بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أهلاً وسهلاً بكم، حياكم الله في مجلسنا الاستهداي. نسأل الله العلي العظيم بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يبارك لنا في هذا المجلس، ونسأله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا ذنوبنا، وأن يجعل هذه الأوقات التي أخصصتموها لحضور الجلوس بين يدي كتاب الله سبحانه وتعالى والاستهداء بهداياته، نسأل الله أن يجعلها من اللحظات التي نتذكرها يوم القيامة، وأن تكون من أنفع اللحظات لنا بإذن الله عز وجل.
اليوم بإذن الله سنتحدث عن هذه الآية العظيمة الجليلة في سورة الحديد، هذه السورة العظيمة التي تتحدث عن موضوع الإيمان؛ موضوع الإيمان كموضوع من المواضيع العظيمة في هذه السورة. هذه السورة سبحان الله يعني تأخذ بجلابيب النفس من جميع أطرافها إلى ساحات الإيمان. سبحان الله، هذه من السور العجيبة جداً جداً، وهذه الآية العظيمة هي في قلب هذا المعنى الذي يتحدث عن الإيمان: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ.
فهذه الآية: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ. هذه الآية تتحدث عن أمر جليل ذكره الله سبحانه وتعالى وعاتب به المؤمنين، كما سناتي على هذا الموضوع، أن الله سبحانه وتعالى يقول للمؤمنين: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ. فالحديث عن الخشوع لله سبحانه وتعالى: أما آن للمؤمن أن يخشع لله سبحانه وتعالى؟ وسنأتي لموضوع العتاب بعد قليل، لكن الآن نتحدث: كيف لنا أن نخشع لله سبحانه وتعالى وأن نؤمن بالله سبحانه وتعالى؟
هذا أمر يجب أن يكون محط نظر الإنسان؛ لأن هذا الأمر الذي أنزله الله سبحانه وتعالى يعاتب به الصحابة، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله سبحانه وتعالى بهذه الآية إلا أربع سنين. فهذا أمر عظيم؛ الله سبحانه وتعالى يعني أنزله من السماء يقول للمؤمنين -هذا خطاب للمؤمنين وليس للكفار-: أما آن لكم أن تخشع قلوبكم لذكر الله؟ وذكر الله هنا من أول ما يدخل فيه هو القرآن. فالحديث هنا عن علاقتنا مع القرآن؛ أما آن لنا أن تكون علاقتنا مع القرآن علاقة مختلفة؟ أما آن لنا أن نؤمن بالله سبحانه وتعالى إيماناً؟ لأنه هذا من مقتضيات الإيمان، ألم يذ... أنتم آمنتم، فكيف إلى الآن ما خشعت قلوبكم لذكر الله عز وجل حق الخشوع؟
فقبل أن يعني نغوص في أعماق هذه الآية العظيمة نرجع خطوة إلى الوراء ونرى مطلع هذه السورة المهيب؛ سورة الحديد من السور العظيمة، في مطلعها من أعظم المطالع، من أعظم المطالع للسور القرآنية هي سورة الحديد. ونحن لما نقول اعظم، هذا الأمر نعلم، نعلم علماً يقينياً أن أعظم موضوع في كتاب الله عز وجل هو الحديث عن الله عز وجل، لذلك كانت أعظم آية في كتاب الله هي آية الكرسي لما كانت تتحدث عن الله سبحانه وتعالى. أعظم آية في كتاب الله هي خالصة في الحديث عن الله، فعلم من ذلك أن أعظم المواضيع هو موضوع الحديث عن الله سبحانه وتعالى.
وانظر الآن إلى هذا المطلع العجيب الذي سنقراه سويا، يقول الله سبحانه وتعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ. يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ.
سبحان الله، هذا من المطالع العظيمة الجليلة التي تتحدث عن الله سبحانه وتعالى حديثاً عظيماً جليلاً مهيباً يقع في القلب. الحديث عن الله سبحانه وتعالى والحديث عن صفات الله سبحانه وتعالى، فالحديث عن ملك الله وعزه الله وحكمه الله، وكثير من الأسماء الحسنى وردت هنا: العزيز، الحكيم، الملك، بل وردت أسماء ما وردت إلا في هذا، إلا في هذا الموضع: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ. هذه ما جاءت في كل القرآن إلا في هذا الموضع، هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، هو الذي خلق السماوات والأرض. ثم الحديث عن علم الله سبحانه وتعالى بعد الحديث عن الخلق، ثم الحديث عن إحاطة الله وشهوده سبحانه وتعالى، ثم عن ملك الله مرة أخرى.
فهذا أمر عجيب، يعني هذه آيات عظيمة، لما نقول: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ، نقول: كيف؟ وما الذي يعني يجعل هذه القلوب تخشع لذكر الله؟ ما الذي يجعلها تخشع لذكر الله؟ نقول: من أهم وعلى راس ما يكون على ذلك هو أن نقرا وأن نتدبر وأن نعايش الآيات التي تتحدث عن الله سبحانه وتعالى. إن الله سبحانه وتعالى قال: تخشع قلوبهم لذكر الله، ذكر الله هذا، ذكر الله هذا الحديث عن لله سبحانه وتعالى، هذا الحديث الذي يجعل القلب خاشعاً، الحديث الآيات التي تتحدث عن الله على وجه الخصوص وذكر الله القرآن على وجه العموم.
لذلك في سورة الحشر لما قال الله سبحانه وتعالى: لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، خاشعاً متصدعاً من خشية الله، هذا مثل: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ، الخشوع. ولذلك لو نزل القرآن على جبل لرأيته خاشعاً، فما الذي يحقق الخشوع؟ هو القرآن ذاته.
إذاً نحن قلنا: كيف، لما الله سبحانه وتعالى يقول: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ، كيف تخشع قلوبنا لذكر الله؟ نقول: أهم ما يجعل قلوبنا تخشع لذكر الله هو القرآن نفسه؛ لأنه لو القرآن، لو نزل على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله، هذا عمل القرآن: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ، أي لكان هذا القرآن.
فهذا القرآن من شأنه، من شأنه أن يجعل القلوب تخشع لذكر الله والحديث عن الله؛ ففي سورة الحشر لما الله سبحانه وتعالى قال، لما قال: لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، جاء بعدها ماذا؟ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ، هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ، هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا... هو الله الخالق البارئ المصور، هو الله الذي لا إله إلا هو الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأارض... والأرض وهو العزيز الحكيم.
وهنا: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، ثم الحديث عن الله سبحانه وتعالى وعن أسمائه وصفاته. فلاحظت كيف ارتباط الموضعين جاء فيها ذكر الخشوع والخشية لله سبحانه وتعالى وجاء فيها الحديث المطول عن الله سبحانه وتعالى؟ فهذه من السور الجليلة التي تتحدث عن، التي تخدم مقصد أن يخشع هذا القلب لذكر الله عز وجل، فناسب أن تكون هذه السورة التي هذا مطلعها المهيب هي السورة التي فيها: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ؛ لأنه هذا من أكثر ما يثبت أعرى الإيمان في القلب.
والعجيب أن الآية التالية بعد هذه الست آيات الأولى، الآية التالية: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. بعد أن ذكر الحديث عن الله سبحانه وتعالى المطول المهيب الجليل العظيم الذي يجعل القلب يجل من ذكر الله عز وجل، قال ماذا؟ قال: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا.
لهم أجر كبير، فبعد أن هيئ القلب، بعد أن هيئ القلب، أمر بعد ذلك بالإيمان والإنفاق. وهذا يدل على أن أن يلين القلب، أن يلين القلب لأوامر هذا الوحي، وأن كيف نستجيب لأوامر هذا الوحي، كيف نكون مطيعين له، كيف نكون منقادين لما أمر الله سبحانه وتعالى ونهى عنه، من أهم ذلك أن يتهيا القلب أولاً بتعظيم الله عز وجل وتعظيم أمره؛ تعظيم الله سبحانه وتعالى وتعظيم أمره، هذا من أهم وأعظم ما يهيئ القلب لأن نستجيب للأوامر. وبالمناسبة، هذه الآية فيها أوامر: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّستَخْلَفِينَ فِيهِ. وجاء كثير من الآيات: اعلموا إنما الحياة الدنيا، سابقوا إلى مغفرة من ربكم، اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها؛ جاءت كثير من النداءات الربانية والأوامر الإلهية بعد هذا المطلع المهيب الجليل، بعد أن تهيا القلب.
ولأن القلب لذكر الله سبحانه وتعالى، لأن القلب لذكر الله سبحانه وتعالى، ولين القلب وقسوة القلب هذا أيضاً من مواضيع السورة، كما في هذه الآية: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ. فقست قلوبهم، نتحدث عن قسوة القلب؛ فهناك أناس خشعت قلوبهم، وهناك أناس لا قست قلوبهم. والقلب هذا يخشع ويلين ويقسو ويجمد ويموت، ومدار هذا الأمر هو على ذكر الله عز وجل. ذكر الله عز وجل هي المادة، بين قوسين، الملينه؛ هي المادة الملينة للقلب ذكر الله عز وجل، وهذا القرآن هي المادة التي تلين القلب، هي المادة التي تجعل القلب يصبح غضاً طرياً، تجعله يعمل.
أنا أشبه القلب كالمحرك، كمحرك السيارة، يعني تصوروا أن القلب كمحرك السيارة؛ هذا القلب، هذا المحرك في السيارة، يجب أن تكون له، يعني هناك مواد ملينة وتكون هناك زيوت يمد بها القلب، يمد بها هذا المحرك باستمرار، وإلا يعني قست القطع الداخلية وجفت وتعطل هذا المحرك. هذه الملينات، هذه الزيوت، كما كانت للمحرك، بالنسبة للقلب ما يلين هذا القلب هو ذكر الله سبحانه وتعالى والقرآن؛ إذا طال عليك الأمد وما امدته بهذه المادة الملينة يقس القلب، فطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ. فلأن لا نستغرب، لا نستغرب يا جماعة، بعد ذلك واحد يقول: لماذا لا أتفاعل مع الموعظة؟ لماذا لا يلين قلبي؟ لماذا لا مجرد ما أسمع الأمر من الله سبحانه وتعالى ما أفعل الأمر مباشرة؟ لماذا لا أكون مطيعاً خاشعاً خاضعاً منيباً أواهاً لله سبحانه وتعالى؟
نقول: هذا القلب قد تتعطل بعض خصائصه، ما يعمل. عمل القلب هو هذه الخشية والمحبه والخوف والرجاء والتوكل واليقين، هذه اسمها أعمال القلوب. هذا القلب إذا عمل تنتج عنه هذه، هذا التعظيم وهذه الخشية وهذا التسليم، أما إذا ما أخذ القلب هذه الملينات باستمرار، ما يعمل القلب، ما تنتج عنه أعمال القلوب، يصبح، يصبح الإنسان كأنه آلة جامدة يتحرك، ما في تعظيم وخوف ورجاء واشياء داخلية تعمل داخل القلب. لذلك هنا قال ماذا؟ تخشع قلوبهم لذكر الله، ثم قال: فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم. وفي آية أخرى في سورة الزمر ماذا قال في سورة الزمر؟ قال: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحِصَاثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ. ثم تلين عكس القسوة، تلين جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ.
فهذه، هذا القلب يلين ويقسو، هذا القلب يلين ويقسو، وإذا الآن تحرك، تحرك بأعمال القلوب، وإذا قسى خلى من أعمال القلوب، فلا من عمله. ومدار ذلك كله على ذكر الله، على ذكر الله سبحانه وتعالى وعلى دوام، يعني لا نقول ذكر الله فقط، وإنما يقول: ذكر الله أن يكون مستمراً دائماً، ينزل على القلب باستمرار حتى يجعله، ما يجب أن لا يطول الأمد، يجب أن لا يطول الأمد حتى ما، ما يقسو هذا القلب. فهذا واحد.
الأمر الثاني نعود لمعنى العتاب، وهو معنى جليل وعظيم. ابن مسعود رضي الله عنه ماذا قال؟ ما كان بيننا وبين أن عاتبنا الله سبحانه وتعالى بهذه الآية، ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم، ما كان بينهم وبين أن عاتبهم الله بهذه الآية إلا أربع سنين تمام. وايضا هناك اثر آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: استبطأ الله، استبطأ الله قلوب المهاجرين، استبطأ الله قلوب المهاجرين فعاتبهم، استبطأ الله قلوب المهاجرين فعاتبهم بهذه الآية. فالصحابه رضوان الله عليهم سموا هذه الآية عتاباً، سموا هذه الآية عتاباً.
وهذه التسمية يا جماعة عظيمة جليلة، إذا وصل لها الإنسان فقد نال خيراً عظيماً. ما هي؟ ما هو هذا الأمر؟ هذا الأمر أنك تستشعر أنك تتعامل مع الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى في عليائه يخاطبك أنت، يعاتبك أنت، يسألك أنت، ينزل الوعيد والتهديد من أجلِك أنت. يجب أن تقرا القرآن بهذه النفس وبهذه، وبهذه النظرة؛ نحن لا نقرا القرآن فقط كأنه كتاب فوائد، أنه ما الفائده الأولى، الفائدة الثانية، الفائدة الثالثة، نغلق الكتاب بعد ذلك. نعم هذا مطلوب، لكن يجب أن يكون معه كذلك أن تتذكر ماذا يقصد الله سبحانه وتعالى، ماذا يريد الله سبحانه وتعالى مني؟ هل الله سبحانه وتعالى في هذه الآية يعاتب أم يمتدح المؤمنين، أم يتوعد ويهدد من، من يفعل الأشياء التي تغضبه سبحانه وتعالى؟ هذا، هذا التفاعل مع الآيات تففاعل مهم جداً.
أنك لما تقرا هذه الآية تنزلها على نفسك، تقول: ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق؟ تقول: بما أن الله سبحانه وتعالى عاتب الصحابة، بل عاتب المهاجرين السابقين، تتحدث عن اربع سنوات من اسلام ابن مسعود وهو من السابقين، فالصحابة وهم الصحابة عاتبهم الله سبحانه وتعالى، فأنا أولى بأن أخطب نفسي بهذا العتاب. تخيل أن الله سبحانه وتعالى خالق الأرض والسماوات يعاتبك أنت! هذا التصور وهذه المعايشه وهذه، وهذه العلاقة بينك وبين الله سبحانه وتعالى التي مدارها آيات القرآن، هذا من اعظم ما يتحصل، ومن اعظم ما يقربك من تدبر كتاب الله والاستفادة من كتاب الله سبحانه وتعالى.
ما تقرا فقط وتقول، يعني تنظر، تنظر له ككتاب فوائد فقط أو أو ككتاب هدايات، كأنه كتاب لأحد من من اهل العلم، هذا أمر يعني لا، ما تساوي بين القرآن وبين غيره، ولو، لو كان كله فيه فائدة، لكن ما، ما تساوي بين القرآن وبين غيره. القرآن الله سبحانه وتعالى يتكلم، الله سبحانه وتعالى يعاتب؛ هذا يجعلك تأخذ الآية مأخذاً كبيراً وعظيماً جداً. الله سبحانه وتعالى هو الذي يتحدث الآن، ويتحدث لمن؟ لي أنا. يجب أن، يجب أن تجعل كل آية من آيات القرآن تمسك أنت شخصياً.
إذا هذه الآية وجدت فيها صفة من صفات المنافقين أو الكافرين، تكون ابعد الناس عنها وتخاف منها، ما تقول: هذه الآية تحدث المنافقين، فبالتالي لأرى في الآية التالية انظر لآيات المؤمنين فقط. كل آية اجعلها تخاطبُك أنت؛ آية تخاطب اليهود والنصارى انظر في الصفات وكن ابعد الناس عنها، آية تخاطب المؤمنين كن احرص الناس على التمسك بها، آية فيها عتاب عاتب نفسك بها، تذكر أن الله سبحانه وتعالى يعاتب بها أولياءه، ويعاتب المؤمنين، ويعاتب كل من انطبقت عليهم هذه الصفة.
فأنا أقول: هذا النوع من انواع العلاقة الوجدانية العاطفية القلبية بينك وبين وبين الآيات، باعتبار أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يتكلم، هو الذي يتكلم، فترى ماذا يريد الله سبحانه وتعالى؟ ماذا يريد الله سبحانه، وكيف أرضي الله سبحانه وتعالى؟ كيف، كيف لا أكون من هذه الفئة التي يعاتبهم الله سبحانه وتعالى، أو في آيات أخرى يتهددهم أو يتوعدهم سبحانه وتعالى؟ ولذلك سانتقل لآيات أخرى في السورة، ونرى أيضاً أسلوباً آخر فيه هذا المعنى، معنى أنه ترى، تستحضر أن الله هو المتحدث، فيعني تقر في قلبك بعض المعاني الوجدانية. هذا فوق المعاني المباشرة من الآيات والفوائد المباشرة التي يجب أن، أن يعني ينتبه لها كل أحد. انظروا لهذه الآيات العجيبة، انظروا لهذه الآيات العجيبة، وانظروا كيف الأسلوب.
القرآني العجيب وكيف الله سبحانه وتعالى يتحدث. لما قدم الله سبحانه وتعالى بالمقدمة العظيمة في أول السورة التي قرأناها، ثم قال: آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير، فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير. لاحظوا ف هنا من ناحية الأساليب أنه لاحظوا كيف الله سبحانه وتعالى بعد أن قال آمنوا، أمر بالامر المباشر، الآن يذكر الفضائل، يذكر الفضل، يذكر المكسب، هذا خير لك. فآمنوا خير لكم كما أتى في سورة في سورة النساء فآمنوا خير لكم، وهنا قال وقال: فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير.
فإذا قرأت الفضل تذكر أن الله سبحانه وتعالى وهو يعني وهو الغني عنك، يذكر لك الفضائل، هذا من أجلك. ثم قال سبحانه وتعالى: وانظر إلى الأسلوب الثاني: وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ. وما لكم لا تؤمنون بالله بعد أن قال آمنوا بالله ورسوله قال: وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين. ما لكم لا تؤمنون؟ هذا أسلوب عجيب لما تستحضر أن الله سبحانه وتعالى هو الذي قال، هو الذي تكلم به سبحانه وتعالى.
إذا استحضرت أن الله سبحانه وتعالى هو المتكلم، هذه الآية ما تقع عليك يعني بوقوعاً عادياً. الله سبحانه وتعالى يقول: وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم. وبعدها بايتين: وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. ما لكم؟ يعني سؤال فيه استنهاض للنفس واستنكار لحال من يتخلف عن هذا عن هذا الأمر الذي أمر الله سبحانه وتعالى به.
وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين. ثم ناتي للآية العظيمة الجليلة في أسلوبها، وهي بالنسبة لي من أعظم الآيات في هذه بالنسبة لهذا الأسلوب. قال سبحانه وتعالى بعد أن أمر وبعد أن سأل، قال سبحانه وتعالى بعد ذلك: هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظَّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ. حقيقة هذه من أعذب وأجمل الآيات في كتاب الله عز وجل باستحضار هذا السياق.
أن الله سبحانه وتعالى لما أمر بطاعته، لما أمر بالانقياد له، لما يعني حث الناس على أن يؤمنوا به، الآن يستنهضهم ويعني يذكر لهم رحمته بهم وفضله عليهم. يعني أنا الله سبحانه الله سبحانه وتعالى يقول: أنا الذي أنزلت عليكم الآيات، أنا الذي أخرجكم من الظلمات إلى النور، أنا الرؤوف والرحيم بكم، فما لكم لا تؤمنون؟ هذا من معاني الله سبحانه وتعالى هو الودود، الودود الذي سبحانه وتعالى يتودد إلى أوليائه وهو الغني عنهم.
الله سبحانه وتعالى ليس محتاجاً إلى أحد، لكنه مع ذلك من رحمته ومن فضله ومن نعمته ومن كرمه أنه يذكر يذكر لنا يذكر لنا صفاته الجميلة سبحانه وتعالى، يذكر لنا صفاته الجميلة ويزكر لنا الخير الذي هو متصل ونازل منه سبحانه وتعالى إلينا. الله سبحانه وتعالى هو الذي ينزل على عبده، لاحظوا كيف الله سبحانه وتعالى يعني يحث المؤمنين على على الإيمان، وهذا أسلوب عجيب، أسلوب يرقق القلب: هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظَّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ.
وهذا يذكر يذكرني باسلوب مشابه له في سورة الأحزاب لما قال الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، أمرهم أمراً: يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً سبحوه بكره وأصيلا. ثم قال ماذا في أسلوب مشابه: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظَّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا. نفس هذه الآيات سبحان الله: لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظَّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ.
فالله سبحانه وتعالى هنا تقف في مثل هذه المواضع، تقف وتعلم لماذا سمى الله سبحانه وتعالى كتابه رحمة، سمى كتابه رحمة سبحان الله كتاب يعني هذه تستشعر هنا رحمة الله سبحانه وتعالى، لأن الله سبحانه وتعالى رغم أنه غني عنا إلا أنه رحيم بعباده. وقد جمع الله سبحانه وتعالى وما أعظم هذا الجمع، قال: وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ.
الله سبحانه وتعالى غني عن عباده لا يحتاج إلى أحد ولا يزيد في ملكه أن يؤمن به أحد سبحانه وتعالى، ومع ذلك رغم أنه غني لكنه ذو رحمة سبحانه وتعالى، لكنه ذو رحمة بعباده، فتستشعر لماذا الله سبحانه وتعالى يذكر هذه ينوع بين الأساليب، يصرف الآيات، يذكر صفاته الجميلة سبحانه وتعالى، يمني المؤمنين ويحثهم كي يقتربوا إليه، كل هذا من فضل الله سبحانه وتعالى ورحمته.
فالمعنى الأول معنى العتاب، المعنى الثاني معنى الخشوع والخشية، الخشوع والخشية؛ لأنه قال سبحانه وتعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ. مدار العتاب أنه لماذا لم يخشع هذا القلب لذكر الله؟ ولذلك ليسأل كل واحد منا نفسه: هل علاقتي الأساسية مع القرآن هي علاقة خشوع وخشية؟
هذا سؤال مهم يسأله الإنسان نفسه، هل أنا علاقتي الأساسية مع القرآن كلما استمعت إلى آية من كتاب الله عز وجل، كلما فتحت المصحف وقرأت وردي، كلما صليت صلاة فقرات فيها آيات، كل ما تعرضت للوحي، هل المعنى الأساسي هل المعنى الأساسي والتعريف الأساسي بيني وبين الوحي هو هو أن أن يخشع قلبي لهذا الذكر؟
أن يخشع قلبي لذكر الله سبحانه وتعالى وما نزل من الحق؟ خشوع القلب، خشوع القلب معنى الخشوع والخشية فيه معنى معنى الفقه في في آيات الله سبحانه وتعالى، لا يمكن أن الإنسان يصل لهذا المعنى بمجرد أنه يقرأ الكلمات، يعني إنسان حظه من ورده أنه فقط يقرأ يقرأ الألفاظ فقط، يقرأ الألفاظ، نعم، لا نقول إن هذا الحمد لله خير وإن شاء الله فيه حسنات، لكن هل تتوقع إنسان يفتح القرآن ويقرا الألفاظ لا يفرق بين وعيد وبين بين وعد ووعيد وبين نار وجنة وبين ذكر كذا، لا يفرق بين المعاني، هل تتوقع أن هذا لما يقرأ الآيات يخشع قلبه لذكر الله عز وجل أم أن الإنسان الذي يتدبر في الآيات فلما تأتي آيات الوعيد يستعيذ بالله سبحانه وتعالى، ولما تأتي آيات الجنة يسال الله سبحانه وتعالى من فضله، ولما تأتي الصفات يعني يكون أرغب الناس فيها، وللما يأتي ذكر الله عز وجل وصفاته يكون يقع في قلبه تعظيم الله سبحانه وتعالى؟ هذا جدير به أن يخشع قلبه لذكر الله.
لذلك نقول يا جماعة لا يكن حظنا في التعرض لآيات الله عز وجل أنه مجرد أنه نقرا أو مجرد نحفظ، أنا يعني عندي ورد والحمد لله أقرأ نص ساعة وكذا، لكن نصيبي فقط أنه مجرد حفظ ما في تدبر في الآيات، ما أفرق فرق بين المعاني. هنا هنا أنت جدير بهذا العتاب، بهذا العتاب من الله: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ. يجب أن يجب، ليس أمر كمالي، يجب أن تكون علاقتنا مع القرآن علاقة خشوع وخشية.
أن تنزل المعاني على القلب فتورثنا هذه الخشوع وهذه الخشية كما كما ذكرنا في الآية: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثم تلين جلودهم وقلوبهم من ماذا؟ من خشية الله. من خشية الله، فالخشوع والخشية، الخشوع والخشية يورث هذا يورث هذه اقشعرار الجلد ولين القلب كما في سورة في سورة الزمر.
هذا الخشوع والخشية هي التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في الآية التي ذكرناها: لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ. فمرة أخرى يجب أن تكون علاقتنا مع الوحي علاقة خشوع وخشية. وهذا لا يتأتى إلا بالتدبر، وتحديداً من أهم مواضيع التدبر النظر في صفات الله عز وجل وفي أفعال الله عز وجل وفي آيات الله عز وجل وفي سنن الله عز وجل.
التي جاءت في القرآن، لأنه ماذا؟ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ. لن نصل إلى الخشية إلا يعني حظنا من الخشية بحظ بقدر حظنا من العلم من العلم، وأعظم العلم هو العلم بالله سبحانه وتعالى الذي يورث خشية لله سبحانه وتعالى، فهذا الأمر الثاني، الخشوع والخشية يجب أن تكون علاقتنا مع القرآن خشوعا وخشية.
طيب، الآن أنا لا أجد هذا في نفسي، أجد صعوبة، أحاول كذا في مشكلة، نقول لا باس، أهم شيء أن الأمر يكون تكون منتبها له وتحاول وتترقى في هذا في هذا السلم في كل مرة، لا باس، كلنا كلنا عندنا نقص، كلنا أحيانا يغفل القلب عندما نقرا، ما في مشكلة، المهم أن الإنسان يظل يحاول ويتذكر دائما ويعود، وما تكون علاقته الدائمة بالقران مجرد قراءة جامدة ما فيها تدبر، ويحاول أن يجعل المعاني تنزل إلى القلب فتلامس هذا القلب، هذا الخشوع والخشية، هذا معنى مهم جدا.
المعنى الثالث والأخير في هذه الآية هو طول الأمد. طول الأمد هذا الذي أشرنا إليه قبل قليل، أنه قال سبحانه وتعالى: وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ. بالمناسبه يا جماعة دائما أو كثيرا كثيرا ما يكون التحذير، كثيرا من أكثر الصفات من أكثر الصفات التي ذكرها الله سبحانه وتعالى على وجه الذنب لأهل الكتاب وحذر الله سبحانه وتعالى أمة محمد صلى الله عليه وسلم من مشابهتهم هي ماذا؟ هي طريقة تعاملهم مع الكتاب. من أهم من أهم الأشياء التي تحذر فيها من التشبه باليهود والنصارى هي كيف تعاملوا مع الكتاب، فلا تتشبه بهم، هذا أولى وأظهر وأهم الأمور التشبه بأهل الكتاب.
نعم، ما نتشبه بهم حتى في الظاهر، ما نتشبه فيهم حتى في الصفات كذا، كل هذا صحيح، لكن هناك مراتب، أعظم المراتب وأهمها هي ما كرره الله سبحانه وتعالى في كتابه كثيرا، أنه كيف تعاملوا مع الكتاب، حرفوا الكتاب ونسوا الكتاب ووضعوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا ونسوا حظا مما ذكروا به إلى آخره، وكل هذا وهم وهم يتلون الكتاب دائما. الله سبحانه وتعالى يذكر أنه كيف تعاملوا مع الكتاب، ومن أراد أن يتوسع في هذا المعنى ليقرا الجزء الأول من سورة البقرة، ليقرا الجزء الأول من سورة البقرة ليرى كيف تعامل أهل الكتاب مع الكتاب، ثم ليحذر، ليحذر في التعامل، هذا من أعظم مظاهر عدم الحذر من التشبه بهم، وهذا من الفقه في الدين، من الفقه في الدين أنك لما تنظر تتفقه كيف تعامل أهل الكتاب مع الكتاب فتكون على النقيض منهم، وحتى المعنى اللي ذكرناه قبل قليل أنه لا يكن حظنا من القرآن مجرد التلاوة، وليكن لنا حظ من التدبر، هذا من صفات أهل الكتاب عكسه، قال: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ، إلا أماني، ذكر المفسرون أنه فقط يتلون الكتاب، ما يعلمون ما فيه.
فلذلك نقول إنه من الفقه في الدين أن ترى صفات أهل الكتاب في تعاملهم مع كتابهم، ثم تحاول أن تكون أبعد الناس عنها. وبالمناسبه، في هناك من أمة محمد صلى الله عليه وسلم من يشابههم في هذه الصفات، من يشابههم في هذه الصفات، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يخلصنا منها وأن ينجينا منها وأن يجعلنا بعض الناس عن صفات أهل الكتاب في تعاملهم مع الكتاب.
طيب الآن، لا يكون الحديث للمؤمنين، يعني لا تتشبهوا أيها المؤمنين باهل الكتاب في هذه الصفة، ما هي؟ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ، فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم، طال عليهم الأمد، ابتعَدوا عن التلبس بمعاني الوحي ومعاني الكتاب الذي أنزل عليهم والخشوع له والخشية له، وابتعَدوا عن العمل به، ابتعَدوا عن هذه المعاني، ابتعَدوا عن العمل بالقران وعن معايشة القرآن وعن اقصد مصاحبه كتابهم، فبالتالي ماذا كانت عقوبتهم وماذا كان مآلهم وماذا كانت يعني نتيجة هذا الأمر الذي فعلوه؟ وهذا فيه تحذير للمؤمنين بالمناسبه، الآية تخاطب المؤمنين ما زالت، قال: فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ، وما أعظمها من عقوبة، كما قال الله سبحانه وتعالى: وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا. قست قلوبهم، تقسو القلوب، وهذا عقوبة من الله سبحانه وتعالى ونتيجة للأفعال، نتيجة لأن إذا ابتعد الإنسان عن الوحي عن القرآن عن التدبر عن معايشة الآيات عن مصاحبة القرآن، إذا ابتعد الإنسان، النتيجة بعد ذلك هي قسوة القلب والعياذ بالله، هذه نتيجة حتمية، هذه نتيجة حتمية.
فهذا أمر أمر عظيم عظيم جدا يجب على الإنسان يجب على الإنسان أن لا أن لا يطول به الأمد بالقران يا جماعة، الأمر خطير، الأمر جدي، نحن لا نقول فقط ليكن لك ورد حتى فقط مثلا يكون لك حسنات كبيرة وهذا هذا صحيح، هذا صحيح، مجرد قراءة آية من القرآن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم أعظم من أن يكون لك، خلِفات، ثلاث آيات خير من ثلاث خِلفات كما قال النبي صلى الله عليه وسلم وهي الناقة العظيمة. فهناك حسنات وهناك ثواب، لكن هناك أيضا أمر خطير، وهو أنك إذا ابتعدت عن الآيات والتدبر وقراءة القرآن، قد تكون النتيجة أن يقسو قلبك وأنت لا تعلم والعياذ بالله، يقسو قلبك وأنت لا تعلم، تجد أن قلبك قاسي بعد لا تستجيب للأمر والنهي مباشرة، لا تنهض روحك مباشرة، لا تكون مسابقا للخيرات، لا تكون مسابقا للخيرات، وهذه المسابقه ذكرها الله سبحانه وتعالى في هذه السورة، سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ.
بعد ذلك: وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ، أحذروا، أحذروا أيها المؤمنون، لا تقسوا قلوبكم فبعد ذلك تحرموا من الخير، تحرم من الخير، تخيل أن قلبك يكون بينه وبين معاني القرآن حجاب، ما تتدبر، ما تستطيع انك تستجيب بسرعة، ما تستطيع، القلب ميت القلب فيه موات يموت بعد ذلك ويقسو، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ. وكثير منهم هذا تحذير، يعني الآية مطلعها عتاب عظيم جليل، ثم بعد ذلك في صدرها وفي آخرها قال الله سبحانه وتعالى التحذير أيضا عظيم من التشبه بأهل الكتاب، التشبه بأهل الكتاب وذكر عاقبة عاقبة عظيمة قد يقع فيها الإنسان، وهو أن يقسو القلب، وما هذا إلا نتيجة عملك لابتعادك عن هذا هذه المادة الملينة كما سميناها للقلب، التي تلين القلب، ثم تلين جلودهم وقلوبهم لذكر الله.
طيب هل هذا يجعلنا نياس؟ هل هذا يجعلنا نرفع الراية البيضاء؟ أنا والله ابتعدت كثيرا، قلبي لا أجد أني كذا، لا أجد أني ابتعدت، والله ما استطيع أن أفعله! سبحان الله، انظروا للآية التالية التي ذكرها الله سبحانه وتعالى وما أجملها بعد الآية الأولى، وما أجملها بعد الآية الأولى، بعد أن قال قست قلوبهم، فيخاف القلب من هذه اللفظة ويخاف أن يكون قد قسى قلبه ويخاف أن يكون قد مات قلبه وما فيه حياة، قال بعد ذلك سبحانه وتعالى: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا. ما أجمل هذه الآية بعد الآية السابقة! واظنكم ربطتم هذا المعنى بالمعنى السابق كما ربطه المفسرون، قالوا إن الله سبحانه وتعالى من أعظم ما يستفاد من هذه الآية، أنه كما أنه سبحانه وتعالى يحيي الأرض بعد موتها، فهو سبحانه المحيي، هو الذي يحيي القلوب بعد موتها كذلك ويلينها بعد قسوتها ويجعلها خاشعة لذكر الله سبحانه وتعالى بعد أن كانت معرضة.
فلا يياس أحد ويقول: قسى قلبي ومات قلبي وكذا وكذا، ما في هذا، ما دمت تعيش في هذه الحياة الدنيا، ما دمت تعيش في هذه الحياة الدنيا فالفرصة موجودة، والله سبحانه وتعالى قريب مجيب يسمع ويرى، وهو الذي يحيي ولا يزال يحيي، كما أنه يحيي الأرض وتراها أمام عينيك تموت وتحيا وتموت وتحيا بالمطر، فلا يزال هذا القلب كذلك، الله سبحانه وتعالى لا يزال يحيي القلوب بالغيث الذي هو غيث غيث القلوب، وهو الوحي، غيث القلوب، وكثيرا ما يذكر الله سبحانه يشبه الله سبحانه وتعالى الوحي بالغيث، كثيرا ما يشبه الله سبحانه وتعالى الوحي بالغيث في كتاب الله سبحانه وتعالى، وحتى في السنة. فاعلموا، لا تياسوا، لا تقنطوا، اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا.
اعلموا، هذه الآية تفتح أبواباً من الرجاء وأبواباً من المحبة لله سبحانه وتعالى ومن التعلق به، وأنه مهما كان قلبك قاسياً -يعني مهما كان القلب قاسياً- فلا تيأس. واعلم أن الله... اعلموا يا جماعة، اعلموا، اعلموا تدل على أن هذا باب من أبواب العلم بالله سبحانه وتعالى: اعلموا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ.
قد بينا لكم الآيات! سبحان الله، بعد كل هذا التصريف وأنا ما أتيت بكل الآيات، حتى من بداية السورة وإلا هناك تصريف كثير كله غايته أن يستقر الإيمان في القلب. قد بينا لكم الآيات، أي والله قد بين الله الآيات وقد وضحها، وقد صرف الأساليب والآيات وقد فصل سبحانه وتعالى: قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. ثم بعدها بايتين قال سبحانه وتعالى: اعلموا بعد ذلك.
كما قلنا هذه الآية فيها أوامر إلهية: اعملوا، أنفقوا، اعلموا. ثم بعدها: سابقوا. فيها أوامر: اعلموا يا أيها المؤمنون، بعد أن صار الحديث متوجهاً للمؤمنين: ولا تكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل. ثم بعد ذلك قال ماذا؟ اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً، وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور. هذه الآية من الآيات حقيقة التي تلخص مشهد الحياة الدنيا.
تلخص مشهد الحياة الدنيا هذه الحياة الدنيا التي -يعني- قضينا غالب ما فيها، وقضينا غالب أوقاتنا نتفاخر وتكاثر في الأموال والأولاد، وبين اللعب وبين الزينة والتكاثر في هذه الأشياء؛ هذه الله سبحانه وتعالى انظر كيف يذكرها هنا على وجه التحقير وعلى وجه التقليل، وعلى وجه أنه هذا... ثم بعد ذلك ضرب المثل. وكما ذكرنا في درس سابق أن الله سبحانه وتعالى -يا جماعة- لما يضرب مثلاً... الله سبحانه وتعالى لما يضرب مثلاً، هنا توقف! توقف لما الله سبحانه وتعالى يضرب لك مثلاً، لأنه هذا محل عناية إلهية، محل عناية إلهية. أنت الآن لما تتحدث، تتحدث لصاحبك أو تتحدث لأخيك أو تتحدث... هل في حديثك العادي تضرب أمثلة؟
في الحديث العادي الإنسان ما يضرب مثل، متى يضرب مثل؟ لما تكون هناك عناية منك في إيصال المعنى، وحرصاً منك على الآخر، وأنه هذا المعنى مهم جداً تريد أن يصل فعلاً للآخر. فالله سبحانه وتعالى في عليائه وهو العلي سبحانه وتعالى وهو الغني سبحانه وتعالى، ومع ذلك من رحمته يضرب الأمثال، يضرب الأمثال، انظر إلى عنايته سبحانه وتعالى بخلقه، انظر إلى رحمته، فعلاً هذا القرآن هو أعظم تمثلات الرحمة الإالهية: الرَّحْمَٰنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ. فهنا الله سبحانه وتعالى في عليائه يضرب مثلاً، الله سبحانه وتعالى يضرب لنا مثلاً مع أنه قالها بصريح العبارة قبلها: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ. ما اكتفى بذلك سبحانه وتعالى، من رحمته بل ضرب لنا مثلاً.
فانظر كيف رحمة الله سبحانه وتعالى: كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً. انتهت الحياة الدنيا! هذا... هذه خلاصة الحياة الدنيا، خلاصة الحياة الدنيا، خلاصة الحياة الدنيا هي في هذا المثل. انظر كيف ينزل المطر، تنزل... يعني تصعد، تصعد وتنبت بعض النباتات، ترى فيها بهجة، ترى فيها حركة، ترى فيها ألوان، ترى فيها كذا، وما هي إلا لحظات وما هي إلا... يعني فترة، ثم بعد ذلك يهيج فتراه مصفرّاً، فهذه النظرة وهذه الألوان وهذه الحياة تصبح جافة وتصبح النباتات يابسة، ثم تكون حطاماً بعد ذلك، ثم تكون حطاماً بعد ذلك، وكأنه... كأن هذا المكان كأنه لم يغن بالأمس، كأنه لم يغن بالأمس! انتهت الحياة، كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ.
تذروه الرياح، انتهى كل شيء، انتهت الحياة الدنيا! ما الحياة الدنيا وتفاخرنا وتكاثرنا؟ ما الحياة الدنيا كلها إلا كمثل هذا المشهد الذي تراه في حياتك، مشهد سريع، اليوم طلعت نبتتين وبعدها جفت وانتهت القصة. هذه هي الحياة الدنيا. ثم ذكر سبحانه وتعالى الحقائق، لما ذكر الأشياء الزائلة، ذكر المتاع الذي يزول، ذكر الحقائق الدائمة. قال ماذا؟ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ. وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان. هذا الحق، هذه الحقائق، هذا الذي يجب أن نعتني به، ليس اللعب واللهو والزينة والتفاخر والتكاثر؛ هذيك لا شيء، هذيك ستطير -يعني- كما يطير النبات اليابس بالرياح في الرياح. الحقيقة هي: وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ. هذا الذي يجب أن يكون نصب العين، هذا الذي يجب أن تفنى الأعمار في العمل من أجله، الآخرة! وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ.
وما الحياة الدنيا... تشعر أن هذه الآية كأنها الستارة التي تسدل بعد نهاية المشهد: وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ. هذا... هذه حقيقة الحياة الدنيا. وفي قول الله: اعلموا في أول الآية، يدل على أن هذا هو العلم. هذا هو العلم يا جماعة، العلم ليس مجرد متون وكذا وأشياء تحفظها وأشياء، نعم كل هذا من العلم، لكن هناك من على رأس العلم، على رأس قائمة العلم البصير في شأن الدنيا والآخرة. على رأس شأن العلم البصير في شأن الدنيا والآخرة.
لذلك الله سبحانه وتعالى في أصحاب قارون، لما قال الذين يريدون الحياة الدنيا: يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ. هذول اللي يريدون الحياة الدنيا، ثم قال الله سبحانه وتعالى: وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ. لما علموا أن الآخرة هي الحق وما اغتروا بالدنيا، سماهم الله أوتوا العلم، أصحاب علم، أصحاب علم لأنهم لهم بصيرة في الدنيا والآخرة، لهم بصيرة في الدنيا والآخرة. هذا علم، هذا لا... حتى لو ما سماه الناس علماً، لو ما قال الناس: انظروا إلى العالم، انظروا إلى كذا، مجرد أنك تعلم بحقيقة الدنيا وتعطيها حقها وتحقرها، وتعلم بالاخره وتوليها أولوية؛ هذا علم.
لذلك الله سبحانه وتعالى قال ماذا؟ قال: فَأَعْرِضْ عَمَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا. الذي لم يرد إلا الحياة الدنيا، ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ. الذي لم يرد... الذي لم يرد إلا الحياة الدنيا، ذلك مبلغهم من العلم، ما عندهم علم. كما قال الله سبحانه وتعالى أيضاً ماذا قال: وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. طالما أن علمك محصور في الحياة الدنيا ظاهراً من الحياة الدنيا -والله هذه ظاهرة في الحياة الدنيا اسميها علوم المتقدمة التي وصل لها الإنسان وكذا- طالما أن الإنسان ما وصل إلى أن يعلم بالآخرة ويتبصر بها، فلا يعلمون، سماهم الله لا يعلمون. وهنا قال: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا، هذا باب من أبواب العلم بالله سبحانه وتعالى.
طيب، أخيراً... أخيراً آخر ما نختم به لقائنا هي هذه الآية الأخيرة. بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى موارد الإيمان للقلب فعاتب، وثم أولاً ذكر صفاته سبحانه وتعالى وأسماءه، ثم أمر، ثم عاتب، ثم سأل، ثم كذا، ثم بين حقيقه الدنيا والآخرة، بعد ذلك الآن قال ماذا؟ قال: سابقوا! وهذا يدل على أن العلم السابق الذي ذكرناه يجب أن يتبعه عمل، هو يورث... يورث عملاً هذا العلم، هذا العلم الحقيقي، العلم الحقيقي الذي يورث عملاً. بعد أن تعلم، تكون مسابقاً! ولا يمكن على الإنسان أنه يعلم حقيقة الحياة الدنيا ويستقر الإيمان في قلبه ويخشع قلبه لذكر الله وما نزل من الحق ويعظم الله سبحانه وتعالى ثم بعد ذلك لا يعمل ولا يكون مسابقاً للخيرات، لا يمكن. الإيمان يجب أن يورث عملاً، الإيمان يجب أن يورث عملاً. قال: سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَٰلِكَ.
فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، والله ذو الفضل العظيم. فالخلاصة يا جماعة الخلاصة، بعد كل موارد الإيمان التي ترد إلى القلب من العلم بالله سبحانه وتعالى ومن التعرض للوحي، ومن معرفة حقيقة الدنيا والآخرة، ومن كل هذه الموارد الإيمان التي تستقر في القلب، يجب أن تترجم إلى عمل ومسابقة إلى الله سبحانه وتعالى ومسارعة إلى الخيرات.
هذه النتيجة التي يجب أن تصل لها، وما يكفي الإنسان يقول أنا مؤمن وأنا كذا وأنا كذا وأنا الحمد لله أعرف وأعرف الأسماء والصفات وأعرف كذا وما في مسابقه وما في عمل وما في مسارعة؛ لأنه هذه النتيجة التي يجب أن تصل لها، ولذلك أمر الله سبحانه وتعالى بها.
فسبحان الله هذه السورة عظيمة وهذه السورة جليلة وهذه السورة ترقق القلب فعلا لله سبحانه وتعالى، وتجعل القلب يمتلئ بمعاني الإيمان، وما ورد فيها أيضا من المعاني التي لم نذكرها من معاني البشريات والنور الذي يكون للمؤمنين كما في هذه السورة.
ولكن حسبنا أنه هذه المعاني التي ذكرناها إن شاء الله فيها خير، وحسبنا أننا نطلب العمل بها، ففي العمل بالقليل بإذن الله نفعا وخيرا وباركا. نسأل الله أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يهتدون بكتاب الله سبحانه وتعالى، وأن نكون ممن يخشون ربهم ويخشعون لذكر الله وما نزل من الحق، وأن نكون ممن إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، ممن يكونوا إذا ذكر الله وجلت قلوبهم.
سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك. جزاكم الله خيرا على هذا الحضور، أسأل الله أن ينفع بهذه الأوقات وأن يبارك فيها، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.