بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أمين. اللهم انفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وارحمنا برحمتك. اللهم اعف عنا بعفوك، واكرمنا بكرمك. نسأل الله العلي العظيم أن يجعل هذا من المجالس الطيبة المباركة التي نجتمع فيها حول آيات القرآن، ونهتدي بهداياته، ونزداد بها إيمانا وهدى وبصيرة وثباتا بإذنه وحوله وقوته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وهنيئا لكم يا من أتيتم إلى موائد القرآن وإلى هدايات القرآن، هنيئا لكم؛ ففي هذا القرآن الهداية. في هذا القرآن يعني أعظم مطلوب للإنسان، وهو الهداية، كما قال الله سبحانه وتعالى عن هذا القرآن: هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ. وهدى للمؤمنين. وهدى وبشرى للمسلمين. وقال عن النبي صلى الله عليه وسلم: وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي.
اليوم بإذن الله سنتكلم عن هذه الآيات في كتاب الله عز وجل، هذه الآيات العظيمة في سورة السجدة التي فيها هذا العنوان: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ. سنأخذ مقطعا يعني سوره السجدة من السور العظام، السور التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من قراءتها. كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من قراءة سورة السجدة. والسور التي كان يكثر النبي صلى الله عليه وسلم من قراءتها، يعني لها مكانة خاصة في النفس، لها مكانة خاصة في النفس، وكأنك تقراها بعد ذلك وتول: لماذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من قراءتها؟ وما هي أوجه ال يعني كان الإنسان يتلمس أنه ما هي الأوجه التي كان يتلمسها النبي صلى الله عليه وسلم ويكرر السورة من أجلها؟ فهناك مزية خاصة لهذه السور التي كان يكررها النبي صلى الله عليه وسلم، وأكيد العناية تكون بكل القرآن على كل حال. من هذه السور سورة السجدة؛ كان يقراها صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر من يوم الجمعة مع سورة الإنسان.
فهذه السورة، سورة حقيقة على أنها ثلاثة أوجه، إلا أن فيها من الخير وفيها من الهدايات وفيها من العظمة الشيء الكبير والشيء العظيم، وفيها منهج عقدي عظيم، وفيها تناول للفريقين؛ الفريق المؤمن والكافر، كحال كثير من السور المكية. على كل حال، لن نتكلم اليوم عن كل السورة، وإنما سنتناول ثلاث آيات في قلب هذه السورة، ثلاث آيات هي قلب هذه السورة في منتصفها. وهذه السجدة من اسمها فيها سجده، هذه السجدة في منتصف هذه السورة تحديدا بعد صفحة ونصف، وهذه الآيات تأتي كما ذكرنا في معاني عظيمة جدا ومعاني جليلة، سنقف مع بعضها باذن الله عز وجل اليوم، ونرى شيئا من أوجه هذه الهدايات التي كانت في هذه الآيات التي كان يقراها النبي صلى الله عليه وسلم.
هذه الآيات يقول الله سبحانه وتعالى: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبَرُونَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِي لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.
طيب، سنتحدث أولا عن بداية هذه الآيات الثلاث؛ قول الله سبحانه وتعالى: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا، يعني هذا المقطع أصلا يتحدث عن المؤمنين. هذا المقطع يتحدث عن المؤمنين، لكن حتى ندخل إلى هذا المقطع نتذكر، نتذكر من بداية السورة كيف بدأت السورة؛ بدأت السورة بالحديث عن الكافرين. والشوط الأول من السورة كله كان يتحدث عن الكافرين، وهذه أول آيات تتحدث عن المؤمنين. لكن من الأشياء الملفتة، من الأشياء الملفتة أن أول ما ذكر به الكافرون هو موقفهم من الآيات، وأول ما ذكر به المؤمنون هو موقفهم من الآيات كذلك. فقال في بداية السورة: الم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ. هذا الحديث عن الآيات وعن القرآن. قال: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ. وهذا مدخل عجيب في أول السورة أنه بدأ من هذه الدعوة الظالمة؛ دعوة الافتراء؛ أنهم يقولون عن هذه الآيات وهذا القرآن أنهم افترى أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هو الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ، إلى أن يعني ذكرت عدة آيات في الرد عليهم وفي تقرير العقيدة الصحيحة وفي التعريف بالله سبحانه وتعالى الذي أنزل هذا الكتاب. فهذا أول ما عرف به الكافرون: أنهم قالوا عن هذا الـ قالوا عن هذا القرآن افْتَرَاهُ، قالوا عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه افترى هذا القرآن. هذه بداية السورة.
وكذلك بعد ذلك، بعد كل هذه الآيات التي تتحدث عن الكافرين، كان أول مدخل في الحديث عن المؤمنين بعد أن فرغ الحديث عن الكافرين قال: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا. فكان أول ما عرفوا به أيضا الموقف من الآيات، والحديث عن الآيات، وإيمانهم بهذه الآيات. وكأنه من هذين المدخلين؛ الحديث عن الفريق المؤمن والحديث عن الفريق الكافر، كلاهما ابتدا الحديث عنهما بالموقف من الآيات، وكأنه هذا هو أهم ما اختص به كل فريق، وهذه أهم صفة وأهم خصيصة لديهم، وأن الموقف من الآيات هو ما يفرق به الإنسان موقفه عند الله عز وجل. فمقامك عند الله عز وجل هو موقفك من الآيات، مقامك عند الله هو موقفك من هذه الآيات، موقفك من القرآن. الله سبحانه وتعالى أول ما يعرفك به هو: هل أنت تكفر بالايات أم تؤمن بالآيات؟ ثم بعد ذلك تاتي الصفات وتاتي التفاصيل.
فموقف الإنسان من الآيات، موقف الإنسان من الآيات هذا ليس بأمر سهل، ليس بأمر بسيط، هذا هو مقامك وتعريفك عند الله عز وجل، حتى بالنسبة للفريق المؤمن؛ فرق بين من يؤمن بأن هذا القرآن من عند الله إيمانا مجملا، وبين من أيقن بهذه الحقيقة أن هذا القرآن هو الحق من الله سبحانه وتعالى، هو الحق من عند الله عز وجل، فأيقن أن فيه الهدى، وأيقن أن فيه البصائر وفيه الأنوار، فقضى حياته بين هداياته يتلو ويقرا ويستهدي ويتدارس ويصلي به. هذا يعني هذا هو مقامك عند الله عز وجل: موقفك من الآيات. وبعد ذلك عملك وفق ذلك الموقف هو ما يرفعك عند الله سبحانه وتعالى أو ما يضعك عنده سبحانه وتعالى.
وايضا هذا يدل على أن الذي يفرق بين الناس، يعني كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب، فالقران الموقف من القرآن الإنسان قد يكون جاهلا، لكن إذا جاءت الآيات هنا يفترق الناس، كما قال الله سبحانه وتعالى قال اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ. فالله سبحانه وتعالى أنزل البشرية على الأرض وقال: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فهذا الذي يفرق بين الناس، هذا الذي يفرق بين الناس هو الموقف من هذه الآيات. وهذا المعنى الفائدة منه أن تجعلنا نتمسك بهذا القرآن، ويكون موقفنا منه موقفا فيه يقين بالإيمان وإكثار من العمل. ولذلك كل الصفات التالية: الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبَرُونَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، هذه كلها جاءت فرعا عن الحديث عن من هم الذين يؤمنون بالآيات، من هم الذين يؤمنون بالآيات؛ فالعنوان الأكبر الصفة العظمى هي الإيمان بالآيات، ثم ذكر الله سبحانه وتعالى التفاصيل.
فهذا أولا: الموقف من الآيات. الموقف من الآيات هو مقامك عند الله، وهو ما يعني يتفرق به الناس.
النقطة الثانية: قال الله سبحانه وتعالى: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا. يعني قبل أن قبل أن يعني ندخل إلى هذه الجمله ذكر الآيات في هذه السورة، سورة السجدة تحديدا، كثير في هذه السورة الحديث عن الآيات، سواء الآيات الشرعية أو الآيات القرآنية أو الآيات الكونية، كما في هذا المقطع وكما في بعده كذلك: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَأَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ، وكانوا باياتنا يوقنون، أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ إلى آخر كثير ذكر الآيات، وكثير هناك ذكرى اليقين، اليقين الإيمان بالآيات واليقين بها.
من أبرز ملامح هذه السورة، طيب، قول الله سبحانه وتعالى: الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا. هنا تأتي لمعنى عظيم في كتاب الله عز وجل، معنى عظيم في كتاب الله عز وجل، ما هو هذا المعنى؟
هذا المعنى هو معنى التذكير بالآيات، التذكير بالآيات والتذكر بها. هؤلاء الذين وصفهم الله سبحانه وتعالى وامتدحهم الله سبحانه وتعالى، من صفتهم أنهم إذا ذكروا بالآيات كان من شأنهم كذا وكذا، أنهم خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم. هناك أحد ذكرهم بهذه الآيات، وهنا يعني يبرز لنا شيء من الدين، شيء من شرائع هذا الدين، هو التذكير بهذه الآيات. هذه الآيات من أوجب ما يتوجب علينا أن نذكر بها الناس وأن نتذكر بها إذا ذكرنا. ففكرة أن الإنسان يذكر بالآيات، يجب أن يكون هناك من يذكر، يجب أن يكون هناك من يتلو الآيات. هذه كانت وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم، أنزله الله سبحانه وتعالى لماذا؟ قال: وَيَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ.
يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا، هذا من أول الأدوار النبوية. كان النبي صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي، كان يسير بين الناس فلا يجد أحدا كي يدعوه إلى هذا الدين إلا يتلو عليه الآيات، كان يتلو الآيات. تلاوة الآيات عبادة عظيمة ومقام من اعظم مقامات الدعوة إلى الله، من أعظم مقامات الدعوة إلى الله هي تلاوة الآيات تذكير الناس بالآيات.
بعد ذلك يحصل، إما المؤمنون إما أن يعني يتذكروا ويؤمنوا، والكافرون إما أن يعرضوا، كما قال في نفس السورة، قال: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا. ولاحظوا ذكر بآيات ربه، يعني هناك أحد ذكره، وحتى المؤمنون إذا ذكروا بها خروا سجدا. فنحن نحتاج إلى إحياء هذه العبادة، عبادة التذكير بالآيات. يجب أن نتلو الآيات في كل مكان، أن نتلو الآيات في المجالس، أن نتلو الآيات في بيوتنا. والحمد لله الذي من علينا اليوم بنعمه يعني تشغيل المقاطع، أنت تستطيع أن تتذكر بأن تجعل من يذكرك بالآيات في كل وقت وفي كل حين، وحتى أنت مستلق على سريرك، بل وتختار القارئ الذي يؤثر في نفسك، بل وربما يكون هذا القارئ قد توفاه الله سبحانه وتعالى، فهذه نعمة عظيمة ما كانت حتى موجودة لمن قبلنا.
ومن قبلنا ماذا كانوا يفعلون؟ قالوا: كانوا يجلسون المجالس فيتلون على بعضهم الآيات. بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يسمع هذا القرآن من غيره، يحب أن يسمع هذا القرآن من غيره، فكان أحيانا إذا مر في بعض الطرقات وسمع التلاوة كان يستمع لها، بل كان أحيانا يقول يعني لبعض الصحابة: اقرأ علي، كما في كثير من القصص المعروفة، فكانوا يقرؤون عليه القرآن. ولذلك يا جماعة، التماس مع القرآن ليس فقط تلاوة القرآن بالنسبة لنا، بل سماع القرآن كذلك، سماع القرآن. وأنا يعني أقول إن هناك منفذا للروح لا تصل إليه المعاني إلا بالسماع، السماع أحيانا يؤثر في النفس تأثيرا لا يتحقق بمجرد تلاوتك أنت للايات، فيجب على الإنسان أن يجمع بين هذين المقامين، كان النبي صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن وكان يستمع إلى القرآن، كان يستمع إلى القرآن.
ولذلك كثيرا ما تجد في القرآن: إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا، إذاً كثيرا ما يأتي هذا يدل على أن تلاوة الآيات من أعظم ما حدث في إحياء هذه الرسالة، من أعظم ما حدث وهي تلاوة الآيات. وهذا من أكثر ما يذكر به يوم القيامة. يوم القيامة الله سبحانه وتعالى يقول: أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ، ويقول: قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ، أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ، إلى آخر الآيات. فتلاوة الآيات والتذكير بها هذا نحتاجه، نحتاجه اليوم من أشد ما نحتاجه، أن نذكر نحن نذكر الآخرين ونتلو الآيات وأيضا نحن نتذكر إذا ذكرنا بالآيات.
الجملة الثالثة: يقول الله سبحانه وتعالى، ما موقف أولئك الممتدحين؟ ما موقفهم؟ قال: خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ. هذا موقف عجيب، هذا موقف عجيب وهو الموقف من الآيات، وهذه من رحمة الله عز وجل، يعني الله سبحانه وتعالى يزودنا بالآيات ويقول لنا إن موقفكم من الآيات هو أهم شيء كما ذكرنا أولا. ثم إذا اقتنع الإنسان بذلك، فربما يقول: فما المطلوب مني؟ ما المطلوب مني أن أفعله حيال هذه الآيات التي تتلى علي؟ وهنا من نعمة الله عز وجل أن يذكر لنا ما هي الحالة المثلى في التفاعل مع القرآن، وكيف كان أولياء الله وأنبياء الله يتفاعلون مع هذا القرآن.
فقال الله سبحانه وتعالى: خروا سجدا أولا. وهذه تحديدا هذه وردت عن أنبياء الله في سورة مريم، قال الله سبحانه وتعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا. وقال سبحانه وتعالى في آخر سورة الإسراء، قال: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخَرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا. لاحظوا كيف عدة مرات ذكرت: يَخَرُّونَ سُجَّدًا. وهذه الثلاثة مواضع كلها فيها سجود لله عز وجل، يخرون للأذقان سجدا، ويقولون: سُبْحَانَ رَبِّنَا. تسبيح أيضا هنا ورد في الإسراء وورد في السجدة: إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا، ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا.
وأيضا ذكر البكاء في أكثر من موقف، وعموما الموقف من القرآن موجود في كثير من الآيات، على سبيل المثال: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ. لاحظ، لاحظ كيف الله سبحانه وتعالى يصف ما الموقف من القرآن؟ قال: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ. شيء عجيب! تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله. فهذا التفاعل وقال سبحانه: وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا. أقول: هذا التفاعل مع القرآن من نعمة الله أن ذكره الله، ذكر الله لنا كيف يحب لنا أن نتفاعل مع القرآن، كي نجعلها حالة مثلى نسير إليها و يعني نحاول أن نبتغي نصل إليها باذن الله عز وجل.
خروا سجدا، هذه يعني كلمة هي نعم كلمتين لكن هي وراءها معاني ومعاني عميقة. لا يصل الإنسان إلى هذه الحالة بمجرد الكلمات، ولا بمجرد الأماني، ولا بمجرد يعني معلومات نظرية معينة يعرفها. تخيل إنسان تتلو عليه كلاما، تقول له كلمات فيخر إلى الأرض ساجدا لله عز وجل، يخر لله سبحانه وتعالى ساجدا لله عز وجل. يعني الانسان يتساءل: ما الذي فعلته هذه الآيات في نفسه؟ ما الذي فعلته هذه الآيات؟ كيف يخر إلى الأرض خشوعا وخضوعا وانقيادا وتذللا وعبودية لله عز وجل؟ كيف نزلت حقائق القرآن على أولئك أولياء الله سبحانه وتعالى؟ وهذه حالة عجيبة نسأل الله سبحانه وتعالى نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على بلوغها، أن الإنسان إذا استمع إلى الآيات يخر قلبه ساجدا لله سبحانه وتعالى قبل بدنه. هذه الكلمه فيها معنى الانقياد، وفيها معنى الخضوع، وفيها معنى التذلل، وفيها معنى معرفة الحق.
معرفة الحق كما قال سبحانه وتعالى: وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّنْ عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ. لاحظوا كيف لما عرفوا الحق، لما عرفوا الحق، لما عرفوا أن هذا كلام الله عز وجل تكلم به سبحانه من فوق سبع سماوات ونزل لنا وفيه الحق وفيه الهداية، هذه المعلومة ليست مجرد معلومة معرفية، هذا أمر ثقيل على النفس أن تقرأ.
كلام الله أن تعلم أنه الحقيقة من الله عز وجل، وأن فيه الهدى من الله سبحانه وتعالى. لذلك قال ايش: تَفِيضُ أَعْيُنُهُمْ، تفيض من الدمع، ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق، معرفة الحق هي من أعظم ما يؤدي إلى هذا الإخبات والسجود، معرفة الحق من أعظم ما يؤدي إلى هذا الس لذلك.
من يعني كقاعدة أنا مؤمن بها، أنه من أعظم ما يعين على التأثر بالقرآن، على تدبر القرآن، على الاستفادة من القرآن، على الاستهداء بالقرآن؛ أن تتذكر أنه كلام الله. أن تتذكر أنه كلام الله، تذكر هذه المعلومة يغير كل الإعدادات بداخلك، فتتفاعل مع هذا هذه الكلمات ليس كأنها مجرد كلام فيه بركة، أو كلام فيه هداية، لا، قبل ذلك هو كلام الله عز وجل.
قبل ذلك هو كلام الله، أتدري ما الله عز وجل؟ أتدري ما الله عز وجل؟ فإذا علم الإنسان ما الله عز وجل يتفاعل مع كلامه سبحانه سبحانه وتعالى بطريقة مختلفة، فكلمة السر إن صح التعبير هي معرفة أنه الحق من الله. وبذلك وبذلك ابتدأت هذه السورة، قال: الم تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ. هذه هي الحقيقة، لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ، أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ.
كلمة الحق من ربك هذه تكررت في القرآن كثيراً وهي هي هذه التي عليها المعول؛ أن تعلم أنه الحق، وأن تعلم أنه من الله عز وجل. لذلك قال الله سبحانه وتعالى في سورة الحج: وَليَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ.
هذه خطوة رقم واحد، فيؤمن به، فتخبت له قلوبهم.
فتخبت له قلوبهم. فأولاً من أراد أراد إلى أن يصل، من أراد أن يصل إلى هذه المرحلة أن يخر لله ساجداً ويتفاعل قلبه مع هذا القرآن، فل فليزد فليزد يقينه بحقيقة هذا الوحي وأنه من الله عز وجل. قال بعد ذلك: وَسَبِّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ، وَسَبِّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ، وهذا التسبيح، هذا التسبيح فيه معنى التعظيم.
فيه معنى التعظيم، يعني إذا كان المعنى الأول فيه معنى المعرفة، معرفة أنه الحق، ومعنى العبودية، ومعنى الانقياد، فهذه فيها معنى التعظيم. التسبيح، هذا القرآن يجعلك تسبح بجلال الله سبحانه وتعالى، وتعظم الله سبحانه وتعالى، وتكبر الله سبحانه وتعالى. كيف لا، كيف لا وفيه ما فيه من صفة الله عز وجل؟
وفيه ما فيه من مثل الله الأعلى سبحانه وتعالى، وفيه ما فيه من أسماء الله سبحانه وتعالى ذي الجلال والإكرام.
هذا القرآن فيه ما فيه من التحدث عن عن صفة الله عز وجل، كيف لا يسبح الإنسان ربه إذا قرأ القرآن؟
كيف لا يسبح الإنسان ربه إذا قرأ القرآن؟ تسبيح الله عز وجل هو من أعظم من أعظم ثمرات التعرض للقران. أنت إذا سمعت القرآن من قارئ يحبه قلبك، وكان قلبك صافياً، ذهنك صافياً، وقلبك خاشعاً، فأنت تخرج وأنت معظم لله عز وجل، معظم لله عز وجل وخاشع لله عز وجل.
لذلك كما ذكرنا في الآيات إيه قول الله سبحانه وتعالى: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّولِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا.
إن كان وعد ربنا لمفعولاً. أ فلذلك الإنسان إذا أقبل على مجالس القرآن، على مجالس القرآن، على مجالس الاستهداء بالقرآن، على مجالس تلاوة القرآن، إذا قرأ بنفسه أو قرأ مع أصحابه ليحمل بين جنبيه هذا التعظيم، ليحمل بين جنبيه هذا التعظيم؛ يعظم الله، يستشعر أنه جالس بين يدي الله سبحانه وتعالى يقرا كلام الله عز وجل.
فهو يعظم الله، دعاءً، وكذلك بعد ذلك يزيده القرآن تعظيماً لله عز وجل. ثم قال سبحانه وتعالى: وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ.
قال سبحانه وتعالى: وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ. هؤلاء الذين كان من صفاتهم أنهم إذا ذكروا بآيات الله سجداً وسبحوا بحمد ربهم، هؤلاء الذين يؤمنون بالآيات من أهم صفاتهم من أهم صفاتهم أنهم لا يستكبرون.
لماذا لماذا لا يستكبرون؟ لأن الذي يستكبر، الذي يستكبر يجعل موانع بينه وبين رؤية الحق. نحن ذكرنا أنه أهم ما يوصلك لهذه الحالة هو التعرض للحق ومعرفة الحق، فالذي يستكبر لا يرى الحق، لماذا؟ لأن الاستكبار هذا من أهواء النفوس. الاستكبار من أهواء النفوس، والإنسا ن إذا اتبع هوى نفسه فقد خرج من الحق، كما قال الله سبحانه وتعالى: وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ.
فلذلك الله سبحانه وتعالى يقول: لا، هؤلاء لا يستكبرون، لذلك رأوا الحق، كما قال الله سبحانه وتعالى في سورة الأعراف عن المستكبرين، ماذا قال؟ قال: سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا. لماذا؟ لماذا كل ذلك؟
لأنهم لأنهم تكبروا، لأنهم استكبروا. هذا القرآن يجب أن تدخله أن تدخله بنية أنك عبد ضعيف، وأنك عبد ذليل لله سبحانه وتعالى، وأنك لا تملك شيئاً إلا ما يعطيك الله، وأنك لا تملك علماً ولا فقهاً إلا ما يعلمك الله، فلا تستقل بعلمك ولا تستقل بفهمك، ولا تتكبر عن الآيات، ولا تجعل القرآن ينزل لديك نزول نزول أصحاب الأهواء.
كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمُ اسْتَكْبَرُوا.
استكبروا ليش؟ لأنهم لا تهوى لا تهوى أنفسهم، وهذه من الأمور الخطيرة. ما هي؟ أنك تقرا القرآن، فالجوانب التي تعجبك تعمل بها، والجوانب التي لا تعجبك تعرض عنها. نحن لا نقول الإنسان الذي يحاول ولا يستطيع أو يخطئ أو كذا، لا، نقول الذي يعرض يعني يقرأ الآية فيقول: هذه الآية ليست لي.
هذه الآية ليست لي، هذه الآية ربما تخاطب أُناساً آخرين، ربما أنا لا أريد كذا، لا أريد أن أعمل بهذه الآية. هذا الاستكبار عن الآيات، يعني أنت مطلوب منك أن تقول: سمعنا وأطعنا.
كما قال جاء الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم فقالوا له لما أنزلت: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ. نزلت هذه الآية، فجاؤوا للنبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق؛ الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها.
هم الآن ما استكبروا لكن شعروا بصعوبة التطبيق، فماذا قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا واليك المصير. فقالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فانزل الله سبحانه وتعالى الآيتين العظيمتين من آخر سورة البقرة.
أقول من أهم ما يحمله الإنسان في قلبه الخضوع والتذلل للقرآن، والشعور بالفقر والحاجة لهذا القرآن، وعدم الاستكبار، عدم الاستكبار عن مجالس القرآن، عن مجالس الاهتداء بهذه بهذا القرآن، عن أنك تقرا هذا القرآن وتطيل النظر فيه، عن أنك تتلو هذا القرآن آناء الليل وأطراف النهار، عن أنك تشعر بحاجتك فعلاً أنك محتاج، لا تستكبر وتعطي هذه هذا القرآن ظهرك.
قد يقول الإنسان: أنا لست مستكبراً، لكن حاله أو خليه مقال حال مقال حاله أنه معرض عن هذا القرآن مستكبراً عنه، لا يظهر هذا الاحتياج لهذه الهداية.
فلذلك أكثر من يتاثر بهذا القرآن هم الذين يظهرون احتياجهم، يظهرون ضعفهم، يظهرون فقرهم إلى هذه الهدايات وهذا القرآن، ولا يستكبرون ولا يعرضون.
ثم بعد ذلك ذكر الله سبحانه وتعالى حالاً عجيبة من حالهم، لازلنا نتحدث عن من يؤمن بالايات: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا، بعد أن ذكر حالهم إذا ذكروا بالآيات قال يعني في في ذكر صفاتهم وما زال الله سبحانه وتعالى يمتدحهم، وهذا يا جماعة مقام عظيم، مقام عظيم أن الله سبحانه وتعالى يمتدح خلقاً من خلقه، والله هذا عجيب! تجد الله جل في جلاله، جل في جلاله وسبحانه وتعالى في عليائه، وفي عظمته، وفي عزته، وفي كبريائه.
هذا الله سبحانه وتعالى يمتدح هذا الخلق الضعيف، هذا الخلق الذليل، هذا الخلق الذي هو هباءة في مملكته، هذا الخلق على هذه على هذه الأرض هذا.
المخلوق الصغير غير يفعل أفعالاً يحبها الله سبحانه وتعالى فيمتدحه الله عز وجل من فوق سبع سماوات يمتدحه، هذا ليس بأمر يعني الإنسان يتجاوز سريعاً. الله سبحانه وتعالى يقول عن هذا العبد الذي يقوم من سريره ويقف بين يديه ويصلي، يقول: تتجافى جنوبهم عن المضاجع. انظر إلى الامتداح: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ. ثم ذكر ثوابهم بعد ذلك: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِي لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.
يعني الإنسان هنا يتساءل: ما الذي عمله الإنسان؟ ما الذي عمله الإنسان، والإنسان دائماً مقصر في حق الله؟ ومع ذلك، ومع ذلك إذا قام الإنسان مقاماً يحبه الله عز وجل رغم تقصير، إذا قام هذا المقام يمتدحه الله عز وجل. وهو يذكر صفته ويبين حاله، ويبين حال قلبه، ويبين كيف يقوم، وكيف يفعل، وكيف يركع، وكيف يخاف، وكيف يطمع، ويذكر ثوابه ويعد له الثواب. فأي رحمة من الله سبحانه وتعالى، وأي كرم من الله سبحانه وتعالى، وأي معاني يعني تصل إلى النفس عند قراءة مثل هذه الآيات التي يمتدح الله بها خلقاً من خلقه؟
على كل حال يقول سبحانه وتعالى: تتجافى جنوبهم عن المضاجع. تتجافى جنوبهم عن المضاجع، وهذه والله حال عجيبة، هذه حال عجيبة. لا يزال الإنسان كلما قرأ هذا المقطع وأمثاله يستغرب كيف يصل، كيف يصل الإنسان إلى هذه الحالة؟ كيف يصل الإنسان إلى هذه الحالة أنه هذا الإنسان الذي مستلق، الذي هو مستلق في مضجعه، مستلق في مضجعه من الناحية الدنيوية أحب شيء إليه، أحب شيء إليه هو هذا يعني الاستلقاء والتدثر في فراشه وطلب الدفء وطلب النوم؟
ثم بعد ذلك، بعد ذلك كأنه تذكر مولاه وتذكر ذكر ربه عز وجل، تذكر ربه وتذكر الوقوف بين يدي الله عز وجل، فصار هذا المحبوب من الدنيا، هذا الأمر المحبوب من الدنيا أن الإنسان يستمر في نومه، أن الإنسان لا يقوم ويتعب رجليه ويقف هذه المقامات، بل يكمل هذه النومة، هذا الأمر المحبوب يصبح مكروهاً عند هذا العبد، يصبح مكروهاً عند هذا العبد. يبغض هذا الأمر، كيف يبغض هذا الأمر؟
قال سبحانه: تتجافى جنوبهم عن المضاجع. تتجافى يعني تتباعد، تتباعد ببغض يعني تتباعد ببغض كأنها فيها بينها وبين هذه المضاجع جفوة، وهذا تعبير عجيب، تعبير قرآني عجيب. تتجافى جنوبهم عن المضاجع حتى نسبها إلى الجنوب، يعني ما قال فقط يتجافون، قال هذه الجنوب، هذه الجنوب التي هي أشد ما تحتاج إلى هذا، إلى أنها تكمل هذه الراحة، هذه الجنوب نفسها كأنها أبغضت هذا المقام.
وحقيقة إذا تساءل الإنسان كيف يصلون إلى ذلك؟ فلا شك ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى أراهم محبوباً هو أحب إليهم من هذه المحبوبات الدنيوية، حتى رأوا هذه المحبوبات مبغوضات لهم إذا بعدتهم عن محبوبهم الأعظم. وهذا هو السر، هذا هو السر؛ السر أن تكون محبة الله سبحانه وتعالى في نفسك أعظم من باقي المحبوبات، فحينها، فحينها أنت تبغض، تبغض كل ما يبعدك عن المحبوب. كل ما يبعدك الله سبحانه وتعالى بالنسبة لك يكون هو المحبوب الأعظم، أحب شيء إليك، أحب شيء إليك.
فلذلك كيف أنت يعني تفعل أي فعل يبعدك عن الله، عن محبوبك؟ لذلك قال الله سبحانه وتعالى في سورة في سورة التوبة: قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا. هذه الأشياء الدنيوية التي هي محبوبة بالفطرة؛ الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة والاموال وما أدراك الأموال والتجارة والمساكن، هذه الأشياء إذا كان الإنسان يحبها يعني المحبة الدنيوية لا باس فيها، لكن إذا كانت تبعدك وتبغضك وتجعل بينك وبين الله سبحانه وتعالى مسافة فهي تصبح بالنسبة لك مبغوضات، تلقيها وراءك ولا تبالي، تضحي بها ولا تبالي إذا كانت في سبيل أن تقربك من المحبوب الأعظم، أن تقربك من الله سبحانه وتعالى.
لذلك أولئك ما قاموا، ما قاموا من المضاجع إلا وأن هناك شيئاً عظيماً في قلوبهم، والدليل هو إكمال الآية، قال: تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً. يدعون ربهم خوفاً وطمعاً، فهذه الحالة، الإنسان يقوم الليل أو الإنسان يقوم من فراشه كي يصلي لله سبحانه وتعالى، هذا الأمر لا يصله الإنسان في أعلى مراتبه دون أن تكون المعاني في القلب مشتعلة.
هذه المقامات لا يبلغها الإنسان بالمعاني النظرية، لا يبلغها الإنسان بالمعاني النظرية مجرد أن يعرف الإنسان أن هذا صح وهذا غلط، وأن هذا هو الطريق الصحيح وهذا هو الطريق الخاطئ، لا تكفي هذه المعاني النظرية، لا تحملك لمقامات التضحية. مقامات التضحية تكون متولدة عن معرفة، معرفة الحق، ثم عن مشاعر بينك وبين هذا الحق؛ مشاعر الخوف والطمع ومشاعر المحبة، وهذه، هذه المشاعر وهذه ما نسميه بالمصطلح الشرعي أعمال القلوب.
أعمال القلوب هي هذه أعظم محركات الإنسان، أعظم محركات الإنسان يعني ما هي أعظم محركات الإنسان؟ هي المحركات القلبية، المحركات القلبية؛ محركات المحبة والخوف والرجاء، هذه من أعظم ما يحرك الإنسان. وبالمناسبه هذا حتى في الأمور الدنيوية، حتى في الأمور الدنيوية الإنسان يعني لماذا يتحرك؟ أما أنه يرجو شيئاً يريد أن يصيبه، وأما أنه يخاف شيئاً فيخاف شيئاً فيتحرك، وأما أنه يحب شيئاً فيريد أن يعني ينال ذلك المحبوب. فهذه المحركات كلما كان الشيء الذي ترجوه أعظم كان المحرك أكبر، وكلما كان الشيء الذي تخافه أعظم كان المحرك أعظم.
ولا شيء أعظم، ولا شيء أعظم من رجاء بلوغ الجنة، ولا ولا شيء أخوف من دخول النار، ولا شيء أحب إلى الإنسان من لقاء الله الإنسان المؤمن. لذلك المؤمن أولى بغيره من الحركة العظيمة في سبيل الله عز وجل، المؤمن أولى من غيره بهذه الحركة العظيمة التي يشتعل بها، فلا يتوقف حتى يصل إلى القبر، لأنه لديه من المحركات ما هي أكبر من محركات الآخرين.
وهذه هذه المشاعر القلبية، هذه أعمال القلب متولدة، متولدة عن علم، تولد عن العلم وعن الهداية من الله عز وجل، فيجب أن تعلم أولاً ما هي الجنة وما هي النار ومن هو الله وما هي صفات الله كي تحبها. فلذلك نقول هذه المحركات؛ خوفاً وطمعاً، خوفاً وطمعاً هذه من أكبر ما يحمله كي تقوم هذه المقامات: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا. والخوف كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل.
فالخوف محرك كبير، يعني الإنسان يحتاج إلى الخوف، نحن نحتاج إلى ذكر ذكر النار، نحن نحتاج إلى ذكر النار وذكر العذاب وذكر، لذلك قام النبي صلى الله عليه وسلم منذرًا: إِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ، وأول ما قام ينذر قومه قال الله له: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، فقال فقال لهم: إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. نحن نحتاج إلى إلى الخوف، نعم نحتاج إلى الخوف، والامر الثاني نحن نحتاج إلى الطمع وإلى الرجاء.
فقد يقوم الإنسان من مضجعه إلى الله عز وجل يصلي ويكون محركه الأكبر في بعض الأيام محرك الخوف، أنك تخاف من ذنوبك وتخاف من النار وتخاف من العذاب، تخاف من من أهوال يوم القيامة، وقد يكون في بعض الأحيان لديك الرجاء، تتذكر على سبيل المثال أنك تريد أن ترافق النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فأعني على نفسك بكثرة السجود، لذلك الذي طلب مرافقته في الجنة، فتقوم وأنت راج، قلبك متحرك راج أن تصل إلى تلك المقامات.
والحالة الأكمل هي أن تشتعل الجانبين مع بعضهما البعض، الخوف والرجاء، وهذه المذكورة في الآية: يدعون ربهم خوفاً خوفاً وطمعاً، خوفاً وطمعاً. وقال سبحانه وتعالى في سورة الزمر قال: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ - لاحظوا الحديث عن الليل عن قيام الليل - أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ، ثم أبرز عمل القلب فقال: يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه.
فهذا، هذه هي محركات القلب التي تعين الإنسان على العمل، ثم بعد ذلك قال سبحانه وتعالى في تكملة
الآية قال: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، ومما رزقناهم ينفقون. وهذه الآية ومما رزق هذه الجملة ومما رزقناهم ينفقون بينها وبين تتجافى جنوبهم عن المضاجع مشترك من المشتركات، ما هو؟ هو معنى التخلي عن المحبوبات الدنيوية.
فأولئك الأولون تجافت جنوبهم عن المضاجع، والمضاجع أشياء محبوبة للإنسان من الناحية الدنيوية، لكنها تخلت عنها طلبا للمقام للمحبوب الأكبر. وايضا في الصفة الثانية: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، يعني يتخلون عن أموالهم، هذه الأموال التي يحبونها، لماذا يتخلون عنها؟ لماذا يتخلون عنها؟
قال في سورة الإنسان قال سبحانه وتعالى: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا. يعني نحن نريد وجه الله، لا نريد شيئا آخر، نحن تخلينا. قال قبلها ماذا؟ ويطعمون الطعام على حبه، على حبه واثبت لهم المحبة، هو ليس مجرد صدقات وأموال زائدة فأنت اخرجتها، هي أشياء محبوبة للنفس ولكنك تخليت عنها، تخليت عنها تريد الآخرة، تخليت عنها تريد الآخرة.
لذلك في هذه الآية ما قال ومما رزقناهم ينفقون المساكين، وينفقون الفقراء، وينفقون المال للفقراء أو المساكين هذه مذكورة في آيات أخرى. هنا اثبت التخلي بنفسه، هنا اثبت التخلي نفسه، بعد ذلك من الذي اخذ المال هذا؟ هذا أمر آخر مذكور في آيات أخرى، لكن هنا اثبت أنهم ينفقون، كما قال سبحانه: لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ.
وهنا يعني لفته، أن الإنسان ليس بالضرورة أنه لما يأتيه السائل ولما يأتيه الفقير يذهب له ويعطيه ويقول أنا والله لم أمنع أحد من مالي إذا أتاني، لا أنت كذلك محتاج إلى هذه النفقة، هذه عبادة تتقرب بها إلى الله أن في مال تحبه فتخرجه لله. فأنت أنت الذي تذهب وتبحث عن المحتاج، أنت تذهب وتبحث عن المسكين وعن اليتيم وعن الفقير، فانت محتاج إلى هذه النفقة.
وقبل أن نذهب إلى الآية الأخيرة، نشير أنه العلاقة بين الآيتين الأوليين إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا وذكر أعمالاً قلبية، ثم ذكر تتجافى جنوبهم، فذكر أعمالاً بدنية تجافي عن الجنوب قيام الليل مع أيضاً بعض الأعمال القلبية، وقالوا ومما رزقناهم ينفقون. هذا يدل على ماذا؟ يدل على أن الإيمان لابد أن يتبعه عمل صالح، الإيمان إنما يؤمن ثم ذكر الأعمال، فهذا يدل على أن الإيمان لابد أن يتبعه عمل، لا يكفي أن تقول أنا مؤمن وأنا أعرف الحق ثم تكون ضعيف، فكلما زاد الإيمان زاد العمل، هذه قاعدة لا تنخرم، كلما زاد الإيمان زاد العمل والحديث هنا عن جنس العمل عموماً وليس عن عمل خاص، كلما زاد الإيمان زاد العمل.
وكلما نقص العمل، وهذا مهم إذا وجدت أن الأعمال ناقصة في من كل جهة التقصير في الصلاة والتقصير في الصدقة والتقصير في الصيام والتقصير يعني جنس العمل عموماً ضعيف، فاعلم يقيناً أن الإيمان ضعيف، فاعلم يقيناً أن الإيمان ضعيف، فهما مع بعضهما البعض، ولذلك الله يقرن بينهما دائماً. والعمل من الإيمان.
إذا قال الله سبحانه وتعالى بعد ذلك في ذكر الثواب أخيراً الآية الأخيرة، وهذه آية عجيبة وآية عظيمة وآية حقيقة يعني يحتار الإنسان كيف يتحدث عنها، كيف يتحدث عن هذه الآية؟ لأنه آية ما لها شبيه حتى في القرآن، ما لها شبيه في القرآن، آية فيها تعبيرات قرانية عجيبة.
لذلك لما ذكر من حالهم العظيمة في التعبد لله سبحانه وتعالى ذكر من ثواب الله الخاص لهم والله سبحانه وتعالى هو الشكور، فماذا قال؟ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِي لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. فلا تعلم نفس هنا يقف الإنسان، فلا تعلم نفس الثواب، نحن نقول الجنة ونقرا صفة الجنة في القرآن نعم، وربما نتخيل الجنة وربما نمني أنفسنا ببعض ما ذكر من صفاتها في القرآن، لكن يجب أن نعلم يقيناً يقيناً أن كل ما نعلمه عن الجنة بل كل ما تصل إليه خيالاتنا هو أقل مما سنراه في الجنة.
الله سبحانه وتعالى أعد في الجنة شيئاً فوق، لا أقول فوق مجرد الوصف بالكلمات، بل أقول فوق ما يخطر على القلوب، فوق ما يخطر على القلوب، لذلك ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ولا خطر على قلب بشر، حتى ما يخطر على قلوبنا من صفة الجنة، الجنة أعلى من ذلك.
فلا تعلم نفس، فلا تعلم نفس الجنة شيء عظيم وشيء فوق التصورات، وهذا يدل على أنه الإنسان عند دخول الجنة، عند دخول الجنة الإنسان، نسال الله أن يبلغنا هذه اللحظة، الإنسان سيتفاجأ بما سيرى، هذا شيء أخفي عنك، هذا شيء لا تعلمه نفس، أنت ستدخل سترى شيئاً فوق كل ما كنت تتصور، إذا جعلك الله باذنه وعونه من أهل الجنة، كل ما يمكن أن تتصوره هذا فوق الوصف، فوق التصور.
فليت شعري كيف سيكون ذلك الدخول؟ كيف سيكون ذلك الدخول الذي ترى فيه أشياء لا تعلمها قبل ذلك ولا تعلمها، وسترى أموراً لا تعلم بعضها إلا بالله بالاسم، كما قال سبحانه وتعالى: وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا. أتُوا به متشابهاً يعني لا يعلمون منها إلا الأسماء، فاكهة فقط أنت تعلم أنها فاكهة، لكن لها هيئة ولها شكل ولها لون ولها طعم لا يشبه به الشيء الذي في الدنيا.
فلا تعلم نفس ما أُخفي لهم من قرة عين، فذلك الدخول دخول عظيم، ولذلك ولذلك أنا استعجب من أمر موجود كثيراً في القرآن، ما هو؟ هو ذكر لحظة دخول الجنة. لحظة دخول الجنة الله سبحانه وتعالى يقول كثير ادخلوا الجنة، ادخلوا الجنة، يدخلون الجنة، إن الله يدخل الذين آمنوا ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات، ففكره الحديث وندخلكم مدخلاً كريماً إلى كثير من الآيات تتحدث عن الدخول عن لحظة الدخول، وكأنها والله أعلم من أعظم لحظات الإنسان الخالدة، أنه يدخل لحظة الدخول هذه سيرى شيئاً لا يعلم كنهه ولا يعلم وصفه، لذلك فكرة الدخول وفكرة الأبواب وانه يدخل الإنسان من الأبواب ويرى الجنة في ذلك الحين هذا أمر عظيم، هذا أمر عظيم.
ولذلك إذا قرأت صفة الجنة فانظر كيف يذكر الله سبحانه وتعالى: ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ، ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون وادخلنا في رحمتك إلى آخر كثير الآيات التي يتحدث الله سبحانه وتعالى عن أنه يدخل الذين آمنوا جنته، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يدخلها بسلام آمنين، ممن يدخلها بسلام آمنين.
ثم قال بعد ذلك ما أُخفي لهم: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِي لَهُم. وهنا يستشعر الإنسان يعني لطف لطف الله عز وجل ورحمة الله عز وجل بعبده، الإنسان حتى في الدنيا إذا أراد أن يعطي أحداً عطاءً أو يهدي لأحد هديةً، فانه من باب أن تعظم هذه الهدية أو هذا العطاء عند الآخر فانه يخفيه له، يخفيه له ثم يظهره له في لحظة واحدة فيتفاجأ به، فيتفاجأ به.
فهنا يعني أنت تشعر الآية لها وقع عظيم على النفس ومعنى لطيف، كيف أنه جعل هذه الجنة يعني هي ليست فقط أنها غيب وأنها مجهولة، لا، الله تعمد الله أخفاها، الله أخفاها لنا: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِي لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ. فلذلك الله سبحانه وتعالى تشعر لما تقرا هذه الآية برحمته بعباده، تشعر بواسع كرمه وتشر بكثير من التعرف على الله ومعرفة صفاته من قراءة هذه الآية كيف أنه أخفى لعباده وأعد لهم بنفسه هذا الثواب.
أعددت كرامتهم بيدي، أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت. أعددت، لاحظوا أعددت، أعدها الله ثم أخفاها الله سبحانه وتعالى ثم قال من قرة أعين ما أخفي لهم من قرة أعين، وهذا وصف أيضاً من الأواص العجيبة والعظيمة. يعني أحياناً الله سبحانه وتعالى يصف الجنة وصفاً ظاهرياً ظاهرياً أقصد يصف الأشياء، يصف الفاكهة، يصف الأكواب، يصف المفارش، كيف يتكئون، كيف يجلسون، وكيف، وأحياناً الله سبحانه وتعالى يصف.
أثر النعيم على النفس، أثر النعيم على الوجه يقول الله سبحانه وتعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ. لماذا ناضرة؟ أنت لك أن تتخيل، إلى ربها ناظرة. وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ. لماذا؟ أنت لك أن تتخيل ما الذي رأوه.
ويقول: عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ، تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ، ما أجمل هذا الوصف! يعني هو ما يصف هنا النعيم نفسه، يصف النعيم على الوجه: تعرف في وجوههم نضرة النعيم. وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ، يوم تبيض وجوه، إلى آخر الآيات.
لذلك هنا قال ماذا؟ قال: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِي لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ. تقر العين لما تدخل الجنة، تقر العين خلاص لا تطلب شيئاً وراء ذلك، قرت العين. الإنسان أحياناً لما يكون يطلب شيئاً مثلاً يفقد ولده أو كذا، فلما يراه يقول: قرت عينه بولده أو يعني خلاص لا يريد بعد ذلك شيئاً.
فكيف الحال في الجنة أنه تقر العين؟ تقر العين قد وصلت إلى ما تطلبه. وكيف لا يكون ذلك والجنة هي الجنة التي أعدها الله سبحانه وتعالى؟ وكيف لا يكون ذلك ومن أعظم ما في الجنة النظر إلى الله سبحانه وتعالى؟ النظر إلى الله سبحانه وتعالى الذي تقر الأعين بالنظر إليه، تقر الأعين بالنظر إلى خالقها سبحانه وتعالى. ثم قال بعد ذلك: جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ.
جزاء بما كانوا يعملون، فوالله هذه العبارة جزاء بما كانوا يعملون بعد قراءة هذا المقطع تجعلك تنفجر من ناحية أنك تريد أن تعمل، وتريد أن تسعى، وتريد أن يكون لك حظ من كل ما ذكر. إذا كان كل ما ذكر من هذا الثواب ومن هذا النعيم أن الله سبحانه وتعالى كتبه برحمته بسبب الأعمال فكيف لا أعمل؟ فهذا من أعظم المحركات.
فلذلك نقول الله سبحانه وتعالى ذكر عن أولئك القوم أنهم يقومون خوفاً وطمعاً، وأنهم يفعلون، وأنهم كذا، فيطمع الإنسان أن يكون منهم. فالله سبحانه وتعالى يوجِد له في القرآن ما يحركه خوفاً، وما يحركه طمعاً، وما يحركه محبة لله سبحانه وتعالى ورجاء لبلوغ ذلك الثواب.
فالقرآن في النهاية هو الذي يعطيك الحالة النهائية، ثم يعطيك الوصفة ويعطيك الطريق الذي تصل به إلى ذلك المقام. فلذلك يخرج الإنسان من كل ذلك بفكرة العمل العمل، أن هذا هو ما يبلغ به الإنسان برحمة الله عز وجل. وكلمة العمل ذكرت في في هذه السورة كذلك عدة مرات.
كما قال في الآية التي قبل هذا المقطع قال: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا. ولاحظوا العقاب: إِنَّا نَسِينَاكُمْ. ما في عقاب أكثر من ذلك، إنا نسيناكم، أن الله يتركك في النار، وذُوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون. أيضاً قال: بما كنتم تعملون. وهنا في في مقطع أهل الجنة قال: جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ.
طيب، بهذا نختم الحديث عن هذه الآيات العظيمة من سورة السجدة. نسأل الله العلي العظيم بمنه وكرمه وجوده واحسانه وفضله وتوفيقه أن يجعلنا من العاملين، أن يجعلنا ممن تتجافى جنوبهم عن المضاجع، وممن ينفقون مما رزقهم الله سبحانه وتعالى، وممن يبلغهم الله الجنان، ويبلغهم الله سبحانه وتعالى ما أعد لهم من النعيم. سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.