مثلا، اعرف أن هذا معنى مهم أن يصل لك، مهم أن يستقر عندك، أن في لك فيه حاجة، والله سبحانه وتعالى كلما كان العبد إلى الشيء أحوج كان الرب سبحانه وتعالى به أجود، كان الرب به أجود.
فالله سبحانه وتعالى ضرب الأمثال في هذا الباب، باب الرزق، وهذا يدل -طبعا باب الرزق الذي يدل على توحيد الله- وهذا يدل على أهمية هذا الباب والعناية بهذه الآيات.
فقال في سورة الروم: ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ ۖ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُم مِّن شُرَكَاءَ فِي مَرَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ ۚ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.
ما معنى هذا المثل؟ قال السعدي: هل أحد من عبيدكم وامائكم الأرقاء يشارككم في رزقكم، وترون انكم وهم فيه على حد سواء، تخافونهم كخيفتكم أنفسكم؟ أي كالأحرار الشركاء في الحقيقه الذين يخاف من قسمه واختصاصه، واختصاص كل شيء بحاله، ليس الأمر كذلك، فانه ليس أحد مما ملكت أيمانكم شريكا لكم فيما رزقكم الله تعالى.
يعني باختصار لما كان في عبيد وسادة في هذا الزمن ما في، لكن لما كان في ذلك الوقت كان السادة لا يخافون على أموالهم من عبيدهم، لا يخافون أنهم يشاركونهم فيها، خلاص هم عبيد، لا ما لهم علاقة بهذه الأموال، قد يخافوا من السادة من يخافوا من أقرانهم السادة الآخرين وكذا، لكن ما يخافوا من هؤلاء لأنهم عبيد لا يمكن أن يرتقوا إلى مرتبة أنه ينازعوهم في أموالهم وأزواجهم ونحو ذلك، تمام؟
قال: فالله سبحانه وتعالى يضرب مثلا بذلك أنه فكيف انتم يعني مطمئنون بهذا الأمر ثم تساوون مع الله سبحانه وتعالى أحدا غيره، والله سبحانه وتعالى هو الملك الحق وهو السيد الحق سبحانه وتعالى، فكيف تنسبون له شيئا تنسبون لغيره شيئا مما هو ملك له سبحانه وتعالى؟
قال السعدي: هذا ولستم الذين خلقتموهم ورزقتموهم وهم أيضا مماليك مثلكم، فكيف ترضون أن تجعلوا لله شريكا من خلقه، وتجعلونه بمنزلته وعديلا له في العبادة، وانتم لا ترضون مساواة مماليككم لكم؟ كيف ما ترضوها لأنفسكم وترضوها في حق الله سبحانه وتعالى؟
هذا من أعجب الأشياء ومن أدل شيء على سفه من اتخذ شريكا مع الله، وأن من اتخذه باطل مطمحل، ليس مساويا لله ولا له من العبادة شيء، ولا له من العبادة شيء.
إذا كان العبيد بعيدون عنكم في أن ينازعوكم فالخلق أبعد عن الله سبحانه وتعالى، سُبْحَانَ رَبِّ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، تعالى الله سبحانه وتعالى عن أن يشاركه أحد، تعالى عن أن يشاركه أحد، فكيف انتم تدعو هذا الادعاء الشنيع الذي لا يليق به سبحانه وتعالى ولا ترضون لأنفسكم به؟
وهذا قريب من أيضا مثل مشابه في سورة النحل قال: وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ ۚ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّ رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ۚ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ.
في الآية السابقة قال إنكم ما تخافون منهم، وفي هذه الآية قال إنكم لا تعطوهم يعني لا تشركوهم، لا تشركوهم في هذه الأشياء: فما الذين فضلوا براد رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء، لا يمكن أن يشاركوهم، يجعلوهم يملكون معهم أملاكهم.
قال ابن كثير: فقال تعالى منكرا عليهم: أنتم لا ترضون أن تساووا عبيدكم فيما رزقناكم، فكيف يرضى هو تعالى بمساواة عبيده له في الإلوهية والتعظيم؟
ونقل عن ابن عباس قال: لم يكونوا ليشركوا عبيدهم في أموالهم أو نسائهم، فكيف يشركون يكون عبيدي معي في سلطاني؟ فذلك قوله: أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ.
فسبحانه وتعالى، انت لما تقرا هذه الآيات تعظم الله في نفسك، أنه تعالى الله عن الشرك سبحانه وتعالى، تعالى عن الشرك سبحانه وتعالى، وتفتقر، كما قال الله سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ.
الله سبحانه وتعالى خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، كيف تعدلون بالله أحدا سبحانه وتعالى؟
أخيرا من ناحية الأمثال قال سبحانه وتعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا ۖ هَلْ يَسْتَوُونَ ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.
هذا المثل مختلف قليلا عن سابقيه، قال السعدي: فإن كان لا يستويان فكيف يستوي المخلوق العبد الذي ليس له ملك ولا قدرة ولا استطاعة، بل هو فقير من جميع الوجوه، بالرب الخالق المالك لجميع الممالك القادر على كل شيء، قادر على كل شيء؟
فالله سبحانه وتعالى هنا يضرب مثلا للفرق بين الرب والمربوب، الخالق والمخلوق، سبحان الله وتعالى أنه انتم، ضرب لهم مثلا بأيش أيضا؟ بالعبيد، وما يرونهم أن العبد مملوك لا يقدر على شيء، هذا الذي لا وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا، لذلك قال بعدها الحمد لله.
ولاحظوا كيف سبحان الله تأمل هذه الآيات يقودك لماذا؟ مرت علينا آية تنتهي بسبحانه، مرت علينا آية تنتهي بلا إله إلا هو، وهذه الآية تنتهي بماذا؟ الحمد لله.
فتأمل هذه الآيات، لا تقول هذه الآيات لا تعنيني، تأمل هذه الآيات تجعلك تزداد لهجا بذكر الله، سبحان الله، لا إله إلا الله، الحمد لله، تزداد يقينا بها وتصدر عن صميم قلبك لما تقول لا إله إلا الله تستشعر هذه المعاني، لما تقول الحمد لله تستشعر هذه المعاني، الحمد لله فهو المحمود سبحانه وتعالى الممدوح على صفاته.
طيب، الآن نقلب الصفحة، ونقلب الصفحة ونرى أيضا نوع من أنواع الحديث عن الرزق.
قال الله سبحانه وتعالى ممتنا على خلقه: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا.
لاحظوا سياق هذه الآية مختلف قليلا إذا عن عن الآيات السابقة كلها التي كانت تتحدث عن أنه تذكر الرزق كدليل من دلائل التوحيد أن الله هو الذي يرزق.
لا، هذه الآية فيها أكثر الامتنان، أن الله سبحانه وتعالى يمتن عليك: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ، فكما أن الرزق سابقا ذكرنا أنه دليل من أدلة التوحيد لله سبحانه وتعالى وتجعلك توجه لله سبحانه وتعالى، فهذا دليل أو هذا وجه من أوجه ملاحظة لطف الله سبحانه وتعالى وربوبية الله سبحانه وتعالى لخلقه ونعم الله سبحانه وتعالى واحسانه على خلقه أن نرزقهم من الطيبات وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا.
وقال سبحانه وتعالى: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ
الأرض قرارًا والسماء بناءً وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين.
ثم قال: قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. لاحظوا كم مرة ذكرت الربوبية في هذه الآيات: ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين، ثم قال ماذا؟ الحمد لله رب العالمين، ثم قال: وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. ثلاث مرات رب العالمين وأربع مرات ذكر الرب سبحانه وتعالى، فهذا من أوجه تأمل ربوبية الله لخلقه وأنه رب العالمين الذي يححسن إليهم ويحسن خلقهم ويحسن تصويرهم ويرزقهم من الطيبات فتبارك الله رب العالمين والحمد لله رب العالمين. وبالتالي أمرنا أن نسلم لرب العالمين سبحانه وتعالى.
وامتن الله سبحانه وتعالى على بني إسرائيل قال: وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ. وآتيناهم بينات من الأمر ثم ذمهم سبحانه وتعالى بعد كل هذا الامتنان أنه ما قاموا بحق هذه المنة فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم، إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون، طبعا ذم من اختلف منهم فذم من اختلف منهم بعد أن منّ عليهم.
ثم واحدة من الفصول أيضًا العظيمة والجليلة في موضوع الرزق والتي حقيقة لها أثر على الإنسان هو أن الله ذكر في كتابه أنه هو المتكفل بالرزق. الله سبحانه وتعالى هو المتكفل بالرزق، الله هو المتكفل بالرزق، وهذه لها أثر عظيم على إنسان، لاحظوا كيف الله سبحانه وتعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ، لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى. كلمة نحن نرزقك فيها معنى التكفل وأنه علينا رزقك. قال السعدي: ثم ضمن تعالى لرسوله الرزق وأن لا يشغله الاهتمام به عن إقامة دينه فقال: نحن نرزقك، أي رزقك علينا قد تكفلنا به كما تكفلنا بأرزاق الخلائق كلهم، فكيف بمن قام بأمرنا واشتغل بذكرنا، ورزق الله عام للمتقي وغيره، فينبغي للاهتمام بما يجلب السعادة الأبدية وهو التقوى أنه قال العاقبة للتقوى.
وقال سبحانه وتعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ. لماذا أو كيف ذكر الله سبحانه وتعالى هذا الأمر وما الحقيقة التي ذكرها بعد ذلك؟ قال: نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ. وفي آية أخرى: نحن نرزقكم وإياهم، نحن نرزقهم نحن الذين نرزق، لا تقتلوا أولادكم لا تظنوا الأمر معتمد على عوامل أرضية ولا كما تقيسوها بقياس أهلكم، نحن الذين نرزق، الله هو اللي هو الرازق، هذا يجعلك حقيقة إيه لأنه بالمناسبه يا جماعة هذا وجه من أوجه إساءة الظن بالله وعدم اليقين بهذه الحقيقة أنه أحيانا تحسبها بالحسابات المادية فقط. نعم نحن نطلب الأسباب الأرضية التي جعلها الله لكن يجب أن يستقر في صميم القلب أن الرزق حقًا من الله، الرزق حق من الله فبالتالي نتصرف بهذا على هذا الأساس: نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ كبيرًا.
وقال في آية عامة شاملة عظيمة جليلة قال: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا، وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ. وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، لاحظ كيف كلمة على الله رزقها، ما من دابة في الأرض كل الكائنات كل المخلوقات الله هو الذي يرزقها، الكائنات الكبيرة والصغيرة الظاهرة والخفية التي في بطون الكهوف وفي أعماق البحار وفي على وجه الأرض وفي السماء كلها على الله رزقها، قد تكفل الله سبحانه وتعالى بذلك. وقال سبحانه وتعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ، أي كافيه، كافيه سبحانه وتعالى، الله سبحانه وتعالى هو الذي يرزق وهو الذي من يتوكل عليه يكفيه سبحانه وتعالى.
وقال سبحانه وتعالى: وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا، فهم ظنوا أنه إذا اتبعنا الهدى إذا أنا قمت بالحق إذا أنا فعلت كذا وكذا مما أمرني الله سبحانه وتعالى به قد إيش قد ينقص علي الرزق قد أخرج كذا قد يصبح فيك، فالله سبحانه وتعالى يذكر كَر أن هو الذي ينعم، هو الذي أنعم أصلاً أول مرة وهو الذي لا يزال أن نعمته تجري عليك، أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، ولكن أكثرهم لا يعلمون، وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ.
وأيضًا قال سبحانه وتعالى في آية حقيقة من أعجب الآيات من أعجب الآيات بالنسبة لي قال ماذا؟ وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا، لاحظ الله سبحانه وتعالى يريدك أن تتفكر أنه في في بعض الدواب يعني هو كل المخلوقات لا تحمل رزقها لكن هذا المعنى يجعلك تتأامل أكثر، بعض الدواب الضعيفة الهزيلة الحقيرة في هذا لا يراها أحد ولا ينتبه إليها أحد ولا كذا، لا تحمل رزقها، الله يرزقها وإياكم سبحانه وتعالى. واحد من أوجه التأمل في كيف أن الله يرزقك أنك تنظر إلى كيف هذه الدواب الله يرزقها ويوصل لها الأرزاق في إلى حيث كانت، فكلمة لا تحمل رزقها حقيقة لها وقع لها وقع في باب لما تتأمل في باب الرزق عموما. وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. قال السعدي: لا تحمل رزقها، أي الباري تبارك وتعالى قد تكفل بأرزاق الخلائق كلهم قويهم وعاجزيهم، فكم من دابة في الأرض ضعيفة القوى ضعيفة العقل لا تحمل رزقها ولا تدخره بل لم تزل لا شيء معها من الرزق ولا يزال الله يسخر لها الرزق في كل وقت بوقته في كل وقت بوقته، الله يرزقها وإياكم، فكلكم عيال الله القائم برزقكم كما قام بخلقكم وتدبيركم وهو السميع العليم، فلا يخفى عليه خافيه ولا تهلك دابه من عدم الرزق بسبب أنها خافيه علي، ولا تهلك دابه من عدم الرزق لأنها خافيه عليه، وهو السميع العليم سبحانه. كما قال تعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا، ثم قرن هذا الأمر بالعلم: وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ.
الثمرة من هذه الآيات التي تتحدث عن التكفل بالرزق: أولًا: التوكل على الله وحده وعدم التعلق بغيره، ترى الرزق عند الله، الرزق عند الله الذي يرزق الله يرزقها وإياكم، كما قال سبحانه وتعالى: اللَّهُ يَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ والله يرزقها وإياكم. التوكل عليه وحده وعدم التعلق بغيرهم، لا تقول رزقي عند فلان ولا في مدير الوظيفة الفلانية ولا كذا ولا كذا، ولا إذا رحلت من هذا المكان فساضيع، لن تضيع، لن تضيع. نعم نطلب الأسباب لكن التعلق بالله والتوكل على الله سبحانه وتعالى وهو الرازق.
الأمر الثاني: الاطمئنان والرضا وعدم الجزع، عدم الجزع في طلب هذه الدنيا والتوجه إلى هذه الدنيا والظن أنه أنت الذي تملك رزقك أو الناس هم الذين يملקים ارزاقك. لا، أنا مطمئن، أعمل في هذه الأرض وأطلب الأسباب بما أمرني الله سبحانه وتعالى وكذا، وأكون راضيًا عن الله سبحانه وتعالى أنه إني ساستوفي رزقي الذي كتبه الله سبحانه وتعالى من قبل أن تخلق السماوات، كما قال سبحانه وتعالى لما خلق الأرض قال: وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا قبل خلق السماوات، ولذلك ستستوفي تطمئن بهذا المعنى.
الثمرة الثالثة: أنك تطلب من الله الرزق، تدعو الله عز وجل، الله هو الذي يرزق إذا أدعو الله سبحانه وتعالى. والدعاء بالرزق قد ورد في القرآن كما قال إراهيم عليه السلام لما دعا قال: وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ فاجعل فائدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات، فطلب الرزق من الله سبحانه وتعالى الرزاق، وأيضًا وردت فيين في قول عيسى لما أراد أن
يسأل الله مائدة من السماء عندما سألوه قومه. قال، قال ماذا؟ قال ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا وآية منك. ثم توسل بماذا؟ من صفات الله، سأل بماذا؟ قال وارزقنا وأنت خير الرزقين، وارزقنا وأنت خير الرزقين. فيسأل الله سبحانه وتعالى ويدعى باسم الله الرازق والرزاق والواهب والمحسن والمعطي والكريم والمغني إلى آخره.
واحدة أيضاً من أوجه التأمل في بعض الآيات القرآنية، سبحان الله، أن الله سبحانه وتعالى لطيف في رزقه. هذا معنى جميل، ومعنى حقيقة مما يزيد محبتك لله أن الله لطيف في رزقه، الله اللطيف في رزقه. قال الله سبحانه وتعالى، طبعا هذه الآية التي جاءت على بالكم: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ. إحنا ودنا نقف قليلاً مع هذه الآية ونرى بعض المفسرين كيف تكلموا عنها، أنه ما وجد ارتباط اللطف بالرزق.
وهذا معنى حقيقة جميل، لذلك أحببت أن أورد عدة أقوال المفسرين. قال السعدي: ومن لطفه -طبعا أنتم تعلمون ما معنى اللطف، اللطف يأتي معناها في معنيين، في اللطف المتعلق بلطف الله سبحانه وتعالى- أولا الدقة والخفاء، والمعنى الثاني الرفق. المعنى الأول هو الدقة والخفاء، الله لطيف يرفق بعباده، والله سبحانه وتعالى يوصل لهم الخير بخفاء. فالله لطيف بعباده هذه يرزق من يشاء. طيب، كيف اللطف في الرزق؟ قال السعدي: ومن لطفه أن قيض كل سبب يعوقه ويحول بينه وبين المعاصي. يا سلام على هذا المعنى، من لطف الله أن يحول بينك وبين الأسباب التي توقعك في المعاصي، حتى إنه تعالى إذا علم أن الدنيا والمال والرئاسة ونحوها مما يتنافس فيها أهل الدنيا تقطع عبده عن طاعته أو تحمله على الغفلة عنه أو على معصيته صرفها عنه وقدر عليه رزقه. ولهذا قال هنا: يرزق من يشاء بحسب اقتضاء حكمته ولطفه.
فمن لطف الله بك ماذا؟ من لطف الله بك أنه أحياناً يقدر عليك الرزق، يقدر عليك الرزق لأنه لطيف بك، هذا شيء خفي ما تشعر به. وأيضاً قال كلمة مشابهة، قال: من لطفه بهم أن يقدر لهم أرزاقهم بحسب علمه بمصالحهم لا بحسب مراداتهم، بحسب علمه تبارك وتعالى بمصالحهم لا بحسب مراداتهم، فقد يريدون شيئاً وغيره الأصلح وإن كرهوا لطفاً بهم وبراً وإحساناً. سبحان الله، تامل هذا المعنى! يرضيك حتى لو كان لديك مال أقل، حتى لو كذا، تقول: الله لطيف بعباده يرزق من يشاء، هو الأعلم به وبما يصلح لي. وقال البغوي: قال مقاتل: لطيف بالبر والفاجر حيث لم يهلكهم جوعاً بمعاصيهم. يعني من لطفه أنه يرزق الجميع، يدل عليه قوله: يرزق من يشاء. وكل من رزقه الله تعالى من مؤمن وكافر وذي روح فهو ممن يشاء الله أن يرزقه. قال جعفر الصادق: اللطف في الرزق من وجهين؛ أحدهما أنه جعل رزقك من الطيبات، هذا من اللطف أنه جعل رزقك من الطيبات، والثاني أنه لم يدفع دفعة إليك بمرة واحدة. يا سلام، أنه لم يدفعه إليك مرة واحدة! تخيل أن كل مالك الذي ستاخذه في حياتك الله أعطاك إياه في بداية عمرك، كيف ستدير المال؟ ربما صرفت في أول سنوات عمرك، ثم بعد ذلك تبقى بلا رزق تماماً. لكن من لطفه بك سبحانه وتعالى أنه يقسمه على عمرك ويرزقك في كل المراحل. قال ابن عاشور: معنى أنه لطفه بجميع عباده لا يترك أحداً منهم بلا رزق، وأنه فضل بعضهم على بعض في الرزق جرياً على مشيئته.
طيب، الآية الثانية من أوجه التأمل في لطف الله في رزقه، قال: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ. من حيث لا يحتسب، هذه فيها معنى اللطف، أليس كذلك؟ إحنا قلنا من معاني اللطف الخفاء، فكثيراً كثيراً مما وصلك من نعمة الله عليك ومن أرزاق الله الذي منّ بها عليك أنت ما انتبهت لها أصلاً، ما انتبهت أن الله رزقك أصلاً، وحتى الذي تنتبه له فأنت لا تحتسب ولم تنتبه كيف أن الله سبحانه وتعالى أتى به إليك. كيف مثلاً المال ينتقل من فلان إلى فلان إلى فلان حتى وصل إليك، كيف الله قدر أن تذهب إلى المكان الفلاني حتى ياتيك الرزق الفلاني، كيف أنه هذا التأمل في ألطافه سبحانه وتعالى في رزقه لا تنتهي، وكل رزق أتاك ففيه من الألطاف الشيء العجيب. اللقمة اللي تأكلها، كم تعب شخص في غرس الثمرة، وكم تعب شخص في حصدها، وشخص في نقلها، ثم التاجر في بيعها، ثم كذا، ثم وضعت لك على الطاولة لتأكلها، اللقمة الواحدة!
فأنا أقصد أن ألطاف وخفايا قدرته في الرزق عجيبة جداً، وتستحق للتامل. ومن اللطف تسهيل أباب الرزق. أنت الآن إذا ذهبت أنك تريد أن تحصل على طعام أو تقطف ثمار أو تصيد من البحر أو تفعل التجارة أو تسافر لطلب الرزق، كل هذا سهل، سهله الله سبحانه وتعالى، وهذا من لطفه. فقال سبحانه وتعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا. دللها الله سبحانه وتعالى للسير والعمل وكذا وكذا. جعل لكم الأرض ذلولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ.
طيب، ما الثمرة؟ الثمرة من تأمل لطف الله سبحانه وتعالى في رزقه أولاً محبة الله عز وجل، حقيقة هذا من الابواب التي تزيد من محبتك، إذا أردت أن تزيد محبتك لله فتأمل في لطفه بك في رزقك إياك. والنقطة الثانية أنك تحاول أن تزيد من ملاحظتك، حاول أن تزيد ملاحظتك للألطاف في رزق الله سبحانه وتعالى، ولطفه في بسط الرزق وفي قدره. حتى كذلك أنه كيف سبحانه منعني من هذا الشيء الفلاني فكان خيراً لي، أن قسمته في الرزق كانت خيراً لي إلى آخره. فلاحظ ألطاف الله سبحانه وتعالى، هذا يزيد أيضاً المحبة ويزيد الشكر لله سبحانه وتعالى والتوجه إليه.
طيب، تفاوت الرزق، تفاوت الرزق أيضاً من الفصول الكبرى في موضوع الرزق. يعني من الأمور المشكلة للإنسان، أقصد من المواضيع الكبرى المشكلة للإنسان، وكيف الناس متفاوتين، وأشار الله إلى ذلك فقال: وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ. هذا ليس صدفة، وليس عشوائي، وليس مجرد لا، هذا تفضيل من الله: وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ.
طيب، نحن نريد أن نتامل كيف تحدث الله عن ذلك. أولاً يشير الله سبحانه وتعالى أن هذا التفاوت وأنه إذا زاد في الرزق أو انقص بالرزق عليك فانما هو ابتلاء. فانما هو ابتلاء منه لك. قال: فَأَمَّا الْإِنسانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّ أَكْرَمَنِ، وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّ أَهَانَنِ. كل هذا ذكر أنه إذا أعطاه الله أو منعه كل هذا ابتلاء من الله. وأيضاً قال: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ. ليبلوكم فيما آتاكم، وليتخذ أيضاً في آية ثانية: وَلِيَتَّخِذَ بَعْضُُم بَعْضًا سُخْرِيًّا، أنه هذا يستعين بهذا وهذا كذا إلى آخره. فهذا معنى الابتلاء.
معنى الابتلاء، إيش فائدة التامل في معنى الابتلاء؟ وما ثمره هذا الأمر؟ إحنا لاحظوا دائماً نحاول نذكر الثمرة والفائدة لأنه نجعل نحاول نجعل الأمر استهداءً. فعلا نحن نستهدي بالقران، كيف استهدي بهذا المعنى؟ ألا تتذمر، وتععلم أنه هذا اختبار من الله لك، وأن ترى ما الذي قدره لك الله فتقوم بحقه، إذا زاد في رزقك تشكر، إذا انقص في رزقك تصبر، هذا ما يريد الله، هذا ابتلاء اختبار.
المعنى الثاني في تفاوت الرزق، أنك تعلم أن هذا صادر عن تمام العلم والحكمة لله، هذا ليس عشوائي ليس صدفة، كما ذكرنا أن الله سبحانه وتعالى يقول: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ. لاحظوا كلمة يشاء، هذه مشيئة الله، هذه مشيئة الله أنه يبسط لفلان ويقدر على فلان، يوسع على فلان ويضيق على.
فلان مشيئة الله، ولما نقول مشيئة الله، مشيئة الله لابد صادرة عن حكمته وعلمه سبحانه وتعالى وعدله سبحانه وتعالى. فالله سبحانه وتعالى، لذلك أبرز هذا المعنى قال الله: وَيَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. إنه بكل شيء عليم سبحانه وتعالى.
وقال: لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. لاحظوا، لا يعني لا تنفذ خزائنه، لكنه مع ذلك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. لماذا؟ لأنه بكل شيء عليم، إنه بكل شيء عليم. فلا تظن أنه هذا يعني الله سبحانه وتعالى ترى له مقاليد السماوات والأرض. لاحظوا هذه آية عجيبة، بدأت الآية بذكر أن الله له مقاليد السماوات والأرض، لكنه مع ذلك في أقداره يقسم على الناس ويبسط ويقدر، ثم ذكر الحكمة وذكر العلم: إنه بكل شيء عليم سبحانه وتعالى.
وفي آية أخرى عجيبة قال: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لو أعطى كل الناس بقدر ما يريدون قال ماذا: لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ. وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ سبحانه وتعالى.
وواحدة من أوجه تأمل تفاوت الرزق هو استخراج العبودية، استخراج العبودية هذه متصلة بمعنى الابتلاء، متصلة بمعنى الابتلاء. أنه لاحظوا في قصة قارون، لما خرج خرج على قومه في زينته. هنا تفاوت الناس، قال الذين يريدون الحياة الدنيا: يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ. هذا كان موقفهم.
وقال الذين أوتوا العلم: وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ. صبروا وتأملوا تفا يعني تأملوا قدر الله سبحانه وتعالى في هذا التفاوت. ثم بعد ذلك لما أتت العاقبة، ماذا قال الفريق الأول الذين تمنوا؟ قالوا: وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا. رأوا الحكمة، رأوا حكمه الله في أنه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر.
لكن المتقون، الفريق الأفضل، أصحاب العلم، رأوا حكمه الله قبل أن تحصل العاقبة وقبل أن يهلك الله الظالم. لذلك ما المطلوب منا يا جماعة اليوم؟ كل ما إذا يعني كل ما تعرضت لأقدار الله سبحانه وتعالى في الرزق فقل ماذا؟ ثواب الله خير لمن امن وعمل صالحا، واصبر على ما رزقك الله سبحانه وتعالى إذا قدر عليك الرزق.
المعنى التالي الذي أود أن أشير له سبحان الله يعني معنى الرزق لو تلاحظوا معنى جليل وعظيم وواسع في القرآن ونحن ما أحصينا كل شيء. هذه لعله آخر عنوانين لدينا أو آخر ثلاث عناوين لدينا في في هذا في هذا المجلس. العنوان الأول سبحان الله، تجد كثير من الآيات تتحدث عن ماذا؟ كلوا من رزق ربكم. كلوا من رزق ربكم، لاحظوا يا أيها الناس كلوا مما في الأرض. خاطب الناس وخاطب الذين آمنوا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ. ويا أيها الرسل خاطب الرسل: كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ.
فكلمة كلوا حقيقة جديرة بالتامل، أن الله كلوا من طيبات ما رزقناكم، كلوا من رزق ربكم، الله يأمرنا أن نتمتع بالرزق الطيب الحلال. لاحظوا كلها فيها كلمة الطيب، حلالاً طيباً، من طيبات ما رزقناكم. هذه فيها معنى إيش؟ ما ثمره التامل؟ تامل، الله يقول لك كل من رزقي وتمتع به. أولاً فيها معنى الامتنان، أن الله أعطاك ويقول لك كل من رزقي، هذا رزقي كل منه، ففيه معنى الامتنان من الله.
المعنى الثاني، معنى الإباحة، معنى الإباحة نحن كل شيء نفعله في حياتنا نسال الدين، نسال الله عز وجل نحاكمه للشريعة، ما حكم هذا الأمر؟ حتى الأكل، فالله سبحانه وتعالى أباح لنا، وهذا يجعلك يجعلك ماذا؟ يجعلك تتعبد الله في كل شأنك حتى في الأكل. لما تأكل الأكل تقول الحمد لله اللي رزقني وأباح لي هذا الأكل الحلال الطيب وامرني أن أتمتع به.
الامر الثاني تلاحظ ماذا، تلاحظ في الآيات ماذا تلاحظ في الآيات التي أمامكم؟ تلاحظوا فيها معنى أنه لما الله سبحانه وتعالى يقول الكل يتبعها بأمر. اتبعها بأمر: كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا. كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا. يا أيها الرسل: كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا. بالمناسبة في آيات كثيرة أنا ما أتيت بها كلها، كثير من الآيات لما الله سبحانه وتعالى يقول كلوا كلوا من رزقي يتبعها بأمر من الأوامر الإلهية.
وأيضاً في في قصة سبأ ماذا قال: كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبِّ غَفُورٌ. وأيضاً قال يا بني إسرائيل لما حدث بني إسرائيل قال: كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي. لاحظتوا كيف تكرر الآيات أنه لما يامر بالتمتع بالرزق الحلال من الله سبحانه وتعالى يامر بامر آخر يكون مقترنا به: كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ.
ما هو ما هي الفوائد من هذا الاقتران مما يتأمل يعني؟ أولاً أن الأكل من الرزق نفسه ليس غاية، بل هو وسيلة. الأكل من الرزق هو وسيلة، وسيلة لأنك تشكر، وسيلة لأنك تعبد الله سبحانه وتعالى، وسيلة أنك تعمل الصالح، كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً، فالرزق وسيلة لأن تتعرف على الله وتعبد الله وتقوم بحق الله في هذه الأرض.
الثاني، أنك لما الله يذكرك يقول هذا هذا نعمتي هذا رزقي كل منها كذا، هذا يزيد من دافع الشكر لديك، تمتع بنعمة الله وتذكر أنها منه، يزيد من قابليتك للاستجابه بعد ذلك لأمر. إنه لما الله سبحانه وتعالى يذكرك بالنعمة يقرن معها أمراً فتكون نفسك بالامتنان الأول قد لانت لأمر الله وزادت من دافع الاستجابة لأمر الله سبحانه وتعالى الذي يأتي بعد ذلك. فرق بين أن تقول اعمل صالحاً، أو تقول كل واعمل صالحاً، فأنت قد امتنعت عليه وقد منّ عليك ثم أمرك سبحانه وتعالى، يذكرك أنه هو الذي رزقك وهو الذي يأمر سبحانه وتعالى.
واحدة من صفحات وهذا الموضوع قبل الأخير، واحد من صفحات التأمل في الرزق هو رزق الآخرة. رزق الآخرة القرآن يشير إلى أنه الجنة فيها رزق، هذا معناه يعني جدير بالتامل. وأن الله سبحانه وتعالى لم يزل رزاقاً رازقاً ولا يزال، حتى في الآخرة لما يذهب الناس إلى الجنة، لا يزال الله سبحانه وتعالى هو القائم برزقهم وفي الجنة يرزقون. في الجنة كثير ما يشار إلى الجنة وما فيها من الرزق تحديداً كلمة الرزق.
أولئك لهم إلا عباد الله المخلصين، أولئك لهم رزق معلوم فواكه وهم مكرمون في جنات النعيم على سرر متقابلين، يطاف عليهم بكأس من معين. هذا من الرزق الذي الرزق المعلوم الذي يزرى عليهم. وقال: أولئك يدخلون فاولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب.
طبعاً هذا إيش فائدة التأمل في هذه الآيات أنه قارن أنه: وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى كما قال سبحانه وتعالى. ورزق ربك خير وكذلك أبقى. من خصائص رزق الجنة أنه ما في حساب في الدنيا، لا، أنه كل شيء تحسبه، كل شيء كذا تنتهي الأشياء. يرزقون فيها بغير حساب. وقال في آية أخرى قال: هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ، إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ. قبلها قال: مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ، هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ، إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ. الرزق في الآخرة لا ينفد، لا ينفد. هذا من أوجه أنه ورزق ورزق ربك خير وأبقى. الرزق في الآخرة خير وأبقى.
وقال سبحانه وتعالى: جَنَّاتُ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَاتِيًّا لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا. سبحان الله، يعني هذه من أوجه التعلم بالله في الجنة أو وجه جميل من أوجه التعلق بالله سبحانه وتعالى في الجنة، أنه لا يزال ياتيك الرزق من الله بكرة وعشياً. بكرة وعشياً تنزل الأرزاق، كلما رزقوا منها من ثمرة الرزق كل دائماً ترزق ترزق من الله حتى تتذكر نعمة الله سبحانه وتعالى وانه
الرزق هذا مستمر، وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا.
أخيراً، العنوان الأخير الذي أريد أن أختم به، وأنا جعلته في الأخير حقيقة متعمداً، لأنه في ناحية عمليّة بالذات لنا نحن الذين نؤمن بالله عز وجل ونصدق به ونحب الخير بإذن الله، وما اجتمعنا في هذا المجلس إلا لمحبتنا للخير: إنه واحدة من أوجه الحديث عن الرزق في القرآن هو الحديث هو الإنفاق. الإنفاق. ما العلاقة بين الرزق والإنفاق؟ هل هناك علاقة؟ نعم، هناك آيات كثيرة تتحدث عن العلاقة بين الرزق والإنفاق. فالله سبحانه وتعالى لما يأمر بالإنفاق، يذكرنا -لاحظوا- يذكرنا أنه هذا ترى هذا أنا رزقتكم إياه، هذا رزق الله، هذا مما آتاكم الله فأنفقوا منها، فأنفقوا منها، هذه ليست أموالكم في الحقيقة، هذا رزق الله لكم، رزق الله أعطاكم إياه منه وفضلاً من الله سبحانه وتعالى، فهو الذي يأمركم كيف تتصرفوا به، فأنفقوا منه، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم.
أنت لا تقرا هذه الآية فقط أنها أمر بالنفقة، لا، تذكر أن هذا المال الذي لديك رزقك الله إياه، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم. وقال سبحانه: قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ. لاحظوا، كم آية تتحدث عن هذا الأمر: وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ.
وقال سبحانه وتعالى: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ. ويذكر اسم ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم -هذا ذكر الرزق- على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ. وهنا أيضاً قرن بين الأكل منها والامر، فَكُلُوا مِنْهَا وَتَمَتَّعُوا بِهَا وتذكروا نعمة الله عليكم بها، وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ، لأن هذا رزقكم الله سبحانه وتعالى إياه.
وايضا قال سبحانه وتعالى -لاحظ لما أمر بالإطعام واطعم البائس الفقير- هنا أيضاً ذكر الفريق الذين يؤمرون، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ. هم أمروا بالإنفاق، فهذه واحدة من الشبه التي قد يفترضها البعض: ما دام أن الله هو الرزاق، ما دام الله هو الذي سبحانه وتعالى هو الذي يطعم الناس، طيب أنا ليش أنا أطعمهم؟ ليش أنا الذي أتصدق عليهم؟ ليش أنا الذي أنفق عليهم؟ لا، هذا -لاحظوا- الله سبحانه وتعالى هو الذي قدر هذا الأمر أنه أنت مأمور بالإنفاق، والله يوصل الرزق قد يوصل الرزق إلى أناس عن طريق أناس آخرين، يعطي الغني ويأمره بالنفقة على الفقير، فيجعل رزق الله الذي أوصله إلى الفقير يكون عن طريق هذا الغني الذي آمره بالنفقة، وهذا من لطف الله أنه يعطي الأول ثم يأمره بأن يعطي الثاني، فيكتب الأجر الصدقة للأول ويعطي ويوصل رزقه للثاني، فلا تقول إنه الله سبحانه وتعالى هو المتكفل بهم وهو الذي يرزقهم فأنا لن يعني نعم هو المتكفل بهم لكن أنت مأمور بالإنفاق، أنت مأمور بذاتك، وفي نفس الوقت هذا من لطف الله سبحانه وتعالى بك أنه يعطيك رزق غيرك ويقول لك أعطه.
لذلك يقول الله سبحانه وتعالى: فَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ، هذا حقه، لكن هذه من نعمة الله أنه أعطاك إياه وجعل لك أجر الصدقة، أعطاك إياه هو يعني هو المال حقه هو، أعطاك إياه كي تعطيه الآخر، فبالتالي المطلوب منك أن تعطي، قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له. لاحظوا ماذا قال: وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ، وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ.
قال السعدي رحمه الله: فلا تتوهموا أن الإنفاق مما ينقص الرزق -هذا مهم يا جماعة، مهم جداً- فلا تتوهموا أن الإنفاق مما ينقص الرزق، بل وعد بالخلف للمنفق، الذي يبسط الرزق الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وهو خير الرازقين. الله هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وهو خير الرازقين، فاطلبوا الرزق منه واسعوا في الأسباب التي أمركم بها ومنها هذه النفقة.
وايضا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: أنفق ينفق الله عليك. فالله أمركم بالنفقة وقال: وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ، سبحانه وتعالى، وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ. ونختم بهذا بهذا الأمر ونوصي بأن يكون ثمرة ثمرة هذا العنوان الأخير هو أن نزداد من الإنفاق لأننا نعلم أن ما هو رزق الله وهو الذي أمرنا أن نتصرف بالمال يكون لنا فضل يعني عظيم من الإنفاق سرا وعلانية، وأيضاً أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يخلف للمنفق وهو الذي هو خير الرازقين سبحانه وتعالى.
نختم بهذا بهذه النقطة وجزاكم الله خيراً، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الشاكرين لنعمة الله سبحانه وتعالى، المتصرفين في أرزاقنا كما يحب الله سبحانه وتعالى، المتأملين لحكمة الله وعلمه وقدرته ولطفه في رزقه للعباد كيف يبسط لهم ويرزق كيف يقدر لهم ويبسط سبحانه وتعالى.
ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا حسن العمل بهذا العلم، وجزاكم الله خيراً. سبحانك اللهم وبحمدك، سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، اللهم بارك لنا واغفر لنا وتجاوز عنا، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، والسلام عليكم.