تسجيل الدخول

الاستهداء بالقرآن | {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ} | المجلس الثلاثون

عبد الرحمن أبو غيث
  • مدة الدرس:
  • قراءة

طيب، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه. رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري. حياكم الله يا كرام في هذا المجلس الذي نسأل الله بمنه وفضله وكرمه وجوده وإحسانه أن يجعله مجلساً طيباً مباركاً، وأن يزيدنا في كتابه علماً وعملاً وهداية وبصيرة يا رب العالمين.

طيب، أيها الكرام، اليوم بإذن الله لدينا مجلس عن قوله تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا، إلى آخر سورة الفرقان، المقطع الأخير من آخر سورة الفرقان. وهذا مققطع من المقاطع، كما أنه من المقاطع الجميلة والمقاطع المؤنسة للإنسان المؤمن، كذلك هو من المقاطع العظيمة والجليلة والتي والغزيرة بمعاني، كما سنرى في بعض ما نتأمله في هذا المجلس بحول الله عز وجل. هذه الآيات التي ترونها أمامكم التي تتحدث عن صفات عباد الرحمن، تتحدث عن صفات عباد الرحمن، وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا، ثم أكملت الآيات في ذكر الصفات إلى آخر السورة، إلى آخر السورة، قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا.

طيب، سنتحدث في البداية عن شرف المقطع. سنتحدث عن شرف المقطع، هل لهذا المقطع أيها الكرام، هل لهذا المقطع شرف خاص؟ هل له ميزة خاصة؟ هل له خاصية من بين المقاطع؟ وحقيقة، أنا هنا أزعم أنه هذا المقطع نعم له شرف خاص، وأن في معانيه معاني جليلة خصوصية، وهذه الخصوصية ليست متولدة عن نص معين خاص ورد في هذه الآيات، يعني ليست متولدة عن نص خاص أو سبب نزول معين أو أثر معين، وإنما عن مضمون ما جاء في هذه الآيات، مضمون ما جاء في هذه الآيات والحقيقة هذا بعد التأمل في المقاطع المشابهة لهذا المقطع. هل هناك مقاطع مشابهة لهذا المقطع؟ المقطع الذي في آخر سورة الفرقان، مقاطع مشابهة له، فبالتالي المقاطع هذه لها شرف خاص نستطيع أن نقيس عليه. الحقيقة أنه هذا المقطع نعم يشابه عدة مقاطع في القرآن لها أيضاً فضل خاص، ولها فيها من أنواع الصفات للمؤمنين وأنواع العبادات التي وصى الله سبحانه وتعالى بها.

وهذا في عدة مقاطع؛ المقطع الأول على سبيل المثال في سورة الإسراء، في سورة الإسراء، في سورة الإسراء حتى من قبل هذه الآيات التي عرضتها أنا المقطع طويل، الله سبحانه وتعالى ذكر كثير من الصفات أو من العبادات في سورة الإسراء التي فيها تشابه مع هذا المقطع، بدايه من قوله تعالى: لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا، وفي آيات اليوم في: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ، نفس اللفظ، وايضاً في الحديث عن الإنفاق: وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ في سورة الإسراء، وهنا معنى: وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا، وفي حديث عن الإسراف والتبذير في سورة الإسراء: وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا، وهنا في سورة الفرقان: وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا، لاحظوا كيف التشابه. ثم الحديث عن قتل النفس، قبلها الزنا: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ في سورة الإسراء، وهنا: وَلَا يَزْنُونَ، ثم قتل النفس: وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وهنا: وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، يعني تشابه ليس تشابهاً مجرد يعني في لفظ واحد أو لفظين أو صفة أو صفتين، وإنما تشابه كبير، لكن الفرق في سورة الإسراء أتت بصيغة الأوامر والوصايا، وهنا أتت بصيغة صفات المؤمنين، لكن هناك تشابه كبير بينها، اليس كذلك؟

إلى أن قال أيضاً: وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا، وهنا: وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا، فايضاً صفة المشي أو طبيعة المشي كما يريده الله سبحانه وتعالى. فالقصد أنه سبحان الله هناك تشابه عجيب بين المقطعين. طيب، هناك مقطع آخر يشابه هذين المقطعين في الفرقان والإسراء، وهو في سورة لقمان، في سورة لقمان، في سورة لقمان لاحظوا يا جماعة التشابه شيء عجيب: وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، ثم قال: وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ، فبدأ بالشرك مثل الإسراء، ثم: وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ، مثل سورة الإسراء وقضى ربك، ثم ذكر عدة صفات إلى أن قال ماذا؟ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا، نفس الكلمة: وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ، وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ.

المقطع الثالث المشابه لهذا المقطع مقطع في سورة الفرقان، هو في سورة الأنعام: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، نفس البدايه، وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّن إمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، إلى آخر الآيات. فالقصد أنه هذه الأربع مقاطع، هذه الأربع مقاطع مليئة بالوصايا والصفات، وفيها تشابه عجيب إذا تاملها الإنسان، فيها تشابه عجيب.

طبعا أنا لماذا أوردت هذه المتشابهات حتى أقول إنه هذه باقي المقاطع فيها بعض المشتركات من ضمنها أنها وصايا، يعني في سورة لقمان: وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ، فالله سبحانه وتعالى أبرز أنها وصية، ثم قال الآية اللي بعدها: وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ، وفي سورة الأنعام قال: ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، وصية من الله عز وجل في سورة في مقطع سورة الأنعام. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: من سره أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم، وفي رواية صحيفة محمد صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه فليقرا الآيات: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ، يعني فيها نصوص فيها شرف معين، أنه هذه وصايا من الله سبحانه وتعالى ووصية محمد صلى الله عليه وسلم ووصية لقمان لابنه، فبالتالي هذه الصفات التي معنا في سورة الفرقان هي مما يوصى به لاشتراكها في هذا المعنى.

الأمر الثاني والأهم هو حقيقه لفظ اللفظ عجيب أيضاً مشترك، وهو لفظ الحكمة. في سورة لقمان قال في أول المقطع: وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ، ثم ذكر كيف وعظ لقمان ابنه فقال إن كل هذه الكلمات متولدة عن حكمه لقمان التي آتاه الله إياها. في سورة الإسراء لما ذكر هذه الوصايا كلها، آخر شيء ماذا قال بعد أن قال: كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا، قال: ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ، ذلك أي هذه الوصايا التي وصى بها المتشابهة في كل المقاطع، كذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمه. لاحظوا كيف الاشتراك، كلمة الحكمه أتت في لقمان وفي الإسراء، في سورة الأنعام ما أتت في نفس الآيات لكن ورد أثر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال عن قوله تعالى: مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ، قال: هي التي في سورة الأنعام: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ، إلى آخر الثلاث آيات، فاشتركت معها في لفظ أو في جذر الحكمه، والحكمه معناها يعني ذكر العلماء عدة معاني، على رأسها هو موضوع التفقه في الدين والتفقه في الحلال والحرام والتفقه في مراد الله عز وجل، لأنه هذه الآيات زاخره بالحديث عن الحلال والحرام وماذا يريد الله سبحانه وتعالى إلى آخره.

فحقيقه معنى الحكمه معنى ملفت في هذه الآيات وكيف أنه مشترك في أكثر من موضع يذكر فيه أنه الحكمه والأحكام. نعم، طيب، ما الفائدة من كل هذه المتقابلات في المقاطع؟ أولاً معرفة شرف الموضع، لما نأتي لهذا الموضع: وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ، ثم نقرا الصفات نعرف شرفها وأنها وردت فيما يشبهها، يعني بعض النصوص العظيمه والشريفه والتي تدل على شرف هذه المواضع وأولويتها. الأمر الثاني، مجرد أنك ترى بعض الصفات تتكرر في أربع مواضع من القرآن بشكل متشابه وبشكل مقترن، تقترن الصفات مع بعضها البعض، هذا التكرار كما نقول دائماً إنه التكرار

دائماً يدل على أن الأمر من الأمور المهمة والمركزية والعظيمة في كتاب الله عز وجل أن الله سبحانه وتعالى في عليائه يذكر أمراً، هذا يدل على عظمته، فكيف لو كرره لك، فكيف لو كرر لك هذا الأمر؟ تكرار هذه المقاطع حقيقة يدل على شرف المعنى الثالث والأخير والفائدة الثالثة والأخيرة أن نعلم أنه الإنسان إذا أوتي شيئاً من الحكمة، إذا أوتي شيئاً من التفقه في كتاب الله عز وجل، وإذا أوتي شيئاً من معرفة مراد الله عز وجل، فمن واجبه هنا أن يشكر الله سبحانه وتعالى شكراً خاصاً على ذلك: وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ.

فإذا قلنا إن هذه الآيات فيها من الحكمة، ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة، فاذا كان في هذه الآيات فيها من الحكمة وفيها من الأحكام فيها من التفقه في دين الله عز وجل، فأولاً نتذكر نعمة الله علينا بذلك، الحمد لله الذي يسر لنا أن نتفقه في كتاب الله عز وجل، تذكر نعمة الله وهذا من الشكر، ثم نشكر الله سبحانه وتعالى، يعني نعلم أن علينا واجب الشكر، واجب الشكر لما وفقنا الله سبحانه وتعالى لمثل هذه المجالس التي فيها تفقه في دين الله سبحانه وتعالى.

طيب، سياق المقطع، سياق المقطع هذا المقطع الأخير من سورة الفرقان، وعباد الرحمن، أولاً أن السورة في عامتها تخاطب الكفار، السورة تخاطب الكفار وحقيقة حتى في هذا المقطع تحديدا قبلها لو تلاحظوا: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنِ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا. بعد آيتين وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً، ثم بعد أن ينتهي المقطع آخر آية ماذا قيل؟ قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي، عاد الحديث للكفار، هذا الحديث يخاطب الكفار.

هنا تعلم ماذا؟ أنه كأنه من أهم المخاطبين بهذا المقطع الذي يذكر صفات المؤمنين هم الكفار، من أهم المخاطبين به هم الكفار، يعني أنتم إذا كذبتم وأعرضتم، إذا كذبتم وأعرضتم فانظروا لعباد الرحمن وصفتهم، أنتم إذا استهزأتم ويعني قابلتم هذه الرسالة بالاستهزاء وبالاتهامات وكذا وكذا مما كثيراً مما جاء في هذه السورة، فالله سبحانه وتعالى يقول: قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ، بل إنما يعبأ بهؤلاء، إنما يعبأ بهؤلاء الذين هذه صفاتهم هم عباد الرحمن.

فحقيقه هذا سياق شريف وجليل، أنه تخيل أنه أنت أيها المؤمن الله يضرب بك المثل أمام الكافر، يقول للكافر: انظر إلى المؤمن كيف صفته، انظر إلى المؤمن كيف يمشي على الأرض هوناً، انظر إلى المؤمن كيف إذا خاطبه الجاهل قال سلاماً، إذا مثلاً اتاه الله مالاً لم يسرف ولم يقتر، يبيت لربه سجداً وقياماً، يعني لاحظوا كيف السياق. فأنت أيها المؤمن أنت الذي يعبأ بك الله سبحانه وتعالى، وأنت الذي يقول سبحانه وتعالى للكافر إذا أعرض: انظر إلى عبدي، انظر إلى من يعبدني في كل حالاته، فهذا سياق عظيم، أنه سياق كان يتحدث الكافرين ثم ضرب المثل بالمؤمنين لهم وبذكر صفات المؤمنين التي تجعل لهم المكانة عند الله عز وجل.

الأمر الثاني في سياق السورة هو أن السورة اسمها سورة الفرقان، هي تفرق بين الحق والباطل، وفيها رد على الكفار وفيها نزول الحق: وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثْلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا. فهذه السورة أاتت بالحق، ثبتت النبي صلى الله عليه وسلم كذلك لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا، فذكرت أقوالهم ثم فرقت بين أقوالهم وبين الحق وبينت الحق وردت عليهم وتوعدتهم بالهلاك، كما جاء في السورة: وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا، إلى آخره.

فالقصد أنه هذه فرقت بين الحق والباطل، فكما ذكرت صفات الكافرين وأعراضهم وعثوهم واستكبارهم، ذكرت هنا صفات المؤمنين، ففرقت بين المؤمنين وبين الكافرين، حتى في الصفات وفي ذكر الصفات وفي التفصيل فيها. بالمناسبة هناك كثير من التقابل بين الصفات، بين ما سياتي معنا في هذا المقطع وبين ماذا؟ وبين ما أتى في السورة، مثلاً في السورة أتى: لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا الاستكبار والعتو، بينما في المؤمنين أتي: يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً، وبعدها: وإذا مروا باللغو مروا كراماً، فأبرزت سكينتهم وتواضعهم لله سبحانه وتعالى.

بينما أبرزت استكبار الكافرين في الأرض وقالوا كذلك الكافرين ماذا قالوا؟ وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاؤوا ظلماً وزوراً، جاؤوا بالزور بينما في المؤمنين قال ماذا؟ والذين لا يشهدون الزور، فلاحظوا كيف الله سبحانه وتعالى يفرق بين الحق والباطل وبين أصحاب الحق وأصحاب الباطل، يذكر موقف هؤلاء من الكفار، يذكر موقف الكفار من القرآن أنه وقالوا أساطير الأولين، بينما المؤمنين الذين إذا ذكروا بايات ربهم لم يخروا عليها صماً وعمياناً، بينما أولئك خروا عليها صماً وعمياناً إلى آخره.

فالقصد أنه هذه السورة أتت لتفرق بين الحق والباطل وتمايز بين صفات المؤمنين والكافرين صفات المؤمنين والكافرين. طيب الآن سندخل للصفات، سندخل للصفات وسنمر عليها مروراً سريعاً، لكن من اللفتات قبل أن ندخل أن نتذكر أن هذا مقطع، أولاً، النقطة الثانية أنها تعطي مكانة عند الله، يعني حاولوا أن تقرأوا هذه الصفات بعين من يريد أن يتمثل بها، لأن مثل هذه الصفات هي التي تجعل الله سبحانه وتعالى في عليائه يعبأ بك أيها المخلوق رغم غناه عنك، لكن يعبأ بك، يحبك، يراف بك، هذه الصفات هي التي، أما أعراض المعرضين عن هذه الصفات هي كما قال الله سبحانه وتعالى: قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ.

فهذه الصفات ندخل لها بهذه النية، أن هذا ما يعطينا مكانة عند الله، موضوع مهم جداً، هذا ما يعطينا مكانة عند الله، هذا الذي يحب لنا الله سبحانه وتعالى أن نكونه على الأرض. الأمر الثاني، وهو الأول المذكور هنا، هو حقيقة هذا من المواضع الجليلة في كتاب الله عز وجل، لما ايش؟ لما الله سبحانه وتعالى، لما الله سبحانه وتعالى يمتدح عبيداً من عبيده امتداحاً مطولاً، هذه من المواضع الجليلة قوله سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ والذين يقولون ربنا والذين كذا والذين يبيتون لربهم، هذا يا جماعة موضع جليل، هذا موضع جليل أنه الآن تدبر وتفكر وتأمل أنه سبحانه وتعالى الله سبحانه وتعالى خالق هذا الخلق والغني عنهم وهو الذي يسر لهم هذه الطاعات، وهو كذلك يمتدحهم في هذا الموضع هو يمتدحهم بل وما يمتدحهم بصفة واحدة، يقول الذين يفعلون كذا والذين يفعلون كذا.

فهذا حقيقة موضع جليل جداً ومهيب، أن الله سبحانه وتعالى في عليائه يمتدح خلقاً من خلقه، يثني عليهم، يبرز صفاتهم، يبين لنا حالهم سواء أمام الناس أو حتى لما يذهبوا في الليل فيقفون بين يديه، يعني هذا موضع جليل في التفكر في كيف الله يمتدح أولياءه سبحانه وتعالى، وهذا حقيقة يعرفك بالله وكيف أنه رغم غناه عنهم إلا أنه رؤوف رحيم سبحانه وتعالى رؤوف رحيم والله سبحانه وتعالى ولي حميد سبحانه وتعالى.

طيب، ابتدات الصفات بصفة العبودية، إحنا الآن سنمر على الصفات سريعا، ابتدات بصفة العبودية بصفة العبودية، سبحان الله لا عجب أن تبتدا يبتدا المقطع بها، لأنه سبحان الله تجدها في كل المقطع، كل الصفات تجي يعني تجد في هذا المقطع لمسة من لمسات العبودية في كل زاوية من زوايا هذه الآيات تجد هناك مسحة العبودية وصبغة العبودية موجودة في هذه الصفات.

لاحظوا كيف عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً هم من عبوديتهم لله واجلالهم لله وخضوعهم لله يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً، مشغولون بربهم والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً، والذين يقولون ربنا، لاحظوا كيف الدعاء ربنا ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراماً.

والذين بعدها، لاحظوا كيف حتى العبودية في ماذا؟ أولاً: العبودية في الظاهر، في طريقة المشي، ثم العبودية في الليل والقيام لله سبحانه وتعالى، ثم العبودية في الدعاء، ثم العبودية حتى في الأموال فيتعبدون الله بكل شيء، يتعبدون الله بكل شيء. إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتلوا، ثم بعد ذلك كثير من الأشياء التي ذكرت والتي تبرز ماذا؟ تبرز أنهم مخبتون لله، خاضعون لله، عباد عبد يعني عبد ما عنده إلا أنه يسمع ويطيع لربه ويحب مولاه وينفذ أوامره.

فهذا تجده، تجد في نواحي الإخبات والدعاء، وتجد أنه سبحان الله العبوديات شاملة ما بين شيء مالي وشيء اجتماعي وشيء كذا وشيء. الشيء الثاني أنه فيها عبوديات الظاهر والباطن أليس كذلك؟ أنه في حتى عبوديات كما وردت عبوديات الظاهر اللي هو المشي وكذا والتعامل المالي. في عبوديات الباطن اللي هو أن عذابها كان غراماً أنها ساءت مستقراً ومقاماً في الخوف من الله سبحانه وتعالى، ثم بعد ذلك لم يخروا عليها صماً وعمياناً، حياة القلب، كل هذا يثبت كيف أنه هذا هؤلاء عباد الرحمن الذين امتدحهم الله.

الأمر الثاني قوله: الرحمن، واضح يعني علاقته بما سبق أليس كذلك؟ وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن، انسجد لما تأمرنا وزادهم نفوراً. طيب، إذا أنتم تنفرون من هذا الاسم اسم الله سبحانه وتعالى، فانظروا للذين خضعوا لله سبحانه وتعالى وعبدوا الرحمن، هذه هي صفتهم. هذه أيضاً نوع من أنواع المقابلة ما بين الكفار وما بين المسلمين في ارتباطهم بالله سبحانه وتعالى وباسم الرحمن.

طيب، يمشون على الأرض هوناً، وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً. هذا المشي، هذا المشي على الأرض هوناً كما قال الطبري، قال: يمشون على الأرض هوناً، قال بالحلم والسكينة والوقار، غير مستكبرين ولا متجبرين ولا ساعين فيها بالفساد ومعاصي الله. وكثير مما ورد عن السلف كلمة السكينة والوقار والحلم، لاحظوا الحلم والسكينة والوقار، فهم يمشون هوناً.

هذا ليس من ضعف، يعني ليس من ضعف ذاتي، وإنما بسبب سكينتهم ووقارهم وإجلالهم لله سبحانه وتعالى. ليسوا مستكبرين يسيرون في أرض الله سبحانه وتعالى كما قال سبحانه وتعالى: وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا. فالله لا يحب الذي يمشي مرحاً واستكباراً وإعراضاً وتجبراً على الناس، وإنما يحب الذين يمشون على الأرض هوناً.

طيب، هذه الآية فيها صفين: الصفة الأولى طريقة مشيهم، يعني طبيعة مشيهم أنهم يمشون على الأرض هوناً، هذا في ذواتهم. طيب، إذا خاطبهم الجاهلون؟ إذا جاهم إعراض من الخارج، إذا أحد أساء إليهم، إذا أحد تعرض لهم؟ قالوا سلاماً. فأبرزت صفتهم في ذواتهم وهم، ثم أبرزت صفتهم حين يخالطون الجاهلين: وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً.

فعن الحسن قال: علماء وإن جهل عليهم لم يجهلوا. وقال الحسن أيضاً: حلماء لا يجهلون، وإن جهل عليهم حلموا ولم يسبهوا. هذا نهارهم، فكيف ليلهم؟ خير ليل صفوا أقدمهم وأجروا دموعهم على خدودهم يطلبون إلى الله جل ثناؤه في فكاك رقابهم، هذه في الآية التي بعدها. طيب يا جماعة، المقابلة بين الحلم والجهل، احنا قلنا يمشون على الأرض هوناً هذه من أهم معانيها الحلم، ثم إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً أي أكملوا حلمهم ولم يجهلوا عليهم.

هذه المقابلة أتت في تراث العرب، المقارنة بين الحلم والجهل هذا كان يعرفونه العرب، لذلك وروده في القرآن هذا ليس غريباً عليهم لما يسمعوه. فالله سبحانه وتعالى يفرق بين ما اعتاد عليه العرب، مثلاً كان يقول الشاعر إيش؟ أحلامنا تزن الجبال رزانة وتخالنا جناً إذا ما نجهل. هم يقولون يمتدحون حلمهم وعقلهم وكذا، ثم يمتدحون جهلهم إذا أحد جهل عليهم، كما قال الشاعر أيضاً: ألا لا يجهل أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلين.

فكان مما يفتخرون به أنهم يجهلون إذا خاطبهم الجاهلون أو إذا جهل أحد عليهم، بينما الله سبحانه وتعالى يمتدح الذين إذا خاطبهم الجاهلون لم يجهلوا عليهم، وإنما سلموا من القول المؤذي وسلموا من الوقوع في الخطا والحرام وقالوا سلاماً وأعرضوا عنه، كما قال سبحانه وتعالى: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ، وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ.

فهؤلاء معرضون عن الجهلة، سلامٌ عليكم أعرضوا عنهم كما سياتي معنا: وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا. فهذا من جهة، ومن جهة أخرى حتى العرب الذين يمتدحون الحلم، لأن هناك من يمتدح الحلم ويفتخرون بالحلم والحلم على الجاهل وكذا، عند العرب كان الغاية منها هو الذكر والرفعة وكذا، فهذا في الغالب كانوا يطلبون بالحلم السيادة والذكر. بينما هنا ما هو الدافع؟ ما هو الدافع من الحلم؟ الدافع هنا هو الإخبات لله عز وجل وعبادة الله سبحانه وتعالى، وطلب رضا الله سبحانه وتعالى.

طيب، فهذا في ذكر أنهم يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون يعني آذوهم أو تعدوا عليهم أو تجاوزوا الحد معهم كذا قالوا سلاماً. الصفة التالية: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا. والذين يبيتون لربهم، أنا حقيقة أحب هذه الكلمة كثيراً، هي كلمة لربهم. لربهم هذه الكلمة سبحان الله لها وقع في النفس، هم ليسوا فقط يصلون الليل، ليسوا فقط يتركون المضاجع، ليسوا فقط يسجدون ويقومون، وإنما كل هذا يفعلونه لمن؟ يفعلونه لربهم سبحانه وتعالى.

تشعر في هذه الكلمة أنه في نوع من أنواع التعلق بالله سبحانه وتعالى، هو الذي أقامهم وهو الذي أسجدهم وهو الذي جعل جنوبهم تتجافى عن المضاجع. وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا، هذا يشبه قوله تعالى: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ، حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ. أنتم في صلاتكم لما تقوم، تذكر أنك أنت تقوم لله. عارف لما يقال لك قم للملك؟ أنت ليست الفكره أنك تقوم وتصلي فقط، لا، أنت تقوم وتقف أمام الله عز وجل، ولله المثل الأعلى تقف أمام العلي الكبير سبحانه وتعالى.

فهم يبيتون لربهم، وهذه أتت في القرآن في عدة مواضع: فَصَلِّ لِرَبِّكَ، الصلاة فيها ناحية العلاقة الوثيقة بالله عز وجل ومناجاة الله: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، يا مريم اقنتي لربك واسجدي. فهذا هذه كلمة لربهم حقيقة هي التي أعانتهم بتوفيق الله لأن يبيتوا الليالي سجداً لله سبحانه وتعالى: كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ.

يعني الله سبحانه وتعالى ذكر كثيراً في موضوع الليل وموضوع القيام لله سبحانه وتعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ. فعباد الرحمن لهم شأن مع الليل، لهم شأن مع الليل، لا يمكن أن تكون عبداً لله سبحانه وتعالى من العبيد الذين يحبهم الله ويعلي درجتهم دون أن يكون لك شان مع الليل تقوم فيه لله سبحانه وتعالى. ثم قال سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا.

هذه الآية تفسر كثيراً من سبب اندفاعهم وتلبسهم بهذه الصفات، أنهم منشغلون بيوم عظيم سيأتي يوم القيامة. هؤلاء عباد الرحمن لماذا يمشون على الأرض هوناً؟ لماذا إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً؟ طيب لماذا يقومون لله سبحانه وتعالى؟ لماذا يتعبدون الله في كل لحظة معرضون عن الجاهلين؟ لأن هناك أمراً أكبر من ذلك منشغلون به، هناك أمر عظيم حدث أكبر كأنهم يرونه أمامهم الآن. هناك عذاب، هناك عذاب سيأتي يوم القيامة هم خائفون منه، وهذا الخوف والوجل هو من أكبر المحركات للعمل، لقيام الليل: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ.

وقال: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وطمعاً. هناك الرجاء وهناك الخوف، وقدم الخوف هنا بعد أن ذكر القيام، نفس الشيء في هذا الموضع بعد أن ذكر: يبيتون لربهم سجداً وقياماً، ذكر خوفهم من العذاب: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً. هذا الخوف من العذاب من أكبر المحركات، من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، من خاف أدلج يعني سارع السير حتى في الليل، يمشي في الليل، وهذا يوشك أن يصل بإذن الله عز وجل. من كان من كانت واحدة من أهم المحركات عنده محرك الخوف، كما أنه توجد محركات أخرى محرك الرجاء والمحبة، لكن محرك الخوف يجب أن يكون لديك.

والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا، لاحظوا كيف ما قالوا فقط ربنا اصرف عنا عذاب جهنم، فصلوا في العذاب، هذا يدل على أن موضوع العذاب كان يشغلهم، إن عذابها كان غراماً، إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً، إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً. هذا حقيقة يذكرنا بالمقطع في آل عمران: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً. ثم قالوا ماذا؟ سبحانك فقنا عذاب النار، رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ. هذا أيضاً دعاء، يعني هذا دعاء فيه تفصيل في موضوع النار والخزي في العذاب، وهنا كذلك: رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً، وهذا قولهم لربهم.

وهنا يفهم من هذا أن الإنسان يجعل هذا جزءاً من دعائه، يجعل هذا جزءاً من دعائه، ما هو؟ أنه يا رب أنا خائف من العذاب وعذابك شديد وعذابك هو عذاب الخزي وعذابك هو العذاب الأكبر والنار هذه هي النار الكبرى إلى آخره، وهذه ساءت مستقراً ومقاما، فتجعلها في دعاءك لأن الله سبحانه وتعالى يحب الذي يخاف ويطلب السلامة من هذا العذاب والعافية من هذا العذاب، فهذه من أعظم الصفات.

ثم قال سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً. وهذا عجيب حقيقة، يعني الإنسان لو تأمل لو أراد بنفسه أن يرتب مثلاً بعض الصفات والأولويات ويضعها في مثلاً وصايا مثلاً لطلابه ولا شيء، ربما ما يذكر أمر الإسراف، أليس كذلك؟ لكن هنا نحن نتعلم، لما ندخل الوحي للاستهداء، لما ندخل للوحي والاستهداء بالوحي، نحن ندخل بنية التعلم، ندخل ونحن نقول: يا رب نحن ضالون إن لم تهدنا، جاهلون إن لم تعلمنا، فنحن هنا نتعلم ما الذي يحبه الله وما الذي يبغضه الله، ونعلم من هذه الآيات أن الله يحب شأن من يكون معتدلاً في إنفاقه لا يسرف ولا يقتر، أمر أولاه الله سبحانه وتعالى عناية، أولاه الله سبحانه وتعالى عناية، هذا القرآن يعلمنا، القرآن يعلمنا ما هي الأولويات، القرآن يعلمنا ما هي الأولويات حتى لو ما عرفت حكمتها بالتحديد، هذا أمر اعتنى به الله سبحانه وتعالى وذكره في أكثر من موضع كما ذكرنا حتى في سورة الإسراء: وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ.

طيب، مما قيل من الكلام الجميل حول موضوع لم يسرفوا ولم يقتروا، قال أبو جعفر أي الطبري قال: والصواب من القول في ذلك قول من قال: الإسراف في النفقة الذي عناه الله في هذا الموضع ما جاوز الحد الذي أباحه الله لعباده إلى ما فوقه، والاقتار ما قصر عما أمر الله به، والقوام، يعني: وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً، والقوام بين ذلك. يعني الطبري يريد أن يقول -طبعا هذا ذكر قبل هذا الموضع كثير من أقوال السلف الذين ذكروا هذا الأمر- يريد أن يقول أن الإسراف هنا في هذا الموضع في الأساس، في الأساس المقصود به هو ما جاوز حد الحلال، جاوز حد الحلال، ما يدخلك إلى الحرام.

ثم بعد ذلك يقتروا، أي الذين أيضاً يخرجوا عن حد الـ عن حد القيام بالطاعة، أن تقصر حتى ما تستطيع القيام بالطاعة وتقصر عن الطاعة، يعني مدار الأمر في الحلال والحرام، مدار الأمر في الحلال والحرام، وليس مجرد أنك الموضوع أنك تتوسع في المباحات أو تقلل من المباحات، هذه نعم فيها درجة، لكن المقصود هنا كما رجح الطبري هو أمر الوصول إلى الحرام والتخلي عن الواجبات، يعني الوصول للمحرّمات أو التخلي عن الواجبات، والمطلوب أن تكون بينهما، أي تقوم بالواجب ولا تترك الحرام.

وطبعا هو بعد ذلك فصل، قال: حتى مثلا الأكل، الأكل إذا الإنسان أكل فأكل فوق حاجته إلى درجة صار الأكل مثقلاً له عن الطاعة، هذا وصل إلى الحرام فدخل في الإسراف، دخل في الإسراف، لماذا دخل في الإسراف؟ لأنه صار مثقلاً له عن الطاعة، مثقلاً له عن القيام بحق الله سبحانه وتعالى. طيب، إذا قصر، إذا قتر على نفسه في الأكل وما أكل حتى صار ضعيفاً لا يستطيع القيام بالطاعة، هنا دخل في الحرام ودخل في أنه قتر على نفسه، فبالتالي المطلوب أن يكون بين ذلك والهدف أن تقيم الحلال والحرام كما أمر الله سبحانه وتعالى، وهذا الموضع طبعا موضع إشارة سريعة وليس موضع تفصيل.

الان ثم قال سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ. هذه الثلاثة صفات، هذه الثلاثة صفات ذكرت بصيغة النفي، أليس كذلك؟ لا يدعون، ولا يقتلون، ولا يزنون. فنحن يا جماعة، نحن يا جماعة في تقربنا لله سبحانه وتعالى نتقرب إلى الله سبحانه وتعالى في الفعل، ونتقرب إلى الله سبحانه وتعالى في الكف عن الفعل، نتقرب إلى الله، نحن نتعبد الله سبحانه وتعالى أنه انت أنه أنا ما أشرك بالله سبحانه وتعالى، هذه من صفات المؤمنين، وتذكر أني أنا عدم إشراكي بالله سبحانه وتعالى أمر هذه من الصفات الجليلة للمؤمنين التي يتقرب بها، وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ. وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً، فالقصد أنه تتذكر أنك بكفك عن الفعل، كما قال الله سبحانه وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ، فيذكر بعض الصفات بالإيجاب وبعضها بالنفي.

هذه الثلاثة صفات التي نفاها الله سبحانه وتعالى عنهم جمعت في صحيح البخاري، قال ابن مسعود رضي الله عنه قال: سألت أو سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الذنب عند الله أكبر؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك. قال: ونزلت هذه الآية تصديقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم. لاحظوا الآية ذت جواب النبي صلى الله عليه وسلم، هذا سبب نزولها تصديقاً لقوله، قال: نزلت هذه الآية تصديقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ، فهذا جواباً على: أي الذنب عند الله أكبر؟ أي الذنب عند الله أكبر؟ فهذه أعظم الذنوب، ونفيها عنهم، لاحظ نفي لفئة عالية من المؤمنين، هم عباد الرحمن، عباد الرحمن أول الناس اجتناباً لكبائر الذنوب، أول الناس اجتناباً لكبائر الذنوب.

وبعد ذلك سبحانه وتعالى من رحمته ومن عفوه ومن صفته سبحانه وتعالى الرحمن الرحيم التواب الحليم الغفور الغفار جعل مخرجا حتى لمن يقع في هذه الأشياء ما دام في هذه الدنيا، قال بعد أن توعد: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً، إِلَّا مَنْ تَابَ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً، وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً. فدائماً هناك، حتى لو وقع الإنسان في أعظم الذنوب وأعلاها وهو الشرك، مع ذلك ما دام حياً هناك مجال لأن يعود الإنسان إلى ربه سبحانه وتعالى.

ثم قال سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً، مَرُّوا كِرَاماً والذين لا يشهدون الزور.

وإذا مروا باللغو مروا كراما. طيب، قال ابن كثير: ظهر من السياق أن المراد لا يشهدون الزور أي لا يقدرونه؛ لأن هناك اختلاف كثير ذكروه، يعني من الناس من حصرها في قضية شهادة الزور المعنى الخاص، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا وشهادة الزور. وهناك، وهو الأكثر وهو الأظهر كما قال ابن كثير، أن المقصود هنا حضور مجالس الزور ومواطن الزور، والزور المقصود به الذنب والسيئات وكذا، كما سيأتي في قول السعدي: وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ أي لا يحضرون هذه المجالس التي فيها الذنوب.

قال: أي لا يحضرونه. ولهذا قال: وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ هذه متناسبه مع بداية الآية، وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا، أي لا يحضرون الزور، وإذا اتفق مرورهم به مروا ولم يتدنسوا منه بشيء، ولهذا قال: مروا كراما. وقال ابن أبي حاتم: إن ابن مسعود مر بلهو معرضا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد أصبح ابن مسعود وأمسى كريما. لاحظوا كيف هذا معنى جميل، أنه إذا أنت مريت بشيء بغير قصد ثم اعرضت عنه تكون من الكرام، يعني أنت كريم اعرضت عن هذا اللغو واعرضت عن الأشياء التي ما فيها فائدة أو فيها ذنوب أو كذا.

وأن في هذا الحديث ضعف، لكن اورده ابن كثير وهو موافق لمعنى الآية يعني. طيب، قال السعدي: وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ أي لا يحضرون الزور، أي القول والفعل المحرم، فيجتنبون جميع المجالس المشتمله على الاقوال المحرمه او الافعال المحرمه، كالخوض في آيات الله والجدال الباطل. لاحظوا يا اخوان، مع هذا، انا اورت هذا الكلام بتفصيله؛ لانه هذا يعنينا حقيقه، لانه جميعنا قد نتعرض لانك تمر ببعض المجالس او تتواجد في بعض المجالس او تكون محيطا ببعض المجالس التي فيها شيء من الحرام أو اللغو.

فقال: فيجتنبون جميع المجالس المشتمله على الاقوال المحرمه أو الافعال المحرمه، كالخوض في آيات الله والجدال الباطل والغيبة والنميمة والسب والقذف والاستهزاء والغناء المحرم وشرب الخمر وفرش الحرير والصور ونحو ذلك. وإذا كانوا لا يشهدون الزور فمن باب أولى وأحرى أن لا يقولوه ويفعلوه. ثم قال: وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ وهو الكلام الذي لا خير فيه ولا فائدة فيه. لاحظوا هنا فرق ما بين الزور وهو الذنوب الواضحة، وما بين اللغو اللي هو الشيء اللي ما فيه فائدة، كانه زي فضول المباحات والاشياء التي لا خير فيها في الآخرة.

قال: وهو الكلام الذي لا خير فيه ولا فائدة دينية ولا دنيوية، ككلام السفهاء ونحوهم. قال: مَرُّوا كِرَامًا أي نزهوا أنفسهم وأكرموها، فيها تكريم النفس من مروا كراما، نزهوا أنفسهم وأكرموها عن الخوض فيه، وراوا أن الخوض فيه -وإن كان لا إثم فيه لأنه تكلم عن أشياء مباحه- فانه سفه ونقص للإنسانية والمروءة، فربأوا بأنفسهم عنه. وفي قوله: وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ إشارة إلى أنهم لا يقصدون حضوره ولا سماعه، ولكن عند المصادفة التي من غير قصد يكرمون أنفسهم عنها.

لاحظوا هذا المقام حقيقه، حقيقه عالي، عند المصادفة التي من غير قصد يكرمون أنفسهم عنها، في نوع من أنواع العناية بالنفس والعناية أن ما تشتغل إلا بما يحب الله سبحانه وتعالى. ثم قال: وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا منهم، وأن يجعلنا بمثل هذه المجالس، ورغبتنا بإذن الله أن نكون ممن يستهدون بآيات الله ويتدبرون في مراده، وأننا ما نكون ممن إذا ذكر بآيات الله يعني ما يستفيد منها شيئا ويخر عليها كأنه أعمى وأصم، وإنما الذي يريده الله سبحانه وتعالى منك ماذا؟ كما فعل الطبري.

يقول الله سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لم يكونوا صما لا يسمعون وعميا لا يبصرونها، ولكنهم اسمعوا، ولكنهم يقاض القلب فهماء العقول، يفهمون عن الله ما يذكرهم به، ويفهمون عنه ما ينبههم عليه، فيوعون مواعظه آذانا سمعته وقلوبا وعته. وهذا أيضا يذكرنا بقوله سبحانه وتعالى ممتدحا المؤمنين في سورة السجدة: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ.

فهذا حقيقه من أهم صفات عباد الله، أنه الآية لما تقع على سمعك ما تمر، ما تكون كأنك أصلا ما سمعت شيئا. الآية في كتاب الله تفعل بك أفعالها، المعنى الوصية الواحدة من الله مباشرة تطبقها مباشرة، ينعكس على عمل، ما تخر عليها صما عميا. ثم قال سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا.

نلاحظ بعد ذكر كل هذه الصفات في البداية، نلاحظ هنا المعنى المتعدي. المعنى المتعدي أنه هؤلاء الذين بلغوا المرتبة الرفيعة عند الله، هؤلاء عباد الرحمن لا يمكن أن يكونوا منشغلين فقط بأنفسهم، بل يريدون الخير لأزواجهم وذرياتهم، ويريدون أن يكونوا للمتقين إماما. إماما هذه فيها معنى الدعوة إلى الله والاصلاح وكذا. وسبحان الله هذه الآية يعني لسبب ما تذكرني بإبراهيم عليه السلام، تذكرني بإبراهيم عليه السلام الذي جعله الله إماما، وفي نفس الوقت هو دائما كان يدعو للذرية ويدعو لكذا.

فهذه الآية سبحان الله تذكرني بإبراهيم عليه السلام، وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا. طبعا كما قال ابن عباس: يعنون من يعمل بالطاعة فتقر به أعينهم في الدنيا والآخرة. لاحظوا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ، التمام ما يظن الإنسان المقصود بها فقط أنه من الناحية الدنيوية تكون قرة عين، وإنما المقصود أن يكون عبادا لله. قال عكرمه: لم يريدوا بذلك صباحة ولا جمالا يعني في أولادهم وأزواجهم، ولكن أرادوا أن يكونوا مطيعين.

وبهذا امتدحهم الله سبحانه وتعالى أنهم يريدون الخير لأنفسهم وأزواجهم وذرياتهم. وقال الحسن البصري وسئل عن هذه الآية فقال: أن يري الله العبد المسلم من زوجته ومن أخيه ومن حميمه طاعة الله، لا والله ما شيء أقر لعين المسلم من أن يرى ولدا أو ولد ولد أو أخا أو حميما مطيعا لله عز وجل، وصدق والله ما في شيء يقر العين مثل أن ترى من حوله يطيعون الله ويعبدون الله سبحانه وتعالى. فهذا مرادهم برَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا.

ثم قال في ختام صفاتهم: أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا. حقيقه ختام الصفات بالصبر يدل على ماذا؟ يدل على أنهم ما بلغوا هذه الصفات كلها إلا بالصبر، وأن الصبر متداخل مع كل هذه الصفات. يعني حقيقه ذكر الصبر بعد ذكر العديد من الصفات، أو خلينا نقول تلخيص العديد من الصفات في كتاب الله بالصبر، أتى في أكثر من موضع، هذا موضع أن أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا، أي بما قالوا كذا وكذا، يمشون على الأرض، هنا خاطبوا الناس، لا يدعون مع الله إلها آخر، فعلوا كل تلك الصفات، الله سبحانه وتعالى عبر عنها بماذا؟ قال بِمَا صَبَرُوا.

فهذا يدل على أن كل الطاعات تلخص بالصبر، فخلاصه طريق المؤمن هو الصبر، الصبر لله سبحانه وتعالى، فالصبر متداخل مع كل الطاعات ومتداخل مع كل أنواع الكف عن حتى عن المعاصي، فعبر عن كل الصفات بالصبر. في سورة الرعد كذلك لما قال الله سبحانه وتعالى: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ، الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ، وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ، وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا سِرًّا مِمَّا

رزقناهم سرا وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقب الدار. كل هذه الصفات بعدها قال: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا، ثم قال: سَلَامٌ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُم بِمَا صَبَرْتُم فِيهَا. كل الصفات التي وردت قبل ذلك نفس هذا الموضع، كل الصفات لخصت بالصبر. هذا يدل على أنك محتاج للصبر في كل لحظة من لحظات حياتك، سواء في القيام بطاعة أو الكف عن معصية. الصبر هو خلاصة الطريق، الصبر هو المتداخل مع كل العبادات والطاعات، فأولئك كما قال سبحانه وتعالى: أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا.

وهذا مقابل ما ذكر عن العذاب أنها ساءت مستقرا ومقاما، هنا قال: حسنت مستقرا ومقاما، فيها الإكرام ويلقون فيها تحية وسلاما، في إكرام خاص تشعر في الآيات مقابل الإهانة: وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا. هؤلاء مهان عند الله سبحانه وتعالى، وهؤلاء مكرمون عند الله سبحانه وتعالى. ثم ختama لهذا المقطع، قبلها قال الطبري: يقول تعالى ذكره، هؤلاء الذين وصفت صفتهم من عبادي، وذلك ابتداء من قوله: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا إلى قوله: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا الآية.

يجزون يقال يقول يثاب، يثابون على أفعالهم هذه التي فعلوها في الدنيا، الغرفة وهي منزلة من منازل الجنة رفيعة بما صبروا. يقول: وهذه الخلاصة بصبرهم على هذه الأفعال ومقاسات شدتها، بصبرهم على هذه الأفعال، يعني بدا من بداية المقطع إلى هنا، بصبرهم على هذه الأفعال، كل هذه الأفعال تحتاج صبر ومقاسات شدتها ومقاسات شدتها.

وايضا كما ذكرتم أنه لا تنال الإمامة بالدين لما قال قالوا ايش؟ وَجَعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا، علم أنه هذا أيضا لا ينال إلا بالصبر، لا تنال الإمامة في الدين إلا بالصبر واليقين، وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ. في ختام هذه السورة، هذه الآية العجيبة قال سبحانه وتعالى: قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا.

الأمر الوحيد الذي يجعل لك قيمة عند الله عز وجل وكرامة عند الله عز وجل ومكانة عند الله عز وجل وشأن عند الله عز وجل، يجعل الله سبحانه وتعالى ينظر لينظر إليك يوم القيامة ويزكيك، الأمر الوحيد هو عبادة الله ودعاء الله سبحانه وتعالى. قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ، ليس لأحد كرامة خاصة لذاته، وإنما بما يوفقه الله سبحانه وتعالى للعمل بما يحب الله، بأن يكون ممن يدعون الله سبحانه وتعالى دعاء العبادة ودعاء المسألة، فهؤلاء هم عباد الرحمن، هؤلاء هم عباد الرحمن.

قال ابن كثير: أي يعني ما يعبأ بكم ربي، ما معنى يعبأ؟ قال: أي لا يبالي. والله هذه يا جماعة كلمات تهز الإنسان إذا تذكر هذا الحديث عن الله عز وجل! قال: لا يبالي ولا يكترث بكم إذ لم تعبدوه، فانه إنما خلق الخلق ليعبدوه ويوحدوه وسبحوه بكره وأصيلا. فقال ايش؟ لا يبالي ولا يكترث بكم.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ يقول: لولا إيمانكم. وأخبر الله الكفار أنه لا حاجة له بهم إذ لم يخلقهم مؤمنين، لا إله إلا الله، لا حاجة له بهم إذ لم يخلقهم مؤمنين! ولو كان له بهم حاجة لحبب إليهم الإيمان كما حببه إلى المؤمنين، ولو كان له بهم حاجة لحبب إليهم الإيمان كما حببه إلى المؤمنين.

نسأل الله سبحانه وتعالى بمنه وكرمه وجوده واحسانه أن يحبب إلينا الإيمان ويزينه في قلوبنا، ويكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، وأن يجعلنا من الراشدين. اللهم اغفر لنا وارحمنا وعافنا واعف عنا، اللهم اجعلنا من عباد الرحمن الذين وردت صفتهم في هذه الآيات العظيمة الجليلة، وأن يجعلنا من أصحاب الجنة وأن يغفر لنا خطايانا وزللنا وأن يعفو عنا. ونسأله سبحانه وتعالى أن ينصر الإسلام والمسلمين، وأن يهلك الطغاة والظالمين. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.