تسجيل الدخول

الاستهداء بالقرآن | شأن الدعاء في القرآن | المجلس الأول

عبد الرحمن أبو غيث
  • مدة الدرس:
  • قراءة

طيب، بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يا أهلاً وسهلاً ومرحبا وحياكم الله يا كرام في اللقاءات الإثرائية في البرامج، نبدأ مستعينين بالله اللقاء الأول الأسبوع الذي سيكون بإذن الله تعالى في الاستهداء بالقرآن. وكل أسبوع بإذن الله سيكون هنالك موضوع مختلف فيما يتعلق بموضوع الاستهداء، اللقاء الأول سيكون في شأن الدعاء في القرآن، والمجالس كلها تكون بإذن الله بصحبة الأستاذ عبد الرحمن أبو غيث. نبدأ مستعينين بالله، تفضل أستاذ، المايك عندك.

طيب، بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. حياكم الله، أهلاً وسهلاً طلاب البرامج أجمعين. حياكم الله في هذا المجلس الذي نتعبد الله سبحانه وتعالى ونتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بما فيه، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يخلص نياتنا، وأن يغفر لنا ذنوبنا، وأن يرحمنا، وأن يبارك لنا في هذا المجلس. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا القرآن ربيع قلوبنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا. هذا القرآن أنزله الله سبحانه وتعالى من أجل الهدى، أنزل الله سبحانه وتعالى هذا القرآن، أهم تعريف في هذا القرآن.

أهم تعريف في القرآن يصف القرآن، أهم وصف وأكثر وصف وصف به القرآن هو أنه أنزل هدى للناس، وهدى للمؤمنين، وهدى للمحسنين، وهدى للمسلمين. كل هذا جاء في القرآن، القرآن أنزله الله سبحانه وتعالى للهداية. الله سبحانه وتعالى قال لآدم لما أهبطه إلى الأرض قال: اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو، فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى، وفي سورة البقرة: فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

غاية ما نفعله في هذه الأرض أن نهتدي بهذا الهدى، لذلك من أهم الأشياء التي يفعلها الإنسان في حياته أن يستهدي بالقرآن. أن يتلمس هذه الأنوار التي أنزلها الله سبحانه وتعالى، هذه الأنوار السماوية أنوار الوحي فيهتدي بها، وينزلها في حياته، ويعمل بها، وياتدبرها. وجميعنا محتاجون إلى هذه الهدايات، لذلك واحدة من هذه الصيغ صيغ طلب الهدى الذي أنزله الله سبحانه وتعالى هي هذه المدارسات وهذه المجالس التي نتبادل فيها الهدايات، ونتدبر فيها في آيات الله سبحانه وتعالى، لعل الله سبحانه وتعالى أن ينظر إلينا ونحن منطرحون بين يدي هذا الوحي، ويمن علينا بهذه الهداية. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا بهدايته.

عنوان اليوم كما ترونه أمامكم هو شأن الدعاء في القرآن، ونحن اليوم في مجلس الاستهداء هذا لن ناخذ مقطعا من المقاطع، يعني لن ناخذ سورة من السور أو عدة آيات متتالية من سورة معينة نستهدي بها، هذه صيغة من صيغ مجالس الاستهداء. أما مجلسنا اليوم فيسمى الاستهداء بمواضيع القرآن، فنحن نختار موضوعا من الموضوعات، ونتتبع هذا الموضوع في آيات الله سبحانه وتعالى، ونحاول أن نكون أنفسنا في مختلف الآيات التي وردت حول هذا الموضوع. وموضوعنا اليوم حول الدعاء، ولن نتناول أفراد الأدعية التي جاءت في القرآن، وإنما سنهتم اليوم بشأن الدعاء في القرآن. شأن الدعاء في القرآن أي شأن الدعاء عند الله، نحاول أن نخرج اليوم من هذا الاستهداء بما هو مقام الدعاء عند الله، أن نعظم هذه الشعيرة وهذه العباده، عبادة الدعاء على وفق ما أنزله الله سبحانه وتعالى في القرآن.

وهنا نقطة مهمة جدا، وهي أن الإنسان في أبواب الدين لا يكتفي بمجرد أن يقرا على سبيل المثال فضائل هذه الشعيرة ولا فضائل هذه العباده سواء في الآيات أو في الأحاديث، وإنما يحاول كذلك يزيد فوق ذلك أن يتدبر كيف جاءت هذه الشعيرة وهذه العبادة، كيف جاءت في القرآن، كيف ذكرها الله سبحانه وتعالى، ما سياقات ورودها، ما هو شرف المواضع التي أتت فيه، حتى بعد ذلك ما الذي نريد أن نخرج به؟ نحن اليوم نريد أن نخرج بأن نعظم هذه العبادة، عبادة الدعاء، تعظيماً مستمداً من عظم موقعها من الوحي.

يعني واحدة من صور الاستهداء أن تستهدي بمكانة العبادات في نفسك، أن تستهدي وأن تطلب الهداية في الوحي بمكانة العبادة في نفسك. يعني قد تخرج من نتيجة هذا الاستهداء لا تخرج بنص معين أو بفضل معين، وإنما تخرج وأنت معظم لهذه الشعيرة وهذه العبادة تعظيماً زائداً على الذي كان في نفسك. فعلى سبيل المثال نحن نعلم كثيراً من فضائل الدعاء، ونعلم كثيراً من أجورها، ونعلم كثيراً من صيغها، والدعاء لا يخفى علينا عظمه عند الله سبحانه وتعالى. لكني أجزم أن كل من يتدبر في الآيات تدبراً كي يعلم موقعها من الوحي ووزنها في الشريعة، فستضاف إلى نفسه أنواعاً من التعظيم وأنواعاً من الفقه في الدين لا يتحصل بغير ذلك ولا يعوض عنها غيرها.

فالدعاء في القرآن، وهنا يعني الدعاء هو أحد الأمثله على مركزيات القرآن، إن صح التعبير، مركزيات القرآن. ماذا أعني بمركزيات القرآن؟ أعني بالمعاني التي تكررت في القرآن كثيراً، فالمعاني التي تكررت في القرآن كثيراً وجاءت في مختلف السور هي أولى من غيرها بالعناية وبالتدبر وبالاستهداء وبالتتبع، هي أولى من غيرها والعبد أحوج إليها من غيرها. لذلك كما يقول الإام ابن تيمية رحمه الله: كلما كان العبد إلى الشيء أحوج كان الله سبحانه وتعالى به أجود.

كلما كان العبد إلى الشيء أحوج كان الله سبحانه وتعالى به أجود، فكلما احتاج الإنسان إلى معنى معين تجده، كلما اشتدت الحاجة تجده منثوراً في آيات الله سبحانه وتعالى في كل السور. وعلى سبيل المثال، تذكر الآخرة أو العلم بالله، العلم بالله وتذكر الآخرة هذه تجدها في كل السور، تجدها في كل مكان، تجدها سهلة ميسرة موجودة في مختلف السياقات، لماذا؟ لأن العبد في أشد الحاجة إليها، في أشد الحاجة إليه. فكلما تكرر المعنى في القرآن كان العبد أحوج إليه وكان أيسر في التحصيل وفي التدبر، وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى.

لذلك أعظم أنواع التدبر وأعظم أنواع الاستهداء ما كان بالحقائق الكبرى، ليس ما كان استهداء بالمعاني الخفية الدقيقة المتعلقة بالفروع إن صح التعبير، وإنما المتعلق بالمعاني الكبرى، المعاني التي تكررت في مختلف السور، المعاني المركزية في كتاب الله سبحانه وتعالى. هذه أولى المعاني بالتدبر، وواحدة منها هو القرآن. فنحن نريد اليوم أن نتتبع بعض الآيات وليس كل الآيات، ونخرج منها بمعان. وهذه المعاني التي نريد أن نخرج منها على راسها هو زياده تعظيم هذه الشعيرة في النفس، وزيادة فقه لموقعها من الشريعة، فنزداد فهما للدين بفهم مواقع أفراد العبادات.

طيب، ما هي دلائل أن هذه الشعيرة هي من المركزيات؟ أو ما هي مظاهر وتمثلات أن هذه الشعيرة شعيرة الدعاء؟ شأن الدعاء في القرآن عجيب جداً، وسنرى في لقائنا هذا طرفاً من ذلك، سنرى كيف بمجرد ملاحظة السياقات، مجرد ملاحظة مواضع ورودها، سترى عجباً في كتاب الله سبحانه وتعالى.

فأول ما نلحظه، أول ما نلحظه أنها كما ذكرنا أولاً أنها تكررت كثيراً في كتاب الله سبحانه وتعالى. فمثلاً، على سبيل المثال، لو بحثت في محرك البحث عن أدعية القرآن ستجد كثير من المؤلفات التي تتناول أدعية القرآن، وستجد العشرات وإن لم تكن المئات من الأدعية المنثوره في كتاب الله، هذا من جهة التكرار. هناك جهة أخرى، هو تعاقب الأدعية وطول المقاطع. طول المقاطع، الله سبحانه وتعالى في هذا الكتاب العزيز الكريم، أفضل الكتب، هذا الكتاب الذي في النهاية كلماته محدودة، اختار الله سبحانه وتعالى أن يسوق لنا فيه مقاطع طويلة كلها أدعية، كلها أدعية تعقب بعضها بعضاً. وهذا مثال، على سبيل المثال: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ، رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ.

ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون. ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء. الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء. رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء. ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب.

حقيقة هنا يتساءل الإنسان لماذا يسوق الله سبحانه وتعالى لنا هذه المقاطع بطولها. هذه المقاطع بطولها كيف الله سبحانه وتعالى لما أنزل هذا الكتاب طبعا كلمات الله لا تنفد لكن في هذا القرآن يعني هناك أجزاء محددة وهناك كلمات محددة اختارها الله سبحانه وتعالى واصطفاها الله سبحانه وتعالى لنا اصطفاء من كلماته التي لا تنفد فاختار أن تكون هذه الكلمات في القرآن ثم بعد ذلك تكون في كثير من هذه المواضع أدعية بطولها يسوقها الله سبحانه وتعالى لنا.

هنا تعلم أن الله يحب الدعاء، هنا تعلم أن الله سبحانه وتعالى يحب الدعاء ويحب هذه الأدعية ويحب أن يسوق لنا أدعية أوليائه بنص كلامهم وبمختلف دعواتهم ويسعقب بعضها بعضاً. فهذا موضع وكثير من المواضع في القرآن تجد وسناتي على بعضها تجد أنه يسوق الله سبحانه وتعالى الأدعية ربنا ربنا ربنا تجد المقاطع طويلة وأن الأدعية متعاقبة، فهذا مما يدل على شرف الدعاء وعلى شان الدعاء عند الله سبحانه وتعالى.

فقلنا أولاً تكرر الأدعية، ثم طول المقاطع وتعاقب الأدعية، كذلك الأمر الثالث هو شرف هذه المواضع. شرف هذه المواضع يعني أحياناً أحياناً أنت تعلم مركزية المعنى في القرآن من تكرره، وأحياناً تعلم مركزيته من شرف الموضع وشرف السياق الذي ورد فيه، والدعاء قد تحقق في كليهما فهو تكرر كثيراً في القرآن وتكرر في مواضع طويلة ثم بعد ذلك جاء في مواضع شريفة، جاء الدعاء في مواضع شريفة وجليلة شرفها الله سبحانه وتعالى وعظمها كذلك النبي صلى الله عليه وسلم.

وعلى رأس تلك المواضع على رأس تلك المواضع سورة الفاتحة. سورة الفاتحة هي أعظم سورة في القرآن، أعظم سورة في القرآن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا كانت أعظم سورة في القرآن إنما هي دعاء. أعظم سورة في القرآن إنما هي دعاء، الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإاياك نستعين هذه كلها تهيئة للدعوة، اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.

هذا الحقيقة أيها الأحبه المستمعون أيها الأحبة الكرام، هذا الموضع مجرد أن تعلم أن أعظم سورة في القرآن إنما هي دعاء هذا يجعل الدعاء في نفسك يأخذ منزلة مختلفة تماماً عما تعلمه عن الدعاء سابقاً، أنك تعلم أن أعظم شيء عند الله نحن لا نقول هذا الكلام أعظم من كلام البشر فقط بل نقول هذا أعظم من كل القرآن، هذه أعظم سورة في القرآن أعظم من باقي السور وتكون ما محتوى هذه السورة هي دعاء، دعاء اهدنا الصراط المستقيم وقبلها ثناء على الله سبحانه وتعالى وأسمائه وصفاته وبعدها تفصيل في الدعوة اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.

لذلك نحن في كل صلاة نؤمن بعد قراءة الفاتحة نؤمن لأن هذا دعاء فنقول آمين، فتذكر حينئذٍ أن الله سبحانه وتعالى ما عظم هذه السورة، ما عظم هذه السورة التي هي في فحواها هي إنما هي دعاء إلا لشرف ما فيها ومن أهم ما فيها هو هي هذه الدعوة، أنه أن أن هناك توجهاً إلى الله سبحانه وتعالى وطلباً لله سبحانه وتعالى بالهدايه وهذا وهذا شرف عند الله سبحانه وتعالى وهذه مكانة عظيمة عند الله سبحانه وتعالى.

فهذه إحدى المواضع، الموضع الثاني هي المعوذتين، قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد. هذه دعوة كذلك، هذه استعاذة بالله سبحانه وتعالى وطلب بأن يعيذك الله سبحانه وتعالى، وكذلك سورة الناس، قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس.

وأنتم تعلمون شرف المعوذتين وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقراهما كثيراً، وكذلك من المواضع التي كان يكررها النبي صلى الله عليه وسلم ولها فضل خاص هي آخر آيتين من البقرة كما قال فيهما النبي صلى الله عليه وسلم من قرأهما في ليلة كفتاه، وتعلمون في أواخرها ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا وانصرنا على القوم الكافرين.

فهذه الآيات الشريفة والتي لها شرف واختصاص إنما هي كذلك فيها دعوات لله سبحانه وتعالى. وكذلك من المواضع التي كان يكررها النبي صلى الله عليه وسلم هي آخر آيات سورة آل عمران وفيها توجه إلى الله سبحانه وتعالى ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار، ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا إلى آخر الآيات إلى أن قال الله سبحانه وتعالى فاستجاب لهم ربهم.

فهذه دعوات كان يكررها النبي صلى الله عليه وسلم حين يقوم من الليل كان ينظر إلى السماء ويقرا هذه الآيات، فحينها تعلم أن شرف الدعاء موقع الدعاء عند النبي صلى الله عليه وسلم كان عظيماً وعظم الدعاء عند الله سبحانه وتعالى عظيم جداً إذ ورد في هذه المواضع فضلاً عن غيره.

وأيضاً هذه التي ذكرناها وأيضاً من المواضع الشريفة هذا الموضع الذي كان يكلم موسى عليه السلام فيها ربه، وهذا حقيقة بالنسبة لي هو من أشرف المواضع ومن أكثرها هيبة في النفس إذ يسوق الله سبحانه وتعالى هذا الحديث لما أتى موسى إلى هذا الوادي فقال له ربه إخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى وأنا اخترت فاستمع لما يوحى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري.

هذا الموضع الشريف الجليل الذي فتحت فيه نافذة إلى السماء، تكلم الله سبحانه وتعالى وناجى موسى وكلم موسى وموسى كلم ربه في هذا الموضع الشريف، اختار الله لنا سبحانه أن يسوق لنا هذا حديث من رحمته بين لنا ما الذي تحدث به موسى ما الذي قاله، قاله الله سبحانه وتعالى كيف تحدث الله كيف تحدث موسى ماذا قال ماذا اختار من الكلمات.

ثم نقل الله سبحانه وتعالى لنا هذه الكلمات كي نعلم شرفها وكي نعلم عظمها وكي نعلم أنها كانت مناسبة لذلك المقام مقام التحدث مع الله سبحانه وتعالى في ذلك المقام. انظروا ماذا قال موسى لما كلفه الله سبحانه وتعالى بالرسالة، لما قال له اذهب إلى فرعون إنه طغى، كانت أول كلمة بعد هذا التكليف، أول كلمة كانت دعاء من موسى عليه السلام كانت دعاء، قال رب اشرح لي صدري.

وانظروا بعد ذلك كيف تعاقب الأدعية، كيف هذه الدعوة تبعتها الدعوة الأخرى ثم الدعوة الثالثة ثم التالية، فصار موضعاً من مواضع الجليلة لدعاء الله سبحانه وتعالى وهو يحدثه، وهو يحدثه فكان موسى عليه السلام شعر بقرب الله سبحانه وتعالى شعر بقرب الله سبحانه وتعالى فعلم أن هذا من اشرف المواضع للدعاء.

وهناك هناك ارتباط بين القرب وبين الدعاء كما قال الله سبحانه وتعالى وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان، فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان، وكذلك أنه قريب مجيب في القرآن ورد أنه قريب مجيب، ولذلك ولذلك أقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد فذلك موضع الدعاء، ذلك موضع الدعاء موضع السجود ليش؟ لأن هناك قرباً من الله سبحانه وتعالى.

وهذا الموضع الذي شعر فيه موسى بقرب الله قرباً خاصاً لا يشبهه قرب آخر، تكلم مع الله سبحانه وتعالى وكلمه الله سبحانه وتعالى. في هذا الموضع اختار موسى أن يكون حديثه مع الله سبحانه وتعالى دعوات يرفعها إلى السماء، فقال: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ۝ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ۝ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي ۝ يَفْقَهُ قَوْلِي. لاحظوا كيف يفصل موسى عليه السلام: وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي ۝ هَارُونَ أَخِي ۝ اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ۝ وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ۝ كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ۝ وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ۝ إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا.

قال: قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى. قال: قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى. الله سبحانه وتعالى قريب مجيب، قريب مجيب. فلما كان هذا القرب وكانت هذه الدعوات، قال الله سبحانه وتعالى: أجيب، فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان. وقبلها الموضع السابق الذي ذكرناه، فاستجاب لهم ربهم، بعد أن ذكرنا الدعوات قال: فاستجاب لهم ربهم. وهنا قال الله سبحانه وتعالى: قال قد أوتيت سؤلك يا موسى.

فهذا موضع شريف أن يكون في هذا الحوار وفي هذا الحديث أن يسوق الله لنا سبحانه هذه الدعوات بطولها. هنا تعلم أن الله سبحانه وتعالى أحب تلك الدعوات، وتعلم أن الله سبحانه وتعالى يعلمنا أنه كان من أشرف ما تكلم به موسى في ذلك الموضع هي هذه الدعوات، وأنها من أعظم ما يتحدث به العبد، أن يدعو العبد ربه عز وجل.

طيب، هذا بالنسبة لشرف المواضع، الآن تكلمنا عن شرف تلك المواضع، تكلمنا عن سورة الفاتحة، عن المعوذتين، عن آخر سورة البقرة، عن آخر آل عمران، تكلمنا عن هذه هذا الموضع، ثم بعد ذلك لنتأمل أمراً آخر في القرآن، أمراً آخر ما هدفه؟ هدفه كذلك أن نعلم أن الله يحب الدعاء، وأن نعظم الدعاء تعظيماً زائداً على مجرد التعظيم الذي كان مستقراً في أنفسنا قبل أن نطلع على هذه المواضع.

وما هو هذا؟ هو ملاحظة سياقات ورود هذه الشعيرة. كيف ذكر الله سبحانه وتعالى الدعاء؟ لماذا قدم له؟ أين اختار موضعه؟ إذا تأمل الإنسان السياق، سياق ورود الأمر في القرآن الكريم، فهذا يفتح له أبواباً من الفقه في الدين، ولذلك تأملوا معي في هذا الموضع.

تأملوا معي في هذا الموضع، يقول الله سبحانه وتعالى في بداية سورة الكهف، وبالمناسبه حتى بداية سورة الكهف هي لها موضع، لها خصوصية، ولها شرف أنها مما يحتمي بها الإنسان من الفتن. طيب، قال الله سبحانه وتعالى بعد أن قدم في الآيات الأولى في أول تسع آيات من سورة الكهف، قال في الآية التاسعة: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا. يعني هل ظننت يا محمد أن هذه القصة هي أعجب ما سمعت وأن هذه الآية فيها معنى أن هذه القصة فيها من العجائب؟

الشاهد، أين الشاهد؟ بماذا افتتح الله سبحانه وتعالى هذه القصة؟ قصة أصحاب الكهف التي سأل عنها اليهود، بماذا افتتحها؟ كيف قدم الله سبحانه وتعالى هذه القصة؟ ماذا كان أول شيء ذكره الله سبحانه وتعالى؟ هل ذكر هؤلاء الفتية على سبيل المثال أول ما أسلموا وأول ما اهتدوا، ولا عندما آذوهم قومهم، ولا عندما يعني هناك مواضع كثيرة قد يبتدئ الإنسان بها إذا أراد أن يحكي قصة ما؟

انظروا هذا الموضع الذي ذكره الله سبحانه وتعالى بداية للقصة، بداية لقصتهم، قال: إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِلدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا. أول شيء ذكره الله سبحانه وتعالى في قصتهم التي استمرت بعد ذلك في عدة آيات، أول شيء ذكره الله في هذه القصة العجيبة المليئة بالعجائب وبالعبر، هو موقف ذهابهم إلى الكهف وسجل تحديداً دعاءهم، سجل تمتمات لسانهم في ذلك الموضع، سجل ما تفوهوا به، قيده الله سبحانه وتعالى لنا، نقله لنا، لماذا؟

يعني هذا شيء عجيب، أولاً لماذا ذكره الله سبحانه وتعالى؟ لماذا ذكره الله سبحانه وتعالى؟ يعني الإنسان إذا أراد أن يحكي قصة ما قد يقول، قد يقول هذه القصة بدون أن يذكر ما الذي قاله فلان، فضلاً عن أن يكون ما قاله هو مجرد دعاء، بالنسبة لنا أحياناً نحن نتعامل مع الدعاء، يعني على سبيل المثال، قد يقول الإنسان يريد أن يحكي قصة ناس ثابتين، أو أنت إذا اردت أن تحكي قصة أهل الكهف، الآن إذا اردت أن تحكي قصة أهل الكهف لابنائك، اردت أن تحكيها لأصحابك، اردت أن تحكيها لواحد على سبيل المثال أسلم لتوه لا يعرف هذه القصة، ماذا ستقول؟ ماذا كنت لتقول في هذه القصة وأنت تعلم ماذا قال الله سبحانه وتعالى في القرآن؟

غالب الناس سيقولون إذا أرادوا أن يحكوا القصة سيحكون الأحداث، سيقولون: إذ أوى الفتية إلى الكهف، أنهم ذهبوا إلى الكهف، وضرب الله على آذانهم، ثم بعثهم الله سبحانه وتعالى، ثم كذا، ثم كذا، ثم بعثهم، ستحكي الأحداث. لكن تخيلوا واحداً يحكي هذه القصة ويقول: ذهبوا إلى الكهف، وهم ذاهبون قالوا هذا الدعاء، قالوا هذا الدعاء، هذا شيء يعني ليس معتاداً بين البشر، أنك حينما تحكي قصة أن تقول إن فلاناً دعا. طيب، قد يقول الإنسان إنهم دعوا الله سبحانه وتعالى ويكتفي بذلك، لا، في هذه القصة أنت تقول إنهم ذهبوا إلى الكهف وأنهم دعوا، وثم تفصل هذه الدعوة وتذكر هذه الدعوة. فكيف لو كان من قال لنا ذلك هو الله سبحانه وتعالى؟ حينها تعلم أن الله الحكيم الذي أحكم آياته، ولا يذكره شيئاً عبثاً، ولا يوجد شيء زائد في هذه القصة، تعلم أن هذا من أعظم مواضع هذه القصة: أنهم لما أووا إلى الكهف قالوا: رَبَّنَا آتِنَا مِلدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا.

هذا الموضع وهذه الدعوات هي من أعظم ما تفوهوا به، وهي من أعظم ما نقله الله سبحانه وتعالى لنا، وهذا شيء عجيب، شيء عجيب أن ينقله الله سبحانه وتعالى لنا، وشيء عجيب آخر، شيء عجيب آخر أن يبدأ الله سبحانه وتعالى به القصة، أن يبدأ الله سبحانه وتعالى به القصة، يبدأ الله سبحانه وتعالى اختار أن تكون البداية من تلك الدعوات، أن تكون بداية القصة من تلك الدعوات.

لذلك، لذلك هناك موضع آخر يشبه هذا الموضع، أن تكون بداية القصة هي من لحظة الدعاء، بداية القصة التي يختارها الله سبحانه وتعالى لنا هي لحظة النداء رغم أن هناك أحداثاً أخرى سبقتها. وهذا الموضع على سبيل المثال في سورة مريم، في سورة مريم أتت قصة زكريا وقصة مريم وقصة آل عمران عموماً، قال الله سبحانه وتعالى: كَهِيعَصَ ۝ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا. الآن الله سبحانه وتعالى رحم عبده زكريا، وفي هذا قصة طويلة ساقها الله سبحانه وتعالى في هذا الموضع وفي غيره، لكن لاحظوا، لاحظوا يا جماعه كيف كيف كان المدخل إلى القصة؟ المدخل إلى القصة، أول حدث يسوقه الله سبحانه وتعالى لنا: إِذْ نَادَى. هنا بدأت الحكاية، هنا بدأت القصة، وهنا بدأ الحدث، وهنا عند الله سبحانه وتعالى هذه أشرف بداية، أشرف بداية يختارها الله سبحانه وتعالى لنا، أن يكون النداء أن يكون النداء هو محور القصة، أن يكون النداء هو محور القصة.

يقول الله سبحانه وتعالى: إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا. عجب، يعني هذه هذا مطلع عجيب، هذا مدخل عجيب إلى هذه القصة أن يبدأ الله بهذه الطريقة، أن: إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا. ثم ذكر الله لنا دعاء زكريا بطوله وفصل فيه وذكره، بل ذكر حتى هيئته التي لم يتفوه بها زكريا فقال: نِدَاءً خَفِيًّا. نداء خفياً.

حقيقة أن الإنسان يقرأ هذه الآيات وهو يستشعر ويلمس محبة الله سبحانه وتعالى لتلك الدعوات، وأن هذه من الأمور العظيمة التي يعظمها الله سبحانه وتعالى ويحبها من عبده، فقال: إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ۝ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ۝ وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن

ورائي وكانت امراتي عاقرا فهب لي من لدنك ولیا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله ربي رضيا. هذه بداية القصة.

هذه بداية القصة، بداية القصة دعاء خفي يسوقه الله سبحانه وتعالى لنا بطوله، وهذا مدخل والله إذا تأمله الإنسان يعظم الدعاء في نفسه ويعظم شأن الدعاء وأولويته في نفسه، وكذلك في أولويته في فهم الدين. فهذا الفقه في هذا الأمر يعقبك أولوية في العمل وفهما للدين.

فهمًا للدين أن تفهم أن هذه الشريعة وهذه الشعيرة تحديدا تقع في الدين موقعا عظيما، وزنها أعظم مما كنت تعتقد. ثم بعد ذلك قال الله سبحانه وتعالى: يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا.

فاستجاب الله سبحانه وتعالى لنا، وكثيرا ما يسوق الله سبحانه وتعالى الدعاء في كتابه ثم يعقبه باستجابته. بل إن هذا هو الأصل؛ أن الله سبحانه وتعالى إذا ذكر دعاء أنه يقول إنه استجابه وأنه يجيب الدعاء.

الموضع الثالث المشابه: ما زلنا في سياقات الورود، وما زلنا تحديدا في نقطة كيف أن الله سبحانه وتعالى يبدأ القصص من لحظة النداء، من لحظة الدعاء. فهنا في سورة كما تعلمون، في سورة الصافات في الصفحات الأولى كلها تتحدث عن الجنة والنار وعن الكفار وكذا، ثم بعد ذلك الصفحات التالية كلها كانت قصصا، كلها قصص قصص الأنبياء، تبدأ بقصة نوح، ثم قصة إبراهيم، ثم تبدأ قصص موسى وعيسى، وكلها فيها دعوات إلى الله سبحانه وتعالى ولطف الله سبحانه وتعالى بهم.

كان المدخل، لا أقول فقط لقصه نوح بل لكل القصص، الفاصل بين ما تقدم من ذكر الجنة والنار وبين القصص كلها كان هذا المدخل الذي يذكرنا بالمدخل السابق؛ مدخل عجيب أن يقول الله سبحانه وتعالى: وَلَقَد نَادَانَا نُوحٌ. ولقد نادانا نوح، الآن هذه ما جاءت في وسط القصة، هذه أول شيء يذكره الله سبحانه وتعالى: وَلَقَد نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ.

هذه من أعظم الآيات، هذه من أعظم الآيات: وَلَقَد نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ. وبعد ذلك يذكر الله سبحانه وتعالى إجابة دعائه لأوليائه، وكثير ما يذكر الله سبحانه وتعالى دعاء الأنبياء ثم إجابته لهم: وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ، وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمُ الْبَاقِينَ، وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ، سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ، إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخِرِينَ.

كل هذا تبع لهذا المدخل الأول؛ لما نادى الله سبحانه وتعالى نوحا، لما نادى نوح أجاب الله سبحانه وتعالى بأن نجاه، وبأن ترك عليه في الآخرين، وبأن جعل ذريته هم الباقين، وبأن أغرق الآخرين، كلها بدأت من النداء. بدأت من النداء. وهذا يذكرنا أيضا بموضع في سورة الأنفال كذلك، أنا ما وضعت الموضع هنا أمامكم، لكن في سورة الأنفال لما قال الله سبحانه وتعالى: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ.

الآن بعد ذلك سيبدا الله سبحانه وتعالى بذكر الحدث، تبدأ الأحداث من ساحة المعركة، ما الآيات التي قبلها كانت تتحدث عن الخروج، كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، لكن لما بدأ الحديث عن ساحة المعركة كان أول حدث ذكره الله سبحانه وتعالى قال ماذا؟ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ. هذا أول شيء: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ. لاحظوا الاستجابة: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ. وما جعله الله إلا بشرى لكم.

ثم بعد ذلك، بعد ذكر الاستغاثة التي استغاثها النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، ذكر أفعاله كما ذكر في هذا الموضع: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النِّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاءِ مَاءً. قال بعدها: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ. للمشهد الأول من ساحة المعركة هو مشهد الاستغاثة بالله سبحانه وتعالى، فهذا موضع رابع في أن الله سبحانه وتعالى يبدأ الأحداث بهذا الأمر؛ بامر الاستغاثة والدعاء.

طيب، نفتح، نقلم صفحة ونلمح ملمحا آخر من موضوع الدعاء وسياقات وروده في القرآن. نلاحظ أن الدعاء في القرآن هو ثمره رؤية الآيات. الدعاء في القرآن هو ثمره رؤية الآيات، وهذا مأخوذ من قوله تعالى لما زكريا راى آية الله سبحانه وتعالى، بأن، كما قال الله سبحانه وتعالى: كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا -أي على مريم- كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ.

الملمح العجيب والتي تعبر عنه الكلمة التالية: هُنَالِكَ. هنالك؛ أي بعد هذا الموقف الذي رأى فيه زكريا الآية متمثلة أمام عينه، هنالك دعا زكريا ربه. هنالك دعا زكريا ربه، ولاحظوا ارتباط الدعاء بزكريا، قال: رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ، إلى آخر الآيات.

الذي اريد أن اقوله إن الانسان كلما راى الانسان آيات الله سبحانه وتعالى، وكلما شاهد آثار صفات الله سبحانه وتعالى في الأرض، كلما كان قلبه أقرب إلى الله وأكثر توجها إليه وأكثر دعاء إلى الله سبحانه وتعالى. كلما شاهد الإنسان الآيات، كلما شاهد آثار صفات الله سبحانه وتعالى، آثار رحمة الله سبحانه وتعالى، آثار قوة الله سبحانه وتعالى، آثار علم الله سبحانه وتعالى، آثار حكمة الله سبحانه وتعالى، كلما اقترب الإنسان من العلم بالله ومشاهدة الآيات كلما كان أكثر توجها إلى الله سبحانه وتعالى.

ولذلك في موضع آخر كذلك في سورة آل عمران، لاحظوا كيف، لاحظوا كيف السياق، قال: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ. لاحظ رؤية الآيات: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. لاحظوا كل هذا رؤية للآيات تفكرا في الآيات.

طيب، ما الذي أعقبه؟ أعقبه هذا التفكر وهذه الرؤية للآيات، قالوا: رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ. رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا. رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ. رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ. فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ. فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ.

مقطع طويل مهيب عظيم في دعوات متنوعة عجيبة متعاقبة، ربنا، ربنا، ربنا، إلى أن قال: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ. طيب، ما الذي كان محركا لهذه الدعوات؟ ما هو المحرك؟ ما هي البداية؟ البداية كانت النظر في السماوات والأرض، التفكر في خلق السماوات والأرض الذي يجعلك تقول: رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. تبدأ الدعوات حينما تلاحظ حكمة الله، حينما تلاحظ حكمة الله سبحانه وتعالى أنه ما خلق هذا باطلا، حينما تلاحظ إتقان الله في خلقه وقوة الله سبحانه وتعالى في خلقه وعزة الله في خلقه، حينما تلاحظ كل ذلك هذا يسوقك إلى أن تدعو الله سبحانه وتعالى لأنك رايت الآيات.

ولذلك كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان يقرا هذه الآيات: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، كان ينظر إلى السماء -في الحديث- كان ينظر إلى السماء ويقول هذه الآيات، ثم بعد ذلك يقول: ربنا، ربنا، ربنا. ففكرة النظر إلى الآيات، طيب ما الفائدة من هذه النتيجة؟

هذه النتيجة تقول لنا إنه كلما كنت -كما ذكرنا- كلما كنت مطلعا على الآيات متفكرا في الآيات، كلما كنت أكثر دعاء وتوجها إلى الله سبحانه وتعالى وأكثر أنابة. أنابة؛ المعنى الذي أُريد أن أقوله هو الإنابة. التفكر المستمر في الآيات يقودك إلى الإنابة، والإنابة تجعلك ترى الآيات، كثرة الإنابة وكثرة دعاء الله سبحانه وتعالى وذكر الله، لذلك هنا: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ، جعلتهم يعتبرون.

بالآيات لأولي الألباب يعتبرون بالآيات، ويتوجهون إلى الله سبحانه وتعالى؛ فأكثر الناس تذكراً بالآيات هم أكثر الناس إنابة إلى الله سبحانه وتعالى؛ لذلك يقول الله سبحانه وتعالى: وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ.

ويقول الله سبحانه وتعالى في سورة ق: قال ماذا؟ قال: أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ، وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ. بعد كل النظر إلى الآيات قال: تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ. للذين يتوجهون إلى الله سبحانه وتعالى بالدعوات وبالعبادة.

فهذا موضع آخر، الموضع الثالث والصفحة الجديدة التي نلتقبها في التأمل في الآيات الواردة في شأن الدعاء: أن الله سبحانه وتعالى أنك تشعر من مجموع ما ترى في القرآن أن أمر الإجابة عند الله سبحانه وتعالى هين، وأن أمر الإجابة هو أمر سهل عند الله سبحانه وتعالى، وأن الله يجيب عبده ولا يبالي، وأن الله سبحانه وتعالى يعني بالنسبة للعبد لا يمنعه بين أن يتحصل على الإجابة إلا أن يدعو الله سبحانه وتعالى وأن يقوم بحق هذا الدعاء وشروطه.

ما في إلا أنك تدعو الله سبحانه وتعالى ثم الأمر سهل عند الله، الأمر بسيط، الأمر ليس كما في مقاييس البشر؛ هل هذا ممكن؟ هل هذا غير ممكن؟ أنت تسأل الله سبحانه وتعالى؛ لذلك تجد مواضع عجيبة، من ضمنها هذا الموضع: أن داود عليه السلام قال: وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ. بكل سهولة، الآية التالية مباشرة يقول الله سبحانه وتعالى: فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ.

وأيضاً يقول الله سبحانه وتعالى قول موسى عليه السلام: قال رب إنّي ظلمت نفسي فاغفر لي؛ قال: فغفر له. بكل هذه البساطة، بكل هذه السهولة، الأمر عند الله سبحانه وتعالى هين، كما قال الله سبحانه وتعالى لزكريا، وكما قال الله سبحانه وتعالى لمريم: قال كَذَلِكَ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.

وكذلك زكريا لما دعا قال: كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، لا تستغرب، قال: كذلك، قال ربك ليس لا يمنع الله سبحانه وتعالى، ليس بين أن يستجيب الله سبحانه وتعالى إلا أن يقول إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون. قال: رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً؟ قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُنْ شَيْئاً.

عند الله سبحانه وتعالى الأمر هين، الأمر هين، وهذا تلمسه من كثير من الآيات؛ لذلك في سورة الأنبياء في موضع عجيب أو في عدة مواضع، سبحانه وتعالى يذكر الدعاء ثم يذكر ذكر فاستجبنا، ويذكر الدعاء فاستجبنا. كما قال الله سبحانه وتعالى: وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ، وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهٖ مِنْ ضُرٍّ، وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ؛ قال مباشرة: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ.

ثم بعدها: وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ، قَالَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ. فالأامر عند الله سبحانه وتعالى ما يعني ما بينك وبين الأمر إذا أراده الله سبحانه وتعالى إلا أن تدعو، إلا أن تدعو والله سبحانه وتعالى يجيب. لذلك الله وجه لنا نداء، وجه لنا نداء: ادعوني استجب لكم. وقال: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ. يعني ادعوا يا، فقط ادعوا، والله سبحانه وتعالى هو المجيب.

طيب، الملمح التالي من الآيات: أن الدعاء الدعاء بالنسبة لأولياء الله سبحانه وتعالى إن صح التعبير، إن صح التعبير هي حالة مستمرة، هو لا يفر إلى الدعاء في موضع معين؛ يعني إذا في يوم معين من الأيام ثم ينقطع، ولا في ساعة معينة ثم ينقطع.

العبد عند الله سبحانه وتعالى، العبد الولي الذي يحبه الله سبحانه وتعالى، هو المرتبط بالله سبحانه وتعالى؛ فما يطرا عليه أمر، أما نعمة وأما ابتلاء، وأما خوف وأما رجاء، وأما أي مدخل يدخل على الإنسان، هو في حالة تعلق مع الله سبحانه وتعالى؛ ما بينه وبين أن يتوجه إلى الله سبحانه وتعالى إلا أن يتم بلسانه، هو جاهز، مجرد ما يطرا له أمر يدعو الله سبحانه وتعالى.

ولاحظ لاحظ هذه الحالة في حالة التعلق بالله سبحانه وتعالى في موسى عليه السلام؛ لاحظوا هذه المواضع، على سبيل المثال: لما وكزه موسى فقضى عليه قال: هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ. مباشرة، مباشرة.

وخلوا بالكم يا جماعة؛ هذه كلها، كل المواضع هذه قبل بعثة موسى عليه السلام، قبل بعثة موسى عليه السلام، قبل أن يرسله الله سبحانه وتعالى، لكنه كان مؤمناً بالله سبحانه وتعالى، وكان متعلقاً بالله سبحانه وتعالى؛ قال: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

لاحظوا قال: رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ. هو متعلق بالله سبحانه وتعالى، هو يخاطب الله سبحانه وتعالى. ثم بعد ذلك فلما قال له رجل: إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين، فخرج منها خائفاً يترقب؛ قال: رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. ولما توجه تلقاء مدين قال: عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ. ثم بعد ذلك فسقى لهما، ثم تولى إلى الظل فقال: رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ.

يا جماعة، الله سبحانه وتعالى أحب هذه الحال من موسى عليه السلام، أحب هذه الحال، ولذلك ذكرها لنا وفصلها لنا، وذكر لنا نص ما قاله موسى في شتى المواضع. سبحانه وتعالى يريد من عبده أن يكون متصلاً بالله عز وجل، كلما طرأ عليه طارئ بمختلف أنواع تلك الطوارئ هو متوجه إلى الله سبحانه وتعالى، يرفع يدي يديه إلى الله سبحانه وتعالى.

يعني مرات ومرات، بل في اليوم الواحد يتوجه إلى الله سبحانه وتعالى عدة مرات، إذا خرج قال: ربي يسر لي أمري، إذا أراد إذا خاف شيئاً قال: ربي نجني، إذا شعر بحاجة قال: ربي إني لما أنزلت من خير فقير، إذا اقترف ذنباً ربي إني ظلمت نفسي. لاحظوا مواضع مختلفة؛ ولذلك ذكرنا الموقف السابق لما قال له: اذهب إلى فرعون إنه طغى؛ كان أول ما قال موسى قال: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي. عجيب هذا الارتباط، عجيب هذا الارتباط بالله سبحانه وتعالى، الله يريدك أن تكون مرتبطاً به.

الآن الإجابة، الإجابة أمر آخر في هذه المواضع لما تتاملها، الإجابة أمر آخر. الآن التوجه وإبراز لفكره حالة التعلق، هذه حالة التعلق؛ أنك ما تخطو خطوة إلا تدعو الله، ما تكلف بمهمة إلا تدعو الله، ما تخاف شيئاً إلا تدعو الله؛ هذه حالة التعلق بالله سبحانه وتعالى.

طيب، وكذلك من الملامح، ولعله من من المواضع الأخيرة، هذا الموضع العجيب الذي بالنسبة لي هو من أعجب المواضع، بالنسبة لي هو من أعجب المواضع، لماذا من أعجب المواضع؟ الآن تاملوا القصة، تاملوا القصة: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ.

ما هي القصة؟ قصة رفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل. تمام، أنا الآن جاهز لاستمع هذه القصة، قصة رفع إبراهيم واسماعيل للقواعد من البيت، ما الذي حدث، كيف رفعوا القواعد، ما الذي فعلوه، بماذا بدأوا، أم ما الذي حصل في هذه القصة؟ أنظر ماذا قال الله سبحانه وتعالى وهذا أمر عجيب، هذا موضع عجيب وشريف: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ.

وَزَكِّيُمْكَ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. انتهت القصة، انتهت قصة رفع إراهيم القواعد من البيت وإسماعيل. ما هي القصة وما الذي حصل؟ الكل ما أراد الله سبحانه وتعالى أن يسوقه لنا في هذا الموضع هو دعاء إبراهيم وإسماعيل، هو دعاء إبراهيم وإسماعيل، لا شيء آخر، لا شيء آخر، وهذا أمر عجيب.

كما ذكرنا، لو أراد واحد من البشر أن يحكي قصة رفع إبراهيم القواعد من بيت اسماعيل، ما الذي سيقول؟ ماذا كنت أنت كإنسان؟ ماذا كنت لتحكي في هذه القصة؟ قصة هل من الطبيعي أن يحكي الإنسان قصة إنسان ذهب إلى، على سبيل المثال، لنقل إنسان ذهب كي يدعو الله سبحانه وتعالى وهو في طريق ذهابه تقول: دعا وقال كذا وكذا وكذا وكذا، ودعا كذا وكذا وكذا، ودعا كذا وكذا، ثم خلاص تنهي القصة.

طيب، بالنسبة للناس قد لا يعير انتباهاً لهذه الدعوات. طب ما شاني أنا؟ يعني قد يقول قائل: ما شاني أنا بهذه الدعوات بينه وبين الله سبحانه وتعالى؟ لا، الله يبرز لنا تلك الدعوات وكأنها هي الغاية، هذه غاية، هذه هي فحوى القصة: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. الله يعلمنا دعاءهم، يعلمنا أنهم دعوا الله في في ذلك الموضع، وكيف دعوا الله، وبماذا استشهدوا، وبأي أسماء من أسماء الله سبحانه وتعالى ذكروها؟ هذا موضع شريف وموضع عجيب تعلم منه مرة أخرى أن الله يحب الدعاء لذاته.

الدعاء يا جماعة ليس مجرد وسيلة لتحصيل الأمور، لتحصيل ال، ليس مجرد وسيلة، نعم الدعاء وسيلة لتحصيل الغايات، وكذلك هو غاية؛ الدعاء هو العبادة كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم. هنا من هذه القصة تعلم أن الله أراد أن يذكر لنا عبودية إبراهيم عليه السلام، عبودية إبراهيم عليه السلام وإسماعيل، وأنهم تعبدوا الله سبحانه وتعالى في هذا الموضع بتلك الدعوات. هذا الموضع يغير فكرتك عن الدعاء، هذا الموضع يعيد تعريفك لمعنى الدعاء؛ أنت تدعو الله سبحانه وتعالى لأنه عبادة، تدعو الله لأن الله يحب الدعاء، وكذلك تدعو الله سبحانه وتعالى كي تطلب حاجاتك، فالدعاء غاية كما أنه وسيلة، الدعاء غاية، الدعاء عبادة، الدعاء يحبه الله سبحانه وتعالى في ذاته.

لذلك قال الله سبحانه وتعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. وهذا يذكرنا بكثير من المواضع التي ذكرها الله سبحانه وتعالى، كما ذكرنا في الموضع الأول: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ. تقرا تقرا تقرا، ما في إلا دعوات، ثم بعد ذلك تنتهي قصة إبراهيم هذا في سورة إبراهيم، تنتهي قصة إبراهيم ويبدا موضوع جديد: وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ. طب لماذا ساق الله سبحانه وتعالى هذه الدعوات صفحة كامله تقريبا يذكر لنا فيها: ربنا ربنا ربنا، رب اجعلني مقيم الصلاة، ربنا اغفر لي ولوالدي؟

قصه إبراهيم كاملة في سورة إبراهيم التي سميت سورة إبراهيم ما فيها إلا دعوات، ما فيها إلا دعوات، حتى ما أبرز الله سبحانه وتعالى في تلك المواضع مع أن الله سبحانه وتعالى استجاب تلك الدعوات وجعل البلد آمناً ورزقه من الثمرات، لكن ما أبرز الاستجابة في ذلك الموضع، تحما قال، قال الدعاء، ساق لنا الدعاء وكان هذا، لذلك يا جماعة سمى الله إبراهيم أواها: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ. أواه ومُنيف، أواه منيب، كثير الرجوع إلى الله وكثير الدعاء، الأواه هو الدعاء، كثير الدعاء.

شاهدنا في موسى عليه السلام كيف كان كثير الدعاء في كل شيء يطرا عليه، وشاهدنا في إبراهيم عليه السلام كيف كان يدعو الله، وأدعية إبراهيم عليه السلام تحديدا في القران أكثر من ذلك.

وأيضاً من المواضع العجيبة في تأمل أن الدعاء هو الغاية وتأملوا هذا الموضع: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً. لاحظوا الآن الله سبحانه وتعالى سيذكر نموذجاً امتدحه، بعد ذلك قال النموذج السيء، قال: وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا. طيب، النموذج الحسن قال: رَبِّ أَوْزِعْنِي حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ. أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا.

ما الذي عملوه؟ ما الذي عملوه في هذا الموضع أقصد كإبراز للمعاني؟ كإبراز للمعاني في هذا الموضع هم دعوا الله سبحانه وتعالى، هو دعا الله سبحانه وتعالى لما بلغ أشدة وبلغ أربعين سنة، ما الذي فعله؟ دعا الله، هو دعا الله، قال: رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ. فما أبرز الله لنا إلا دعاءه، وكأنه هو الغاية، وكأنه هو ثمرة، ثمرة كل الأفعال التي فعلها واستحق بها أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ.

وأيضاً يقول الله سبحانه وتعالى: قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ. من هم هؤلاء العباد الذين استحقوا هذه الجنة؟ الذين اتقوا، الذين تحصلوا الجنات وأزواج مطهرة ورضوان من الله، من هم هؤلاء العباد؟ قال: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ.

هنا ذكر الله صفاتهم؛ من صفاتهم أنهم صابرين وصادقين وقانتين ومنفقين ومستغفرين بالأسحار، ومن صفاتهم قبل ذلك أنهم دعوا الله سبحانه وتعالى، فأبرزوا الله، فأبرز الله دعاءهم أنهم دعوا، وكان الدعاء واحدة من الصفات اللي هي غاية من الغايات التي اتصفوا بها واستحقوا بها ثواب الله سبحانه وتعالى.

وأيضاً يقول الله سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ. أنا سقت هذا الموضع كي أقول إن الدعاء غاية يقدر الله له الاقدار كي يسوق عباده له.

فالله سبحانه وتعالى لما يبتعد الإنسان عن التوجه والتضرع والاستغاثة بالله سبحانه وتعالى، الله برحمته يقدر أقدارا، ماذا يريد من هذا العبد؟ يريده أن يتضرع، هذه الغاية: لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ. لعلهم يتضرعون، الله سبحانه وتعالى يريد أن يسمع هذا التضرع: فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.

طيب، وأيضاً يقول الله سبحانه وتعالى، الآن كنا نذكر الصفات، كما ذكرنا في سورة آل عمران: الذين يقولون، ثم الصابرين والصادقين، هنا أيضاً صفات عباد الرحمن، ما هي صفات عباد الرحمن؟ قال: وَالَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا وبعد ذلك وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَالَّذِينَ إِذَا ذكروا، صفات عباد الرحمن الذين امتدح الله سبحانه وتعالى إياهم في في مقطع طويل، الشاهد من صفاتهم الممتدحة أنهم قالوا.

الآن ما اريد أن أبرزهم، أن أبرزه أنه الله لم يمتدح العمل فقط، هو امتدح الدعاء لذاته، امتدح الدعاء أن من صفتهم أنهم قالوا: رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا، والذين يقولون: رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا. وبعدها قال: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا. واجعلنا للمتقين إماماً.

فمن صفة هؤلاء الممتدحة العظيمة المبرزة مجرد القول، مجرد الدعاء، طبعا أكيد على بطبيعه الحال أنهم اتبعوه عملاً، لكن مجرد الدعاء ممتدح ومبرز ومن أهم الصفات التي أبرزها الله سبحانه وتعالى. لذلك ختم الله سبحانه وتعالى هذه السورة العظيمة وهذا المقطع، قال: قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ. ما يعبأ بكم ربي لولا دعاءكم؛ الله لا يكترث لكم، لا لستم عزيزين على الله سبحانه وتعالى إذا أعرضتم عنه: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ. فما يعبا الله بك، يجب أن تدعو، والدعاء مطلوب لذاته.

وذلك من المواضع، وهذا موضع أيضا من المواضع التي أحبها كثيرا. أنا بالنسبة لي من هذه من أحب المواضع لي في شأن الدعاء؛ لأنه موضع عجيب ولانه يمسنا بالدرجة الأولى. هذا الموضع الذي ذكر الله سبحانه وتعالى اعظم أعمال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ما هي اعظم اعمال النبي صلى الله عليه وسلم؟ هي الهجرة والنصرة. فذكر المهاجرين في آية، ثم ذكر الأنصار في آية، فقال: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ.

والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون. الآن ذكر الله المهاجرين باعظم صفاتهم، وذكر الأنصار باعظم صفاتهم، ثم قال: والذين جاؤوا من بعدهم. ما هي صفتهم الممتدحة في هذا السياق العظيم؟ ما هي صفتهم؟ أنظروا، والذين جاؤوا من بعدهم صفتهم انهم دعوا الله عز وجل فقط.

والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم. وبعدها موضوع جديد، أليس هذا عجيبا؟ أن يمتدح الله سبحانه وتعالى لما امتدح الأولين، أن يمتدح الآخرين بهذا المعنى. طبعا على أقوال كثيرة لأهل العلم أن هؤلاء المقصود بهم المتأخرين عنهم، أن يمتدح الله سبحانه وتعالى دعائهم، مجرد دعائهم، مجرد أن يدعوا، ثم الله سبحانه وتعالى بعد ذلك يبارك في هذا الدعاء ويعقبه أعمالا، لكن هذا موضع شريف أنهم دعوا الله سبحانه وتعالى.

طيب، آخر موضع اريد أن أختم به هو ملمح الدعاء للعاملين، الدعاء في ساحات العمل، الدعاء في ساحات الثبات، الدعاء في مواطن الشدة، أبرزه الله سبحانه وتعالى لنا كذلك في عدة مواضع. فلما ذكر أصحاب طالوت الذين تعرضوا لعدة ابتلاءات، وزل منهم أناس وتزحزح منهم أناس، ثم ذكر أعظم فئة منهم، الفئة الثابتة قالوا لما برزوا قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين.

قال ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. فهم ليسوا مجرد عاملين، ليسوا مجرد ثابتين، ليسوا مجرد موقنين بوعد الله سبحانه وتعالى، وإنما هم متعلقون بالله من جهة الدعاء تحديدا، وهذا من أبرز سمات أهل الثبات ومن أبرز سمات أهل العمل، وإنما ثبتوا لذلك؛ لأن الله ثبتهم. فهم ثبتوا، نعم ذكر الله موقف ثباتهم، ولكن ذكر موقف ضعفهم أمام الله سبحانه وتعالى واستغاثتهم لله سبحانه وتعالى: أنك إن لم تثبتنا يا رب فلا ثبات لنا، إن لم تفرغ علينا صبرا فلا صبر لنا.

هنا تأتي أهمية الدعاء للإنسان العامل الثابت اللي في قلب الشدائد، وفي قلب المحن، وفي قلب ساحات المدافعة. وأيضا هناك موضع آخر يشبهه في سورة آل عمران: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيِّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعَفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ. أيضا الصابرين كما في الموضع الأول، وما كان قولهم، لاحظوا هؤلاء الذين ما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا كيف فعلوا كل ذلك؟ قال وما كان قولهم؟

لاحظوا عجيب إبراز الله لهذا الموضع: وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمحْسِنِينَ. وأيضا موضع الذي بدأنا به، أصحاب الكهف، أنهم قوم هجروا من أرضهم وفروا من أقوامهم، في قلب المعاناة، في قلب العمل والثبات والتمسك بالدين، أنهم في ذلك الموضع من ملامحهم ومن صفاتهم أنهم لما أووا إلى الكهف قالوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا.

طيب، نكتفي بهذه الملامح، وجزاكم الله خيرا على حضوركم واستماعكم. أهم ما نخرج به من هذا الحديث ومن هذا الاستهداء ومن هذا التدارس أن يزيد تعظيمنا لهذه الشعيرة، شعيرة الدعاء، أن تزيد مكانتها في أنفسنا ونزداد فقها بمواضع ورودها، وأن نعلم علما فوق العلم السابق أن الله يحبها محبة خاصة، يحب هذا الدعاء. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.