السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. حياكم الله الإخوة والأخوات في هذا الصباح الطيب المبارك، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يسددني وإياكم لكل خير. بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم سددنا ووفقنا وخذ بيدنا إليك. اللهم اجعلنا على طريق المنتفعين بالعلم العاملين به، ولا تجعلنا من المستكثرين منه بلا عمل. اللهم يا رب نجل المستضعفين من عبادك في مشارق الأرض وفي مغاربها عامة، ونجهم في غزة خاصة. اللهم اجعل لإخواننا في غزة من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، ومن كل بلاء عافية يا أرحم الراحمين. اللهم عليك بمن يتامر عليهم، وعليك بمن خذلهم ومن يضيق عليهم يا أرحم الراحمين يا رب.
حياكم الله أيها الكرام في هذا الصباح الطيب المبارك، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على الاشتغال بطلب العلوم النافعة. ما زلنا نعيش في كتاب الاتجاهات الوطنية للأستاذ محمد حسين، ونحن الآن إن شاء الله اليوم نختم الجزء الأول ونشرع في الجزء الثاني. الأستاذ محمد حسين يتكلم عن المدارس الإصلاحية التي ظهرت في مصر أو المدارس التي رفعت شعار الإصلاح عموما يعني هذا ما اعتبره تعبيرا أدق المدارس التي رفعت شعار الإصلاح في الفترة قبيل انتهاء الخلافة العثمانية وما بعدها يعني ما يقارب ثلاثين سنة قبل انتهاء الخلافة العثمانية رسميا 1925 وما بعدها. أبرز الحركات الإصلاحية التي ظهرت وما أفكار هذه الحركات وما الدعاوى التي صدحت بها وهذه الحركات هي تمثل نماذج تتكرر في كل زمان وفي كل حقبة من حقب هذه الأمة.
ما زلنا نعيش ما دامت الخلافة لا يوجد ما يسمى اليوم الخلافة الإسلامية، وما دام المسلمون مفترقين، ستجد كثيرا من هذه الحركات التي ترفع شعار الإصلاح أو تبحث عن الهدى أو تبحث عن حل لواقع المسلمين اليوم، لكن هذه الدعاوى كثيرا ما تصطدم بمخالفتها لمنهج الكتاب والسنة أو مخالفتها لمنهج السلف الصالح، أو أحيانا للأسف تكون مرتبطه بالغرب وبأجندات سرية وغريبة. كل هذا حاول محمد محمد حسين رحمه الله عليه أن يرصده في الحركات الإصلاحية التي ظهرت في مصر خلال هذه الفترة، وهذه فائدة ما نتعلمه يعني دائما أركز يجب علينا أن نقرا هذا التاريخ ونفهم كيف أن كثيرا ممن يرفع شعار الإصلاح قد لا يوفق إلى هذا، أما لعدم فهمه منهج الإصلاح في الإسلام حقيقة وعدم تشبعه من الوحي الإلهي ومعرفته دائرة الثوابت والمتغيرات بالشكل الصحيح، وأما لأنه قد يرفع شعار الإصلاح من جهة لكنه يكون يتعامل مع العدو من جهة أخرى أو يتم شراء ذمته أو ما شابه ذلك.
فمعرفة الإنسان المسلم منهج محمد صلى الله عليه وسلم ومادة الوحي الإلهي يعينك حقيقة على أن تعرف ما هو منهج الإصلاح الصحيح وما هي الطريقة الصحيحة في إعادة الأمة إلى الصدارة والريادة، وأن القضية ليست مجرد الدعاوى أو الألقاب أو الاشكال أو ما شابه ذلك، وإنما بحقيقه فهمك لفحوى مادة الوحي الإلهي. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من المتعقلين لذلك. وصلنا إلى قضية مهمة حقيقه الآن زي يتكلم عن مدرسه محمد عبده وجمال الدين الأفغاني. ما حقيقة هذه المدرسة؟ ما طبيعتها؟ ما موقف الاستاذ محمد حسين كاحد الراصدين لهذه المدرسة؟ ما موقفه منها ومن الأفكار التي طرحتها؟ بسم الله.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمصنف وللسامعين وانصر عبادك المستضعفين. قال رحمه الله تعالى: وظهر بين هاتين النزعتين الغربية والاسلامية اتجاه ثالث يرمي إلى التوفيق بين الإسلام وبين حضارة الغرب، وهو الاتجاه الذي أشرت إليه عند الكلام عن دعوة قاسم أمين، وأرجأت الكلام فيه إلى هذا الموضع من الكتاب.
طيب في الدرس الماضي تكلمنا عن وجود مدرستين اساسيتين ظهرتا في مصر، المدرسه الغربية تماما التي تدعو إلى الارتماء في أحضان الغرب، والمدرسة الإسلامية المحافظة التي تدعو إلى بقاء التمسك بآداب العرب وآداب الإسلام وقيم الإسلام والمحافظة على الهوية الإسلامية تماما. يقول لك محمد حسين بين هاتين المدرستين نشات مدرسه ثالثة في المنتصف، ما هي؟ نعم، قال وتزعم الشيخ محمد عبده هذا الاتجاه الجديد الذي عرضه لسخط المتفرنجين والداعين بدعوة الإسلام كلياهما، كما يقول كرومر. وإن كان سخط يعني كلاهما سخط محمد عبده الإسلاميين المحافظين والمتغربين المتفرنجين بسميهم. نعم.
قال: وإن كان سخط الأولين أقل من سخط الآخرين. نعم، فالإسلاميون سخطوا على عبده أكثر. نعم، تمام. قال: وحقيقة الأمر في حركة الشيخ محمد عبده واستاذه جمال الدين الأفغاني الذي اقترن اسمه به في الشطر الأول من حياته لا تزال تحتاج إلى مزيد من الوثائق التي توضح موقفهما وتزيل ما يحيط بهما من غموض ومن تناقض فيما اجتمع حولهما من أخبار.
إذا هذه أولا قاعدة يعني حقيقه اليوم كثير ممن يحاول أن يحلل مدرسة محمد عبده ويفهم طبيعة ارتباط محمد عبده بالانجليز وفهم طبيعة ارتباطه بالإسلام وبالحركات الإسلامية وارتباط محمد عبده بجمال الدين الأفغاني يعني لأنك عندما تنظر فيما ينقل وما يحكى وما أرصد ضد محمد عبده يجد كل الأمور متناقضة. يجي محمد عبده أحيانا في ساحات فرنسا وباريس وبريطانيا ويتعامل بشكل علني مع المخابرات الانجليزية، في مقام آخر يجد محمد عبده ذاك الإنسان الذي يدافع عن المبادئ الإسلامية والفكر الإسلامي ويحارب الغرب المتفرنجين ويحاول أن يعيد مصر إلى هويتها الإسلامية، أحيانا يجد محمد عبده يتكلم بكلام يعني يشعرك بأنه له علاقه بالماسونية بل يقول إنه صرح بذلك في بعض المجالس يعني، وفي بعض الأحيان تجد الكلام مختلف تماما.
فمحمد محمد حسين يعني يقول لا زلنا نحتاج إلى توضيح أكثر إلى فهم أكثر. هل محمد عبده كان متقلبا؟ هل كان يبحث عن شيء لم يجده؟ هل هي في حياته متعارضة؟ يعني في هناك تحليلات مختلفه، ما الذي كان يدور في عقل محمد عبده وما الذي كان يريد الوصول إليه؟ طبعا محمد عبده في وجهة نظر كثير من زعماء تلك الحقبة ومن بعدها كان يسمى بشيخ الإسلام، كان يسمى بالإمام محمد عبده، لكن في وجهة نظر أخرى لكثير من الإسلاميين كان يعتبر أحد الذين ساهموا في إسقاط الخلافة العثمانية ويتهم بالخيانه.
يعني هذه الإشكالات بتخليك لا تستطيع أنك تقول مئة بالمئة أنك تعرف ماذا يريد هذا الرجل في قلبه، لكن يجعلنا نعرف أن قد يكون من أسباب هذا الاضطراب وعدم وضوح الرؤية الإسلامية تماما في ذهن هذا الرجل حتى وإن كان يسعى إلى شيء من الخير. أنا في اعتقادي إحدى الإشكالات التي وصمته بهذه القضية هو عدم وضوح المنهج الإسلامي الصحيح من البدايه عند الأستاذ محمد عبده، وإنما كان يجرب ويحاول، والله أعلم بعد ذلك بالنوايا. نعم.
قال: فبينما ينزله رشيد رضا ومعه كل اتباع الشيخ محمد عبده الذين زاد عددهم على الأيام منزلة الاجتهاد في الدين. ويرفع محمد رشيد رضا صاحب تفسير المنار كان يعتبره الإمام دائما يسميه الإمام وينزله منزلة أحد علماء الاجتهاد في واقعه المعاصر. نعم، ويرفعونه إلى أعلى درجات البطولة والإخلاص الذي لا تشوبه شائبة، كان كثير من علماء الشريعه المعاصرين له يتهمونه بالمروق من الدين والانحراف به وتسخيره لخدمة العدو. شوف سبحان الله وجهة النظر. نعم.
فاذا تركنا هؤلاء وهؤلاء ممن قد يجد الطاعنون سبيلا إلى رميهم بالتحيز والمحاباة أو التحامل والتزمت، وجدنا كثرة من النصوص في كتب ساسة الغرب ودارسيهم تصور رأيهم فيه وفي مدرسته وتلاميذه ومكانه من الفكر الحديث وهي. طيب خلينا نشوف الغرب كرومر وغيرهم كيف نظروا إلى مدرسة محمد عبده. نعم.
قال: وهي جميعا تتفق على تمجيده والاشاده به وبما أداه للاستعمار الغربي من خدمات بإعانته على تخفيف حدة العداء بينه وبين المسلمين، وهو عداء يستتبعه بينه بين الغرب وبين المسلمين. نعم، وهو عداء يستتبع آثارا سياسية تضر مصالحه وتهدده وتهدد باذكاء الثورات التي لا تفتر ولا تنقطع. وإلى جانب ذلك كله نجد إشارات صريحة في كتاب لأحد كبار رجال الماسونية في مصر، ومن المعروف أنها دعوة تخدم الصهيونية العالمية تؤكد أن جمال الدين الأفغاني كان رئيسا كان رئيسا ماس كان رئيس محلمحفل كوكب الشرق الماسوني. يعني تتخيل جمال الدين الأفغاني الشيخ محمد عبده الرئيس والذي تواصل مع محمد عبده برسائل كان يضع جمال الدين الأفغاني قريبا من مرتبة الرسل وهذا كلام يعني أقول لك كلام صحيح. يعني البعض يقال يعني أنت كان يخاطب محمد عبده جمال الدين الأفغاني في بعض الرسائل مرتبة الرسل، بل حتى ما هو أعلى من ذلك في بعض الكلام خطير، بعض الكلام تعطيك أن جمال الدين الأفغاني فكره كان مسيطر على محمد عبده على الأقل كما قال محمد حسين في فترة كبيرة من حياته، وفي النهاية تجد جمال الدين الأفغاني الماسونية تقول كان أحد رؤساء المحافل الماسونية. تندهش من هذا الكلام، الماسونيين يقولون إنه كان أحد رؤساء المحافل. نعم.
قال: كما تؤكد أن محمد عبده كان عضوا في هذا المحفل الماسوني. طيب. إذن يقول: وقد ظهرت الماسونية في سورية في مظهر الإخلاص والمحبة أثناء الحوادث العربية سنة العرابية الحوادث العرابية سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة ألف، فإن الإخوان المصريين والمهاجرين الذين جاءوا سورية قابلهم إخوانهم بالترحيب العظيم ودعوهم إلى محافلهم ومنازلهم، وكان الأفاضل الشيخ محمد عبده وإبراهيم بك اللقاني وحسن بك الشمسي وجماعة المرحوم السيد جمال الدين الأفغاني وغيرهم يحضرون معنا في محفل لبنان، ويخطبون فيشنفون أسماع السوريين بخطبهم النفيسة وأحاديثهم الطلية. ونال الأستاذ الشيخ محمد عبده رتبة البلح والصدف من المندوب الأمريكي الذي حضر إلى محفل لبنان. ومما يؤكد المندوب الأمريكي كان جدا مسرور محمد عبده أداؤه. نعم.
ومما يؤكد هذه النصوص ويزيد قيمتها أن الشيخ محمد رشيد رضا وهو أكثر تلاميذ محمد عبده تعصبا له قد أيدها في كتابه تاريخ الاستاذ الإمام. ومهما يكن من أمر في حقيقة حركة محمد عبده، فمن الواضح في آثاره الأدبية -وأكثرها مقالات صحفية- أنها تنقسم إلى قسمين ظاهرين، اتجه في أحدهما إلى تدعيم الدعوة للجامعات الإسلامية، بينما اتجه في القسم الثاني إلى تقريب الإسلام من الحضارة الغربية والتفكير الغربي الحديث. وكان من أهم ما اتجه إليه في القسم الأول من هذه المقالات أيام اتصاله بالأفغاني مح الأولى من حياته لما كان الأفغاني يهيمن على محمد عبده تماما. نعم.
قال: محاربة ما استولى على المسلمين من ضعف الهمم وفتور العزائم والانصراف عن الدنيا وعن مكافحة العدو والتخلص من الاستعباد ظانين أن دينهم يأمرهم بالاستسلام لما يجري عليهم لأنه من قضاء الله. يقول في إحدى مقالاته عن القضاء والقدر: مضت سنة الله في خلقه بأن للعقائد القلبية سلطانا على الأعمال البدنية، فما يكون في الأعمال من صلاح أو فساد فإنما مرجعه فساد العقيدة وصلاحها على ما بينا في بعض الاعداد الماضية، ورب عقيدة واحدة تأخذ باطراف الأفكار فيتبعها عقائد ومدركات أخرى ثم تظهر على البدن بأعمال تلائم أثرها في النفس. ورب أصل من اصول الخير وقاعدة من قواعد الكمال إذا عرضت على الأنفس في تعليم أو في تعليم أو تبليغ شرع يقع فيها الاشتباه على السامع، فتلتبس عليه بما ليس من قبيلها وتصادف عنده بعض الصفات الرديئة أو الاعتقادات الباطلة، فيعلق بها عند الاعتقاد شيء مما تصادفه. وفي كُلا الحالين يتغير وجهها ويختلف أثرها، ربما تتبعها عقائد فاسدة مبنية على الخطأ في الفهم أو على خبث الاستعداد، فتنشأ عنها أعمال غير صالحة وذلك على غير علم من المعتقد كيف اعتقد ولا كيف يصرفه ولا كيف يصرفه اعتقاده. والمغرور بالظواهر يظن أن تلك الأعمال إنما نشأت عن الاعتقاد بذلك الأصل وتلك القاعدة.
ومن مثل هذا الانحراف في الفهم وقع التحريف والتبديل في بعض اصول الديانات غالبا، بل هو علة البدع في كل دين على الأغلب. وكثيرا ما كان هذا الانحراف وما يتبعه من البدع منشأ لفساد الطباع وقبائح الأعمال حتى أفضى بمن ابتلاهم الله به إلى الهلاك وبئس المصير. وهذا ما يحمل بعض من لا خبرة لهم على الطعن في دين من الأديان أو عقيدة من العقائد الحقة استنادا إلى أعمال عمل بعض السذج المنتسبين إلى الدين أو العقيدة.
قال: من ذلك عقيدة القضاء والقدر التي تعد من اصول العقائد في الديانة الإسلامية الحقة، كثر فيها لغط المغفلين من الأفرنج وظنوا بها الظنون وزعموا أنها ما تمكنت من نفوس قوم إلا سلبتهم الهمة والقوة وحكمت فيهم الضعف والضعف، ورموا المسلمين بصفات ونسبوا إليهم أطوارا ثم حصروا علتها في الاعتقاد بالقدر. طبعا هذا الاعتقاد بالقدر على طريقة الصوفية هو فعلا كما يقول المتفرجون هو يؤدي إلى الاستسلام وعدم مقاومة الاحتلال وما شابه ذلك، فلعل المتفرنجين راوا هذا النوع من القضاء والقدر في العقل الصوفي. نعم.
قال: ثم يأخذ محمد عبده في بيان الفرق بين الجبرية الذين يزعمون أن الإنسان مضطر في جميع أفعاله اضطرارا لا يشبه اختيارا، وبين الاعتقاد بالقدر الذي ترشده التي ترشد إليه الفطرة فيقول: بأن كل حادث له سبب يقارنه في الزمان، والإنسان لا يرى من سلسلة الأسباب إلا ما هو حاضر لديه ولا يعلم ماضيها إلا مبدع ماضيها إلا مبدع نظامها، وأن لكل منها مدخلا ظاهرا فيما بعده بتقدير العزيز العليم. وإرادة الإنسان إنما هي حلقه من حلقات تلك السلسلة.
ويقول أن الأفرنج الذين ينسبون تأخر المسلمين إلى القضاء والقدر يجهلون حقيقة هذه العقيدة ويخلطون بينها وبين مذهب الجبر الذي انقرض أصحابه في أواخر القرن الرابع الهجري. فالاعتقاد بالقضاء والقدر إذا تجرد من شناعة الجبر تتبعه صفة الجرأة والإقدام ويبعث على اقتحام المهالك.
ومقارعة الأهوال، وعلى الجود والسخاء. وذلك لأن الذي يعتقد أن الأجل محدود، وأن الرزق مكفول، وأن الأشياء بإذن لا يصرفها كيف كما يشاء؛ كيف يرهب الموت في الدفاع عن حقه، وإعلاء كلمة أمته وملته؟ وكيف يخشى الفقر مما ينفق من ماله في سبيل تعزيز الحق وتشييد المجد؟
قال: ثم يبين محمد عبده أن الإيمان بالقضاء والقدر هو الذي دفع المسلمين الأولين إلى أن يفتحوا العالم في مدة لا تتجاوز ثمانين عاماً. ويقول إنه لم يظهر في التاريخ قائد عظيم إلا كان مؤمناً بالقضاء والقدر، ويضرب الأمثال لذلك بكورش الفارسي، والأسكندر المقدوني، وجنكيز خان التتري، ونابليون الفرنسي.
ويقول محمد عبده في مقال آخر له نشر في العروة الوثقى عن النصرانية والإسلام وأهلهما: إن المسيحية قد بنيت على المسالمة والمياسرة، وجاءت برفع القصاص. ومع ذلك نرى الأمم المسيحية تتسابق إلى الفتح والغلب، والتفنن في اختراع أدوات الغلبة والقتال، والإسلام قد بني على طلب الغلب والشوكة والافتتاح والعزة. ومع ذلك نرى الأمم التي تدين به متهاونة بالقوة، متساهله في طلب لوازمها.
ثم يتساءل: هل تبدلت سنة الله في الملتين؟ هل تحول مجرى الطبيعة فيهما؟ هل استبدت الأبدان فيهما على الأرواح؟ ويعرض الكاتب على المسلمين منذ اتصالهم بالمسيحيين فيرى أن المسلمين كانت لهم في الحروب الصليبية آلات نارية تنفزع لها المسيحيون فكانت السبب في انهزامهم. ويرى أن الدين المسيحي إنما امتد ظله وعمت دعوته في الممالك الأوروبية من أبناء الرومانيين، وهم أصحاب حرب وفروسية، ثم يرى أن المسلمين إنما هنا.
الرومان ابتداءً ما كانوا مسيحيين، كانوا وثنيين، ثم بعد ذلك أصبحوا مسيحيين زي ما حكينا مؤتمر قسطنطيني، زي ما نقرا في الصحيح. هم الرومان أولاً كانوا وثنيين، لما اعتنق صاحبهم قسطنطين الديانة المسيحية تحولوا إلى يعني صار يعني كان الرومان خدموا الديانة المسيحية لأنهم أساساً كانوا وثنيين يحاربون، فلما اعتنقوا الديانة المسيحية نشروا المسيحية من خلال أدبياتهم السابقة، نعم.
ثم يرى أن المسلمين إنما وهنت قوتهم بسبب ما دخل عليهم من بدع ليست من الدين، حين انتشرت قواعد الجبر، وحين أدخل الزنادقة والسفسطائيون والكذابون من نقلة الحديث ما فيه السم القاتل لروح الغيرة، الموجب لضعف الهمم وفتور العزائم.
ويقول محمد عبده في مقال آخر له عن الأمل وطلب المجد: ليس الأمل هو الأمنية والتشهي اللذان يلمحهما الذهن تارة بعد أخرى، ويعبر عنهما بليت لي كذا من الفضل مع الركون إلى الراحة والاستلقاء على الفراش واللهو بما يبعد عن المرغوب، كأن صاحبهما يريد أن يبدل الله سنته في سير الإنسان عناية بنفسه الشريفة أو الخسيسة، فيسوق إليه ما يهجس بخاطره بدون أن يصيب تعباً أو يلاقي مشقة.
إنما الأمل رجاء يتبعه عمل، ويصحبه حمل لنفس على المكاره، وعرك لها في المشاق والمتاعب، وتوطينها لملاقاة البلاء بالصبر، والشدائد بالجلد، وتهوين كل ملم يعرض لها في سبيل الغرض من الحياة، حتى يرسخ في مداركها أن الحياة لغو إذا لم تغذى بنيل الأرض، فيكون بذل الروح أول خطوة يخطوها القاصد، فضلاً عن المال الذي لا يقصد منه إلا وقاية بناء الحياة من صدمات حوادث الكون.
ويمضي محمد عبده في بيان أن الميل للرفعة أمر فطري، فكل واحد يطلب الكرامة والتمكن ما كان في قلب الآخر، لذلك يتزاحم الناس في الآمال والأعمال حتى يكونوا جميعاً شرفاء بما يأتون من أعمال، حكمه من الله ليعلم الذين جاهدوا ويعلم الصابرين.
ثم يقول: إن بعض الناس تضعف هممهم حين يتوالى عليهم الصدام، فيصيبهم الانحطاط الذي قد يؤول إلى الياس والقنوط. وعند ذلك يحكمون على أنفسهم بالحطة، ويسترجلون عليها العجز عن كل رفعة، إذ يوطنون أنفسهم على قبول ما يوجه إليهم من إهانة، فينزح احساسهم إلى مرتبة الأنعام، ويرضون بما ترضى به البهائم. وهم مع ذلك لا يسترحون بذلك من الكد، فهم إن تركوا العمل لأنفسهم سلط الله عليهم من يكلفهم العمل لغيرهم، فيكون كالنمل الحمال، قال: لا تستفيد مما تحمل شيئاً، وظيفتها أن تسعى وتشقى ليسعد غيرها ويستريح.
ثم يبين بعد ذلك أن السبب في ضعف الهمم هو ضعف الأمل، فيقول: عجبا كيف تتبدل أحكام الجبلة؟ وكيف يمحي أثر الفطرة؟ كيف تسفل النفس حتى لا تطلب رفعة؟ وكيف تقنط حتى لا يكون لها أمل؟ والأمل وحب الكرامة طبيعيان في الإنسان، بعد إيمان النظر نجد السبب في ذلك: ظن الإنسان أن جميع الأعمال إنما تصدر عن قدرته وإرادته بالاستقلال، وأن قوته هي سلطان أعماله، وليس فوق يده يد تمده بالمعونة أو تصده بالقهر.
فإذا صادفته الموانع مرة بعد أخرى، وقطعت عليه سبيل الوصول، رجع إلى قدرته فوجدها فانية، وقوته فراها واهنة، فيعترف بوهنه ويسكن إلى عجزه، فيياس ويقنط ويذل ويسفل، اعتقاداً منه بأنه لا دافع لتلك الموانع التي تعاصت على قدرته. متى كانت قوة المانع أعظم من قوته، فلا سبيل إلى العمل لاستحاله قهر المانع، فينقطع الأمل فيقع في الشقاء الأبدي.
أما لو أيقن بأن لهذا الكون مدبراً عظيم القدرة، تخضع كل قوة لعظمته، وتدين كل سطوة لجبروته الأعلى، وأن ذلك القادر العظيم بيده مقاليد ملكه، يصرف عباده كيف يشاء، لما أمكن مع هذا اليقين أن يتحكم فيه اليأس وتغتال آماله غائلة القنوط. فإن صاحب اليقين لو نظر إلى ضعف قدرته، لا يفوته النظر إلى قوة الله التي هي أعلى من كل قوة، فيركن إليها في أعماله، ولا يجد اليأس إلى نفسه طريءا، فكلما تعاظمت عليه الشدائد زادت همته بعثاً في مدافعتها، معتمداً على أن قدرة الله أعظم منها، وكلما أغلق في وجهه باب فتحت له من الركون إلى الله أبواب، فلا يمل ولا يكل ولا تدركه السامة، لاعتقاده أن في قدرة مدبر الكون أن يقهر الأعزاء، ويلقي قيادهم إلى الأذلاء، وأن يدك الجبال ويشق البحار، ويمكن الضعفاء من نواصي الأقوياء.
ولهذا أخبر الله تعالى عن الواقع والحقيقة التي لا ريبة فيها بما قال، وهو أصدق القائلين: إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ. وبما حكي من قول نبيه إبراهيم: وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ. فقد جعل الله اليأس والقنوط دليلاً على الكفر والضلال، ومن أين يطرق اليأس قلباً عقد على الإيمان بالله وبقدرته الكاملة؟
قال: ويختم محمد عبده مقاله هذا بالتوجه إلى المسلمين يخاطبهم بقوله تعالى: إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ. هكذا مضى محمد عبده في هذه الفترة من حياته ينبه الغافلين ويوقظ النائمين.
كلام جميل يعني عموماً كلام هنا جميل ومقبول عموماً، نعم.
ويبين للناس أن الدين ليس كلمات تقال في صلاة، أو تقليداً يتبع في صوم، أو ترديداً غافلاً للشهادتين فحسب، ولكن الإسلام مع ذلك كله، بل قبل ذلك كله، عقيدة تهيمن على كل تصرفات المسلم وتوجهه في كل أعماله.
وكان من أخطر ما صنعه محمد عبده في هذه المقالات العنيفة الثائرة أن خرج على الناس بجمله من الآيات القرآنية كان الناس قد صرفوا عن تدبرها، وأهملوا الاستشهاد بها والتأمل في معانيها، حتى بدات حين عرضها محمد عبده على الناس وبثها في ثنايا مقالاته يربط بينها وبين الظروف التي تجتازها الأمم الإسلامية كأنها شيء جديد يسمعه الناس للمرة الأولى.
والواقع أن الآيات التي كان يستشهد بها الوعاظ في خطبهم ومقالاتهم منذ شدد الاستبداد قبضته على الناس لم تكن تتجاوز ما يتصل بما أعد الله من حسن ثواب المتقين، وما أعد من العذاب للعصاة والمفسدين. ولكن محمد عبده أبرز في مقالاته جملة من آيات الجهاد: جهاد النفس وجهاد العدو، ولفت الأنظار إلى مكان الجهاد من العقيدة الصحيحة.
فهو يكتب عن امتحان الله المؤمنين فيصدر المقال بالآية المبدعة: أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ. ويبين أن الذين يزعمون أنهم مؤمنون ثم لا يسهل عليهم الإيمان احتمال المشاق وتجشم المصاعب في سبيله ليسوا بمعزل عن المنافقين، ويستشهد بالآية: لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ، إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ.
ويختم ما قاله بقوله: إن امتحان الله للمؤمن سنن يميز به الصادقين من المنافقين قرن بعد قرن إلى أن تنقضي الدنيا، في كل قرن يدعو الله المؤمنين إلى قوم أولي بأس شديد، فَإِن يُطِيعُوا يُؤْتُهُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا ۖ وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا. فميزان عدل الله منصوب إلى يوم القيامة، وهنالك الجزاء الأوفى.
وفي مقال آخر له عن أسباب حفظ الملك، يصدره بالآية: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ. ويطلب إلى الناس التأمل في من أهلك الله من شعوب، ومن أباد من قبائل، وما دمر من بلاد، للاعتبار بأسباب هلاكهم. ويذكر من أسباب حفظ الملك الاتحاد، مستشهدا بالآية: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ.
ويذكر منها عدم الاعتماد على الأجنبي مستشهداً بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بالمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِنَ الْحَقِّ. وقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا ودُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ.
ويذكر منها انصراف الناس عن التوغل في الشهوات التي تغفل قلوبهم عن الفرائض المفروضة عليهم، وتصرفهم عن القيام بواجباتهم، مستشهداً بالآيات: وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ۖ فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ، حَتَّىٰ إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ، لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ ۖ إِنَّكم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ.
قضية بطلت معيشتها المترفين، تفرحون في الأرض دلالة ايش قضية أن الإنسان الذي ينغمس في الدنيا ينصرف عن الخير، نعم.
ذَلِكَ بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ. ويذكر منها الشورى مستشهداً بأمر الله نبيه، وهو المعصوم من الخطأ، بقوله: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ. وبما امتذح به الله تعالى المؤمنين في قوله: وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ. ويذكر منها إعداد القوة صوناً للأمة من أطماع الطامعين، ويستشهد بالآية: وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ.
ويختم المقال بحث العلماء على تنبيه الغافلين عما أوجب الله، وإقاظ النائمة قلوبهم عما فرض الدين، وعلى أن يزيلوا اليأس بتذكيرهم وعد الله ووعده الحق في قوله: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا.
قال: واتجه محمد عبده بعد دعوته من المنفى إلى التقريب بين، بعد عودته.
قال: بعد عودته من المنفى إلى التقريب بين الإسلام وبين الحضارة الغربية، واتخذ اتجاهه هذا أشكالاً مختلفة؛ فظهر أحياناً في صورة مقالات أو مشاريع أو برامج تدعو إلى إدخال العلوم العصرية في الجامع الأزهر. إذاً صار محمد عبده يطالب إدخال مثلاً العلوم العصرية إلى المدرسة الدينية الكبرى في مصر، اللي هي الأزهر، نعم.
وظهر تارة أخرى في صورة تفسير، في صورة تفسير لنصوص الدين من قرآن أو حديث، يخالف ما جرى عليه السلف في تفسيرها، ليقرب بها إلى أقصى ما تحتمله، بل إلى أكثر مما تحتمله، إلى أكثر مما تحتمله، حملها ما لا تحتمل، يقول: نعم. من قرب لقيم الغرب وتفكيره، لكي يصل آخر الأمر إلى أن الإسلام يساير حضارة الغرب ويتفق مع أساليب مع أساليب تفكيره ومذاهبه.
وصحب الحركة الداعية إلى إدخال الدراسات العصرية في الأزهر حملة تحاول أن ترسم صورة قاتمة لما آلت إليه أموره، مشنعة بما تتضمنه بعض العلوم التي تدرس من سخف ومن تفاهة. يعني أنه الأزهر صار مكان للدراسات التافهة العقيمة التي لا تنتج، فلازم الآن يعاد ضخها جديدة عصرية فيه، حتى يعود الأزهر بانيا. طبعا هذا شوف أنت أحياناً يعني إشكالية إدخال المناهج العصرية لا تعني أيضاً أنه لا يوجد إشكالية في الدرس الديني القديم في الأزهر؛ يعني نعترف أن الأزهر أصبح مكان لزوايا الصوفية، وأصبح مكان لليأس والاحباط بدل من أن يكون مكان لصناعة العلماء في كثير من زواياه، لكن هل كان العلاج هو اللي بيقدمه محمد عبده إدخال للمناهج العصرية الغربية؟ هل هذا هل هنا كان العلاج؟ هذا السؤال، نعم.
قال: داعية إلى التحرر من الآراء السائدة المقررة التي يتوارثها الخلف عن السلف، وهو ما سمته التقليد، والتفكير بما يلائم ظروف الحياة الجديدة، وهو ما سمته الاجتهاد. وكانت هذه الحمله تنقب عن أسوأ ما في الأزهر وما في كتبه لتعرضه على الناس، وقديماً قالوا: من فتش عن عيب وجده.
أحسنت، هذا هو اللي هو تضخيم أخطاء الأزهر ليجد في ذلك مبرراً لإدخال المناهج الغربية العصرية. تضخيم أخطاء الأزهر، أكيد الأزهر كان في أخطاء كحالي كحال العالم الإسلامي في ذلك تلك الحقبة، لكن انك تأتي تفتش عن الأخطاء فقط في الأزهر وتنسى محاسن الأزهر من جهة، ثم بعد ذلك أيضاً ما عندنا مشكلة أن تنبش عن الأخطاء، لكن تعطي حلول صحيحة، هذا هو الصواب الذي كان ينبغي أن يفعل، نعم.
قال في من ذلك ما كتبه رشيد رضا في وصف.
حياة طالب العلم في الأزهر إذ يقول: شوف كيف يعني حياة طالب العلم في الأزهر، كما يصفها محمد رشيد رضا، اللي هو تلميذ محمد عبده، نعم. قال: كانت أمكنة الجامع الأزهر من صحنه إلى مقاصره إلى أروقته إلى مغاطسه وميضاته -وميضاته ميضاته وكنفه- مجتمع أوساخ، ومهب روائح عفنة، ومنبع وخامة، وبؤرة أمراض معدية.
فإذا دخل الداخل إلى الصحن وجد فيه بقايا الكرات والفجل وقشور البصل وفضلات الخبز العفنة وجلود الفسيخ وقمامات الكنس من مواضع نوى أكوامها -فسيخ تعرف مصريين مشهورين بالفسيخ ها-. قال: والى جانبها ما يراق من مياه الشرب المأخوذة من الصهاريج وما تحمله النعال من وحل الطريق حيث يطأ المجاور مداسه بلا نفض ولا تنظيف. وبينها هذا وذاك كثير من البصاق والنخامة والنخاعة.
ثم إذا ذهب إلى جهة الميضأة وجد حوليها أمثال ذلك، ورأى قطع الخبز المبول تعوم في مائها وهي تتدفق بما يسيل من أفواه المتوضئين وأنوفهم ساعة الوضوء، وربما وجد على جوانبها بعض الفضلات بل كان بعضهم يستنجي بمائها من جوانبها. وقد أخبرني الأستاذ الإمام أنه لم يكن قط يتوضأ من بمضاة الأزهر بل كان يأخذ الماء من مصبه فيها المسمى بالسلسول على قلته ويتوضأ منه.
وكانت مضاءة الجامع الأحمدي أقذر من مضاءة الأزهر ولا سيما الموالد الثلاثة، كان النساء يغسلن أولادهن من العذرة فيها حتى ترى سابحة وراسبه فيها. ومع هذا كله كان الخرافيون يعدون أباط الميضأة المكشوفة واستبدال الانابيب بها الحنفيات من سيئات الإصلاح الذي ذهب ببركات الأزهر -راحت بركات الأزهر لما حطوا حنفيات نعم-.
قال: وإذا قصد المغاطس وجد على مياهها طبقة كالدهن من الأدران، وشم ما لا تحمل الأنوف والأبدان. وإذا وصل إلى غرف السكنة في الأروقة وجد هذا يغسل ثيابه ويهريق الماء بين يديه فيمنعه الكسل أن يمضي بها إلى البالعات، وذاك يطبخ والدخان -مش أنه يشطفها لا خلص بكب المي قدام وبضلها مغطصت قدام البيت أو الغرفة أدرى من أن يذهب بها إلى البالوعة يعني للمصرف نعم-.
وذاك يطبخ والدخان يسود وجه الحائط وداخل المسكن، وذاك يغسل آنية ويريق ماءها المخلوط بالدهن والزيوت. وقد يحملهم الكسل على ترك غرف النوم الأسبوع والأسبوعين بلا كنس، فيتراكم فيها التراب مع بقايا المأكولات. هذا إلى ازدحام السكان في الغرفة الواحدة ونومهم مزدحمين رأس الواحد عند رجل أخيه. ومعهم فيها على ضيقها متاعهم وفراشهم وخبزهم وملابسهم وخزائن كتبهم وأدوات الطبخ والوقود.
وإذا طاف الطائف في جوانب الجامع وحول الأساطين وفي الاماكن التي يسمونها بالحارات وجدها كلها مشحونة بخزائن الخشب القائم بعضها فوق بعض صفوفا بلا نظام، تجري بينها لقذارتها الفيران. قال: حتى يخالها الرائي لقدم عهدها من آثار الأقدمين. وإذا فتحت الواحدة منها انتشرت روائح المش وعفن الخبز، فلا يملك رائيها إلا أن ينهزم أمامها ويفر مغلوبا حيث ينتهي به الفرار.
ويقول في وصف ما آلت إليه حالهم الخلقية والعلمية: ولقد كان محمد عبده على شدة عنايته بالأزهر وأهله والدفاع عنه ومبالغته في تكريمهم شديد الاحتقار لهم في نفسه أرادا منه. وكان للأزهر عنده ثلاثة ألقاب يطلقها عليه المره بعد المره أمام بعض الخواص عند شدة تالمه من فسد حليم وهي: الأسطبل، والمارستان، والمخروب.
بهذا مارستان المستشفى يعني ومكان معالجة الأمراض. قال: ونهيك بما ذكره الشيخ عبد الكريم من شهاده الزور، حتى من قضاة الشرع والمفتين الذين لقب المحقق ابن القيم أمثالهم بالموقعين عن رب العالمين. وكان قد اطلع على ما لم يطلع عليه أحد من مخازيهم بعمله في إدارة الأزهر وتفتيشه للمحاكم الشرعية، كأكل السحت من الرشوة على الأحكام -محمد عبده رأى كثير من مشايخ الأزهر شهادة زور رشاوي أكل سحت نعم-.
وعلى ما هو أشد ضررا منه وهو المحاباة في امتحان الشهادة العالمية ثم -لما كانوا يعني بده يؤهلوا طالب للماجستير أو الدكتوراه عندهم حابوا فلان لواسطة من كذا وكذا نعم-. ثم ناهيك بما هو المعد لهذه الخزايا كلها وهو الذلة والمهنة أمام كبراء رجال الدنيا من الحكام وغيرهم. وقد أشار الشيخ عبد الكريم إلى شيء من شتائمهم البذيئة المزرية التي لا تبقي في النفس أثرا للكرامة الفطرية الموروثه ولا عزة الإيمان المكتسبه، دع تأثير القذارة والأمراض في توطين النفس على الذل واحتمال الضيم.
قال: وشر من ذلك كله تمكن الخرافات والأوهام من أكثر القوم حتى أن الشيخ حسون الذي كان يعده الأستاذ الإمام أمثلهم كان يقبل يد أحد -حسنهم نعم-. قال: كان يقبل يد أحد أدعياء الولاية من الدجالين الذين كانوا يخدعون العوام الصوفية -كما قلنا الصوفية الذين كانوا يعشعشون في الأزهر نعم-. قال: بما يلبسون عليهم ويهمونه من المكاشفات والكرامات، فيأمنونه على نسائهم حتى أنهن كن يدخلن معه الحمام. ونهيك بما يفعلونه في احتفالات الموالد المبتدعة ومشاركتهم لسدد القبور المعبودة فيما ينذر لهم من المال والفول النابت وغير ذلك.
ويقول: كان طلبة الجامع الأزهر لا نصيب لهم في صناعة الكتابة والإنشاء. وكان الواحد منهم إذا كتب لأبيه يستمنحه إرسال زاد والنفقة، قصرت صحيفته عن بيان المطلوب له، ولم ينفعه ما حصصله من قواعد العربية بشيء. وجاء خطه في مكتوبه نقشا مكسر الخطوط ناقص الحروف، وإذا أراد أن يبين ما صرفه وما يلزمه عبر عن ذلك باللفظ لا بالرقم لعدم معرفته به.
قال: هذه حالة كادت تكون عمومية بين الطلبة والعلماء وهي بقية في الكثير من الأكابر إلى اليوم. وإني لأعرف واحد منهم كان ممن دعاهم المرحوم الشيخ الأنبابي إلى الإفطار عنده في رمضان، فاعتذر إليه بالكتابة، فكان كتاب اعتزاره على حال لم ير مثلها الرائُونَ إذ كتبه إليه في ورق من أوراق العطار، والكتابة فيها غير منتظمة الشكل.
قال: والخط لا يقرأ إلا لمن تعود قراءة هذه الخطوط، والأربعة الأسطر التي كتبها اعتذارا للشيخ كان فيها أكثر من عشر لحانات لا يمكن تطويقها على قواعد العربية ولو مع التأويل الذي تعودوه. وهذه الرقعة من عالم كبير إلى عالم أكبر.
قال: ومهما يكن نصيب هذه الصورة من الصدق أو المبالغة، فالذي لا شك فيه أنها صورة مظلمه تنفر القارئ من الأزهر ومن كل ما فيه ومن فيه، وربما نفرته عن الإسلام نفسه؛ لأن مفهوم الإسلام في الأذهان مرتبط بعلمائه ومؤسساته أراد الناس ذلك أو لم يريدوه. وذلك هو ما دعا باحثا أوروبيا مثل جب لأن يقول:
قال: وقد بدأ تلاميذ الشيخ محمد عبده المخلصون حتى في حياتهم يظهرون بمظهر واضح صريح. وقد كان هو نفسه في ماده العقيده يعارض قبول كل شيء دون مناقشه، أي يعرض التقليد كما يقال في الإسلام، وهذا الرأي يعتبر لبينة في بناء الحركة الممدنة أو خشبة الخلاص في حركة التحرر العلمانية. ويقول كذلك في موضع آخر إن تلاميذه الحقيقيين يمتزجون بالصفوف التي أنشئت إنشاء أوروبيا وينضمون للحلقات العلمانية.
ومن ناحية أخرى نجد الشيخ محمد عبده قد صنع جسرا فوق الهوة التي تفصل التعليم التقليدي عن التعليم العصري الخاضع لمذهب العقليين الذي غزى الشرق من الغرب. قال: والواقع أن فتاوى محمد عبده وآراءه الجريئة كانت لا تزال تباكر الناس وتراوحهم عن طريق دروسه في الأزهر، وعن طريق الندوات التي كان يعقدها في منزله أو في منازل بعض مريديه، وعن طريق المقالات التي كان ينشرها في الصحف.
وقد كان تفسيره للقرآن أحفل هذه الدروس وأكبرها تأثيرا؛ لأنه كان يجمع عددا من أصحاب الثقافات الإسلامية والغربية أو الدينية والمدنية كما يقولون على السواء، من علماء الأزهر وأساتذة المدارس الثانوية والعالية وكبار رجال القضاء الأهلي والوجهاء ورجال الحكومة ومنهم محافظ القاهرة. وكان يلقي بعض هذه الدروس في دار أحمد تيمور.
وهناك التقى به كثير من الأساتذة الذين اشتهروا في الحياة العامة أو شغلوا مناصب كبيرة في الدولة، مثل الشيخ أحمد إراهيم وحافظ إراهيم ومحمد كرد علي وأحمد فتحي زغلول ورفيق العظم وقاسم أمين وعبد العزيز جاويش بعد عودته من أوروبا.
وكانت جرأته في الملائمة بين الإسلام وبين حاجات العصر ومعارضته علماء الأزهر في عصره سببا في كثير من الحملات التي خوضت فيها الصحف متهمة إياه بتسخير الدين لخدمة العدو الغاصب، وقد أعان على ذلك عداؤه للخديوي عباس الذي بلغ من كراهيته له أن غضب على الذين شيعوه بعد موته.
ومن أمثلة هذه الآراء الجريئة ما عرف في ذلك الحين بالفتوى الترنسفالية، فقد كانت من أعظم ما شن من أعظم ما شنع به خصومه معارضة وخلاصه المسألة أن أحد المسلمين من الترنسفال أرسل إلى الشيخ محمد عبده يستفتيه في ثلاثة أمور. أولها لبس البرانيط، وثانيها أكل اللحوم التي يذبحها نصارى الترنسفال على غير طريقة المسلمين إذ يضربونها بالبلط ولا يذكرون عليها اسم الله، وثالثها صلاة الشافعية صلاة الشافعية العيد خلف الحنفي خلف الحنفي نعم.
قال: مع ما بينهما من خلاف في فرضية التسمية وفي تكبيرات العيدين. وقد أفتى محمد عبده بجواز الأمور الثلاثة التي سأل عنها الترنسفالي. ولكن المسألة التي أثارت عليه غضب الشعب خاصة هي المسألة الثانية التي أفتى فيها بجواز أكل لحوم النصارى مستندا إلى قوله تعالى: وَالْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلِّ لَكُمْ. فقد قال بعد فقد قال هذا بعد تحريم الميته قال وأحل طعامه وهو يعلم ما يقولون عند الذبح ويعلم ما يعتقدون بعزير بن المسيح.
ورأى محمد عبده في فتواه أن المضروبة بالبط هي غير الموقوذة التي حرمها الله، فالوقيد والموقوذ هو الذي يقتل بغير محدد من عصا أو حجر.
قال: ومن أمثلة هذه الفتا هذه الفتاوى الجريئة ما أفتى به من جواز الاستعانه هذا في مشكلة يعني طبعا عدها من الميتة يحتاج محمد عبده أن يبين يعني الأصل أنها موقوذة نعم. ومن أمثلة هذه الفتاوى الجريئة ما أفتى به من جواز الاستعانة بالكفار وأهل البدع والأهواء فيما ينفع المسلمين، وذلك حين استفتاه بعض المسلم المسلمين الهند الذين يدعون إلى إنشاء الجمعيات لتربية أيتام المسلمين مستعينين في ذلك ببعض الأجانب وغير المسلمين.
وقد جاء في هذه الفتوى أن ما يفعله أولئك الأفاضل دعاة الخير هو الإسلام ومن أجل مظاهر الإيمان، وأن الذين يكفرونهم أو يضللون هم الذين تعدوا حدود الله وخرجوا عن أحكام دينه القويم. بقي أن بعض المتشدقين ربما تعرض لهم الشبهة في فهم قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا إلى آخر الآية.
وبعد أن أورد المفتي جملة الآيات التي تصرح أو تشير إلى المنع من موادة المؤمنين غير المؤمنين قال: على أن على أنه لا شبهة لهؤلاء الجهلات في مثل هذه الآيات تسوغ لهم تفسيق إخوانهم أو تكفيرهم، بعد ما جاء في الآية المحكمة من قوله تعالى: لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَّلَوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.
وبعد ما جاء من القصص الذي قصه الله علينا لتكون لنا فيه أسوة إذ قال: وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا. وبعد ما أباح الله لنا في آخر ما أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم نكاح الكتابيات، ولا يكون نكاح في قوم حتى يكون فيهم قرابة المصاهرة ولا تكون تلك القرابة حتى تكون المودة.
ثم أورد محمد عبده في فتواه أمثلة كثيرة لاستعانة النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين ومن تبعهم من الأمويين والعباسيين بغير المسلمين من الذميين. قال: مثل هذه الآراء قد تبدو في ظاهرها من عادة مشاكلنا في التاريخ الإسلامي هو مدى دقة إسقاط النصوص على الواقع -يعني عادة وين ما تسير النقاشات يأتي واحد لنصوص التي تكلم لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلكم في الدين ومواقف النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع أقاربه أو فيسقطها على واقع معين في الهند ولا في مصر أو ما شابه ذلك-.
دائما الاشكال هل الإسقاط صحيح؟ يعني هل القياس متكامل الأركان؟ أم يكون والله الحالة المعاصرة أو الهندية التي ورد فيها السؤال يكون فيها نوع من هيمنة الكفار على الإسلام ونوع من الخداع المبطن، ويكون كثير من المشايخ في غفلة عن وأصحاب العمل الاسلامي غفلة عن، فتُروح أنت تشرعن هذا التعاون مع الغرب أو مع الإنجليز بحجة أن الإسلام لم ينهاكم عن الذين لم يقاتلوكم في الدين.
دائما هنا المشكلة يعني وخاصة هذه أقولها للإخوة حتى في واقعنا نحن في هذا الزمن لما تسمع عالم أو شيخ أو شخص يتكلم على السوشيال ميديا أو عبر الإعلام ويسقط لك آية معينة على واقعك المعاصر، دائما ما نحتاج أن نتاكد هل الإسقاط دقيق؟ هل الوصف صحيح؟ هل القياس متكامل؟ أم في قياس مع الفارق؟ وهذه المسالة تختلف عن تلك المسألة.
طبعا العامي أحيانا يكون معذور؛ لأنه غير قادر على معرفة ذلك وعلى معرفة أوجه المشاركة وأوجه الافتراق، لكن وظيفتك أنت كطالب علم أن تتاكد من ذلك حتى تحكم على آراء هؤلاء الذين يخرجون عبر الإعلام هل هي صواب أو خطأ نعم.
قال: مثل هذه الآراء قد تبدو في ظاهرها ولا بأس بها ولا غبار عليها، بينما في حقيقة الأمر تدعو إلى مذهب التحرر الذي يذهب في التسامح الديني إلى درجة تكاد تمحي معها الحدود الفاصلة بين المذاهب والنحل. قال: ولهذه النزعة أمثلة كثيرة فيما خلفه محمد.
عبده مثل قوله في ختام بعض دروسه في المنطق يحض على التفكير المتحرر الذي لا يوقر رأياً ولا ينتهي عند الحدود التي يخشى معها الزلل فيما يستعصي على طاقة العقل ويخرج عن حدود صلاحيته، ما الذي يعتق الأفكار من رقها وينزع عنها السلاسل والأغلال لتكون حرة مطلقة؟
الجواب على هذا السؤال يحتاج إلى شرح طويل؛ لأن تخليص الأفكار من الرق والعبودية من أصعب الأمور، ويمكن أن نقول فيه كلمة جامعة يرجع إليها كل ما يقال وهي الشجاعة. الشجاع هو الذي لا يخاف في الحق لومة لائم، فمتى لاح له يصرخ به ويجاهر بنصرته وإن خالف بذلك الأولين والآخرين، لا يرجو عن الحق أو يكتم الحق لأجل الناس إلا الذي لم يأخذ إلا بما قال الناس. قال: ولا يمكن أن يأتي هذا من موقن يعرف الحق معرفة صحيحة، إن استعمال الفكر والبصيرة في الدين يحتاج إلى شجاعة وقوة الجنان، وأن يكون طالب الحق صابراً ثابتاً لا تزعزعه المخاوف، فإن فكر الإنسان لا يستعبده إلا الخوف من لوم الناس واحتقارهم له إذا هو خالفهم، أو الخوف من الضلال إذا هو بحث بنفسه، وإذا كان لا بصيرة له ولا فهم فما يدري لعل الذي هو فيه عين الضلال.
ومن أمثلة هذا الاتجاه أيضاً قوله في تزيين البحوث الإسلامية التي كتبها مفكر الغرب من المستشرقين، وهي بحوث متحررة لا تصدر عن تقديس للإسلام أو توقير للسابقين المقدمين من رجاله: إننا لو أردنا أن نكتب في تاريخ علم الكلام مثلاً فلا يوجد في تواريخنا ما يفي بالغرض، يذكرون أن واصل بن عطاء أول من تكلم في العقائد على مذهب المعتزلة واعتزل مجلس الحسن البصري، ولكن ما سبب ذلك؟ من أين جاءه هذا الفكر الجديد؟ وكيف انتشر هذا المذهب؟ وما الذي حد الشيخ أبي الحسن الأشعري للقول بأن الوجود عين الموجود؟ ومتى دخلت الفلسفة كتب العقائد؟ وماذا كان غرض العلماء من إدخال الفلسفة على العقول مع العقائد في وقت واحد؟ كل هذا يعسر علينا أن نعرفه من تواريخنا، ويمكننا أن نعرف كثيراً من شؤون الإسلام وتاريخه من الكتب الإفرنجية؛ فإن فيها ما لا نجده في كتبنا، إن العالم المسلم لا يمكنه أن يخدم الإسلام من كل وجه يقتضيه حال هذا العصر إلا إذا كان متقناً للغة من اللغات الأوروبية تمكنه من الاطلاع على ما كتب أهلها في الإسلام وأهله من مدح وذم وغير ذلك من العلوم.
ومن أمثلة هذا الاتجاه الذي يبرر الحضارة الغربية تبريراً إسلامياً قوله في إباحة الصور والتمثال: الرسم ضرب من الشعر الذي لا يرى ولا يسمع، والشعر ضرب من الرسم الذي يسمع ولا يرى، إن هذه الرسوم والتمثال قد حفظت من أحوال الأشخاص في الشؤون المختلفة ومن أحوال الجماعات في المواقع المتنوعة ما تستحق به أن تسمى ديوان الهيئات والأحوال البشرية، يصورون الإنسان أو الحيوان في حالة الفرح والرضا والطمانينة والتسليم، وهذه المعاني المدرجة بهذه الألفاظ متقاربة لا يسهل عليك تمييز بعضها من بعض، ولكنك تنظر في رسوم مختلفة فتجد الفرق ظاهراً باهراً.
يعني مثلاً كيف انه يبرر وضع التماثيل والرسوم ذوات الارواح ويعطيها يعني تبريراً إسلامياً يشرعنها مع أن هذا التصوير والتماثيل بهذه الصورة الضخمة هذه داخله علينا من الغرب بهذا الزخم.
قال: وبعد أن أفاض في بيان مزايا التصوير قال: ربما تعرض لك مسألة عند قراءة هذا الكلام، وهي ما حكم هذه الصور في الشريعه الإسلامية إذا كان القصد منها ما ذكر من تصوير هيئات البشر في فعالياتهم النفسية أو أوضاعهم الجسمانية؟ هل هذا حرام أو جائز أو مكروه أو مندوب أو واجب؟ فأقول لك: إن الرسم قد رسم والفائدة محققة لا نزاع فيها، ومعنى العبادة وتعظيم التمثال أو الصورة قد محي من الأذهان، فإما أن تفهم الحكمه من نفسك بعد ظهور الواقعة، وإما أن ترفع سؤالاً إلى المفتي وهو يجيبك مشافحة.
فإذا أوردت عليه حديث إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون أو ما في معناه مما ورد في الصحيح، فالذي يغلب على ظني أنه سيقول لك: إن الحديث جاء في أهم الوثنية، وكانت الصورة تتخذ في ذلك الحديث لسببين: الأول له، والثاني التبرك بمثال من ترسم صورته من الصالحين، والأول مما يبغضه الدين، والثاني مما جاء الإسلام لمحوه، والمصور في الحالين شاغل عن الله أو ممهد للإشراك به. فإذا زال العارضان وقصدت الفائدة كان تصوير الأشخاص بمنزلة تصوير النبات والشجر، ولا يمكنك أن تجيب المفتي بأن الصورة على كل حال مظنة العبادة، فإني أظن أنه يقول لك: إن لسانك أيضاً مظنة الكذب، فهل يجب ربطه مع أنه يجوز أن يصدق كما يجوز أن يكذب؟ على أن المسلمين لا يسألون إلا فيما تظهر فائدته ليحرموا أنفسهم منها، وإلا فما بالهم لا يتساءلون عن زيارة قبور الأولياء أو من سماهم بعضهم بالأولياء وهم ممن لا نعرف لهم سيرة ولا يطلع لهم أحد على سريرة، ولا يستفتون فيما يفعلون عندها من ضروب التوسل والضراعة.
يعني شوفوا ايش بقول لك؟ قال لك يعني أنتم بس تسألون عن الصور والتماثيل طيب زيارتكم للقبور والتمسح بها لماذا ما تسألون عنها؟ وبيضرب الصوفية اللي بيكون مثلاً متمسكين بمذهب متأخري الشافعية والمالكية وكذا والحنفية فيقولون التصوير حرام وكذا وما شابه ذلك، لكن ما بيقولون عن قال طب زيارتكم للقبور وتوسلكم بأناس أنتم أصلاً ربما لا تعرفونهم؟ طبعا هذا أيضاً أحق بالسؤال، فهي أي إشكالية أنه أنت دائماً هو يتكلم هنا بانتقاد صحيح لكن هذا لا يعني أن الأول صحيح، كلاهما باطل. والتوسع يعني أحياناً برضه التوسع في التعليل والمقاصدية يؤدي أيضاً إلى الاخلال بالأحكام الشرعية المستقرة؛ لأن هذا المعنى الذي قاله محمد عبده ليس جديداً، يعني نفس الفكرة هذه كان ممكن المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة والأئمة تقولها في القرن الرابع الهجري والخامس الهجري وأن الصورة ذوات الأرواح إذا كان المراد منها مجرد الفائدة لاشكال، ومع ذلك العلماء سدوا الذريعة واحتاطوا ما لم يحطوا في أي مكان آخر، وبالتالي فهم محمد عبده لهذه المساله ليس فهماً سديداً، لكن في نفس الوقت انتقاده لمن يقف عندها ويسال عنها سؤال المستعلم ثم يفرط في السؤال عن مسألة الاستغاثة بالقبور والسؤال بها نوع من الانتقائية في رأي محمد عبده، وهذا كلام صحيح في هذه الجزئية.
قال: وما يعرضون عليها من الأموال والمتاع وهم يخشونها كخشية أو أشد، ويطلبون منها ما يخشون ألا يجيبهم الله فيه، ويظنون أنها أسرع إلى إجابته من عناية الله سبحانه وتعالى، لا شك أنه لا يمكنه الجمع بين هذه العقائد وعقيدة التوحيد، ولكن يمكنهم الجمع بين التوحيد ورسم صور الإنسان والحيوان لتحقيق المعاني العلمية وتمثيل الصور الذهنية.
قال: ويذكرنا ذلك كله بما جاء في تقرير اللورد كرومر في صدر مشروع مدرسة القضاء الشرعي الذي وضعه محمد عبده مع آخرين بتكليف منه، قال حيث قال: كنت أصل بين الحين والحين بالبارون كالي حاكم البوسنه لتبادل رأي في الموضوعات ذات الطابع المشترك، وقد استطعت أن أحصل بفضل مساعدته ومساعده خلفه على معلومات وافية عن الكلية التي أنشاتها حكومة النمسا والمجر في سراييفو لتخريج القضاة يقصد قضاة شرع المسلمين، وهي كلية قد أثبتت نجاحها في كل الوجوه، وقد وضعت هذه المعلومات تحت تصرف لجنة ذات كفايه ممتازة يراسها المفتي الأكبر السابق يعني الشيخ محمد عبده بقصد وضع خطة مشابهة تلائم ظروف مصر وحاجاتها، وقد أتمت اللجنة عملها في شهر يونيه السابق، ووضعت النظم المقترحة تحت تصرف الحكومة وهي الآن قيد البحث في وزارة العدل الحقانية وقتذاك. وهذه النظم تزود الطالب ببرامج ثقافيه ذات طابع تحرري، لا تحصل الطالبة في الدراسات الدينية الخالصة على أن هذه الفترة التي تلت عودته من المنفى لم تخلو من أثر اتجاهه الأول في بعض ما دافع به عن الإسلام، وقد كان أشهر أعماله فيه رده على هانوتو الذي كتب مقالاً عن الإسلام في معرض الحديث عن سياسة فرنسا في الاستعمار في المستعمرات الإسلامية.
قال: قارن فيه بين الإسلام والنصرانية، ونشرت ترجمة مقالته سنة تسعمائة، فرد عليه محمد عبده رداً طويلاً في ثلاث مقالات كانت حديث الناس وشغلهم في ذلك الوقت، تكلم هانوتو في مقاله عن تاريخ النزاع بين الإسلام والمسيحية وتحقق ظفر للديانة الأخيرة في القرن السر، وقال إن فرنسا قد صارت بكل مكان في صلاة مع الإسلام بل صارت صدر الإسلام وكبده، فالاسلام يحيط بها في أفريقيا ويمتد إلى آسيا وإلى الصين، وهو قائم بأوروبا في الآستانة حيث عجزت الشعوب المسيحية عن استئصال جرثومته من هذا الركن المنيع الذي يحكم منه على البحار الشرقية وفصل الدول الغربية بعضها عن بعض.
ثم قال: إن المسلمين في سائر أقطار الأرض يتجهون إلى كعبة وتجمعهم رابطة واحدة، وأنهم يكرهون الدول المسيحية التي تحتلهم، فالدراويش يبذرون بذور الحقد والكراهية لدول المسيحية حيث حلوا في تنقلاتهم بين البدو والقرى والمدن، وقال إن المتعصبين من المسلمين مثل السنوسي تقوم عقيدتهم على مبدأ كفاح غير المؤمنين وعلى كراهية المدنية الحاضرة على كفاح يعني وجهاد الكفار.
وقد لبثوا زمناً مديداً لا يرتبطون بعلاقة ما مع الدولة العلية بسبب ما بينها وبين المسيحية من علاقات، وانتهى من هذا العرض إلى قوله: توجد بالآستانة نفسها وبالشام وبلاد العرب ومراكش عصابة خفيه ومؤامرة سرية تحيط بنا أطرافها وتضغط علينا من قرب، ويخشى أن تفترسنا إذا أغمضنا الطرف.
قال: ثم دخل هانوتو في موازنة بين الدينين فقال: إن المسائل الأساسية في كل دين هي التي ترتبط بالقدر والمغفرة والحساب، وقال إن نظرة الأديان والمفكرين إلى هذه المسائل تتمثل في اتجاهين: اتجاه يقول بتناهي الربوبية في العظمة والعلوم ويجعل الإنسان في حضيد الضعف ودرك الوهم، واتجاه آخر يرفع مرتبة الإنسان ويخوله حق القرب من الذات الإلهية بما فطر عليه من إيمان وإرادة وبما آتاه من أعمال صالحة ومن حسنات.
ثم قال هانوتو: إن نتيجة الاتجاه الأول هو تحريض الإنسان على إغفال شؤون نفسه والقنوط في قلبه وتثبيط همته، أما الاعتقاد بمذهب الفريق الثاني فهو يؤدي إلى الجلاد والعمل. ممثل الاتجاه الأول بالديانة البوذية، كما مثل الاتجاه الثاني بالثقافة اليونانية، ثم قال إن المسيحية هي الوارثة لآثار الآريين وهي منقطعة صلة بالمذاهب السامية وإن كانت مشتقة منها، أما الإسلام فهو متأثر بالمذهب السامي ولذلك فهو ينزل بالانسان إلى أسفل الدرك ويرفع الإله عنه في علا لا نهاية له، وأصول التثليث السري مشتقة من ضرورة وجود إله بشري يمحو ذنب الجنس البشري ويحمل المسيحية على إتيان الأعمال التي تقربه من الله، أما الإسلام فهو يتمسك بالوحدانية ويرفض ذلك فيجعل المسلم كمن يهوي في الفضاء بحسب ناموس لا يتحول.
التثليث الذي عند المسيحيه يعني بقول لك هدف منه أن يرتقي الإنسان لمرتبه قريبة من الإله مما يجعل الإنسان يعمل، وأما الإسلام فهو يتمسك بوجود الإله الواحد فيجعل المسلم كمن يهوي في الفضاء بحسب ناموس لا يتحول ولا يملك في ذلك من حسب ناموس يعني قانون واحد لا يتحول وليس للإنسان أي علاقة به.
قال: فلفظ الإسلام معناه الاستسلام المطلق لإرادة الله، ثم أشار هانوتو إلى اختلاف الباحثين والسياسيين الفرنسيين في تصور العلاقة التي تربطهم بالمسلمين قال: فالمسيو كيمون يعتقد أن الإسلام جذام فشى بين الناس وأخذ يفتك بهم فتكاً ذريعاً، بل هو مرض مريع وشلل عام وجنون ذهولي يبعث الإنسان على الخمول والكسل ولا يقظة منهما إلا لسفك الدماء، وهو يرى المسلمين وحوشاً ضارية ويعتقد أن الواجب إبادة خمسهم والحكم على الباقين بالأشغال الشاقة وتدمير الكعبة ووضع ضريح محمد عليه الصلاة والسلام في متحف اللوفر.
والمسيو القس ياسنت سابقاً يعتقد أن الإسلام هو الدين المسيحي محسناً ومحوراً، فهو يعتبر الإسلام أرقى مبدأ وأسمى كعباً من المسيحية، وهناك فريق ثالث يتوسط بين الفريقين ويقول إن الإسلام قنطرة للأمم الأفريقية ينتقلون بواسطتهم من ضفة الوثنية إلى ضفة المسيحية.
ثم قال هانوتو: إن هذه الآراء المتباينة هي التي أحدثت التناقض في أعمال فرنسا الاجتماعية والسياسية والإدارية، وطالب بأن تقوم السياسة الاستعمارية على الدراسة العميقة الدقيقة للشعوب الإسلامية وللإسلام، ثم قال إن الإسلام دين وسياسة، وأن شعور المسلمين مبهم من حيث الجامعة السياسية أو الرابطة المدنية أو الوطنية، فالوطن عندهم في الإسلام، وهم يقولون إن سلطة مستبدة من الألوهية فلا يجوز أن يتولاها إلا المسلمون.
ثم أشار هانوتو إلى نجاح فرنسا في فصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية في تونس وقال إنها قد استطاعت أن تحقق هذا الانقلاب العظيم بلباقة وحذق دون أن تثير ضجيجاً أو تذمراً، فثبتت دعائم السلطة المدنية من غير أن يلحق بدين مساس، وتسربت الأفكار الأوروبية بين سكان بدون أن يتألم منها الإيمان المحمدي، وبذلك انفصم الحبل بين هذا البلد وبين البلاد الإسلامية الأخرى الشديدة الاتصال بعضها ببعض، ودعا في آخر مقالته إلى أن تتخذ تونس مثالاً يقاس عليه ونموذجاً ينسج على منواله.
إذاً لاحظ أن الاستعمار في أي بلد حل فيه حاول قبل أن يخرج أن يفصل السلطة الدينية عن السلطة المدنية اللي هي العلمانية، العلمانية هي الأداة التي
استعملها الاستعمار منذ القدم لإضعاف شعور الناس بقيمة الدين في حياتهم؛ لأنه لما يصبح الدين عبارة عن طقوس وممارسات في المسجد وفي دار التحفيظ، وأما الحياة المدنية العامة لا تحكم بشرع الله سبحانه وتعالى، هذا أكبر إضعاف وتهويل للدين في قلوب البشر. نعم.
قال: ورد محمد عبده على مقال هانوت في ثلاث مقالات، أما المقال الأول فقد اتهم فيها هانوت بتحريك نيران العداوة في الفرنسيين وإثارتهم على حرب المسلمين، ولفت نظر الشباب المصري الذي يتعصب للثقافة الفرنسية. وقال محمد عبده: إن أصل التمدن الآري هو الهند، وهم يعتقدون بفناء العالم وأنه لا يليق للإنسان أن يهتم بشؤون العيش، وقال إن الإسلام هو الذي حمل إلى أوروبا مدنيات العالم من فارس ومصر واليونان والرومان بعد أن صفاها وهذبها، وذلك عن طريق الأندلس.
ثم تساءل بعد ذلك عما يعني هانوت من المقارنة بين المدنية السامية والمدنية الآرية؛ فليس هناك علاقة بين الدين المسيحي وبين المدنية الحاضرة؛ فالإجيل يأمر أتباعه بالانسلاخ عن الدنيا والزهادة فيها، ويجب عليهم إذا سلبهم السالب قميصاً أن يعطوه رداءً أيضاً، وإذا ضربهم الضارب على خدهم الأيمن أن يديروا له خدهم الأيسر، ويقص عليهم أن دخول الجمل في سم الخياط أيسر من دخول الغني في ملكوت السماوات، فهل تقوم المدنية الأوروبية على هذا الأساس؟
ثم قال إن الفينيقيين من الساميين، وهم أساتذة العالم في الصناعة والتجارة والقراءة والكتابة، ومنهم الآراميون، وقد كانت لهم مدنية لا تنكر أيام الرومانيين، ولا زالت الأمم يأخذها بعضهم من بعض في المدنية، لا فرق في ذلك بين آري وسامي. ثم أشار محمد عبده إلى ما قرره هانوت من أن الدين الاسلامي يراد به التوحيد ودين الآري يقصد به ما يقابله، وقال إن هذا خطأ واضح؛ لأن التوحيد هو دين عبراني فقط عرف به إبراهيم وبنوه ومنهم عيسى، أما بقية الساميين من عرب وفينيقيين وآراميين وغيرهم من الأمم المذكورة في الكتاب المقدس فقد كانوا وثنيين مشبهين.
وتناول محمد عبده في المقالة الثانية مناقشة مسألة القدر والجبر عند الآريين والساميين أو النصارى والمسلمين، فقال إن الآرية والسامية لا دخل لهما في هذه المشكلة، فقد عظم الخلاف فيها بين المسيحيين أنفسهم. ثم قال إننا لا نعرف يهودياً استلقى على قفاه وترك العمل اتكالاً على القدر، ولكن نعرف ذلك في الأديرة وبين الرهبان، ونعرف بين المذاهب اليونانية ما يذهب إلى أن الأشياء توجد بالاتفاق والمصادفة، ولا يحتاج الممكن في وجوده إلى سبب، وذلك الاعتقاد أدخل في باب الجبرية من إسناد كل أمر إلى خالق الكون.
كما بين أن النبي وأصحابه عليه الصلاة والسلام جاهدوا في سبيل نشر الدعوة، ولم يكتفوا بالتسليم إلى القدر في إتمامها قائلين إن الذي كفل لهم النصر يكفيهم التعب، كما بين أن الآريين الذين دخلوا في الإسلام من فرس ورومان هم الذين افسدوا العقائد الإسلامية فادخلوا فيها ما ليس منها، وأن الأوهام التي يبثها المتصوفة في الدين ترجع إلى أصول فارسية وهندية.
أما المقال الثالث فقد تناول فيه التوحيد والتنزيه وتجسد الألوهية والتشبيه، فقال إن الوثنية وتوهم السلطان الإلهي ظاهرا في بعض الموجودات المادية، كان عقيدة الواقفين على أبواب الإنسانية، لم يدخلوها ولم يتصدوا منازلها، وكلما ارتقى الإنسان في العلم تمزق دون روحه حجب المادة وجلى له الوجود الأعلى. وقد كان هذا شأن اليونانيين حتى جاء سقراط وأفلاطون وأرسطو، وكذلك كان المصريون، لم يقف فيهم العلم دون التوحيد، غير أن رؤساء دينهم لم ينشروا تلك العقيده بين عمتهم واستبقوا صور العبادات الأولى.
ثم بين أن أهل التشبيه قسمان: قسم يعتقد بألوهية بعض الموجودات المشهوده، وقسم آخر يعتقد أن برئ الكون يظهر فيها. وبين هذين قسم ثالث يعتقدون بالوسائط ويقصدون الله على الكبراء وأهل السمو منهم، فيتخذون بعض من يظنون بهم القرب من الله شفعاء يلجؤون إليهم ليقربوهم منه سبحانه، وهؤلاء قد استعبدوا أنفسهم للسادن والكاهن وللزعماء ووارثيهم واستسلموا لهم في جميع شؤونهم.
ثم قال إن ربط هانوت بين المسيحية وبين الديانة اليونانية باطل؛ لأن المسيحية تبذلت وسعها في بداية أمرها لتطهير الأرض من الوثنية وكانت تنزيه قوام دعوتها، ولم تظهر آثار التشبيه إلا بعد قرون من نشأتها. وقال إن من المسيحيين الآن مثل بعض الطوائف البروتستانت من يعتقد أن المسيح لم يكن إلا نبياً مختاراً بعثه الله لخلاص البشر، ومن غير المعقول أن تجاهد المسيحيه من حولها من الوثنيين لتخرجهم من وثنية إلى وثنية.
أما الإسلام فقد دعا إلى التوحيد وصرح بأن دين التنزيه هو دين الله من لدن آدم ونوح وإبراهيم إلى موسى عليهم السلام، ثم هو دين الأنبياء بعد موسى ودين خاتم رسل إسرائيل عيسى عليه السلام، ولم ينكر الإسلام أن في اليهود وفي المسيحيين خصوصاً أهل التنزيه، وذكر أن منهم من مال إلى التشبيه ودعاه إلى الرجوع إلى أصل دينه حتى يقوم بالعبادة وحده ويعتق من سلطة الرؤساء والزعماء الذين اغتصبوا عقله وملكوا هواه ووهمه.
وبهذه العقيدة التي تدعو إلى التوحيد فتح المسلمون الدنيا وجالوا في علوم السماوات والأرض، فنبغوا في مختلف فروع العلوم، وإنما فسدوا وتاخروا حين فسدت عقيدتهم ودخل فيها ما ليس منها. ورد محمد عبد على ما توهمه هانوت من أن الإسلام قد قطع الصلة بين العبد وربه، فقال إن الإسلام قد أفضي بالعبد إلى ربه وجعل له الحق أن يقوم بين يديه وحده بلا واسطة تبيعه رضاه. ثم قال إن ثورة المستعمرات لا ترجع إلى أن فرنسا مسيحية، فلو أسلمت الأمة الفرنسية باسرها ثم كانت معاملتها لغير الفرنسيين على ما نعد في الجزائر ومدغشقر لما أحبها أهل المستعمرة ولا مال إليها.
قال: وبعد هذا المقال انبرت جريدة الأهرام لمناقشة محمد عبده والرد عليه زاعمة أنه بنى رده على ترجمة محرفة لكلام هانوت، ولما اطلع هانوت على ما جاء في النسخه الفرنسية من الأهرام كتب مقالاً جديداً نشرت المؤيد ترجمته، حاول فيه الاعتذار عما رمي به من إغراء دولته بالمسلمين، وقال إنه لم يحاول فيما قال إلا الإصلاح وإقامة السلام. ثم نشر الأهرام بعد ذلك حديثاً لصاحبه مع هانوت قال فيه إنه روى آراء كيمون ليعرف المسلمون ما يقال عنهم وهو لا يعتقدها، وقال إن أوروبا لم تتقدم إلا بفصل السلطة المدنية عن السلطة الدينية ونصح الشرق بأن يحذو حذو أوروبا العلمانيه. نعم.
قال: ورد بعض المفاسد الشرقي إلى أسلوب الحكم العثماني، كما رده إلى ما يتوهمون من أنهم يستطيعون تحقيق النجاح باستغلال ما بين الدول الأوروبية من تنافس وخصومة، قال وبإقامة البراهين على عدالة قضيتهم، والواقع أن الدول الأوروبية لا تهمها العدالة ولكن تهمها مصالحها الاستعمارية. ونصح الشرقيين بأن ينهجوا نهج أوروبا كما فعلت اليابان، فيعملوا على نشر العلوم العصرية في بلادهم وعلى إزالة سوء التفاهم الواقع بين الشرق والغرب.
وقال إن العبرة ليست في إقامة المدارس ونشرها، ولكنها في وضع مناهج الدراسة السليمة، وختم مقاله بأن السلطة المدنية أهم وأشد من الرابطة الدينية، وهي التي كانت قاعدة أوروبا الأولى في سياستها، وبها تقدمت وتمددت ونجحت. ورد محمد عبده على هذا المقال الأخير في ثلاث مقالات أخرى شرح فيها علل الأمة الإسلامية ورسم طريقتها لعلاجها.
وقد ظل أصدقاء محمد عبده وأنصار دعوته يكثرون بما يلقون من تشجيع الإنجليز الذين كانوا يمكنون لهم في إدارات الحكومة وفي مناصب الدولة الكبرى، وبما يجدون من تأييد الثقافة الحديثة التي تشد أزرها الصحف والمجلات والمدارس. وظل خصومه ومعارضو دعوته يقلون ويضعفون بمناواة الإنجليز لهم ومحاربة أجهزة التعليم والثقافة لآرائهم، حتى أصبح اسم محمد عبده مقترناً في أكثر الأذهان بالإصلاح المستنير، واصبح اسم معارضيه مقترناً بالتزمت وضيق الأفق المفسد لسماحة الإسلام.
قال: وقد ظهر صدى ذلك في الشعر الذي قيل في رثاء محمد عبده، فقد أشاد الشعراء الذين شاركوا فيه بفضله على النهضة الإسلامية. فمن ذلك قول حافظ إبراهيم في رثائه مشيراً إلى منهجه الجديد في التفسير وإلى توفيقه بين العلم والدين وما لقي في ذلك من أذى -ذكر الابيات-: أذوك في ذات الإله وأنكروا مكانك حتى سودوا الصفحاتِ رأيت الأذى في جانب الله لذةً ورحت ولم تهمم لهم بشكاتي يعني كأنه صبر في ذات الله اللهم الاستاد محمد عبده. طيب.
ومن ذلك الرثاء الكاشفي الذي أشار فيه إلى ما ذهب إليه محمد عبده من أن صلاح الأمة بصلاح الرعية لا السلطان، وإلى ما غرس في المسلمين من روح التسامح الذي يتفق مع حقيقة الإسلام، كما أشار إلى عباراته المشهوره: لا يصلح الشرق إلا مستبد عادل، ودفع عما اتهمه به خصومه من موالاة الإنجليز فذكر الأبيات. قال: وظهر صدى دعوة محمد عبده في كثير مما كتبه.
جميلة هي الجملة: لا يصلح الشرق إلا استبد عادل، دائماً نقول لكم إياه هذا الكلام، الشورى الزائدة تفسد والظلم يفسد. نعم.
وقال: وظهر صدى دعوة محمد عبده في كثير مما كتبه تلاميذه ومعاصروه، فمن ذلك ما كتبه رفيق العظم وهو أحد تلاميذه رداً على مقال عبد القادر حمزة: خطر علينا وعلى الدين الذي أشرنا إليه في صدر هذا القرآنا الدرس الماضي، هذا مقال عبد القادر حمزة وكيف كان يعني مليئاً بالحقد على الإسلام. نعم.
فدعا في مقاله إلى تنقيح الدين وتهذيبه على غرار ما حدث في أوروبا قبيل ما يسمونه عصر النهضة في القرن السادس عشر، حتى يصبح حسب زعمه ملائماً للعصر وصالحاً للحياة. وبين رفيق العظم في مقاله أن نظرتها الصحيحة لا يمكن أن تقوم إلا على أساس الدين بعد تنقياته من الشوائب، وأن الذين يطالبون بعدم إقحام الدين في شؤون الحياة لا يفرقون بين الدين في حقيقته وبين الدين كما انتهى إليه أمره، ولا يميزون بين المصلحين من علماء الدين وبين المتنطعين من الجامدين الذين يدافعون عن بدع مستحدثة وعادات بالية فاسدة يسمونها الدين.
ثم رد على الذين يزعمون أن سبيل الإصلاح هو في اتباع الغربيين الذين نبذوا الدين، فقال: رب قائل يقول ما أغنى هؤلاء المصلحين عن إصلاح الدين وأحراهم بالدعوة إلى إصلاح أمر الدنيا وبيان وجوه الخير والسعادة التي تتم بها سعادة الأمم الراقية التي نبذت الدين؟ فالجواب عن ذلك أن المرض إنما يزول بزوال سببه، وإذا علمنا أن سبب انحطاط المسلمين اتخاذهم البدعة والعوائد ديناً وهي ليست من الدين، واستسلامهم بسبب ذلك لرضا بما وجدوا عليه آباءهم الأولين، لزمنا أن نسعى بإزالة السبب.
وما تزال ونشطت العقول من عقال الأسر للعوائد والإغراق في الاستسلام لكل ما يقال إنه من الدين؛ حَقَّ إذْ على العقلاء والمصلحين أن يحولوا وجهتهم إلى الإصلاح المدني؛ إذ يجدون يومئذ كل الأمة آذاناً مصغية لما يقولون وقلوباً وعية لما به ينطقون. ومضى الكاتب في بسط نظريته التي تقوم على أن الإصلاح المدني يتبع الإصلاح الديني، وأن المجتمع القوي الناجح لا يقوم إلا على أساس العقيدة السليمة، مؤيداً رأيه بالنظر إلى تاريخ النهضة الأوروبية نفسها التي يدعو بعض المستحين إلى اقتفاء آثارها.
فقد بدات هذه النظرة في القرن السادس عشر الميلادي بالصلاح الديني الذي دعا فيه لوثر إلى ترك البدع الدينية وتطهير العقائد من شوائب الحشو القاتلة للعقول، ثم كان الإصلاح المدني من بعده نتيجة لهذا الإصلاح الديني الذي أطلق العقل من قيود السيطرة الجائرة بمثل ما كان الإصلاح السياسي نتيجة للثورة الفرنسية. ثم تتبع رفيق العظم تاريخ دخول البدع على الدين مما استدعى ظهور طائفة من المتشددين، فرأى أن الإسلام كان في أوله سهلاً يسيراً لا يزيد على أن يلقن الداخل في كلمة التوحيد، ويعلم أركان الصلاة، ويؤمر بحفظ شيء من القرآن، ثم يقال له هذا هو الإسلام في بساطته ويسره.
وكان المتفقهون قلة من الصحابة، قال ولم يكونوا يجاوزون في فقههم واقع الأمر الذي يعين على معرفة أحكام الدين. فلما دخل كثير من الوثنيين أو أهل الكتاب في الدين نقلوا معهم جملة من الآراء الفلسفية والبدع العقلية مثل بدعة معبد الجهني وغيلان الدمشقي القول والقدر، واختلف أرباب المقالات بين جبرية وقدرية ومشبهة وما لا يعد من الفرق التي جمعها الإسلام وفرقتها الوثنية والابتداع.
ورأى ذلك فريق آخر من الأمة فآلمهم ما رأوا، فنادوا وغيرته على الدين وبالغوا في الإنذار والتحذير وقول هذا حلال وهذا حرام، وهذا يمس الدين، وهذا تقليل الوثنيين، وهذا يشكك المسلمين، حتى أحرجوا صدر الأمة بإصاقهم كل شيء بالدين، فالقيام والقعود والأكل والشرب والتخاطب والتعامل والعلم والتعلم كله بالدين ومن الدين وللدين، وبجملة لم يدعوا شيئاً من العوائد إلا أدخله في.
خلص رفيق العظم من كلامه إلى الإجابة على السؤال الذي ختم به عبد القادر حمزة مقالته: هل في النداء بالدين فائدة؟ فأجاب على ذلك بأن الكاتب قد أخطأ حين فهم أن المنادين بالدين كلهـم يدعون إلى التمسك به على ما دخله من الحشو واللغو المضر، فنحن في حاجة إلى النداء بإصلاح الدين لا النداء بالدين مطلقاً كما ظن، وإنما ينفع النداء بالدين إذا امتنع تجار الدين والمتعصبون للتقاليد من علماء الدين والاصلاح الغيوري، وتركوهم وشأنهم في الدعوة إلى تطهير العقول من أدران الاعتقاد الباطل الذي تلبس به سواد الأمة، فأصبحوا بعيدين عن قبول سعادة المدنية بعد الألف عن السماء.
وتابع عبد العزيز جاويش أستاذه الشيخ محمد عبده في
فأنشأ مجلته الهداية سنة تسعمائة وألف، وأخذ يفسر فيها القرآن على أسلوب شيخه في تقريب الإسلام من قيم العصر وثقافته التي هي في حقيقة أمرها مستمدة من قيم الغرب وثقافته. وأفسح من صفحات مجلته للمترجم من الثقافات الغربية الحديثة في التربية والاجتماع والدراسات النفسية والأدب شعره.
أما ما كان ينشر في المجلة من مقالات إسلامية، فبعضه يستهدف تقريب الدين من الثقافة الغربية الحديثة، وبعضه يستهدف تقريبه من المدنية الغربية ليطابق أنماط الحياة السائدة. فمما نشرته المجلة في تقريب الإسلام من الثقافة الغربية الحديثة، مقال لشيخ الطنطاوي جوهري في التوفيق بين الإسلام وبين مذهب داروين في تطور، تطور شوف أنا وين وصلنا! طيب.
يقول فيه: إني قرأت تلك المحاورات وعلمت ما في تلك القضيات، ولم أرى شيئا يغير الدين ولا فكرا يدور بعقاد المسلمين، فالاسلام يأمر الناس باليقين ولا يقين إلا بالعلوم التي يسميها الناس عصرية وهي في الحقيقة علوم إسلامية. ثم يقول: إن الإيمان بالله تعالى قضية كلية لا ينقدها مذهب من المذاهب ولا ينافيها منهج من المناهج، فإذا قلت إن العالم وضع العالم منظما مرتبا سائرا على القانون والترتيب والحكمة والتناسق كما هو القضية الأولى، أو قلت إن الخيل والحمير تولد منهما بغل فلا كفران ولا خسران، كل ذلك حكمة إلهية وعجائب حكمية. قال: وما يكفر بتلك القضايا إلا المتوسطون في العلم الذين لم يرتقوا إلى طبقات الحكماء، فإن عقولهم لا تسع نظاما وترتيبا وإلها قادرا حكيما، ومثلهم كمثل العامة التي لا تسع عقولهم أن تصور تأثير العقاقير في الأمراض ويكتفون بالإيمان وهم جاهلون بنظام العالم وحكمته وترتيبه. ثم رد نظرية داروين في التطور إلى علماء المسلمين فقال: قد علمتم أن مذهب داروين قد رجع إلى قضية النثتين وهما لا ينافيان الألوهية، فدلالة العالم المنظم على الله قضية كلية لا يختلف فيها المحققون وإن غفل عنها الكثيرون. ولقد كانت هذه القضية الناموسية سرا مكونا عند علماء الإسلام كم أخفوها عن العوام، قال وتسمى عند علمائهم دائرة الوجود، وعند أهل السنة والمعتزلة بالقضاء والقدر، وتسمى في القرآن بالميزان.
قال: وورد الترتيب النظامي بذكر الإنسان فالحيوان فمنبات في السماوات وكواكبها وشموسها في سورة النحل رجوعا بالعوالم من أواخرها إلى أوائلها، وهذا عجب عجاب! وقد قال الغزالي رحمه الله: لا يعرف هذا السر إلا المحققون الذين درسوا أكثر العلوم، ودع هذا السر. نعم، كان القرآن فيه سر يعرفه إلا المحققون، طيب.
ودعا طنطاوي جوهر علماء المسلمين وشبابهم إلى الاستعانة على توثيق إيمانهم بدراسة العلوم، فقرأة التشريح والطبيعة والكيمياء وسائر العلوم العصرية ودراسة الحيوان والنبات والإنسان أجل عبادة وهي أفضل من سائر القربات كما شرح العلماء، وهي أفضل من صلاة النافلة والإحسان لفقراء، ولولا قصور علماء القرون الماضية ما ضاع المسلمون وما أحاطت بهم عادي الدهر ولا أصابتهم كوارث الحدثان.
وورد على ما يزعم الزاعمون من أن دراسة العلوم الطبيعية ترث زيغ عن الدين وزعزعة اليقين، فقال إن أولئك الملحدين أحد اثنين، إما رجل جهل الطبيعة ودرس قشورها فهو من الشاكين، وإما رجل ضعفت قوته الحاكمة فملا عقله بالمحفوظات وليس له من قوة الحكم من نصيب، إن بعض الشرقيين أسرع إلى الإلحاد لقلة بضاعته من العلوم، علوم الطبيعة يقين للحكماء شك لمن دونهم، فما مثلهم إلا كالخفافيش أو الفراش يبهرها ضوء الشمس، أو كالفقير أصابه الغنى فجاه، أو كثيران الأسبان برتها بعد حبسها حمرة الألوان، هذه طبائع بعض الإنسان. ومن الناس من يمل من هذا الكلام إما لفسوق فيه وإما لكبر وخيلاء لئلا يقول الناس رجع عن رأيه، وإما ليتظاهر بأنه أعلم من حوله من العالمين، وما درى المسكين أن الإنكار أسهل شيء على الجاهلين، وليس يعوزه إلا العناد الذي ما له من نفاد.
ومما نشرته الهداية في التوفيق بين الدين وبين حضارة الغرب التي تغير حضاره المسلمين وأنماط حياتهم، مقال لعبد القادر المغربي في حجاب المرأة، بين فيه أن الغرض من الحجاب في الإسلام هو صيانة كرامة النساء وتوفير حرمة الأعراض، وأن الإسلام لم يحدد له صورة خاصة وكيفية بعينها، وإنما نهى عن التبرج وعن الخلوة بالأجنبي، ولكن المسلمين جروا في حجاب نسائهم على طرايق اختلفت باختلاف بيئاتهم وأقطارهم وعمرانهم وأمزجتهم وسائر المؤثرات التي تحيطهم. وأورد أمثله كثيرة على جواز السفور، منها أن النبي صلى الله عليه وسلم شهد وليمة عرس وكانت العروس نفسها تخدم المدعوين، ومنها أن زوجة عبد... هذا حديث ورد فعلا في صحيح بخاري ومسلم، حديث المرأة التي امرأة الرجل التي تزوج، فالنبي صلى الله عليه وسلم أتى والصحابه إلى بيته فقامت امراته بماذا؟ بوضع الطعام. لكن ما مساحة الاحتكاك التي كانت بينها وبين الضيوف؟ هذا المجمل ورد في الحديث، فأنت اعتقاد أن الامر كان احتكاكا كبيرا واسعا بينا أو ما هي الحاجة التي دعت إلى ذلك؟ هذه كلها للاسف تبحث في كتابات المعاصرين الذين يثيرون شبهة بمجملها دون محاوله فهم طبيعة الواقع، طبيعة الظرف الذي وقع في تلك الحالة طبعا، ويأخذ طبعا قضية واحدة قضيتين يعممها كأنها كانت منهج عام للصحابه، نعم.
قال: ومنها أن زوجة عبد الله بن عمر كانت تنزل إلى المسجد فتصلي الفجر غلسة، ومنها أن أبا بكر كان يجتمع بالنساء الاجنبيات ويحادثهن، وأن سفيان الثوري وأضرابه كانوا يزورون رابعة العدوية ويسمعون كلامها، وأن عائشة... يعني هو جمع من الآثار المختلفة التي قد تثير شبهة إذا لم يتم معالجتها جمعها مرة واحدة في مكان واحد وسردها يعطيك تصور أنه والله المجتمع الصحابي كان منفتح وليس كما يصور لنا أنه مجتمع منغلق، نعم.
قال: وأن عائشة الباعونية في القرن الحادي عشر من الهجرة كانت تقرا درسا عاما في الجامع الأموي بدمشق، وكان يحضر درسها العلماء والصلحاء وعامة الناس. وأن عمر بن الخطاب كان إذا رأى امرأة مرخية قناعا على وجهها كشف القناعة ونظر إليها، فإن وجدها جميلة أقرها وإلا ألزمها بالسفور وترك القناعة. هذا شوف، هذا كلام باطل، هذا لعب أصبح يجمع فيه الغث والسمين والصحيح والضعيف في مكان واحد، نعم. عشان اللي ورد فعله مع الإماء مش مع... نعم، مش مع النساء الحرائر، فهو يوظف النص كما يشاء، نعم.
وأن عائشة بنت طلحة كانت مع جمالها لا تستر وجهها عن رجال لعظم قدرها وكبر نفسها، أي أنها تشعر من نفسها بأنها أعظم من أن يحدث نفسه بها فاسق. وأن سكينة بنت الحسين كانت تجالس الجلة من قريش ويجتمع إليها الشعراء وتأذن للناس أذنا عاما حتى تغص بهم الدار فتامر لهم الطعام، ثم تسال الشعراء وتنقد أعمالهم.
ومما كتبه عبد العزيز جاويش في تدعيم هذا الاتجاه خطابه الذي ألقاه في المتمر المصري سنة إحدى عشرة وتسعمائة، ونادى فيه بوجوب مراعاة أحوال الزمان والمكان في تطبيق شريعة الغراء. وقد جاء فيه: ألا ليهدأ روع أولئك الذين يتخذون غيرة على الدين كلما عرضت حال يدعو فيه داع إلى إصلاح، وهمين أنه لا يكون شيء من ضروب الإصلاحات إلا حيث يكون المساس بأحد أصول الدين، وإذا لم يكن بد من أن يغار فإن أحق ما تحق عليه غيرة المؤمن، بل أولى ما تسكب عليه حبات القلوب إذا منع من المحاجر، هذا شرع الذي لحق به التوهين وتلك الأمة التي كادت تكون في الغابرين، ليهدأ روعهم وليخففوا عنهم بعض ما بهم، وليعلموا أن من الواجب تطهير الشرعي من بعض الأحكام الاستنباطية التي قررها نفر من أهل العلم دون رعاية للمصلحة العامة التي هي أصل من أصول الشريعة الحنيفة.
هذا الكلام فيه جانب من الكبير من ال... خلينا نقول يعني من الإشكال في مقصده، وفي جانب من الصواب ترى، هذا الكلام مثل هذا الكلام لما أنت تنظر إليه مخيف صح؛ لأنه ويحاول أن يرمي أن الأحكام الشرعية التي سجلها العلماء تحتاج إلى تنقيح، يعني بتشعر أنه في نفس هذول المقاصديين المعاصرين اللي بدهم يفتحوا كل حاجه، لكن في نفس الوقت الجمود التام أيضا هو مشكلة، هذا في اعتقادي أن الجمود التام وأن مجرد أخذ الفتاوى من مجرد المتون الفقهية القديمة دون النظر في أيضا مشاكل للعصر وتحدياته وعقباته، ما هو الفتوى عالم يحتاج إلى إتقان الفتوى، وليس مجرد أن تذهب إلى المتون القديمة وتسقطها على الواقع بجمود، لا تحتاج أن تفهم أشكالات الواقع وتحدياته، فال... فهناك شعرة، شعرة ما بين الانفتاح والعبث في دين الله سبحانه وتعالى بمحكمات الشريعة وما بين لا فهم الواقع وتحدياته ما يتطلب من عمق في الفتوى ومعرفه حوائج الناس، في شعرة بين هذين؛ لأننا نحن نعاني من المنفتحين ونعاني من المتزمتين برضه، أنت تعاني من كلا الطائفتين، نعم.
لقد سنت لنا شريعتنا أن ناخذ بالأصلح الملائم للأزمنة والأمكنة حتى لا يكون على الناس حرج ولا ضرار، بل رخصت أن يعدل عن النص إذا ثبت ثبوتا قاطعا أن الضرورة توجب هذا العدول، وكانت المصلحة التي... هو أصلا عفوًا، الضرورة هي جزء من النص، يعني أنت ما عدلت عن النص للضرورة، لا، النص هو اللي قال لك راعي الضرورة، فمن اضطر في مخمصة، فانت لا تخرج من نص الأصل... نعم.
قال: وكانت بينك شي متعامل هذا أنه كأنه طعن في المقابل وليس... يعني هي أخذ بالمجمل أو أخذ بقوة العلمائية في نوع ما، أنهم يقولون لك موضوع هذول النص هذا هو اللي قالوه العلماء قبل.
لا لا، هو شوف هذا الرجال، لا، واضح أن سياقه سياق محمد عبده، سياق إنسان عم بيعاني مشكلة من تراث الأئمة الاقدمين، تمام، وبيعاني مشكلة يعني في في مدى تصوره لفقه الأقدمين وعلى ماذا بني، أنا أقر لك ذلك، لكن في نفس الوقت بس هي كانت الفكرة أن نفهم أنه في المقابل في التيار الآخر أو في الطرف الآخر من لا يريد أبدا الخروج عن المتن ويريد أن يجعل كلام حقبة معينة في القرن السابع أو الثامن أو التاسع هو يتلائم مع القرن الخامس عشر القرن المعاصر أو ما شابه في ظروف الحياة وتحدياتها الاقتصادية وكل شيء، له نظرته، لكن علينا أن نعرف ما هي المحكمات والكليات بحيث يكون إجهادنا في واقعنا المعاصر يخرج من تلك المحكمات والكليات، وليس بمجرد ذاك الذي يحفظ ولا يفهم ويفتي كما يقود القراء فيما في بطون الكتب ولا يعرف ما هي واقع المعاصر في مثل هذه المسائل، هذا الذي نقصد عموما، نعم.
قال: ثم ذهب الكاتب إلى أن قوانين الشرع عامة كلية، وأن الذي نص عليه فيها من أعمال التعامل قليل، وأن الباقي ترك لاستنباط ما يناسب الضرورة والحاجات التي ستجد للناس. كما زعم أن تقيد الناس بآراء الفقهاء الأقدمين الذين استنبطوا من الأحكام وناسب أحوال زمانهم، قد أوقع الناس في حرج لا مسوغ لهم من الشرع واضطرهم إلى الأخذ بنظم الأمم الغربية.
وقال وقدم في مقاله أمثلة لعدول النبي صلى الله عليه وسلم والصحابه عليهم رضوان الله عن قاعدة الشرع رعايه للأصلح، منها أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تقطع الأيدي في الحد في حالة استثنائية في الحرب، هي الحرب منها، نعم. يعني لا تقطع الأيدي أيادي السارقين في الغزو حتى لا يلحق السارق بدار الحرب، نعم.
قال: ومنها أن عمر رضي الله عنه نهى أن يجلد في حد في حد من كان يباشر الحرب. ومنها إسقاط الحد في عام المجاعة. ودعا الفقهاء إلى الخروج عن عزلتهم وإلى دراسة المجتمع ليتعرفوا أعراضه وأطواره، كما دعاهم إلى الاختلاط بسائر طبقات الأمة لا يعرف عناصر الحياة الاجتماعية ومما تتركب وكيف تمتزج وما يطرا عليها من التغيرات وكيف تترقى، وطلب إليهم أن يرجعوا لأهل رأي من الأمة ليستعينوا بهم على مراعاة المصلحة العامة فيكون تقريرهم مجمعا عليه انطباقه على الحاجات المتنوعة والضرورات المتعددة.
وأخذ عبد العزيز الجاويش في تفسيره للقران يسير على منهج الشيخ محمد عبده في ربطه بالظروف القائمة، متلقنا في ذلك بين التاريخ والادب والاجتماع والسياسة. فمن ذلك بيانه أن حكمة الله قد اقتضت ألا يلي الأرض إلا المصلحون، قال وذلك في تفسيره لقوله تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ، قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ، وَعَلَمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ.
وقد جاء في تفسيره كيف تكفرون بالله بعد إذ أرادت الملائكة أن تكون لهم الخلافة في الأرض دون البشر، وذلك لمكانتهم من الله تعالى ولعكوفهم على عبادتهم وتسبيحهم بحمده وتقديسهم له، فبين الله لهم أن شرائط الخلافة في الأرض ليست تقطيع الليل في التسبيح والتهجد ولا قضاء الأعمار في الحفوف من حول العرش، وإنما شرات الاستلاء على الأرض والاستمتاع بما على ظهرها وتصرف بما تضمنه جوفها، لا تكاد تخرج عن وجود العقل المفكر، وبما وما زود الله به بني آدم من الجوارح والنظام البدع لو أن عمران الأرض واستحقاق الخلافة فيها كانا معقودين بمجرد طاعة طائفة من عباده وإنماكهم في.
تسبيحه وتقديسه والتزامهم لقواعد عرشه الرفيع، لاختص الله من عباده بذلك ملائكته المقربين الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ولكنه تعالى سبقت حكمته أن لا يرث الأرض إلا العاملون الذين يستخدمون مواهبهم العقلية والجسمية فيما خلقت، والذين لا يطلبون الغايات إلا من طرائقها الطبيعية.
وإذا كانت هذه هي سنته العالية القديمة، وتعاليمه التي هدى إليها الأخيرة من ملائكته، فعلى ما يستند جهال المسلمين في خاصتهم وعامتهم إذ يحاولون أن يدفعوا عنهم غارات المغيرين بتلاوة الآيات، ورمي الجمرات، واستصراخ الأموال، وإذ يقابلون تهاطل الرصاص وتقاطر الجلل وانفجار كرات الديناميت بقراءة السور ومدارسة البخاري والابتهال بالدعوات؟
يستهزئ بالصوفي الذين كانوا إذا جاء العدو ونزل بصواريخه وقنابله يقابلون ذلك بالاجتماع في الأزهر لقراءة صحيح البخاري، قول لهم يعني: بدل ما تجتمع في الأزهر، اقرأ روح قاتل، روح احمل سلاحك، روح استخدم عقلك في اكتشاف أدوات المحاربة والمقاتلة.
وليس الإسلام هو الدين الذي يقول لك إذا قاتلك العدو فواجهه بالوردة، وإذا رماك بالصاروخ فروح اقرأ قرآن. يعني الأصل أن هذه الأمور، يعني ما قراءة القرآن مطلوبة وقراءة صحيح البخاري مطلوبة، لكن لكل مقام مقال، أنت لم تأخذ بالعدة المطلوبة منك نعم.
قال: وقطع الأوقات بالركعات والسجدات، وتابض الجلجلوتية وحزب البحر وما أشبهها، قال: مما لم يأت به من الله سلطان ولا... هذا كان نوع من أنواع الأذكار والأدعية، كانوا يعني يقراونها وحزب البحر، والجمع أنه لم يأت عليها دليل أصالة، وإنما هي من بنات العقول نعم.
قال: على ما يستند أولئك الذين عطلوا سنة الله الفطرية، واستمسكوا بسخافات الخرافات، وتربصوا خوارق العادات، وما لم يأذن به الله من المنجيات؟ وليت شعري ماذا أفادتهم اللحى الكثة المرسلة، أو السبحة الغليظة المتدلية؟
ثم ماذا أفادتهم يقظات الأسحار وقد استغرق غسق منامهم سائر النهار؟ وهل ينفعهم تعفف عن الدرهم والدينار إذا تركوهما لأعداء بلادهم ودينهم يحاربونهم بها ويملكون رقابهم بمحكم اطواقها؟
لقد والله ذل من يغني أعداءه ويفقر نفسه، كما ذل من يترك لخصومه ميدان المنافسة ينفردون فيها بالكر والفر والنهي والامر والتصرف في كل شأن.
قال: ومن ذلك إبرازه لما ينطوي عليه الإسلام من تسامح، وذلك في تفسير قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، إذ جاء في تفسير: وما كان الله ليظلم هؤلاء ليهوديتهم ولا أولئك لنصرانيتهم، اللهم إلا إذا أشركوا به غيره أو أنكروا اليوم الآخر أو هجروا صالحات الأعمال، فأولئك لا يأجرهم الله ولا يؤمنونهم من الفزع والخوف.
أما الذين آمنوا من قوم إبراهيم واليهود والنصارى والصابئين الذين ليسوا على دين من تلك الأديان، فإن الله لا يفرق بين أحد منهم، فما داموا يؤمنون بتوحيده وبالحياة الآخرة ويأتون من الأعمال صالحاتها، فما الله بمفضل قوما على قوم حتى يقيموا توحيده وتطمئن نفوسهم إلى دينه، فإن فعلوا ذلك ثم أتوا من الأعمال ما يصلح الحيتين الدنيوية والأخروية فلهم اجرهم عند ربهم لا ينقصهم منه شيئا.
أما الأعمال الصالحة فقد سبق أن المراد بها كل ما يكسب الإنسان قوة في الدنيا وازدلافا إلى الله في الآخرة، فمن صالحات الأعمال كل ما يفضي إلى غنى الأمم وعلو مكانتها، كما أن من صالحات الأعمال كل ما يخفف ويلات أصحاب الويلات ويؤدي إلى إصلاح الشؤون العامة اجتماعية كانت أو علمية أو اقتصادية.
ومن البديهية أنه ما عنيت أمة بذلك إلا ذهب الخوف والفزع عن نفوسها، وملا سرور والفرح صدورها. ولقد خالفنا المفسرين في تأويل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا، ذلك أن القرآن الكريم سمى إبراهيم بالمسلم ودعا دينه الإسلام، إذ قال له ربه: أسلم، قال: أسلمت لرب العالمين، ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب: يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ.
والمراد من هذه الآية بيان أن الدين عند الإسلام، وأنه من يبتغي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين. أما معنى الإسلام الذي كان دين إبراهيم الخليل فإنه توحيد الله تعالى بالربوبية واختص بالعبادة، إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
على تلك القاعدة بني دين إبراهيم ومن تبع سنته من اهل مكة، كما بني دين سيد الكائنات محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم وأهل مكة إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ.
لكن هذا لا يعني طبعا أن اليهود والنصارى بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم على التوحيد الذي ينجيهم من النار، فهذا التفسير خاطئ ومشكل، وحتى محمد حسين هيكل يختار بعض هذه الأنواع من التفاسير، وإنما اليهود والنصارى الذين لهم أجرهم عند ربهم اليهود في زمن موسى والنصارى في زمن عيسى فقط، أما بعد بعثته فقد بين صلى الله عليه وسلم أنه لا يسمع به يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن به إلا دخل النار نعم.
انقسم زعماء الإصلاح كما راينا إلى فريقين: فريق ينظر إلى قديم المسلمين والعرب يمجده ويستوحيه، وفريق آخر ينظر إلى ما حقق الغرب في حضارة من تفوق يزينه للمسلمين ويدعوهم إلى احتذائه والسير على خطاه.
وسرى هذان الاسبان في كل شؤون الحياة، فاصبحنا أمام فريقين متقابلين: فريق يدعو الناس إلى الثورة على الماضي ويدفعهم إلى الجديد ويفعل لا رفق فيه ولا هوادة، ويحملهم عليه حملا لا تدرج فيه؛ وفريق آخر يقول إن علة تأخرنا هي مت ضمائرنا وفتور زعائمنا، وذلك ما لا سبيل إلى إحيائه إلا بالإسلام الذي يعلم المسلم أن حمل أعباء الحياة أمانة على الجهاد لأعز المسلمين وتحريرهم فريضه نعم.
وكان المعتدلون من دعاة الحضارات الغربية لا يعارضون في تنقيحها وتهذيبها واستبعاد ما يتعارض منها مع دينين وتقاليدنا، وكان المعتدلون من دعاة الإسلام لا يعارضون في إصلاح عادتنا وتقاليدنا واستبعاد الضار منها مما أقحم على الإسلام وليس منه، ويرون أن التمسك بالدين لا يتعارض مع الأخذ بالنافع من المخترعات والجديد من الدراسات التشريبية والتطبيقية التي تلزم النشر لكي يساير النهضة الصناعية.
ولكنهم يفرقون بين ذلك وبين الحضارة والثقافة التي تتصل بالعقائد والعادات والتقاليد والاذواق واداب المجتمع وأساليب الحياة وأنماط العيش، فيعارضون اشد المعارضة في أن تكون حضارتنا وثقافتنا صورة من حضارة الغرب وثقافته أو امتدادا.
ولكن المتطرفين من الفريقين كانوا يبلغون في تطرفهم الشطط في كثير من الأحيان، فكان في المجددين من يبلغ في دعوته حد التهور والخروج على الأمة والاهتماء في حضن الغرب، وكان في المحافظين من يبلغ في محافظته حد الجمود وتنطع محاربة كل جيد مهما ثبت نفعه والتمسك بكل قديم مهما تبين بطلانه وضرره.
كان بعض دعاه التجديد الذين ينادون باقتفاء الحضارة الغربية يبالغون في الاستخفاف بعلماء الدين حتى يجرهم ذلك إلى الاستخفاف بالدين نفسه، كالذي تجده في بعض مقالات ولي الدين يكن حين يجد بالافطار في رمضان مستخفا بالصائمين يتهمهم بالنفاق وبالافطار سرا أو بضيق الأفق والتضييق على الناس في حريتهم الشخصية، فيقول فيما يقول: في البلاد العثمانية كل المسلمين صائمون كانت الحكومة المستبده تزين المفطر إلى أن يأتي اليوم الثالث من عيد الفطر وكان أكثر المفطرين يدعون الصوم ويحسنون تقليد الصائمين، حتى لقد بلغ أمر الكذب أن يضرب المفطر في بيته من يدخن بجانبه سيكارته.
وقد خرجت بها ذات يوم في رمضان وراء أمر عرض اريد قضاءه، فلما ركبت ترامواي رأيت جماعة من الاجانب على رؤوسهم القبعات وبفهم سيكارتون، والناس ينظرون إليهم شزرا شزرا ولا يقدر أحد منهم أن يخاطب أحد أولئك الأجانب كلمة تسوءه.
وكانت علبة سيجارتي معي فنسيت أن اليوم من أيام رمضان فاخرت سيجارة فجعلتها في فمي، وأقمت أنتظر أن يمد الي أحد الجلسين شيئا أشعلها به، فمشى في عيون الركب وجعل بعضهم يغمز بعضا مشيرا إلي بلحظة بلحظة، ففطنت لموضع خطاي وقلت: أداويه لكم أيها الكاذبون بالكذب نعم.
ثم التفت مكان بغته كمن تذكر شيئا كان نسيه وقلت: لعن الله الشيطان كنت والله أدخل سكرتي وأنقض صومي.
ويصور بعد ذلك احتقارا شديدا لعلماء الدين، قد التقى أحدهم عند بعض أصدقائه فيقول: فلما انتهينا من الطعام وخرجنا إلى المكان المعد للتدخيم دنا مني أحد المعممين وهو رجل كالجرادة له لحية كقائمة المزاد وعينان كزيتونتين، فنظر في وجهه مليا ثم قال لي: لما لا تصوم؟ قلت: لا أدري. قال: كيف لا تدري؟ قلت: ككل من لا يدري. فغلب الضحك على رجلي وتنحيت جانبا كي لا يطير في وجهي رشاش من فيه.
فققال: ما لك تناى عني أغول انا فتخافني؟ قلت: كلا، بل فمك رائحته منتنة فلا أقدر أن أشمها.
قال: ونجد مثل هذا الاستخفاف في مقال آخر له يسفه فيه ذبح الأضاحي في العيد، فيقول: أمس ارهفت الشفار وشمر الجازرون عن سواعدهم، وجيء بالأضاحي التي اسمنها مقتنوها وطلوا فرائها بالحناء وبالورس، وفيهم من موهوا بالذهب قرونها ودهنوا بالزعفران أذانها.
فأكب اهل الصناعة على صناعتهم فمن مكبر ذابح ومن نافخ ضارب ومن سالخ جاذب ومن قطع ناصب، وعلى أبواب البيوت الأقيال وأبناء الأقيال من الساسانيين وقوفا صفوفا جثما قعودا يراقبون في كل باب مصراعا، وكأن البدر سيطلع عليهم في موكبه السماوي أو كان سينجاب غشاء الابصار فتبدو من ورائه القسم.
ثم يقول في استخفاف: لا أدري حكم الأضاحي فيما يرجع إلى الدين فلا أتعرض له بشيء مجانبة للشطب، ولكن ما هذا الاسراف الناثار عند الغنم فنثار ام الغنم كثيرة فنريد أن تقل ما روى لنا أحد المؤرخين أن جد الغنم نطح أبانا آدم فنجعل عدائنا محمولا على هذا السبب اليوم وجود هؤلاء الذين يستخفون بهذا طيب.
وكان المحافظون من دعاه الإصلاح الإسلامي يهاجمون الفريق الأول ويتهمونهم بالتفرج وبهدم الإسلام، فمن ذلك قصيدة لمحرم يهاجم فيها قاسم أمين في دعوته إلى تحرير المرأة فيقول ذكر القصيدة طيب.
ومن ذلك مقال كتبه عبد الله النديم باسلوبه الواقعي الساخر في مجلة التنكيت والتبكيت يصور فيه أحد أبناء الريف وقد عاد من أوروبا بعد أن اتم تعليمه في بعثة حكمية فقال ولد لأحد الفلاحين ولد سماه زعيق، وتركه يلعب في التراب وينام في الوحي حتى صار يقدر على تسيح الجاموسة، فسرحه مع البهائم إلى الغيط يسوق الساقية ويحول الماء، وكان يعطيه في كل يوم أحد حندويلات وأربعة أمخاخ بصل، وفي العيد كان يقدم له اليخن ليمتعه بأكل اللحم بالبصل.
وبينما هو يسوق الساقية وأبوه جالس عنده مر بهما أحد التجار فقال لأبي: لو أرسلت ابنك إلى المدرسة ليتعلم وصار انسانا. فاخذه وسلم إلى المدرسة، فلما أتم العلوم الابتدائية أرسلته الحكومة إلى أوروبا لتعلم فن عينته له، فبدأ اربع ركب الوابور وجاء عائدا إلى بلاده.
فمن فرح أبيه حضر إلى الإسكندرية وقف برصيف الجمرك ينتظره، فلما خرج من الفلوكه قرب أبوه ليحتضنه ويقبله شأن الوالد المحب لوالده، فدفعه في صدره.
قال: ثم يحكي نديم الحوار في لهجته التي دار بها، فالابن ضيق بهذه العاده التي يراها شيئا قبيحا ويتمنى لو فعل أبوه مثل ما يفعل الاوروبيون فيضع يده في يد ابنه ويقول له في رقة بون الريفي.
قال: والأب لا يفهم ما يقوله ابنه ويظن أنه يعيره بأنه ريفي، فيضيق الولد قائلا: أنتم يا أولاد اعرابي كالبهائم لا تفهمون.
ويتكرر هذا الموقف حين يلتقي بأمه وتقدم له غداء من اللحم والبصل فيظهر الضيق الشديد بالطعام ويعنف أمه لأنها أكثرت من البصل، ويبدو كأنه يبحث في ذاكرته عن اسم البصل فلا تسعفه إلا تسمية الفرنسية أونيون، ولا تفهم أمه عنه فتظل تستوضحه ويظل يصفه لها حتى يقع عليه حين يقول: الذي تدمع منه العين، فتقول أمه: تعني البصل؟ فيقول بلهجته الغريبة عليه: سيسا بصل بصل.
وتعجب أمه ويعجب أبوه من أمره كيف نسي البصلة وقد كان كل طعام منه.
قال: ويختم الكاتب هذا الحوار باستنباط العظة من القصة قائلا: وشكاه معيط لأحد النبهاء وقال: ولدي توجه إلى أوروبا وحضر يذم بلاده وأهله ونسي لغته.
فققال له النبي: ولدك لم يتهذب صغيرا ولا تعلم حقوق وطنه، ولا عرف حق لغته، ولا قدر شرف الأمة، ولا ثمرة الحرص على عوائد الأهل، ولا مزية الوطنية، فهو وإن كان تعلم علما إلا أنها لا تففيد وطنه شيئا، فإنه لا يميل إلى إخوانه ولا يستحسن إلا من يعرف لغتهم، على أنه أصبح كالغراب لما أراد أن يقلد الحجل في مشيته وعجز عن التقليد واستحال عليه عوده لطبيعته الأولى، فأصبح يقفز قفزة وقد خرج عن حد الجنسية وطبيعة النوعية.
ولا يفعل فعل ولدك إلا لئيم جاهل بوطنه، فكم من شبان تعلمت في أوروبا وعادت محافظة على مذهبها وعوايدها ولغتها وصرفت علومها في تقدم بلادها وأبنائها، ولم ينطبق عليهم عنوان عربي تفرنج.
قال: والى جانب هذين الاتجاهين ظهر اتجاه ثالث يريد أصحابه أن يجمعوا بين الاتجاهين وأن يوافقوا بين الطرفين، فنادوا بأن الإسلام هو الأساس الذي يجب أن يقوم عليه الإصلاح، ولكنهم فسروا نصوصه تفسيرا جديدا يقبل معه كثيرا من أساليب الحياة وتفكير الوافدة من الغرب، وهذا تيار محمد عبده نعم.
وقد كان هذا الاتجاه الأخير ولا يزال مثار كثيرا من الجدل في تقديره والحكم عليه.
وسوف أعود للكلام عنه في الجزء الثاني من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. انتهى الجزء الأول من هذا الكتاب، وننتقل إلى الجزء الثاني. طيب، الجزء الثاني هو سيخر هذا الكلام عن حال مصر ما بعد يعني عند الحرب العالمية الأولى إلى قيام الجامعة العربية.
حال مصر من انتهاء الحرب العالمية، كيف كان موقف المصريين أثناء الحرب العالمية؟ وبعد ذلك سيتكلم عن سقوط الخلافة العثمانية، وهو أول سقوط للخلافة في تاريخ المسلمين، أول سقوط كامل للخلافة في تاريخ المسلمين منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كان هو سقوط الخلافة العثمانية، وهذا كان حادثاً جليلاً عظيماً على أمة الإسلام ما زلنا إلى اليوم نتخبط في طرق إرجاعها وإلى طريق وحدتنا.
فتكلم محمد حسين ماذا حصل في مصر عند الحرب العالمية الأولى، وكيف أسقط الحلفاء الخلافة، وكيف استقبل العلماء والدعاة في مصر سقوط الخلافة وحاولوا، سيذكر لك قصص وأحوال في مصر. ثم تكلم عن الجامعة العربية، ومحمد حسين يعني ظاهر أنه كان طيباً لدرجة أنه ظن أن الجامعة العربية يعني هي كانت خروجا عن مكائد الغرب واستطاع المسلمون بتأسيس الجامعة العربية أن يعني يتخففوا من المكائد التي تحيط بهم من عدوهم. ولو رأى محمد حسين حالنا المعاصر لربما أعاد النظر في كثير مما كتبه عن دور الجامعة العربية في خدمة قضايا المسلمين، لكن عموما تكلم على ما وصل إليه علمه رحمه الله تعالى.
أقرا المقدمة. نعم. المقدمة، أقرا المقدمة، نعم. وبعده هذا هو الجزء الثاني، الحمد لله، الحمد لله.
بسم الله الرحمن الرحيم. مقدمة الطبعة الأولى. الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين، اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
وبعد، فهذا هو الجزء الثاني من الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر. بدأته من حيث انتهيت في الجزء الأول؛ منذ قيام الحرب العالمية الأولى سنة 1914، وانتهيت به إلى قيام جماعة الدول العربية سنة 1945. إذاً هي الحقبة التي يدرسها المجلد الثاني: من انتهاء الحرب العالمية الأولى أو قيام الحرب العالمية الأولى عام 1914 إلى انتهاء بقيام جماعة الدول العربية 1945. نعم.
التي هي في نظري بداية لمرحلة جديدة لم تتم فصولها، ولم تبلغ مداها، ولم تحقق أهدافها بعد. كانت الوطنية وطنية إسلامية في المرحلة التي أرخت آدابها الوطنية في الجزء الأول من هذا الكتاب قبل الحرب العالمية الأولى، ثم كانت وطنية قومية بلغت فيها شعوبية أقصى ما بلغته من نفوس.
إذا هو يعترف: كنا في المجلد الأول كنا نتكلم عن الوطنية الإسلامية اللي خلينا نقول كان فيها الحزب الوطني، اللي كان فيها أحمد شوقي، أحمد محرم، الكاشف، يعني الإسلاميين الذين ما زالوا يريدون الارتباط بالخلافة العثمانية. أما في المجلد الثاني سنجد أن الأمور اختلفت وأن أصبحت مصر بعد الحرب العالمية الأولى تدعو إلى وطنية قومية وليس وطنية إسلامية. نعم.
قال: ثم إن قيام جمعية الدول العربية -على ما اعترض طريقها من صعاب وعلى ما أريد في هذه الجمعية أن تكون- هو بداية مرحلة لا أريد أن أتكهن بنتائجها. هذا أفضل ما قاله: لا أريد أن أتكهن بنتائجها. نعم.
قال: ولكني استطيع أن أقول إن الواقع الراهن ينبئ بأنها قد تخطت ما اعترض طريقها من عقبات، أو هي قد تخطت أكثره أو الكثير منه على الأقل، كما ينبئ أنها قد أفسدت تدبير كائدين، وأفلتت من سيطرة الذين أرادوا أن يواجهوها من خلف ستار.
هل هذا كلام صحيح؟ هذا هو الذي نحن ممكن أن نناقش فيه محمد حسين: هل قيام جامعة الدول العربية أفسد ما كان الغرب يريد أن يفعله في العالم الإسلامي، أم أصبحت أيضاً هي جزء من المسرحية؟ هو يقول: أفسد ما كان يريد أن يوجهوها من خلف السيطرة، طيب ما هي ما زالت جزء من المسرحية؟ نعم.
وقد كان همي في هذا الجزء، كما كان في سابقه، أن أرسم الخطوط الكبيرة العريضة، وأوضح الاتجاهات العامة والتيارات الأساسية التي سيطرت على هذه الفترة، ولم تكن الأحداث ولا الأفراد في نظري إلا صوراً من هذه الاتجاهات ومرآة تدل عليها. نعم.
فحيثما جاء ذكر حديث أو فرد في هذا الكتاب، فليس الحديث أو ولا الشخص هو المقصود، وإنما المقصود هو التمثيل لهذا الاتجاه أو ذاك. والكتاب مقسم إلى خمسة فصول: تكلمت في الفصل الأول منها عن الخلافة الإسلامية وتتبعت تطوراتها، وتكلمت في الفصل الثاني عن الجامعة العربية فعرضت نشأتها وما لبسها من ظروف وما أحاط بها من عوامل وما اعترض طريقها من صعاب.
ثم تكلمت في الفصل الثالث عن المعركة العنيفة التي قامت بين القديم والجديد، أو بين المحافظين وبين دعاة التطوير، فأرجعت الخلاف إلى أصوله مبيناً علله وأهدافه وعرضته في شتى صوره ومظاهره من وجهات نظر مختلفة. ثم تكلمت في الفصل الرابع عن الدعوات الهدامة التي تستثب الدين أو الخلق أو اللغة وهي العمود الذي يقوم عليها المجتمع وتتماسك بها تريد أن تهدمها لحاجة في نفوس الهدامين الذين لا تخرج دوافعهم عن الغفلة والجهل أو الخيانة والضلال.
ثم تكلمت في الفصل الخامس، وهو آخر فصل الكتاب، عن انشغال المصريين بانفسهم واستنفادهم جهودهم واستنزافهم قواهم في خلافهم الذي صرفهم عن مقاومة الإنجليز، وذلك هو ما مكن للعدو المحتل وجعل له السيطرة في آخر الأمر على هذه القوى المتنازعة بموازنتها وتنصيب نفسه حكماً يقضي في خصوماتها.
وقد كان ججل الاعتمادي فيما قدمت من نصوص على الصحف والمجلات، وهذا هو ما اضطرني إلى أن أقصر الجهد في هذا الكتاب على عرض هذه الاتجاهات في مصر خاصة من بين سائر بلاد العالم العربي، وإن كنت لم أخله من الكلام عن البلاد العربية الأخرى في كثير من المواطن، على أن كل ما قيل عن مصر ينطبق على سائر البلاد العربية ما خلا يسير لا يغير من لب المسائل شيئاً.
وأرجو أن يتاح لي من الوسائل ما يمكنني من تناول هذه الاتجاهات في العالم العربي كله الذي أرجو أن يتسع في المستقبل القريب لضم الدول الإسلامية التي ستتخذ العربية لغة لها إن شاء الله. والله سبحانه وتعالى هو الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل.
بس أعطيني دقيقتين ثلاث. خفف ما راح خمس دقائق. حط. يا رب. طيب.
بسم الله. السلام عليكم ورحمة الله. نبدا مستعينين بالله قراءة الجزء الثاني. بسم الله.
بسم الله. قال الفصل الأول: الخلافة الإسلامية. تمخضت الحرب العالمية الأولى وما ترتب عليها وتلاها من تقلبات عن أخطر ظاهرة في حياة الإسلام والمسلمين؛ فللمرة الأولى في حياتهم سقطت الخلافة بعد أن اتصلت حلقاتها خلال ثلاثة عشر قرناً ونصف قرن، تنقل مركز الخلافة فيها بين عواصم البلاد الإسلامية المختلفة.
نعم، هذه خطورة ما حصل إخواني بعد الحرب العالمية الأولى: أول مرة تسقط الخلافة الإسلامية تماماً بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام خلال الحقب التي مضت. نعم، كان في لحظات ضعف ووهن في الإسلام في المسلمين، وكانت الخلافة الإسلامية مرة في دمشق، مرة في بغداد، مرة تروح على مصر، مرة يعني كانت تتنقل وتتجول، لكن كان في النهاية بقي هذا الجسد قائم يربط المسلمين ولو على الأقل معنوياً ونفسياً وإيمانياً وجهادياً.
لكن ما حصل الآن بعد الخلافة بعد الحرب العالمية الأولى هو سقوط مدوي تام للخلافة الإسلامية، ومن بعدها حصل التشتت والتفرق واستطاعت الماسونية والصهيونية العالمية السيطرة على جوانب العالم الإسلامي. نعم.
قال: ولكنه ظل في كل الأحوال رمزا للرابطة التي تجمع بين المسلمين في شتى بقاع الأرض، وظلت الدولة القائمة بأمر الخلافة مكلفة في نظر المسلمين برعايه شؤونهم، وإسعاف منكوبيهم، والأخذ بضعيفهم، وإقامة شريعة دينهم وشعائره. وكان دولة الخلافة تقوم بواجبها كاملاً أو تفرط فيه وتتساها في بعضه حسب الظروف والأحوال.
ثم إن الحرب العالمية الأولى قد تكشفت عن وقوع البقية الباقية من بلاد المسلمين تحت سيطرة الدول الغربية، ولم يعد بين المسلمين دولة واحدة تملك أمر نفسها أو تستطيع الاستقلال بشؤونها. أما تركيا -مقر الخلافة الزائلة التي سمحت الظروف أن تحتفظ بشيء من القوة والاستقلال- فإنها لم تكتفي بالتخلي عن الخلافة بل انسلخت من اسلامها. نعم، لأنه جاء مصطفى كمال أتاتورك فنشر العلمانية فيها بأبشع صورها. نعم.
أو كذلك أرادت لها حكومتها، بل لقد أمعنت في استدبار الدين حتى حربت بكل قسوة أي محاولات ترمي إلى احياء المبادئ الإسلامية. كان الإسلام يجمع بين تركيا دولة الخلافة الإسلامية وبين مصر قبل الحرب العالمية الأولى، وكانت هذه الجامعة الإسلامية قويه رغم كل الجهود المبذوله لهدمها، ورغم كل العوامل التي كانت تعمل على إضعافها.
وقد ظل هذا الشعور بالطف على موطن الخلافة قوياً طوال الحرب العالمية وفي السنوات التي تلتها. لأنه في الحرب العالمية الأولى تركيا وقفت بجانب مين؟ بجانب ألمانيا ضد الحلفاء، ضد بريطانيا وفرنسا وغيرها، وبالتالي بريطانيا وفرنسا كانت تستشرس ضد الدولة العثمانية وتريد إسقاطها بكل الاشكال حتى أصلاً تنتصر في الحرب العالمية. فمصر كانت خلال هذه الفترة تحن لتركيا وتعطف عليها وترى ما يعني يلحق تركيا من هجمات من الفرنسيين والإنجليز وما شابه ذلك من الحلفاء، ومع ذلك في النهاية سقط كل شيء. نعم.
ولم يقل اهتمام المصريين بتتبع تطورات الأحداث فيها رغم انقطاع ما بينهم من صلات منذ أعلنت إنجلترا حمايتها على مصر في الثامن عشر من ديسمبر سنة 1914، وأعلنت مع هذا ولادة تركيا عليها. الآن عام 1914 أعلنت بريطانيا يعني الانتداب الكامل على مصر وانقطاع صلة مصر بالدولة العثمانية، هذا تاريخ تاريخ مهم بالنسبة لهم. نعم.
ثم أعلنت في اليوم التالي خلع الخديوي عباس وتوليه الأمير حسين عرش مصر مع منح لقب سلطان. أيوه، بعدين ايش عملت الإجراء الثاني اليوم التالي مباشرة؟ في اليوم يعني اليوم الأول أعلنت الانتداب الكامل على مصر وانتهاء علاقتها بالدولة العثمانية. اليوم الثاني زالت الخديوي عباس، الخديوي عباس زي ما حكينا يعني صحيح مكان الشيخ الإسلام زي ما حكينا، وكان يروح يترجح وأيام، لكن في النهاية بقي البريطانيون غير مطمئنين له أنه من عائلة الخديويين الذين يأخذون فرمان التعيين من الخلافة العثمانية. فحتى يمحوا شيء اسمه خلافة عثمانية من عقود المصريين، عائلة الخداوي التي تأخذ حكمها أو شرعية حكمها على الأقل من تركيا بدنا نزيلها، وبدنا نجيب شخص جديد هو الذي يتولى حكم مصر وهو الأمير حسين. نعم.
قال: استكمالاً لمظاهر انفصال مصر عن تركيا، وقرر مجلس الوزراء في أول اجتماع له برئاسة سلطان حسين إلغاء وظيفه قادر القضاة في مصر التركي، وبذلك قطعت آخر علاقة بالخليفة. ظل الرأي العام في مصر في مع ذلك على ولائه للخلافة. الرأي العام هو الشارع المصري، زي شوارعنا العربية اليوم بضل متعاطف مع القضية الإسلامية وأنه هم مع تركيا، لكن في النهاية ليس لهم من الأمر شيء. نعم.
قال: وإن كان اعلان الأحكام العرفية وضع الصحف تحت الرقابة، ثم إغراق مصر بجيوش الاحتلال قد كمم الأفواه وكبت هذا الشعور. ويستطيع المراقب لتطورات الأمر في مصر في ذلك الوقت أن يلاحظ كثيراً من الإماراتي التي تدل على ضيق المصريين بالإنجليز ضيقاً يوشك أن ينفجر، وقد كان معظم هذا الضيق يرجع في بداية الأمر إلى أن إعلان الحمايه قد وضع شعباً مسلما تحت سيطرة سلطات مسيحية. سلطات مسيحية، نعم بريطانية، نعم.
وقد تجاوز سخط المصريين الإنجليز إلى السلطان حسين لاستمداده ولايته من سلطة مسيحية بعد أن كان يستمدها من الخليفة، ولقبوله منصبه بخطاب من القائم بأعمال الوكالة البريطانية، بعد أن كان الخديويون يرتقون العرش بفرمان سلطاني يحمله مندوب خاص من عند الخليفة. وعبر المصريون عن هذا السخط حين امتنع طلبة الحقوق عن الذهاب إلى كليتهم باستقباله في اليوم الذي حدد لزيارته الثامن عشر من فبراير سنة 1915، وحين أطلق عليه النار.
هذا الأمير حسين، هذا هو الحاكم حسين، نعم. شاب يدعى محمد خليل وهو تاجر خردوات بالمنصورة، وذلك عند مرور موكبه بشارع عابدين في الثامن من أبريل سنة 1915. ثم لم يمضي على هذا الاعتداء شهر حتى وقع عليه اعتداء آخر في الإسكندرية حين ألقيت قنبلة من نوافذ أحد المنازل في شارع رأس التين على مركبته في طريقه إلى صلاة الجمعة. ولم يمضي وقت طويل حتى وقع اعتداء آخر على وزير الأوقاف وطعن بسكين في محطة القاهرة في الخامس من ديسمبر سنة 1915.
ويستطيع المتأمل في تاريخ هذه الفترة أن يجد كثيراً من المظاهر التي تصور هذا السخط؛ فمنها مثلاً ما يروى من أن أحد الخدم بقصر عابدين قد حاول أن يحرقه، ومنها أن النشرات التي تهدد سلطان حسين قد استطاعت أن تجد طريقها إلى داخل القصر، ومنها أن بعض قبائل العربان قد رفضوا أن يقسموا يمين طاعة الإنجليز، وأن الضباط والجنود المصريين في الإسماعيلية رفضوا إطلاق نار على إخوانهم الأتراك، واحتجبت صحيفة الشعب عن الظهور احتجاجاً على إعلان الحماية، ورفض أمين الرافعي إصدارها حين طلب منه سلطان حسين ذلك.
قال: وقد كانت السلطات المحتلة تعرف من مصر هذا العطف على تركيا، ولذلك فقد اعترفوا بذلك وأعلنوه منذ اللحظة الأولى في تبليغهم الأول إلى السلطان حسين كامل، فوهموا المصريين بأنهم لا يحاربون الخليفة المغلوب على أمره. بريطانيا حتى تخفف من حدة الموضوع صاروا يوهموا المصريين أنه نحن ترى ما نحارب الخليفة العثماني، نحن بنحارب فقط سلطة تركية تريد أن تهاجم الحلفاء، احنا أبداً مش مشكلتنا الخليفة العثماني. نعم.
قال: ولكنهم يحاربون حكومة الاتحاديين.
الذين استأثرت بالسلطة من دونه. فقد جاء في هذا التبليغ: ولا أرى لزوماً لأن أكد لسموكم بأن تحرير حكومته لمصر من رفقة أولئك الذين اغتصبوا السلطة السياسية في الآستانة لم يكن -لاسطنبول نعم- لم يكن ناتجاً عن أي عداء للخلافة.
فإن تاريخ مصر السابق يدل في الواقع على أن إخلاص المسلمين المصريين للخلافة لا علاقة له البتة بالروابط السياسية التي بين مصر والآستانة. فعلاقة مصر والآستانة هي مجرد علاقة سياسية، ليست مؤثرة على علاقة المصريين للخلافة. طبعا هي مؤثرة، وزادت الخلافة معه وكل شيء ذهب نعم.
وإن تأييد الهيئة النظامية الإسلامية في مصر والسير بها في سبيل التقدم هو بالطبع من الأمور التي تهتم بها حكومة جلالة الملك مزيد الاهتمام. قال: وقد وعد الإنجليز رعاية لهذا الشعور الديني، ولو أنهم أخلفوا الوعد من بعد من بعد كعادتهم، أن يتحملوا وحدهم أعباء الحرب دون أن ي- أعباء الحرب العالمية الأولى.
إنه الإنجليز هم في حرب مع تركيا في الحرب العالمية الأولى، مش حكينا تركيا كانت مع ألمانيا؟ فالإنجليز كانوا يحاربون تركيا، إي بس هم إيش حكوا الإنجليز للمصريين؟ أنه أنتم لن تشاركوننا أو لن تشاركونا في هذه الحرب، لن نجعلكم تدفعوا أعباء هذه الحرب، نحن سنقاتل الأتراك وحدنا، أنتم بس خليكم ساكتين كمصريين. نعم.
كان المصريون يعبرون عن شعورهم الإسلامي واستجابتهم لدعوة الخليفة إلى الجهاد كلما سمحت الظروف. فقد قام جماعة من علماء الأزهر بحركة ضد الاحتلال لتأييد عباس في أوائل الحرب، ثم نصحهم رشدي باشا رئيس الحكومة وقتذاك بالسكوت، وهتف بعض طلبة الأزهر إلى الخديوي عباس حين شاهدوا أخا محمد علي يؤدي صلاة الجمعة في مسجد الأزهر.
وتكونت في مصر جماعات سرية في سنة ألف وثمان مئة وسبع وتسعين تهدف إلى الاتصال بالسنوسيين للهجوم على الإنجليز في مصر. نعم السنوسيين في ليبيا نعم. وكانت المنشورات التي تلقيها الطائرات التركية والألمانية تغذي هذا الشعور وتثير في المصريين الحمية الإسلامية وتذكرهم بعدوان الإنجليز عليهم وعلى- طبعا الألمان استعملوا، ويعني استعملوا جداً الروح الإسلامية.
يعني شوف، يعني كما أن بريطانيا كانت تلعب على الروح الإسلامية من خلال أنه نحن بنقاتل تركيا، ما بنقاتل الخلافة، ألمانيا زي هذا الكتاب الأحدانية يا شيخ نقرا فيها ديفيد معتدل لما تكلم: استغلت ألمانيا الروح الإسلامية أيضاً في تشجيع المصريين للمقاتلة بجانب الأتراك. ألمانيا استعملت الروح الإسلامية في المصريين غذتها، وكانت تلقي ألمانيا المنشورات في سماء مصر من خلال الطائرات الألمانية، ترب المنشورات في سماء مصر، تدعو فيها المصريين للدفاع عن دولة الخلافة العثمانية.
طبعا كل هذه الدول الصليبية كل واحد يريد أن يستعمل الإسلام مطية له نعم. وكان المصريون المبعدون عن مصر وعلى رأسهم محمد فريد يؤيدون تركيا، وكانوا يعتمدون في سد حاجاتهم المعيشية على ما يتقاضون منها من رواتب شهرية، كانت تركيا تعطيهم رواتب شهرية طيب.
وأخذ شعور المصريين بالضيق ينمو على توالي الأيام بعد أن اتخذت بلاد بعد أن اتخذت بلادهم- اتخذت بلاده مركزاً للقواعد الشرقية للحلفاء نعم، قال: تدتدار منها كل العمليات الحربية التي تهدف إلى القضاء على دولة الخلافة في هذا الميدان، آه. قال: وبعد أن أصبحت القاهرة مقراً لمكتب المخابرات الذي كانت تحاك فيه خطط الجاسوسية الإنجليزية في هذه المنطقة.
قال: ثم إن الإنجليز نقضوا عهدهم الذي عهدوا عليه المصريين في أول الحرب، ألا يكلفون شيئاً، لا يدخلهم في شيء من أن الحرب وأعبائها. نعم، قال: فنهبوا غلاتهم ودوا، وأخذوا الضرائب من كل المصريين نعم، وساقوهم مكرهين ليقاتلوا أبناء دينهم في قناة السويس، وخلوهم يقاتلوا جبراً عنهم في قناة السويس، يقاتلوا الأتراك نعم.
قال: وفي الحجاز وفي الشام وفي العراق وفي الدردنيل في حملة جاليبولي الفاشلة على تركيا، وضد قوات السانوسيين على الحدود الغربية. وفي الوقت الذي كان يساق فيه المسلمون لقتال إخوانهم المسلمين، كانوا يجبرون على التبرع للصليب الأحمر، ولاسر جنود الحلفاء المنكوبين، ولفرسان القديس يوحنا.
وكان رجال الإدارة يتسابقون في جباية الأموال إرضاء للسلطات الإنجليزية -رجال الإدارة المصريين للأسف نعم- وأصبح لهذه التبرعات يوم مشهود تقام فيه الحفلات التي يتبارى فيها المنافقون ممن يجرون وراء المنفعة في تزلف لساداتهم بالتنفس.
يقول لك يعني يلا اليوم حملة، حملة لدعم الجيش البريطاني، بيعملوا حملة على التلفزيون لدعم الجيش البريطاني في حربه، وبصير المنافقين المصريين الكبار الزعماء يدفعوا لهي الحملات ألف مليون دينار للصليب الأحمر، مليون دينار للجيش البريطاني، وهكذا يتم للأسف إضاعة البلاد نعم.
قال: حتى أصبحت مصر ثاني بلاد العالم في ترتيب ما جمع منها -خيدي يعني ثاني بلد دعم ماليا الحلفاء ماليا صل نعم- فإذا أضافنا إلى ذلك كله ما كان يرتكب جنود الإنجليز في المدن من فضائع تعرضت فيه أعراض الناس وامنهم وأموالهم للسلب والنهب والغصب، استطعنا أن نتصور مبلغ ما آلت إليه أمر الناس من ضيق بهؤلاء الغاصبين، الذين لم يسلبوا الناس مالهم ومدعهم فحسب، بل سلبوهم ضمائرهم وقلوبهم، حتى حين ساقوهم لقتال من يأبى عليهم من يأبى عليهم دينهم أن يقاتلوه، وأرغموهم على التبرع لمن تأبى ضمائرهم أن يعينوه.
لذلك فشلت الجهود التي بذلها الإنجليز في تأليف المصريين فلم يسكنوا إليهم إلا كارهين، ولم يسالموهم إلا مجبرين عاجزين. ولم يغن عنهم شيئاً رسالة هيئة كبار العلماء إلى الأمة التي أُذيعت بإعاز الإنجليزي وضغطهم في السادس من نوفمبر سنة ألف وتسعة وعشرين عقب إعلان الأحكام العرفية وقد وقت العلاقة مع تركيا، تدعو الأمة إلى السكون والتفادي عن الفتنة وإطاعة أولي الأمر.
قال: كما لم يغن عنهم شيئاً ما كان يذيعه رئيس الحكومة من أحاديث مثل حديثه إلى صحيفة الأهرام في الخامس عشر من سبتمبر سنة خمسة وتسعين وستمئة، وفيه يحذر الذين يستبشرون بانتصارات ألمانيا في أوروبا من السذج الذين لا يعرفون ما يترتب عليه من استبدال قسوة الألمان وفضاضتهم بتسامح الإنجليز وعدلهم.
ولم يكن من المستطاع مع قيام الأحكام العرفية أن يظهر أثر هذا الضيق في الصحافة المقبلة بقيود الرقابة. ولكن مما لا تخفى دلالته في هذا الصدد أن حافظ إبراهيم قد أُشْهِد قصيدته العمارية، وهي تقرب من مئتي بيت في احتفال خاص أُقيم لذلك في فبراير سنة تسعمئة.
كما أن محمد عبد المطلب القى قصيدته العلوية وهي تزيد على ثلاثمئة بيت في احتفال خاص رأسه إسماعيل باشا صبري في نوفمبر سنة تسع مئة تسع.
على أن بعض الشعراء رأى قد عبروا عن ضيقهم بالإنجليز وعطفهم على دولة الخلافة في شعر اضطرتهم الأحكام العرفية لكتمانه في حينه، فلم يذيعوه إلا بعد أن سمحت الظروف باذاعته. فمن ذلك قصيدة طويلة لمحرم تتجاوز أبياتها المئتين، يبدو في سطرها تعصبه لتركيا وتأييده لها في الدعوة إلى الجهاد، وذكر القصيدة.
قال: وفي هذه القصيدة يظهر الشعر شماته بالحلفاء، وقد أُطروا للانسحاب من جاليبولي في الثامن من يناير -جاليولي وين هذه بالضبط؟ تعرفون جاليولي شكلها في تركيا منطقة أو أنها قد تكون حو ويا- قال في في الثامن من يناير سنة تسعمئة وستة عشر بعد أن أصيبوا بخسائر فادحة، وتدفق الجرحى مليون الإنجليزي والفرنسيين على المستشفيات المصرية حتى ضاقت بهم، وذكر القصيدة.
قال: ويظهر في هذه القصيدة شماتته بمصير الرمانوف بعد ثورة روسيا البلشفية سنة سبعة عشر ع التي أعقبها انسحاب روسيا من القتال، وقد كان الحليف الإنجليزي -وذكر قصيدة- روسيا كانت مع الحلفاء في الحرب طيب.
قال: ويصور بعد ذلك ما جرى على الناس من غصب أقواتهم، ومن جباية ما يزعون من تبرعات للصليب الأحمر، ومن تكميم أفواههم وسجن أحرارهم وجلدهم وتشريدهم، وذكر القصيدة.
قال: وفيها يهاجم شريف حسين لإعلانه ثورة على التركي وانضمام الإنجليز بعد أن خدعوه بوعودهم الكاذبة، وذكر القصيدة. قال: ويصور شعر قيود الرقابة على الكتاب والشعراء، وما ترك الكبت في نفسه من ضيق شيرين، وذكر القصيدة.
ويصف تضخم النقد وما أصدر الإنجليز في مصر من أوراق العملة المالية مما لم يكن للمصريين عهد به من قبل، إذ كان عهدهم بالعملة من الذهب أو الفضة، وذكر أبيات قال.
ويصور ما أصاب -شوف يعني تلك الفترة كان ذهبوا فضة بين ايدين الناس نعم- ويصور ما أصاب الاحتلال المتجرون بأقوات الشعب من غنى، وما يعاني سائر الناس من فاقة وقد أعوزهم رغيف الخبز بعد أن غارت الجيوش على الغلات والحبوب فلم تترك منه منها شيئاً.
طبعا تحويل العملة إلى نقود ورقية هذا كله إخلال بالاقتصاد، هذا هذا اللي أوصلنا إلى ما نحن فيه اليوم نعم. قال: مما يصور ضيق الشاعر المكبوت وحزنه الذي يكاد يبلغ أحد اليأس قوله وقد فزع إلى الله سبحانه وتعالى ضارعا مبتهلا.
أما عبد المطلب فهو يصف من -وهذا شاعر جيد كما قلنا عموما كان نعم- فهو يصف من قبضت عليهم سلطات العسكرية من الأحرار فنفتهم أو غيبتهم في غيابة السجن، وذكر أبياتهم.
ويصف جيوش العمال من الفتيان الذين يجمعون من شتى البلدان ليساقوا لخدمة الحلفاء في فرنسا وفي سينا وفي العراق، وذكر أبيات. قال: ثم يصور هزيمة الإنجليز وحلفائهم في الدردنيل وقد ارتدوا خاسرين خائبين، ويشير بعد ذلك إلى مطامع الإنجليز والفرنسيين الذين استعبدوا الذين استعبدوا لهم مختلف الشعوب بين الصين ومراكش.
قال: أي كما يشير إلى- إلا أنه كان بريطانيا وفرنسا كان لها مستعمرات كثيرة من الصين للهند للعالم الإسلامي مشرقه إلى مراكش المغرب أقصى. كما يشير إلى هزائمهم في ميادين الشام والعراق ساخرا مما يذيعونه من أنباء كاذبة.
قال: ثم يصف صخب جنودهم المختلف الأجناس والألوان وعربدتهم في الحانات وفي دور الفسق، وذكر أبياته.
قال: ولم تكد الحرب تضع أوزارها حتى انفجر المرجل الذي ظل يغلي فوق نار لا تهدأ طوال أربع سنوات -اللي هي ثورة تسع عشرة وتسعمئة ألف صار المصريون على البريطَان نعم- قال: والذين يرجعون ثورة سنة تسع عشرة ع إلى أسباب سياسية أو إلى أسباب اقتصادية ويهملون العامل الديني هذا خطا كبير، أحد اسباب ثورة تسع عشرة من المصريين على البريطَان اللي هو العامل الديني الشعور بالظلم والضيم وأنهم فصلوهم عن جسد الأمة نعم.
قال: والذين جعلوا الثورة قال وعلى هؤلاء أن يسروا أنفسهم نعم. أكان يمكن أن تشتعل الثورة لو أن المصريين قد عانوا ما عانوا وضحوا وضحوا ما ضحوا في سبيل هدف واضح تطمئن إليه ضمائرهم وتقتنع به عقولهم؟ أكانوا يثورون لو أنهم قاتلوا في صفوف تركيا دولة الخلافة استجابة لدعوة الخليفة إلى الجهاد مثلاً؟
إن كثيراً من الحوادث التي وقعت في خلال الحرب ومن بعدها وفي أبان الثورة تدل على أن العامل الديني كان عنصراً أساسياً وسبباً مباشراً من أسبابها. يعني المصريين ليش ثاروا؟ أنهم شعروا أنهم عانوا ما عانوا، ضحوا خلال الحرب العالمية الأولى من أجل شيء هم لا يؤمنون به، لما جعلتهم بريطانيا يعانون ما يعانون ويضحون بأموالهم في سبيل هدف غير واضح، هذا الذي كان سبب فيه، بدي أحييك السؤال هو اللي كان السبب أنه يعني غلى المرجل بكل ما فيه كما يقول نعم.
قال: وقد راينا من قبل كيف وقعت في خلال الحرب محاولتان لاغتيال لاغتيال السلطان حسين، وكيف وقعت محاولة ثالثة لاغتيال وزير الأوقاف، وكيف نصح رئيس الحكومة علماء الأزهر بالإخلاء للسكون حين هموا أن يقوموا بحركة ضيل الاحتلال لتأديب عباس.
وكيف تكونت في مصر جمعيات سرية خلال سنة ثماني عشرة للاتصال بالثانوسي في برقة وإعانة جيوشه على مهاجمة الإنجليز في مصر. ونستطيع أن نضيف إلى هذه الحوادث ما يدعم دلالاتها وما يصور أن العالم الإسلامي لم يفتر خلال الثورة أو في بدئها على الأقل.
فلم يكن حادث الأرمني الذي أطلق النار من نافذة منزله على المتظاهرين، وما ترتب عليه من ذلك بعد ذلك من فتك الشعب بالأرمن في الطرقات إلا صدى للاضطهاد التركي للأرمن. ولم تكن المعارك التي نشبت بين المتظاهرين وبين اليونان والطليان في مايو سنة إحدى وعشرين إحدى وعشرين بالأسكندرية إلا صدى للحرب التركية اليونانية في ذلك الوقت.
ولم يكن انشغال المصريين بما كان يجري في تركيا من أحداث وتتبعهم الخلافة وتطوراتها في خلال ثورة سنة تسع عشرة وما بعدها إلا مظهر من مظاهر هذا العامل الإسلامي الذي لم يضعف أثره في النفوس.
وقد اعترف بعض مؤرخي مصر الحديثة إلى الإنجليز بوجود هذا العمل الديني في الثورة، ولم ينكر الإنجليز وجود ما يقابل هذا الشعور الإسلامي من عصبية مسيحية في بلادهم. وهذا هو لورد ويفلد وهو من كبار قواتهم وساستهم ينقل عن إحدى المجلات الإنجليزية صورة رمزية، صورة رمزية للقائد الإنجليزي الليمبي في عودته من حرب فلسطين وقد كتب تحتها: العودة من الحروب الصليبية. وأخذت الصحف الاج- سماها حروب صليبية، إذاً هم كان عندهم بعد ديني واحنا عندنا بعد ديني نعم.
قال: وأخذت الصحف الإنجليزية تلح في المطالبة باخراج التركي من الآستانة، ووقع مئة عضو من أعضاء البرلمان الإنجليزي على مذكرة اللورد روبرت سيسل التي تتضمن المطالبات باخراج الاتراك من الآستانة. وأرسل اثنا عشر أسقفاً في الآستانة برقية إلى رئيس أساقفة كانتربيري يدعونه فيها إلى المساعده على إخراج الأتراك من الآستانة، فأجابهم بأنه طلب مع غيره من الأساقفة البريطانيين إلى الحكومة البريطانية هذا الطلب، وأنهم سيذلون مجهوداتهم لهذه الغاية.
وأرسل أسقف نيويورك إلى رئيس أساقفة كانتربيري برقية بهذا المعنى بالنيابة عن أم أسقف قال، وشكره على المسائل التي يبذلها في الحروب الصليبية التي تبذل ضد بقاء الأتراك في الآستانة. فرد رئيس الأساقفة معرباً عن أمله في أن تشترك أمريكا في القيام بنصيبها في حماية الشعوب الشرقية المظلومة.
قال: ويصرح القائد الفرنسي بير كيلر بهذه بهذه الدوافع الصليبية نعم، بهذه الدوافع الصليبية حين يقول في كتابه عن القضية العربية إن مصالح فرنسا في
الشرق الأوسط هي قبل كل شيء مصالح روحية، وتعود هذه العلاقات إلى عهد الصليبيين حيث وقعت معاهدات لحفظ الأماكن المقدسة، وجددت هذه المعاهدات على مر القرون، وتحملت فيها فرنسا مهمة حماية نصارى الشرق. قال: اتمتلأت قلوب المصريين حزنا لمصير الأستانة دار الخلافة، وقد احتلتها جيوش الأعداء وتقاسمها الإنجليز والفرنسيون والطليان وسيطروا فيها على كل شيء. طليان هم الإيطاليون، نعم. حتى أصبح الخليفة سجينا أو كالسجين، وقد عبر حافظ إبراهيم عن شعور المصريين أصدق تعبير وذكر أبياته قال: وتهدأ نفوس الناس ويستيقظ الأمل في قلوب كاد يقتلها اليأس حين يترامى إليهم نبأ ثورة الترك في الأناضول وتمردهم على قوات الاحتلال، ورفضهم ما أملته على تركيا من شروط مذلة قاسية في معاهدة سيفر، وتتعلق آمالهم بالبطل الشاب مصطفى كمال.
مين هذا البطل الشاب يا جماعة؟ مصطفى كمال أتاتورك. كيف استطاع مصطفى أن يضحك على الإسلاميين بأنه خلص تركيا من بريطانيا وفرنسا والاستعمار، ويظهر عنه بطل حتى مدحه شوقي وغيرهم بالقصائد، إلى أن يكتشفوا بعد ذلك أنه سيرفع القناع عن وجهه فإذا به وحش كاسر؟ وأخشى ما نخشى أن يكون هو أصلا إحدى الألعب التي أصلا صنعتها الصهيونية العالمية لإظهار كبطل قومي للاتراك، لأنهم يعرفون في النهاية أن بريطانيا وفرنسا لن تستطيعا المحافظة على وجودهما في تركيا، فلا بد نصنع صورة رمز بطل قومي هو الذي سيقود تركيا في المرحلة القادمة ويكون عدوا وكارها للإسلام. فكان مصطفى كمال هو الذي لعب هذا الدور، رجل وشاب أظهر قوة وجلس في محاربة البريطانيين والانجليز، وكيف استطاع أن يطرد اليونان؟ طبعا هو أظنه أخرج اليونان من تركيا وأصبح هو الحاكم، والناس غنت ورفت به إلى أن كشفوا حقيقته، فكان من امتدحه ابتداء ذاما له في النهاية.
دعونا نشوف قصة مصطفى كمال أتاتورك هادم الخلافة العثمانية فعليا، نعم. قال وهو يواجه المتمردين في قتال يائس مع اليونان الذين انتشروا في قرى إزمير يدمرون كل ما يصل أزمير مدينة تركية، نعم. الذين يدمرون كل ما يصل إلى أيديهم ولا يرعون لشيء حرمة، وقد انفصل عن السلطة المركزية حيث يعيش الخليفة مغلوبا على أمره في الأستانة، واتخذ أنقرة مركزا لحركته. مصطفى كمال اتخذ أنقرة مكانا لحركته، لذلك حتى إلى اليوم تجد أن أنقرة فيها كثير من العلمانيين، لأنه هو مصطفى كمال أتاتورك هناك كان مقر حركته، نعم.
قال ودهش الناس حين رأوا هذا القتال اليائس ينقلب إلى انتصار يتلوه انتصار حتى تم له إجلاء اليوناني عن الأناضول كله في أواخر سنة كل اليونان، نعم. بعد أن كبدهم خسائر فادحة، والذي يقرأ قصائد الشعراء الذين هللوا لهذا الانتصار يحس أنهم كانوا يعتبرونه انتصارا للإسلام على المسيحية كما يقول لارد ويفل، فشوقي في قصيدة المشهورة يقارن مصطفى كمال بخالد بن الوليد في أول أبيات. أحمد شوقي جعل مصطفى كمال أتاتورك بمنزلة خالد بن الوليد، يعني سيف من سيوف، نعم.
حيث يقول: الله أكبر كم في الفتح من عجب يا خالد التركي جدد خالد العربي. قال فهذا القائد المظفر هو في نظره مبعوث العناية الإلهية لإقالة عثرة الخلافة وإحياء مجد الإسلام، فمقامه من الترك هو مقام خالد بن الوليد من العرب، كلاهما قد قاد جيوش المسلمين منتقلا بها من نصر إلى نصر، ثم هو يشبهه في جهاده جيوش المسيحية بصلاح الدين الأيوبي في الحروب الصليبية، إذا قرنت شهامته وانسانيته بوحشية الجيوش الأوروبية وانتهاكها للحرمات. وذلك حيث يقول: احنا شعوب عاطفية نسير وراء الناس دون أن نعرف من هم، نعم. حذوت حرب الصلاحيين في زمنهم فيه القتال بلا شرع ولا أدب صلاحيين، نعم. صلاحيين، نعم.
قال وهو يقرن انتصار مصطفى كمال بانتصار المسلمين في بدر، ففي كلا الحربين أمد الله المخلصين من رجاله الذين على الحق بمدد من عنده وساق إليهم النصر يوم كبدر، فخيل الحق راقصة على الصعيد وخيل الله في السحوب. قال ويمضي الشاعر في تتويج البطل الظافر بشعره مصورا فرحة وفرح المسلمين على أقطار الأرض الذين تلهج ألسنتهم بشكر الله سبحانه وتعالى على نعمته، وذكر أبياته قال.
ويدل كذلك على صحة ما نذهب إليه من أن ابتهاج المصريين بهذا الانتصار إنما كان من وجهة نظر إسلامية خالصة، أن تقرا قصيدتي عبد المطلب في هذه المناسبة فتجده يتحدث في كلتيهما عن الترك بضمير المتكلم، لأنه يحس أن انتصارهم هو انتصار إسلامي جميعا، وذكر أبياته قال.
وقال فكري أباظة في مقال له نشر بصحيفة اللواء: خير لكم أيها الأروام أن تهجروا من اليوم ميادين الحروب إلى براميل المشروب، وأن تستعيضوا عن بلاد الابطال المغاوير بفتح الخمامير وتربية أسمن الخنازير، وأن تسدوا نفقات الصليب الأحمر من بيع البصل من بيع البصل الأحمر، وأن تعودوا كما كنتم جرسونات من أن تعيشوا جنرالات بدون آليات. قال: انت كل هالكلم العنيف، نعم. أنتم أيها الأروام في العدو أسرع من الخيول، فقد سابقتم الاتراك في مسافة أربعمائة ميل فوصلتم أزمير قبلهم، وقفزتم من الشاطئ إلى آسيوية إلى جزز الأرخبيل، فقدمتم الدليل القاطع على أنكم أبطال الألعاب الأولمبية الهروب يعني، نعم. وإنكم النوابغ المبرزون في الجري والنط والقفز وسائر ألعاب أيها الأحباب، فهنيئا لأمكم بريطانيا بكم فقد أثمرت التربية السكسونية في الأجسام الرومية، وهنيئا للمستري لويد جورج بصبية الحاج أنستي فقد أدى واجب الجلاء بحق الجلاء حق الأداء. ثم يتجه الكاتب إلى رئيس وزراء مصر وهو تذاك ثروت باشا طالبا إليه أن يحترس من تسرب اليونان إلى مصر، ويختم ما قاله بقوله: حياكم الله أيها الأبطال أبطال الأناضول، أنتم أبناء الموت وبنو الكراهية وخوضوا الغمرات، أنتم أبناء الحقائق وأباة الذل وحملة الصارم البتار، يمينا لا تعيد السيف إلى رقابه حتى تعيد كل وطن مغتصب إلى أصحابه وطلابه، أيها الأعداء إن تركيا لم تمت وإن تركيا لن تموت.
وكان الناس إذا قارنوا كفاح مصطفى كمال المظفر باستسلام الخليفة القابع في الأستانة مستكينا لما يجري عليه من ذل، كبر الأول في نظرهم بمقدار ما يهون الثاني. يعني صار الخليفة الآن مرذولا في أعين الناس لأنه جالس في الأستانة لا يدافع، ومصطفى كمال أصبحت سموه عالية جدا وله شعبية، نعم. قال وزاد في سخطهم على الخليفة ما تنقلته الصحف من إهدار دم مصطفى كمال واعتباره عاصيا متمردا، ولم يكن مصطفى كمال في نظرهم إلا بطلا بطلا مكافحا، نعم. يغامر بنفسه لاستعادة مجد الخلافة الذي خيل إليهم أن الخليفة يمرغه في التراب تحت أقدام الجيوش المحتلة. وبدا هذا السخط في قصيدة شوقي التي استقبل بها والده الخديوي عباس عند عودته من الأستانة، حيث يقول موجها إليها خطاب معرضا بالخليفة وحيد الدين، ذكر أبيات قال.
وسيطر الكماليون على العاصمة. كان الخليفة العثماني في تلك الفترة وحيد الدين، نعم. وسيطر الكماليون على العاصمة وأعلنوا عزل وحيد الدين عن السلطة عن السلطنة، فلم يجد بد من طلب حماية قائد الجيوش الإنجليزية المحتله حين شعر بالخطر على حياته، فنقلوه إلى بارجة أقلته إلى مالطة، ثم لم يلبث مصطفى كمال أن أعلن فصل الدين عن الدولة وعين وعين ولي الدين ولي. طبعا هي القصيدة اللي قالها هنا شوف التحقيق تعليق رقم واحد، هي القصيدة التي أشار إليها الشيخ مصطفى صبري. الشيخ مصطفى صبري هو آخر شيوخ الدولة العثمانية، المؤلف كتاب موقف العلم والعالم موقف العقل والعلم والعالم من الله رب العالمين، فهو الشيخ مصطفى صبري راح يجي معنا راح يذكره يجي يذكر قصه بعد قليل أنه آخر شيخ إسلام في الخلافة العثمانية، ماذا يقول: وإن كتاب الله عرفنا الشعراء بأنهم يقولون ما لا يفعلون، لكني وجدت هذا الشاعر من الذين يقولون ما لا يعلمون مش لا يفعلون، من الذين يقولون ما لا يعلمون أصلا هو يعني يضحك على أحمد شوقي مصطفى كمال. أي الشيخ مصطفى صبري شيخ مصطفى صبري يقول لك أحمد شوقي عم يمدح مصطفى كمال ومش عارف أنه هذا علماني وحاقد على الإسلام، تم صناعته وتغذيته وتسمينه لمثل هذه الأيام لمثل هذه الأيام والمواقف، وما يدريك يعني لعل الماسونية رتبت مع اليونان أنهم يدخلوا بعدين ينسحبوا بطريقة معينة وأن يظهر أنه صار انتصار كبير على يد مصطفى كمال، نعم.
قال وعين ولي ولي العهد الأمير عبد المجيد خليفة مجردا عن سلطة يقيمه في الأستان. ولي العهد طبعا وحيد الدين الخليفة، ولي العهد اسمه عبد المجيد ولي العهد اللي بعد وحيد الدين، نعم. قال ثم أعلن الجمهورية واتخذ أنقرة التي كانت مركز حركته عاصمة لها ومقارا للحكم، مكتفيا بإرسال ممثل حكومة أنقرة الجمهورية لدى الخليفة. يعني مصطفى كمال واضح جاي بأجندات معينة، أعلن في أنقرة دولة جمهورية وسلطة، وعمل شكليا أنه ها رح أرسل مندوب لي إلى الخليفة المقيم في اسطنبول، نعم.
وتبينت مذاهب الناس في هذا الانقلاب، ولكن كثرتهم أيدت مصطفى كمال ورجت من ورائهم تبينت مش تبينت وتبينت مذاهب الناس في هذا الانقلاب. ناس الآن مش عارفين شو اللي عم بيصير، أكيد دوشة كأي حدث كبير ضخم الناس تكون ما هي عارفة ايش اللي عم بصير. الآن مصطفى كمال إسلامي مش إسلامي؟ عميل مش عميل متواطئ مع الحلفاء دولة؟ فالناس إلى الآن لم يت- خاصة ما في تلفزيون زي كان المعاصر بمعنى التلفزيون يعني والسوشيال ميديا اللي تكشف كل الأمور، فكانت الناس تنتظر الأخبار تأتي. ولكن أكثر الناس حتى الشيوخ كانوا مؤيدين لمصطفى كمال باعتبار أنه ما كانوا عارفين ما هي أجنداته، وظهر أمامهم في ثوب البطل، نعم.
قال واستبشروا برد الحكم جمهوريا يستند إلى الشورى وإلى رأي الجمهور كما سنه الإسلام وكما سرى عليه الخلفاء. فكروا أنه يعني مصطفى كمال بدو يعمل حكم جمهوري يعتمد على الشورى، نعم. وأنكر بعض العلماء والناس هذا البدء هذا البدع الجديد الذي ابتدعه الكماليون في الإسلاميون اللي هم خلص أتباع مصطفى كمال أتاتورك بيسموهم ايش؟ الكماليون. هذا مصطلح انتبه عليه وأنت بتقرا معي حتى تكون فاهم هو من يرمز الكماليون أتباع مصطفى كمال أتاتورك، نعم. الذي ابتدعه الكماليون في الإسلام بفصلهم بين السلطة والدين، وأنكروا ما قام من خلافة مجردة عن السلطة.
الان هنا بدأت العلمانية، أنه مصطفى كمال ايش بدو يعمل؟ بدو يقول لك نحن في أنقرة سلطة مدنية ما لنا علاقة بالدين، الدين هي في اسطنبول عند يعني. فهذه هي بداية العلمانية التي أراد مصطفى كمال أن يصنعها في تركيا، نعم. قال ولكنهم كانوا قلة قليلة منع تيار الحماس الجارف لمصطفى كمال أكثرهم أن يجهروا برأيه. طبعا أكثر الناس كانوا خايفين يقول لك هذا إسلامي وطني، نعم.
وقد كان ذلك في أعقاب انتصاره على اليونان، وهو فيض الحلفاء في لوزان والفرح الذي جاء فجاء الناس بعد يأس يغمر قلوبهم، فرأى بعضهم أن يمهلوه وأن لا يعجلوا عليه باللوم وهو يواجه عدوه وعدو المسلمين. الناس صارت يا جماعة الخير لا تتهموا مصطفى كمال اصبروا عليه، يعني هو الآن في موقف صعب، خلينا نصبر عليه نشوف كيف ايش رح يظهر منه، لا يلام فيما يقوم به الآن من فصل الدين عن الدولة، لأنه هو قد يكون في ظرف سياسي معين يمنعه من ذلك. هكذا كان الواقع في مصطفى كمال، نعم.
في ذلك الوقت كتب شوقي قصيدته تكليل أنقرة وعزل الأستانة، وهجم فيها سلطان وحيد الدين الذي أعلن عصيان مصطفى كمال حين كان مشغولا بقتال اليونان في الأناضول، منددا بخضوعه لجيوش الاحتلال واستسلامه لما تمليه عليه من أوامر، قولوا يعني أنت يا وحيد الدين أنت مستسلم لجنود الاحتلال وعم تلوم البطل كما مصطفى كمال الذي يحارب اليونان، فما زال شوقي عايش في هلول، نعم. متهما إياه بأنه إنما صدر عن مشيئة هؤلاء المحتلين حين أنت أصلك أنت أصلا تتكلم بلسان المحتلين يا وحيد الدين. أنا شاعر أن وحيد الدين كان فاهم الموضوع أكثر من أحمد شوقي، نعم. حين أفتى المفتي بإهدار دم مصطفى كمال. أفتى المفتي يعني هو مصطفى هل هو الشيخ مصطفى صبري ولا شخص آخر؟ يعني هل هو شيخ الإسلام مصطفى صبري؟ المهم مفتي الخلافة العثمانية أفتى بإهدار دم مصطفى كمال أتاتورك، نعم.
قال ثم يعزي الشاعر الأستانة ثم يعزي الشاعر الأستانة بعد أن انتقلت عاصمة الدولة منها إلى أنقرة، ويوجه إليها الخطاب قائلا. ثم يتكلم عن جهد أعداء المسلمين خلال قرون طويلة لهدم الإسلام وخلافته، وبشر الخلافة بعودتها إلى سنتها السمحة التي سنها الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم، والتي كان معاويه رضي الله عنه هو الذي حولها عنها إلى الخلافة الوراثية قال.
وانشغلت الصحافة المصرية زمنا طويلا أقرب من السين بالكلام عن هذا التطور الذي طال على خلافة بتجريدها من السلطة. واحتدمت المعركة حين قدم مصطفى صبري شيخ الإسلام إلى ترك في تركيا إلى مصر فارا من الكماليين. آه الآن شيخ الإسلام مصطفى صبري شيخ الإسلام آخر شيوخ الإسلام في الدولة العثمانية هرب إلى مصر فارا من جماعة ايش؟ كمال أتاتورك مصطفى كمال أتاتورك. إذا عندك اسمين: في مصطفى كمال أتاتورك، وفي مصطفى صبري. مصطفى كمال أتاتورك هو العلمانية الان راح يصير من الآن فصاعدا رئيس تركيا. مصطفى صبري هو شيخ الإسلام في الدولة العثمانية الذي ذهب هاربا إلى مصر. نعم قال واراد أن ينبه المصريين إلى ما يضمره هؤلاء للإسلام وشريعته وأهله وما ينطون عليه من خبث.
النية وفساد الدين، وأن الخلافة التي ابتدعوها مجردة عن السلطة ليست من الإسلام في شيء، وأن فصل دين عن الدولة ليس إلا وسيلة للتخلص من سلطان الشريعة وقيودها وتجاوز حدودها.
وظن الناس وقت ذاك أن الشيخ مدفوع في مهاجمته الكماليين بغضه لهم، بعد أن ألجئوه وألجؤوا الخليفة إلى الفراق. قالوا: هذا شكله الشيخ مصطفى صبري يعني هيك متضايق شاعر بالغيظ، لماذا لم يتم اعتباره عند مصطفى كمان؟ فكلامه يقوم على الحسد ليس أكثر، هي كان يظن جماعة مصر. نعم.
قال: فهجوه هجوماً عنيفاً تجاوز في كثير من الأحيان كل حدود الأدب. ونشر مصطفى صبري مقالاً يدافع فيه عن نفسه بعد أن نشرت الصحف نبأ وصوله وسوء استقبال الناس له في عبارات مملوءة بالغمز واللمز. وكانت الصحف على اختلاف ألوانها ونزاعاتاتها وقتذاك تكيل للكماليين ثناء ثناء لا تحفظ فيه ولا اقتصاد، ولذلك بدا شيخ ما قاله مظهراً العجب من أمر الناس الذين أصبح قائل الحق بينهم لا يقوله إلا همساً بينما يجهر الفجرة بمعصيتهم وينادون بالفاسد المستحيل فيجدون آذاناً صاغية.
إذا قلت المحال رفعت صوتي، وإن قلت اليقين أطلت همسي. نعم.
قال وقد بين في هذا المقال مكان الخلافة من الحكم الإسلامي الصحيح، يعني إلى أقامته متسائلاً: لماذا اختارت حكومة أنقرة أن تختص نفسها بسلطة مدنية وتترك الخلافة، وهي اتصاف تلك السلطة بصفة دينية؟ فذلك وحده دليل كاف عنده على رغبتهم في السلطة المادية وإعراضهم عن الخلافة الدينية.
فهو يتساءل كذلك: أي ضرورة أوجبت التفريق بين السلطتين؟ وقد كان ينبغي أن يترتب على فتح إزمير إعلاء كلمة الله إن كان هؤلاء الكماليون جند الله كما يزعم المصريون. يقول: أروني حكومة إسلامية تمكنت من الجمع بين السلطة والخلافة وأقرها عامة شعب المسلمين عليه، فردتها تلك الحكومة نفسها أو أبعدتها عنها كما صنعته الفئة الكمالية؟ فما رامت هذه إلا التخلص من ربقة الخلافة والتباعد عنها.
قال: وقد اشتترك معظم الذين ردوا على مصطفى صبري في الدفاع عن الكماليين والدعوة إلى مناصرتهم لأن في شد أزرهم نصراً للإسلام. يعني يقول: أروني حكومة إسلامية تمكنت من الجمع بين السلطنة والخلافة وأقرها عامة شعب المسلمين عليه، فردته تلك الحكومة عن نفسها وقالت: لا، نحن بدنا سلطة بدنا خلافة. يعني عبر تاريخ الاسلام هيك بتقولوا مصطفى صبري. هل في هناك حكومة إسلامية ربنا يسر لها الجمع بين السلطنة والخلافة بتيجي بتحكي لها: احنا بدناش الخلافة، اعطوها لغيرنا ونحن بدنا بس السلطنة؟ إلا هؤلاء الكماليون هم الذين فعلوا ذلك.
طيب ليه؟ هذه في إشارة واضحة أن الكماليين جاؤوا بأجندة مختلفة عن الدين. نعم. واشتركوا كذلك في اتهام الشيخ ومن يذهب مذهبه بأنهم إنما يزورون فيما يذهبون إليه من توثيق الكماليين عن الهوى وعن الشهوات. وذهب بعضهم إلى أن نزع سلطة المدنية من يد الخليفة قد عزز نفوذه الإسلامي، لأنه لم يعد خاصاً بأمة واحدة بل صار ملكاً مشتركاً للمسلمين جميعاً.
قال: ومن أبرز ما كتب في الرد على مقال مصطفى صبري السابق، مقالة لمحمد شاكر بداه بالثناء على أبطال الشرق الجمالية الرجال للمجلس الوطني الكبير وحماة الإسلام في أنقرة. هيك سماه. نعم.
وهو يهاجم فيه السلطان وحيد الدين الذي اهتم بالإنجليزية ويذكره بكيدهم للمسلمين في الحرب الأخيرة، حين أعلن الخليفة محمد رشاد نداء يدعو فيه المسلمين للجهاد، فكان جوابهم أن جردت مصر تحت الضغط الإنجليزي ومعونة أصدقاء بريطانيا من رجال الحكومة المصرية في ذلك العهد جيشاً جرا -يقولون بملء أفواههم إنه يبلغ المليون ومئتي ألف جندي- قال: وحارب هذا الجيش المصري وخليفة المسلمين في العراق وسوريا وفلسطين وكاليبولي وفي الأراضي الحجازية المقدسة، حتى هزموا خليفتهم، ووقف المستر لويد جورج في البرلمان الإنجليزي يهنئ المارشال اللنبي بأنه قد حاز فخار النصر في آخر حرب صليبية.
هكذا وقف المصريون المسلمون في وجه خليفتهم، وهكذا وقف سواهم المسلمين الهندي وغير الهندي في من أنصار بريطانيا. وهكذا فعل مسلمو تونس والجزائر ومراكش وسواهم من أنصار فرنسا.
ويصل الكاتب من هذا العرض الطويل لأعمال الحلفاء إلى إبراز ما ينطوي عليه استسلام سلطان وحيد لهؤلاء الأعداء من جرم ومن خيانة المسلمين، ثم يشير إلى المنشور الذي إذاعه قبل مغادرة الأسداني ودعا فيه المسلمين بوصفه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم لمناهضة الكماليين.
ويعقب الكاتب على هذا المنشور بقوله: يذيع هذا المنشور في الأستانة وحيد الدين ابن عبد المجيد -عمله الله بما يستحقه- وهو على أهبة السفر مغادراً ملك آبائه وأجضاده ملتجئاً إلى دولة بريطانيا، معلناً أنه بصفته خليفة المسلمين يطلب الحماية الإنجليزية، ولا يستحي من الله ورسوله ولا من الشعب الذي وجه إليه هذا النداء ولا من الأمم الإسلامية التي يزعم أنه يتكلم باسمها كخليفة لرسول الاعظم صلى الله عليه وسلم، ولا يشفق على تاريخ آبائه وأجضاده ولا على التاج الذي دنسه بالالتجاء إلى وضعه تحت العمادة الأجنبية. فسحقا لمدنسي شرف الإسلام وعز الأوطان حيث كانوا، ثم سحقاً سحقاً.
ثم يتساءل الكاتب: أفلا يجدر بالمسلمين بعد هذا أن يفكروا في قلب هذا النظام العتيق رأساً على عقب، حتى ينقذوا الإسلام والمسلمين من هذه الكوارث، وحتى يضعوا حدا لتصرفات بلاط الشاهاني والباب العالي في الشؤون الإسلامية العامة؟ ويذكر المسلمين بما آل إليه أمرهم على يد هؤلاء الخلفاء مع هذا بلاط الشاهاني والباب العالي اللي هي كانت ألقاب الخلافة العثمانية. نعم.
قال: بعد أن تمخضت الحرب التي زجوا بهم فيها عن خسارة كل عواصم الإسلام؛ خسروا عاصمة الإسلام الأولى منذ أسست دولة الميت في دمشق، وخسروا عاصمة الإسلام الثانية منذ تأسست الدولة العباسية في بغداد، وخسروا بيت المقدس والمسجد الأقصى الذي كان في الإسراء والذي أراق الإسلام في طهرته وتقديسه أسمى الدماء ومهج الأبطال في صدر الإسلام إلى عهد الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي.
وخسروا الحرمين الشريفين بعد أن صار الحسين بن علي ظل الإنجليز، وخسروا مصر كنانة الله في أرضه بعد أن وضعت تحت الحماية البريطانية، وكاد يخسر عاصمة العواصم الإسلامية على ضفاف البوسفور والدردنيل وهي البقية والباقية للإسلام من دور الخلافة العظمى الكبرى بعدما خسر الإسلام عواصم تونس والجزائر ومراكش وطرابلس وعواصم أخرى لا تعد ولا تحصى في مشرق الأرض ومغاربها.
ويعزو الكاتب للكماليين فضل إنقاذ الأستانة مما كانوا يراد بها، ويعتبرهم قدوة لأربعمئة مليون من المسلمين. كيف أنتم حميتم إسطنبول؟ تمام من أن تسقط الأستانة اللي هي مضيق البوسفور ما هي إسطنبول أنه كانوا الكماليين سبب في حمايتها بعد أن كادت أن تسقط -لا هي سقطت، هي إسطنبول فعليا سقطت في يد الكماليين، هذا سقوط وإن لم تسقط نعم في يد عدو خارجي لكنها سقطت في يد العلمانيين-. نعم.
محال أن يظلوا هكذا يقتل بعضهم بعضاً تحت استعباد المستعمرين باسم الوصاية والحماية والانتداب والمعاهدة والتدرج في سبيل الحكم ذاته كما يريد المضللون. ويختم ما قاله بالإقرار للأستانة بزعامة العالم الإسلامي والإقرار لآل عثمان بالخلافة، ولكنه لا يرضى أن يظل العالم الاسلامي كله مرناً بإرادة فرد، فمنبع الحركة وسكونه هو العالم الإسلامي والخليفة مظهر لهذه الإرادة لمبعها. وفي اعتقادي أن رجال المجلس الوطني الكبير في أنقرة إنما قصدوا إلى تحقيق هذه الغايات الشريفة حينما وحيد.
إذا أرادوا العملية آه وقرروا انتخاب ولي عهده عبد المجيد بن عبد العزيز خليفة المسلمين فبايعوه بالخلافة، وبايعه المسلمون في مشرق الأرض ومغاربها، وقالوا: الحمد لله الذي هذا ما كنا نتدو الله. بايعوا عبد المجيد بن... طبعا مصطفى كمال كان يضحك عليهم يعبث بهم، حط لهم واحد شرفي وهو الذي يتولى الحكم فعلياً.
وبينما الناس في مصر مشغولون بتبرير تصرفات مصطفى كمال أتاتورك والدفاع عما ابتدعه في الخلافة من فصل الدين عن السلطة حين جردها عن السلطة وفصلها عن الدولة، إذ بهم يفاجؤون ويفاجأ معهم العالم الاسلامي بماذا؟ نعم بالرجل الذي يضعون فيه ثقتهم وآمالهم ويجتهدون في حمل تصرفاتهم المريبة على أحسن الوجوه، يكشف القناع فجأة عن وجهه ويسفر. كشف كمال الدين القناع عن وجهه نعم.
ويسفر عن حقيقة نواياه فيلغي الخلافة فجأة، مصطفى كمال يلغي الخلافة حتى في إسطنبول، ألغاها رسمياً عام 1924. نعم.
قال: ويطرد خليفة وآله، ويطرد شايف عبد المجيد اللي حطه ابتداء، طرد عبد المجيد وكل جماعته نعم، ويطرد الخليفة وآله وأسرته جميعاً إلى خارج حدود تركيا بعد أن جردهم من كل أملاكهم وأموالهم.
قال: وارتفع صوت شوقي عند ذاك بقصيدة قوية لا يكاد يعدلها في حرارتها وفيما صرت عنه من عاطفة صادقة إلا قصيدته في سقوط أدرنة. قال: بكى شوقي في هذه القصيدة الخلافة التي ماتت حين ظن الناس أنها قد استقبلت عهداً جديداً كله عزة، فارتفع صوت الباكين يعلنون موتها المفاجئ في صخب المحتفلين بعرسها، وكفنوها في ثوب الزخاف بين جزع الجازعين وذهول الذاهلين وعبرات الضاحكين.
وذكر أبيهته، قال: ويغمر الحزن الشاعر عندما يذكر هذا المجد الذي بناه المسلمون خلال القرون فحطمه رجل مفتون حين أسكرته خمر النصر وحين فتنه الغرور وأخرجه عن وعيه، فأفتى في الدين بمثل الجرأة التي يفتي بها في ميادين القتال.
كانت الخلافة تجمع الداخلين في سيادتها على البر وتحملهم على شرع الله الذي يحقق لهم السعادة، وكانت تجمع البعيدين النازحين مما يخضعون لسلطانها من المسلمين في مشرق الأرض ومغاربها، فتأتلف عليه قلوبهم ويلتقي عندها حنينهم وتجتمع لديها وترتفع إليها في الأرض شكايتهم.
لذلك كان سخط الشعر عظيماً على الذين ألغوها، فهو يهاجم مصطفى كمال في عنف لا يعدله إلا تحمسه له بالأمس؛ فمن أجل الإسلام وحده قد مدحه يوم ذاك، ومن أجل الإسلام وحده يهاجمه اليوم. نعم، فكما قلنا عادوا الذين امتدحوه في الأمس بعد أن عرفوا حقيقته وهاجموه اليوم. نعم.
ويختم الشاعر قصيدته بما يشبه أن يكون اعتذاراً عما تورط فيه بالأمس من مدح مصطفى كمال حين أحسن به الظن، فيقول إنه قد كان طول حياته مخلصاً للخلافة لأنها العروة الوثقى التي تجمع أمر المسلمين، وقد ظن بالكماليين الإخلاص للإسلام وخلافته، ثم رأى انحرافهم فهاجمهم ولم يص في الحالين إلا عن حبه للخلافة التي سيظل لها وفياً ما عاش. ثم يحذر المسلمين من الفتنة التي يوشك أن يتورط فيها ملوكهم وأمراؤهم حين يتنازعون منصب الخلافة ويتنافسون عليه.
قال: ولم يمحرم أقل من شوقي حزناً وصدق عاطفة في القصيدة التي كتبها بهذه المناسبة والتي يقول فيها أبياته. والشاعر شديد الضيق في هذه القصيدة بالسياسة التي لا ضمير لها والتي تدوس تحت أقدامها كل الحرمات في سبيل تحقيق أهدافها، منتحلة أعجب الأعذار متلونة تلون الحرباء متخفية في مختلف الأزياء.
قال: ويتعزى الشاعر في آخر القصيدة بأن الخلافة التي ألغيت كان أمرها قد آل إلى أن تصبح شبهاً مهزولاً ورسماً محيلاً، قال بعد أن خذلها حسين بن علي وصحبه فمكنوا بها وطعنوها في صميمها، وهي التي كانت تغيث المستغيث من المسلمين وتنصرهم على طغاة المستعمرين.
قال: أما عبد المطلب فقد فاجأه النبأ المروع عند البيت السادس من قصيدته، هذا مقامك شاعر الإسلام فقِف القريضة على أجل مقام، وكان يتهيا فيها تمجيد الكماليين في انتصارهم على اليونان فانقطع به الخيال وجمد في يده القلم، فوقف عند هذا القدر معقباً بقوله وكان السبب في وقوف جمود القريحة فجأة، إذ فاجأتنا اخبار انحراف... يعني انصدموا الناس بمصيبة. ظنوا أن أحد أبطال الإسلام إذا بهم يتفاجؤون أنه أحد الخونة بل هو الخائن الأكبر في العصر الحديث. نعم.
وأخذ الذين ناصروا مصطفى كمال بالأمس وأحسنوا به الظن يعتذرون عما ساقوا إليه من مدح ويبرؤون من صنيعه ويبالغون في ذمه ومهاجمته مثل مبالغتهم في الاعتذار عنه وغلوهم في مدحه من قبل. فكتب الشيخ محمد حسنين مقالاً لمهاجمتهم يعتذر فيه عن مدحه يوم الأمس، وكتب محب الدين مقالاً عنيفاً يعجب فيه للكماليين الذين ألغوا الخلافة وهي ليست ملكاً لهم وحدهم لأنها خلافة المسلمين والترك لا يتجاوز عددهم جزئين من مئة جزء من المسلمين، وكتب الشيخ محمد شاكر مقال في المقطم يصور ما يشعر به من خيبة الأمل، وقد اخذت ضربات الكماليين تتوالى. نعم.
شيخنا هو أبوهم أبو أحمد ومحمود والله لا أدري إذا هو ممكن نعم.
وقد أخذت ضربات الكماليين تتوالى محاولة قطع كل الصلات التي تربط تركيا بالإسلام والمسلمين، فهو يقول: خليفة يخلع، وخلافة تلغى، وأموآل تصادر، وأوقاف تضم إلى أملاك الدولة، وتعليم ديني يمحى، ومحاكم شرعية تغلق، وأسرة عثمانية تطرد من آفاق البلاد وتحرم حتى من جنسيتها التركية.
فما معنى هذه العاصفة الهوجاء؟ عاصفة الجنون التي تهب على العالم الإسلامي في مشارق الأرض ومغاربها من عاصمة الجمهورية التركية بقرارات جمعية الوطنية في أنقرة. رحم الله زمناً كنا نعطف فيها على هذه الفئة أبان تمردها على السلطات العثمانية وهي تجلد جلاد الابطال لطرد الأعداء من الأندول وزحزحة الخلفاء عن الخلافة. والله يشهد أن الذي حد بنا إلى العطف على هؤلاء المتمردين إنما هو الإشفاق على الخلافة.
العظمى أن تبتدأ إليه يد المهنة والاستدلال، وهي البقية والبقية من مجد الإسلام وعز النبوة الأول، وهي العزاء الوحيد الذي كنا نتعزى به في نكبات الأيام وصروف الليالي. عجيب أمر هؤلاء الذين تسللوا في جنح الظلام إلى كهف الأناضول، وظلوا يهتفون باسم الإسلام حتى حازوا فخر النصر، كيف ارتدوا على أدبارهم يحاربون الإسلام بأسوأ أداة ملكتها أيديهم في أعز عزيز على العالم الإسلامي، وهو نظام الخلافة؟
ويقول أمين الرافعي في مقال له بصحيفة الأخبار مصوراً فظاعتهم التي تتعارض مع مبادئ الأخلاق والإنسانية: وقد ذهبوا إلى جلالة الخليفة في ساعة متأخرة من الليل وأمروه بالجلوس فوق العرش، وبعد أن تُلِيَ عليه قرار العزل أنزلوه وساروا به في سيارة إلى الحدود ومنها إلى سويسرا. فعلوا به ذلك في جنح الظلام لأنهم يعلمون أنهم يرتكبون جريمة شنيعة، ومن أجل ذلك أيضاً تراهم يعقدون محاكم التفتيش في أنحاء البلاد، ويخولونها سلطة الحكم بالإعدام ليملؤوا النفوس إرهاباً حتى لا تثور على قرارهم.
وكان من أعرَف ما نشرته الصحف في هذه المناسبة ومن أقواها، مقال لكاتب لم يصرح باسمه نشرته صحيفة الأهرام في صفحتها الأولى تحت عنوان: يا غربة الإسلام في موطنه. وفيه يقول: ما رُمي الإسلام بسهم أوهى لجلده، واوهن لعضده، وأدمى لكبده، من هذا السهم الذي رماه به الكماليون أحنى ما كان، وأشد ما كان. ما كان سكينة واستسلاماً إليهم ما استطاع أعداء الإسلام أشد ما كانوا به ائتماراً، وأعد ما كانوا عليه عدواناً، وأصدق ما كانوا رغبة في الكيد له؛ كيدَ فيه أن يبلغوا منه ما بلغه هؤلاء الكماليون على مرأى ومسمع من المسلمين جميعاً.
فإقدام الكماليين على إلغاء الخلافة أكبر جريمة في عهد هذه الدولة على الدولة، وأشنع جريمة في تاريخ الإسلام على الإسلام. فأي شر يحسب هؤلاء الملحدة أنهم إلى غير الخلافة يدفعون؟ وأي خير يظنون أنهم للدولة بذلك يجلبون؟ لقد نقضوا موثقاً أخذته عليهم ثمانية قرون وبعض قرن، واطرحوا أمانة حملوها كل ذلك على هذه العتب، وخرجوا للمسلمين بتبعَة لم يخرجهم منها أحد.
وحاولوا عبثاً أن يحلوا بيعة بعنق كل مسلم في الأرض معقودة؛ لقد جردوا أمير المؤمنين من القوة التي تقوم بها إمارته بدعوة الفصل بين سلطتين، وما أرادوا إلا الفصل بين عهدين: عهد الدين الذي استدبروه، وعهد الإلحاد الذي استقبلوه. ثم صرح الشر عن محضه، وتكشفت النية عن خبثها، فإذا هم يلغون الخلافة برأيهم، ويخرجون بالخلافة من مقر خلافة في جنح الليل كأنهم استحيوا أن يواجهوا بجريمتهم وضح النهار، فودوا لو استطاعوا أن يخفوا جريمتهم عن مسلمي الأمصار.
ثم يتكلم في بقية مقاله عن ركوب الكماليين متن الشطط وتقليدهم الثورة الفرنسية تقليداً أعمى، ويقترح إرسال وفود من سائر بلاد المسلمين إلى أنقرة لإقناع الكماليين بخطر مسلكهم، في الوقت الذي يمضي فيه المؤتمر المقترح عقده في مصر في تدبير الأمر.
طيب، نقف اليوم عند هذا القدر، وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، الله المستعان.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل