طيب، بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أسمعين. أسأل الله العلي العظيم، بمنه وكرمه وجوده وإحسانه وفضله، أن يغفر لنا ويرحمنا، وأسأله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا في هذا المجلس، وأسأله سبحانه وتعالى أن يرقق قلوبنا دوماً لكتاب الله عز وجل، وأن يجلسنا في مجالس الاستهداء بهداياته، هذه المجالس العظيمة التي نتعرض فيها لهذا الوحي ولرسالة السماء، فنطلب منها الهدى، ونطلب ونستخرج منها العلم والعمل؛ كي نزداد ثباتاً على هذا الدين، وكي نزداد قرباً من ربنا عز وجل.
اليوم بإذن الله سيكون حديثنا عن هذا العنوان: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ. وهذا العنوان ذكره الله سبحانه وتعالى في مطلع قصة إراهيم عليه السلام. قصة إبراهيم عليه السلام هذه القصة التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم مرات ومرات، وبين لنا أجزاء كثيرة من قصة إبراهيم عليه السلام، لكننا اليوم بإذن الله لن نتناول كامل القصة، وإنما كما سنتناول على وجه الخصوص: دعوة إبراهيم عليه السلام لأبيه وقومه.
دعوة إبراهيم عليه السلام لأبيه وقومه؛ هذا كان أول فصل من فصول قصة إبراهيم عليه السلام. لما ذهب لأبيه وقومه ودعاهم وبين لهم الحق ودافع به الباطل، هذا الفصل كان من أعظم الفصول، وهذا الفصل كان من أكثرها تكراراً في كتاب الله. والله سبحانه وتعالى نوه عليها أو أشار بالعناية بهذا الامر، فقال: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ يَا مُحَمَّدُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ. فهذا نبأ، والنبأ هو الشيء العظيم. والرسول صلى الله عليه وسلم أمر بتلاوة وقراءة هذا النبا على الناس. وقال كذلك: وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ إِبْرَاهِيمَ. فدائماً تأتي المطالع التي تجذب الانتباه؛ المطالع التي تجذب الانتباه؛ كي نعتني بهذه القصة.
وسنتناول اليوم بإذن الله بعض الملامح التي يعني كانت ميزت إبراهيم عليه السلام، وأبرزها الله سبحانه وتعالى في دعوته لأبيه وقومه. ونشير في البداية إلى أن الله سبحانه وتعالى أيضاً اشار إلى أن ملة إبراهيم سماها ملة، يعني طريق إبراهيم وهدي إبراهيم وما كان عليه إبراهيم. الله سبحانه وتعالى سماها ملة، وربط بها معنى الاتباع، فقال: اتَّبِعُوا. فهو هدي خاص حتى من بين الرسل على وجه الخصوص؛ الرسل الذين جاؤوا قبل النبي صلى الله عليه وسلم على وجه الخصوص كان منهم إبراهيم، يؤمر باتباع ملته على هذا بهذا التحديد وبهذا التكرار.
فنحن مأمورون أن نعرف ما هي ملة إبراهيم، ونحن مأمورون أن نتبعها بعد ذلك، وأن نجعلها قدوة لنا. واما ما جعل الله إبراهيم إماماً، فقال: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ، ثم ذكر القصة. فكلمة أسوة حسنة، هذا امتداح من الله سبحانه وتعالى لحال إبراهيم، وبيان لنا أنه كان وأنه لنا لا يزال أسوة حسنة بالنسبة لنا، لا يزال مثالاً نقتدي به ونتمثله ونسير على خطاه. فهو ليس فقط أسوة، هو كذلك أسوة حسنة، كما كان لنا في النبي صلى الله عليه وسلم: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.
وقال سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ. هذا مطلع القصة في مطلع القصة في سورة الأنبياء. مطلع القصة في سورة الأنبياء: وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ. فالله سبحانه وتعالى قال إنه آتاه رشده، ثم بعدها قال إذ فذكر القصة: وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ. فهذه القصة فيها بيان لرشد إبراهيم، وكما آتاه الرشد آتاه الحجة، قال: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاها إِبْرَاهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ. الله قد رفع مقام إبراهيم لديه، الله رفع درجة إبراهيم واصطفى إبراهيم عليه السلام.
وقال سبحانه وتعالى في آية عظيمة: وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً. من أحسن ديناً منه؟ هذه آية شريفة عظيمة تجعلك تعتني بملة إبراهيم كل العناية، وتنتبه لتفاصيلها كل الانتباه؛ لانه لا أحد أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفاً، واتخذ الله إبراهيم خليلاً. وكذلك قال الله سبحانه وتعالى: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ ۗ فَاتَّبِعُوا. أمر مباشر من الله عز وجل: فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
وقال في آخر سورة النحل: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. شَاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. بعد كل هذه الفضائل قال: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان مأموراً أن يتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين.
ثم بعد ذلك قال الله سبحانه وتعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ. ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه؟ يعني أمرنا الله أن نتبع ملة إبراهيم، وذم الله سبحانه وتعالى من رغب عن ملة إبراهيم، وقال إن هذا يعني هذا من سفاهة النفس ومن سفاهة العقل. وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا، أي اصطفينا إبراهيم، وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ.
طيب، بعد هذه المقدمة التي تعلي شأن إبراهيم عليه السلام وتجعلها محل الانتباه والعناية، سنأخذ الآن بعض الملامح؛ ما هي ملامح دعوة إبراهيم عليه السلام لقومه؟ فهناك عدة ملامح سنتناولها اليوم تحددياً في شان الدعوة، يعني اليوم لن نتكلم عن مثلاً عبادة إبراهيم أو دعاء إبراهيم أو ما كان منه بعد ذلك، وإنما سنتناول الدعوة تحديداً، دعوة إبراهيم.
فأول نقطة هي نقطة مساءلة المسلمات. يعني هذا الأسلوب هذا الأسلوب الذي كان عليه إبراهيم عليه السلام، هذا أسلوب عجيب. كان إبراهيم عليه السلام يأتي لأبيه وقومه بعد أن هداه الله سبحانه وتعالى وبعد أن أراه ملكوت السماوات والارض وبعد أن بصره بحقيقة الأشياء، فكيف كان يكشف للناس هذه الحقائق التي هداه الله لها؟ كان إبراهيم عليه السلام يأتي فيسأل؛ يسأل عن تلك المسلمات التي سلم لها قومه من عبادة الأصنام ونحوها، فكان يسالهم أسئلة ربما لم يسألوها طوال حياتهم. وهذه الأسئلة يعني تتوجه إلى صميم عقيدتهم التي سلموا لها.
فانظروا معي إلى هذه الآيات لما قال الله سبحانه وتعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ. يعني هذا سؤال عجيب هو هو لم يأتهم من خارج؛ يعني إبراهيم عليه السلام لم يأتهم من كان مهاجراً من أمة إلى أمة، هؤلاء قومه، أبوه وقومه، لكنه سألهم هذا السؤال: مَا تَعْبُدُونَ؟ سؤال غريب وعجيب ومفاجئ بالنسبة لهم. قالوا: نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ.
سألهم مرة أخرى أسئلة بدهية وبينه قوسين بريئة، أو تبدو تبدو في ظاهرها أسئلة عادية، يعني قال: هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ، أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ؟ يعني هذه الأسئلة عجيبة، هذه الأسئلة من شأنها -وهذا حقيقة من عقل إبراهيم- هو ماذا يريد بهذه الأسئلة؟ هو يريد منهم أن يفكروا في أساس الأمر، في أساس عقيدتهم، في أساس آلهتهم هذه التي يعني يفنوا أعمارهم من أجلها؛ هل يسمعونكم؟ طيب، هل ينفعونكم؟ طيب، هل يضرونكم؟
ولاحظوا كيف كان الجواب ساذجاً، لأنه لا توجد أو أجوبة أخرى، لا توجد أجوبة أخرى. السؤال بدهي وليس له جواب آخر، لا يملكون جواباً آخر، قالوا: بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ. بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون! يعني هو أوصلهم إلى هذه النتيجة بالسنتهم، ما قال لهم ترى هذه كانت يعني هذا أنتم مجرد وجدتم آباءكم كذا، هو سألهم أسئلة، الأسئلة هذه لا يملكون أجوبة لها، فهم أحالوا إلى من كان قبلهم، قالوا: بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون. وهذا من شأنه أن يسقط كل الأسس التي يقومون عليها، هم مجرد متبعين، حتى لا يملكون أبسط الأجوبة على معتقدهم بآلهتهم.
وقال سبحانه وتعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ، واسمعوا السؤال.
يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً، لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً؟ سؤال بسيط، وهذا السؤال يعني كما ذكرنا هو من شأنه وبقدر ما هو بسيط بقدر ما هو كاشف للحقائق ومبصر ومزيل لكل الغبش الذي يعني تراكم أمام أعين الناس باتباعهم لما كان عليه آباؤهم دون مسألة المسلمات هذه. فهو أراد في هذه المسألة أن يزيل الغبش وأن يروا الحقائق، وقد فعل صلى الله عليه وسلم.
وقال سبحانه وتعالى في سورة الأنعام: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً، أتتخذ أصناما آلهة؟ وهذا سؤال أيضاً من نفس الـ، هو أحياناً يسأل ماذا تعبدون وينتظر أجوبتهم، وأحياناً يبين لهم ما الذي فعلوه، الذي فعلتموه أنكم أخذتم أصناماً لا تسمع ولا تنفع ولا تضر، ثم رفعتموها فجعلتموها آلهة. أتتخذ أصناماً آلهة؟ يعني هذا الجواب، هذا السؤال بحد ذاته يكشف يكشف سفاهة أحلامهم، سفاهة معتقدهم: إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ.
وأيضاً قال في سورة في سورة الصافات، وسبحان الله كم تكرر معنا الآن بس مجرد هذه المسألة، كم تكررت في القصص وكم أبرزها الله سبحانه وتعالى لنستفيد منها! فقال: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ، إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ، ماذا تعبدون؟ أَفِكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ، فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ؟ كلها أسئلة إلى أن قال بعدها: بعد أن راغهم ضرباً باليمين فأقبلوا يزفون، مرة أخرى قال: أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ، تعبدون ما تنحتون؟ هذه أشياء أنتم تنحتونها، فهو كرر عليهم السؤال قبل وكرر عليهم السؤال بعد، أيضاً ما كانوا يملكون الجواب، ماذا فعلوا؟ قالوا: ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ.
طيب، السؤال، الحجة، الرد عليها، هذا معتقدكم، الناس يسمعون كما قلتم: انصروا آلهتكم، فانصروا معتقدكم هذا، انصروا معتقدكم وأجيبوا على هذه الأسئلة البسيطة والسهلة. فلذلك ما لم يكونوا يملِكوا إلا أن قالوا: ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ. وأيضاً في سورة الأنبياء قال: وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ، ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ.
وأيضاً من مسألة المسلمات بغير نوع الأسئلة هو هذه الطريقة التي عمل عملها في سورة الأنعام، هذه طريقة عجيبة، وكان مراد إبراهيم عليه السلام، طبعا باختيار أن هذا كان مقام محاجة، كان مراد إبراهيم عليه السلام هو نفس هذا المراد، أن يعيدوا التفكير في الآلهة، في أساس هذه الآلهة وأنها الآلهة ترى تذهب، لذلك قال: فلما أفل قال لا أحب الآفلين. هو يذكرهم بالمسلمات، هذه كانت طريقة إبراهيم عليه السلام، هو رأى الكوكب يأفل قبل ذلك مرات ومرات، لكن هنا أراد أن يذكرهم، فمر الكوكب ومر القمر ومر الشمس ثم قال: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
فهذا كان كانت الطريقة الأولى لإبراهيم عليه السلام مسألة المسلمات، وهذه طريقة حقيقة يعني إذا أرادنا أن نخرج بفائدة عملية من هذه هذا الملمح الأول، أنه الإنسان يتوجه إلى الأسس والمسلمات من مسلمات الباطلة التي عليها الناس فيكشفها لهم. وكشفها أحياناً لا يحتاج إلى أي محاجة طويلة أو إلى مقامات كثيرة يعني أو إلى علم كثير، أحياناً أحياناً يكون الأمر أبسط من ذلك، مجرد بعض الأسئلة تكشف تكشف لهم هذا الزيف: أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً؟ نقطة انتهى، انتهى الأمر يعني أحق الحق وأبطل الباطل. ولذلك هذا الأمر يعني المطلوب من من الدعاة إلى الله سبحانه سبحانه وتعالى ومن حملة الرسالة أن يكشفوا للناس الحقائق وأن يبينوا للناس الأسس، وأن لا يجعلوا الأشياء التي اعتاد عليها الناس أموراً عادية لا يسائلونها من جديد حتى ينتبه الناس إلى عوارها وإلى زيفها.
الامر الثاني من ملامح دعوة إبراهيم عليه السلام البدء بأظهر الأدلة. كان إبراهيم عليه السلام لما يأتي إلى قومه وأبيه، ما كان يأتي بكلام معقد، يعني ما كان يأتيهم بكلام صعب أو كلام معقد أو أدلة ملتبسة، كان يبدأ معهم بأظهر الأدلة أظهر الأدلة، وكان يعني الأدلة التي لا ينازع فيها أحد والتي يفهمها الجميع، بهذا كان يبدأ إبراهيم عليه السلام. فانظروا كيف، لما قال: إني وجهت وجهي، لما أراد أن يعرف بالله ماذا قال؟ قال: للذي فطر السماوات والأرض، إني وجهت وجهي، إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، دليل الخلق، دليل الخلق والإيجاد، هذا الدليل لا ينازع فيه أحد، لا ينازع فيه أحد، يعني حتى الذين يتخذون أصناماً لا يقولون إن هذه الأصنام خلقت السماوات والأرض، هذا دليل قاهر، هذا دليل مسلم له عند أدنى يعني عند من يملك أدنى درجات العقل.
لذلك إبراهيم عليه السلام دائماً يبدأ بدليل الخلق والإيجاد، أن هذا ما ترون السماوات والأرض، ترون أنفسكم، أنا أعبد الخالق، الخالق سبحانه وتعالى، هذا الخالق بين إبراهيم وبين وبين هذا الاسم اسم الخالق لله عز وجل علاقة وطيدة في نفسه وفي دعوته كذلك. وانظر في الدليل الآخر، قال ماذا؟ قال: أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ، وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ، والله خلقكم وما تعملون، أنتم تعبدون ما تنحتون، لكن من خلقكم؟ من خلقكم؟ الله خلقكم وما تعملون، فبالتالي يجب أن تتوجهوا. فال البدء بدليل فالله هو الذي فطر السماوات والأرض وهو الذي خلقكم، وهو كذلك قال: الذي فطرني.
وقد قال إبراهيم لأبيه وقومه: إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي، هذا أول تعريف عرف به، أنا تبرأت من كل أحد إلا الذي فطرني، الذي فطرني هذا هو الذي سيهدين، هذا الذي أنا متوجه إليه: إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ. وقال في سورة الشعراء: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ، من هو رب العالمين؟ الذي خلقني وهو يهدين، الذي خلقني هذا أول تعريف، هذا أول تعريف بالله سبحانه وتعالى: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ، وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ. فهو فهو وإن كان من باب إقامة الحجة عليهم بأظهر الأدلة، هو كذلك يظهر نوعاً من تعلق إبراهيم عليه السلام بخالقه عز وجل.
وقال كذلك، قالوا لما قالوا له: أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ؟ قال: بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ، بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ. لا يستطيع أحد أن ينازعه لما يقول لهم: الذي فطرهن، هذا هذا هو الله سبحانه وتعالى الخالق الذي فطرهن، الذي فطر السماوات والأرض، الذي فطرني، الذي خلقني، إلى آخره.
من ملامح دعوة إبراهيم كذلك ملمح الشجاعة، الشجاعة والقوة في الحق. هذا إبراهيم عليه السلام الرحيم بقومه، الذي سماه الله سبحانه وتعالى حليماً، الذي لما يتوجه إلى الله يكون أواهاً، يكثر من من الدعاء والبكاء والتوجه إلى الله سبحانه وتعالى، فهذا لما يقوم مقامات الحق يكون كالأسد فيها، يكون شجاعاً، يكون قوياً في الحق، يواجه أمة أمة كاملة، يواجه، هو كان أمة فبالتالي كان يواجه يواجه الاقوام فتنة وكان فتنة ويواجه أباه وقومه مواجهة عجيبة وبكل قوة وبكل ثقة.
فلذلك نستعرض بعض المقاطع، وليس ليس الهدف الإحصاء المقامات أكثر من إحصائها، لكن نستعرض بعض تلك المقاطع لما حاجة قومه، وكانت في محاج محاجتهم يعني والله أعلم نوعاً من أنواع التخويف أو الترهيب كما جاء في بعض المقاطع الأخرى، لما خوفوه بالنار وخوفوه بالرجم ونحو ذلك قال هنا، وحاجة قومه قال: أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ؟ الآن هو وحيداً أمام قومه يقول: ولا أخاف ما تشركون به، إذا كنتم تخوفوني بهؤلاء فإنا لا أرى ما تشركون به إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ. وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا؟ أنتم المفروض تخافون. يعني لاحظوا كيف هذا هذه الشجاعة والقوة كان يستمدها من علاقته بالله وعلمه أن من يتولى الله سبحانه وتعالى فهو القوي، ومن أشرك بالله فهو الضعيف الذي يجب أن يُخاطَب.
ولو كانوا هم أمة وهو واحد، ولو كانوا هم أقواماً وهو فتن. وكيف أخاف؟ كلمة عجيبة، كلمة لا يقولها يعني إلا من حقق التوحيد في قلبه وبمعرفة أن الله هو الذي ينفع ويضر: فَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا. ثم يكمل: فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ؟ الله أكبر على هذا الإيمان، فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بظُلْمٍ أي بشرك، أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ. أولئك لهم الأمن وهم مهتدون.
فكان إراهيم عليه السلام شجاعاً وقويا في الحق، واستمد تلك الشجاعة وتلك القوة من ربه ومن علمه بربه سبحانه وتعالى. وأيضاً يعني هذه القصة التي ذكرها الله في سورة الأنبياء أيضاً عجيبة ومبرزة لقوة إبراهيم عليه السلام، وتصميمه في الحق، قوته وشجاعته وتصميمه في الحق: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ. يعني هو ما كان متردداً، هو ما كان خائفاً، ما كان مجرد والله عنده دليل يريد أن يلقيه على قومه ويفر، وهو كان مصمماً وعازماً وقوياً وتالله -انظروا للقسم- وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ، فجعلهم جذاذاً. أقبل بكل قوة وكسرهم وجعلهم قطعاً، فجعلهم جذاذاً إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون، قالوا: من فعل هذا بهآلهتنا إنّه لمن الظالمين. هذا مقام من مقامات التخويف.
قالوا: سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم. قالوا: فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون، وبدأ التحقيق: أأنت فعلت هذا بهآلهتنا يا إبراهيم؟ وهنا الرد العجيب، إبراهيم عليه السلام ما تزحزح في هذا المقام، ما يعني تراجع، بل أكل خطته التي بدأها بكل قوة وأراد أن يقيم الحجة بكل تصميم، قال: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ بكل استخفاف بهم. فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا: إنكم انتم الظالمون، كلما نكسوا على رؤوسهم: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ. قال: أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم، أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون؟ من يتكلم بهذا الاسلوب في هذا المقام الذي اوقفوه ويعني وهم في قمة الغضب لآلهتهم المكسرة على الارض؟ فذلك هو إبراهيم في مقامات الحق.
وأيضاً وقوف إبراهيم عليه السلام أمام الملك، والوقوف أمام الملوك ليس بأمر يعني سهلاً ولا بأمر هيّن، لما وقف أمام الملك قال: إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ، وهو يعلم أنه سيبت بهذه الحجة، فما تردد في قولا وما تزحزح عن هذا المقام من مقامات بيان الحق وإقامة الحجة جلياً. ولذلك من ملامح دعوة إبراهيم عليه السلام قوة الحجة، قوة الحجة فهو كان قوياً في نفسه، وكان شجاعاً في حمله لهذه الرساله، وأيضاً كان قوياً في معرفة الدلائل ومعرفة الحجج والقائها على الناس، فكانت حجته وبينته وإبانته عن الحق كانت قوية، لذلك قال الله سبحانه وتعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ.
لذلك قال في الموقف أمام الملك ما الذي حصل في النهاية؟ قال: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ. هذا كلام الله عز وجل، الله هو الذي يقول: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ. وكأنك تلمس وتشعر وتعلم أن الله أحب من إبراهيم هذا المقام وأبرزه لنا، كيف أنه أتى بحجة دامغة فدمغ بها الباطل، وبهت بها حامل هذا الباطل: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. فكان إبراهيم عليه السلام بعقله ويعني بهذا العقل الذي أتى به وبلهداية ربنا سبحانه وتعالى له كان صاحب حجة وصاحب يعني بين قوسين صاحب إبداع، إبداع في ذكر الحجج وفي اختيار ما يناسب منها لأقوامها كما حصل في لما قال: لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ إلى آخره.
ولذلك لما قاموا مقام ذلك المقام بعد أن كَسّرت الآلهة وأتوا به قال: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ. ما الذي حصل؟ حصل الذي أراده إبراهيم أن يراجعوا أنفسهم بقوة الحجة، قال: فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ، ثم نكسوا على رؤوسهم: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ. هذه النتيجة العجيبة التي وصلوا لها واعترفوا فيها بالسنتهم أن هؤلاء لا ينطقون، وراجعوا أنفسهم وقالوا: إنكم أنتم الظالمون. هذه كلها كانت ثمرة حجة قوية ألقاها إبراهيم، كسر كل شيء وقال: هذا كبيرهم وهو الذي فعله فاسألوهم إن كانوا ينطقون، حجة عجيبة اختارها الهم الله إياها، فبالتالي حصل الانكسار واقيم البرهان وظهر البرهان وظهر الحق في ذلك المقام. بعد ذلك لم يستجيبوا للحق هذا أمر آخر، لكن أحق الحق في تلك اللحظة.
وأيضاً من ملامح دعوة إبراهيم عليه السلام الوضوح وعدم تزييف الحقائق، الوضوح وعدم تزييف الحقائق. هذا أمر مهم جداً لصاحب الرسالة، لأنه صاحب الرسالة والمبلغ عن الله عز وجل يتعرض لضغوط ويتعرض لأذى، يتعرض لمغريات ويواجه يعني أموراً كثيرة هناك يتعامل مع أقارب ومع أهل وأقوام، فلا يمكن أن يجامل ويجب ألا يجامل صاحب الحق، وكذلك كان إبراهيم عليه السلام كان واضحاً مع أهل الباطل في أن ما هم عليه هو الباطل، وأن ما أنا عليه هو الحق، ويظهر هذا الأمر بكل وضوح. فقال ماذا؟ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ.
ما جامل، ما زيف الأمر، ما قال يعني أنت على خير بس تعال معاي أنا عندي خير أحسن ولا أمورك طيبة ولا، ما جامل أبداً، بل: إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ. هذا الذي أنت عليه هذا الضلال، وكذلك يجب أن يكون حامل الرسالة، حامل الرسالة إذا ذهب للناس يجب أن يقول لهم إذا كانوا على ضلال أن يقول لهم: أنتم على ضلال، نعم أسلوب طيب وحجة بينة وكذا لكن لا نجامل في الحق، لا نجامل في الحق أنتم على ضلال والحق هو هنا، ويشير إليهم يشير إلى الحق أمامه. وكذلك قال سبحانه وتعالى: إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ. فحذرهم قال: لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ. أنتم وآباؤكم، لستم أنتم فقط، أنتم وآباؤكم الذين تقدرونهم والذين اخذتم عنهم هذا المعتقد في ضلال مبين.
هذا الوضوح، هذا الوضوح الذي يجب أن يكون عليه حامل بن سالم، وقال: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا. ما في تزييف، يا أبتِ صح أنا ابنك وأنت أبي، صح أنت أكبر وأنا أفتى، لكن يا أبتِ الحق أنه قد جاءني من العلم ما لم يأتِك، لن أجاملك، قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا، يعني أنا معي علم ليس لديك والعلم الذي معي يوصل إلى الهدايه. يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا.
يجب أن نوضح للناس أنه آخر الطريق آخر طريق الضلالة في عذاب في نار، حتى ما يأتوا يوم القيامة ويقولوا ليش ما وضحت لنا بكل وضوح ليش ما بينتم لنا الحقائق؟ أنا كنت معك لماذا لم تقلها بصراحة؟ لماذا لم تقلها بصراحة: إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ وأن وانتم في ضلال مبين؟ فهذا ما كان عليه إبراهيم عليه السلام. ومن ملامح ومن ملامح دعوة إبراهيم عليه السلام أو هذا آخر الملامح، أنه كان متعلقاً بالله في ميدان الدعوة، التعلق بالله والتعلق بالله عز وجل لإبراهيم عليه السلام تحديداً كان عظيماً وواسعاً في كتاب الله، لن أتناول منه هنا إلا ما كان في ميدان الدعوة أثناء.
دعوته لقومه. والمقصود بهذا الملمح أن إراهيم عليه السلام إبراهيم عليه السلام لما كان يدعو قومه ويواجههم ويبين لهم الحقائق ويدافع الباطل بالحق، لما كان يفعل ذلك كان متعلقاً بالله، كان متوجهاً إلى الله. نعم، كان يخالط الناس وي يتعرض للأذى وكذا، لكن قلبه كان متوجهاً لله، كانت الدعوات لا تفارق لسانه، كان أواهاً كثير الدعاء لله سبحانه وتعالى حتى في ميدان الدعوة.
وكذلك يجب أن يكون الداعي إلى الله حامل الرسالة، يجب أن يكون ممن لا يتخلى عن ربه عز وجل وعن التوجه لربه والتعلق لربه والتوكل لربه في كل لحظة من لحظات دعوته. فهنا قال ماذا؟ قال: أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا. قال: سلام عليك.
لاحظوا الآن هو كان في حوار مع أبيه قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا. هو متذكر لربه، هو لم ينسَ ربه لحظة أنه كان به حفيا. واعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا.
فهو إبراهيم عليه السلام من أظهر أو خلينا نقول أظهر قصيصة لإبراهيم عليه السلام وأعظمها والتي كررها الله كثيراً في القرآن أنه كان حنيفاً. حنيفاً أي مائلاً عن الشرك إلى توحيد الله عز وجل. فهنا لما قال اعتزلكم لما يعني ترك أهل الشرك توجه إلى الله سبحانه وتعالى وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا.
فهذا التذكر أنه كان بي حفيا وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا، هذا التذكر في نفس مقام المحاجة هذا يبرز ما كان يشعر به إبراهيم عليه السلام من توجه وتعلق بربه. وقال وحاجة قومه قال اتحاجوني في الله وقد هدان. اتحاجوني في الله وقد هدان. وقد هدان هذه تبرز ما المشاعر الوجدانية التي كان يشعر بها إبراهيم عليه السلام وكيف أنه كان مستشعراً للهداية، الله الذي هداني تحاججوني فيه وتريدون أن تصدوني عن سبيله، أنا متعلق بالله، الله هداني.
كذلك يجب أن يكون الداعية: ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئاً وسع ربي كل شيء علماً أفلا تتذكرون. لاحظوا هذه العبارات الاعتراضية بين قوسين هذه ليست بالأمر الهين. هو يمدح ربه عز وجل بين كل جملة وجملة، يتوجه إلى الله سبحانه وتعالى بين كل عبارة وعبارة: وسع ربي كل شيء علماً أفلا تتذكرون.
وقال سبحانه وتعالى: أفتعبدون من دون الله، على لسان إبراهيم: أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم. أف لكم ولما تعبدون من دون الله. أف لكم ولما تعبدون من دون الله. هذه أف لكم تبرز الحرقة التي في قلب إبراهيم ومحبته لله سبحانه وتعالى وغضبه لله سبحانه وتعالى، يعني غضبه في الله، أنه يغضب ويحترف و يعني يتألم من كل من لا يتوجه لله سبحانه وتعالى: أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون.
وكذلك في سورة الممتحنة لما قال لقومه: إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله. هذا بالمناسبه متعلق بملمح الوضوح وعدم التزييف ما ذكرناها هناك: إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده. قمة البراء في الله سبحانه وتعالى وتبيين الحق والباطل.
ثم قال: وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم. وما إلا قول إبراهيم لأبيه لاستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء. ربنا، توجه إلى الله الآن، كان مقام محاجّ لكن توجه بعدها إلى الله: ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير. ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم.
فصار الأمر صار دعوات، بدأ الأمر بالحديث مع قومه ثم صار يعني بدأ إبراهيم يدعو ربه، يتوجه إلى ربه عز وجل، يدعو ربه سبحانه وتعالى أن لا يجعله فتنة للذين كفروا وأن يغفر له. لذلك في مقامات الدعوة لما تكون تدعو إلى الله، لما تكون تبلغ الحقائق، يجب أن تبقي هذا الأمر متصلاً بينك وبين الله عز وجل، فتتم بالدعاء لله سبحانه وتعالى، لا تبرح هذا المقام، مقام التوجه إلى الله سبحانه وتعالى حتى وانت تخالط الناس.
وهذا أيضاً ظاهر في سورة الشعراء في سورة الشعراء لما قال: أفرايتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين. لما قال: إلا رب العالمين، بدأ شوط طويل من الدعاء. كأنه كان إبراهيم عليه السلام لما قال: إلا رب العالمين، تذكر الله سبحانه وتعالى وأحب أن يدعو الله سبحانه وتعالى، وأحب أن يعرّف بالله سبحانه وتعالى هؤلاء المساكين هؤلاء الاقوام المعرضين عن الله: ترى هذا هو ربي، أنا أعرّفكم بربي الذي خلقني فهو يهدين، والذي هو يطعمني ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين، والذي يميتني ثم يحيين، والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين.
ثم بدأ بالدعاء والإخفات لله سبحانه وتعالى التوجه إلى الله: ربي هب لي حكماً وألحقني بالصالحين، واجعل لي لسان صدق في الآخرين، واجعلني من ورثة جنة النعيم، واغفر لي أبي إنه كان من الضالين، ولا تخزني يوم يبعثون، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. فهذا مقام عجيب وهذه آيات عجيبة تبرز كيف كان إبراهيم عليه السلام مع ربه.
وأيضاً قال لما قال: يا قوم إني بريء مما تشركون. فلما أفل قال: يا قوم إني بريء مما تشركون، إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين. حنيفاً وما كلمات تشعر فيها هذه العلاقة القوية مع الله سبحانه وتعالى.
وفي الختام وبعد كل هذه الملامح نذكر بهذه الآية مرة أخرى: ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفاً واتخذ الله إبراهيم خليلاً. فلا أحسن ديناً، فلا أحسن ديناً ممن كان كذلك. جزاكم الله خيراً، سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.